النص المفهرس

صفحات 81-100

مے
( شرح خطبة المصنف )
يدل على الحَدَث خاصّةً ( مطلقاً ) أَى
ذِكْرًا مطلقاً، وهو عندهم ما دلَّ على
الماهِيَّة بلاقَيْدٍ أَو بكسر اللام ، أى حالة
كونى مُطْلِقاً له غير مقيِّدٍ بشىء (أَو)
ذكرت الفعل (الماضى) وهو ما دل على
حدث مقترن بزمن ماض (بدون) أَی
بغير (الآتى) وهو المستقبل وهو المضارع
(ولا مانعَ) هناك (فالفِعْل) الماضى أَو
المضارع كائن ( على مثال كَتَب )
کنصر ، أی علی وزنه ، وهذا الباب
أحد الدعائم الثلاثة ، ويقال له الباب
الأَوّل من الثلاثى المجرَّد ، والمانع من
الضم فى مضارعه أربعة :
أحدها أن یکون فیعینه أولامہ حرفٌ
من حُروف الحلق ، فإن الباب فيه
الفتح، وربما جاء على الأصل ، إما على
الضم فقط، كقولك سَعَلَ يَسْعُل، ودَخَل
يَدخُل، وصرَخ يصرُخ، ونفَخ ينفُخ،
وطبخَ يطُبُخُ، وإما على الكسر فقط
نحو نَزْع ينزِعِ، ورجّع يرجع،
ووأل (١) يئِلِ، وهو فى الهمزة أُقلّ،
وكذلك فى الهاء، لأنها مُسْتفِلة فى
(١) في المطبوع ((ووثل)»
الحلق ، وكلماسَفل الحرف كان الفتح له
ألزم، لأَن الفتح من الألف والألف أقرب
إلى حروف الحلق من أُختيها ، وربما جاء
فيه الوجهان إما الضمُّ ، والفتح ، وإِما
الكسر والفتح، فأما ما جاء فيه الضم
والفتح فقولهم : شحَبَ يشحَب
ويشحُب، وصلَح يصلَح ويصلُح، وفرَغ
يفرَغ ويفرُغ، وجنَحِ يجنَحُ ويجنُح،
ومضَغ يمضَغ ويمضُغ، ومخَض بمخّض
ويمخُض ، وسلَخ يسلَخ ويسلُخ ، ورعَف
يرعَف ويرعُف ، ونَعس ینعَس ويَنْمُس
ورعدت السماء تَرْعَد وترعُد، وبرأ من
المرض يبرأ ويبرُؤُ ، قال أبوسعيد السيرافى:
لم يأت مما لام الفعل فيه همزة على فعَل
يفعُل بالضم إلا هذا الحرف، ووجدت
أَنا حرفين آخرين وهما: هَنَأَ الإِبل
يهنُؤُها بالضم ويهْنَأُها إذا طلاها بالهِناء
وهو القطرَان ، وقرأَ يقرَأَ ويقرُؤْ،
حکاهما ابنُعُدیس فی کتابالصواب،
وأما ماجاء فيه الوجهان الكسر والفتحٍ
فقولهم زّر الأسد يزَر ويزئِرٍ ، وهنا
يهِىْ ويهنَأُ، إذا أعطى، وشحَج البغل
يشحَج ويشحج، وشھَق الرجل یشھَق
٨١

( شرح خطبة المصنف )
ويشهِقِ ، ورضَع يرضَع ويرضِع ، ونَطح
الكبش ينطَح وينطِح، ومنح يمنَح
ويمنِيح، ونبَح ينبَح وينبِح، وربما
: استعملت الأَوجه الثلاثة ، قالوا نحَت
ينحَت وينحِت وينحُت ، ودَبَغَ الجلد
يدبَغْه ويدبِغِه ويدبُغه ونَبَغ الغلام
ينبَغْ وينبِغ وينبُغ إذا علا شبابُه وظهر
كَيْسُه، ونَهق الحمار ينهَق وينهِقِ وينهُق ،
ورجَح الدرهُم یرجَحْ ویرجِح ويرجُح ،
ونجَل جسمه يَنْحَل وينخِل وينخُل ،
ومَخَض اللبن مخَضه ويمخِضُهُ وبِمِخُضِه ،
وهَنَّأَ الإِبِل ، إِذا طلاها بالقَطِرَانِ فِهويهنُؤُها
ويَهِنِها وَيَهْنَأَها ، ولغا الرجل فهو يَلْغِى
ويَلْغُو ويَلْغَى، عن الفرّاءُ فى كتاب
اللغات، ومحى الله الذنوب يمْحُوها
ويمحيها ويَمحاها ، وسَحَوْتُ الطين عن
الأَرض أَسحَاه وأَسحُوه وأَسحِيه،
والكَسر عن القَزّاز، وشحَحَت أَشَحٌ
وأَشُحُّ وأَشِحُّ إِذا بخلت ، والفتح عن
ابن السيد فى مُثلّثه . هذا حكم حرف
الحلق إن وقع عيناً ، كذا فى بُغية
الآمال للإمام اللغوى شارح الفصيح أبى
جعفر اللبْلىّ رحمه الله تعالى .
والمانع الثانى أن يكون واوىّ الفاء
كَوَعَد، فَالقياس: فى مضارعه الكسر،
كوعَد ووَزَن، تقول فى مضارعهما
يَعِدِ ويَزِن ، وقياس كلّ فعل على هذا
الوزن ما عدا فعلاً واحداً فقط، وهو
وَجَدَ يَجُد بضم الجيم من يَجُد ، والمشهور
يَجِدِ بالكسر ، قال سيبويه : وقد قال
ناس من العرب وجَدٍ يَجُدِ، بالضم ،
کأَنھم حذفوها من یوجد، وهذا لایکاد
يُوجد فى الكلام ، قال أبو جعفر اللبلى:
وعلى الضم أَنشدوا هذا البيات لجرير :
لَوْ شِئْتِ قَدْ نَقع الفُؤَادَ بِشَرْبة
تَدَعِ الصَّوَادِى لاَتَجُدْنَ غَلِلاَ(١)
ثم قال : وإِنما قِلَّ يجُد بالضم كراهَة
الضمة بعد الياء، كما كرهوا الواو
بعدها ، وإن كان لامه حرفاً من حروف
الحلق نحو وضع ووقَع فإن مضارعه
يأتى بالفتح وحذف الوو إلا فى كلمة
واحدة وهی وَلَغ یلِغ، فإنه قد حكى
بفتح الماضى وكسر المستقبل ، والمشهور
يَلَغ بالفتح ، وهذا قد أَغفله شيخنا مع
تصرّفه فى علم التصريف.
(١) ديوان جرير ٤٥٣
٨٢

( شرح خطبة المصنف )
والمانع الثالث أن يكون الفعل
معتلاً بالياء ، فإن مضارعه حينئذ يجىء
بالكسر فقط ، ولا يجىء بالضم ، سواء
كان متعدّياً، نحو قولك كان زيد
الطعام يكتبله وذَمهُ يَذِه، أم غير متعدُ،
كقولك عَال يَعِيل وصار يَصير.
والمانع الرابع أن يكون الفعل معتل
اللام بالياء، فإن مضارعه حينئذ أيضاً
عَلَى يفعل مكسورًا، سواء كان متعدّيا،
نحو قولك ◌َهَى زيدٌ الأَسدَ يَرْمِه ،
ونمَى زيد الشىءَ يَنْميه ، أَى رَفَعه ،
أَو غير متعدُ، نحو قولك سَرَى يَسرِى
وهَمَت عينُهُ تَهْمی .
فهذه الأُمور الأَربعة موجبةٌ لمنع
المضارع من الضم .
( وإذا ذكرت) الماضى وذكرت
(آتيَه) متصلا به (بلا تَقْيِيد) أَى
بلا ضبط ولا وزن (فهو) أى الفعل
(على مِثال ضَرَبَ) بفتح العين فى
الماضى وكسرها فى المضارع ، وهو الباب
الثانى من الثلاثى المجرد المطّرد وثانى
الدعائم الثلاثة (على أنى أذهب ) وأُختار
وأعتقد وأَميل (إلى ما قال) إِمام الفن
( أَبو زيد) مشهور بكنيته ، واسمه
سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن
أبى زيد وقيل ثابت بن زيد بن قيس
ابن النُّعمان بن مالك بن ثعلبة بن
الخزرج الأَنصارى اللغوىُّ النحوىّ ،
أَخذ عن أبى عمرو بن العلاء، وعنه
أَبُو عُبَيْد القاسمُ بن سلَّم ، وأبو حاتم
السجستانى، وأَبو العيناء، وكان ثقةً
من أهل البصرة، قال السيوطى فى
المزهر : وكان أبو زيدٍ أَحفظَ الناس
للّغة بعد أبى مالِكٍ، وأَوسعهم روايةٌ ،
وأكثرهم أَخذًا عن البادية ، وقال ابنُ
مِنادِرٍ : وأَبو زيدٍ من الأَنصارٍ ، وهو
من رُوَاةِ الحَدِيث ، ثِقِةٌ عندهم مأُمُونٌ.
قال أبو حاتم عن أبى زيد : كان
سيبويه يأتى مجلسى وله ذُؤابتان ، قال :
فإذا سمعته يقول : وحَدَّثنى من أَثق
بعربيته فإِنما يريدنى، ومن جَلالة أَبِى
زيد فى اللغة ما حدَّث به جعفر بن
محمد ، حدّثنا محمد بن الحسن الأزدى
عن أبى حاتم السجستانى، عن أبى زيد
قال : كَتَب رجلٌ من أَهلِ رَامَهُرْ مز إِلى
الخليل يسأله كيف يقال ما أَوْقفك
٨٢

( شرح خطبة المصنف )
ها هنا ومن أَوْقفك، فكتب إليه: هما
واحد. قال أبو زيد: لقينى الخليل
فقال لى فى ذلك فقلت له ؛ إِنما يقال
مَنْ وَقَفَك، ومَا أَوقفك، قال: فرجع
إلى قولى، وأَما وفاته وبقيّة أسانيده
فقد تقدّم فى المقدّمة . ويوجد هنا فى
بعض النسخ بعد قوله أبو زيد( وجماعة ))
أى ممن تبعه ورأى رأيه (إِذا جاوزت)
أنت أيها الناظر فى لغة العرب ( المَشَاهِر)
جمع مشهور، وهو المعروف المتداول
(من الأَفعال) وهى الاصطلاحية (التى
يأتى) فى الكلام (ماضيها) الاصطلاحى
(على فَعَل) بالفتح ولم تكن عينه
أَو لامه حرفاً من حروف الحلق ، ولا
تعرف مضارِعِه كيف هو بعد البحث
عنه فى مظَانّه فلا تجده (فأَنت فى
المستقبل) حينئذ ( بالخيار) أى مخيّر
فيه ( إِن شئت قُلْت يَفْعَلُ بضمٌّ العين ،
وإن شئت قلت يفعل بكسرها ) وفى
نسخة ((بكسر العين )) فالوجهان جائزان :
الضمُّ والكسر . وهما مستعملان فيما
لا يُعْرَف مستقبله ومُتساويان فيه ،
فكيفما نطقت أصبت، وليس الضم
أولى من الكسر ، ولا الكسر أولى من
الضم، إذ قد ثبت ذلك كثيرًا، قالوا
حشَر يحشِرِ ويحثُر ، وزِمَر يزمِر ويزمُّر،
وقَمَرَ يقمِرِ ويقمُر ، وفَسَق يفسِقِ
ويفسُّق، وفسَد يفسِدِ ويفسُّد، وحسَر
يحسرِ ويحسُّر ، وعَرَج يُعرِجَ ويعرُجِ،
وعگف يعكِفِ ويعكُّف، ونفَرینفِ وینفُر
وغدَر يغدِرِ ويغدُر ، وعثَر بعثِرِ وبعثُر ،
وقدَر يقدِرِ ويقدِّر ، وسفَك يسِفِك
ويسفُك إلى غير ذلك مما يطول إيراده، وفيه
لغتان . وفى البغية : قالأبوعمر إسحاقبن
صالح الجَرمى، سمعت أبا عبيدة مَعمَر
ابن المثنَّى يروى عن أبى عمرو بن العلاء
قال : سمعت الضم والكَسْر فى عامّة هذا
الباب، لكن ربما اقْتُصرِ فيه على وَجْهٍ
واحدٍ لا بدَّ فيه من السماع، ومنهم من
قال جواز الوجهين الضمّ والكسر إنما
يكون عند مجاوزة المشاهير من الأفعال ،
وأما فى مشهور الكلام فلا يتعدّى ما أَتَت
الروايات فیہ کسْراً، کضربیضرب ،
أو ضما نحو قتل يقتُل ، ويريدون
بمجاوزة المشاهير أَن يَرِدِ عليك فِعِل
لا تعرف مُضارعَه كيف هو بعد البحث
٨٤

ء
( شرح خطبة المصنف )
عنه فى مظانِّه فلا تجده ، ومجاوزة
المشاهير ليست لكل إنسان ، وإنما هى
بعد حفظ المشهورات ، فلا يتأتى لمن لم
يدرس الكُتب ولا اعتنى بالمحفوظ أَن
يقول قد عدمت السَّماع فيختار فى اللفظة
يفعِلِ أَو يفعُل، ليس. له ذلك، وقال
بعضهم إذا عُرف أن الماضى على وزن
فعل بفتح العين ولم يعرف المضارع ،
فالوجه أن يجعل يفعل بالكسر، لأنه
أكثر ، والكسرة أخف من الضمة ،
وكذا قال أبو عمرو المطرز حاكياً عن
الفراء إِذا أَشكل يفعُل أَو يفعِل فبتْ
على يفعل بالكسر ، فإنه الباب عندهم،
قلت : ومثله فى خاتمة المصباح، وقد
عقد له ابنُ دريدٍ فى كتاب الأبنية من
الجمهرة باباً، ونقله ابن عُصفور
وغيره، قال شيخنا : ومقالة أبى زيد
السابق ذكرها قد ذكرها ابن القُوطية
فى صدر كتابه ، وكذا ابنُ القطاع فى
صدر أفعاله مبسوطاً ، والشيخ أبوحيان
فى البحر،وأبو جعفر الرُّعینی فی اقتطاف
الأزاهر ، ثم إنه قد وجد بعد هذا
الكلام زيادة، وهى فى نسخة شيخنا
وشرح عليها كما شرح المناوى وغيره .
( و) من المحاسن الدالّة على حسن
اختصاره أَن ( كلّ كلمة عرَّيْتها) أَى
جرَّدتها (عن الضبط) فيه بأَنلم أَتعرض
لها بكونها بالفتح أو الضم أو الكسر
(فإِنها بالفتح) فى أوله ، فإِهمالهامن
الضبط هو ضبطها ( إلاّ ما اشتهر
بخلافه اشتهارًا رافعاً للنزاع ) أَى
الخصومة (من البَيْن) فإِنه على ما هو
المشهور فى ضبطه ، وفى الفقرة التزام ، وهذه
النسخة ساقطة عندنا من بعض الأُصولِ
ولذا أَهملَها المحبُّ بن الشحنة والبدر
القرافى وغيرهما ، كما قاله شيخنا .
قلت : ولو أهملها من أهمل فلا خلاف
أنها من اصطلاح المصنف وقاعدته ،
كما هو مشهور (وما سوى ذلك) مما
ذكرنا من التعرية عن الضبط والتقييد
(فأُقيّده) من الإِطلاق ( بصريح الكلام)
أَى خالصه وظاهره، أَو أكتبه بالكلام
الصريح الذى لا شُبهة فيه ولا اختلال
ولا كناية ، حال كونى (غير مُقْتَنع)
أى غير مكتف ولا مجتز (بتوشيح
القلام) بالکسر جمع قَلَم، وهو مقیس
٨٥

( شرح خطبة المصنف )
كالأقلام ، أى لا يقنع بمجرّد ضبط
القلم، أَى وضع الحركة على الحرف،
لأَن ذلك عُرْضة للترك والتحريف،
وهذا من كمال الاعتناء ، ووشّحه
توشيحاً : ألبسه الوشاح على عاتقه ،
مخالفاً بين طَرَفيه ، ويأتى تمامه، والفقرة
فيها الالتزام والجناس المحرّف اللاحق
(مكتفياً بكتابة) هذه الأحرف التى
اخترعها واقتطعها من الكلمات التى
جعلها أَعلاماً لها فى اصطلاحه ، وهى
(ع دة ج م) وهى خمسة (عن قولى:
موضع، وبلد، وقرية ، والجمع ،
ومعروف) فالعين والدال والهاء من آخر
الكلمات ، والجيم والميم من أوائلها ، لئلا
يحصل الاختلاط ، وفيه لفّ ونشر مرتّب
(فتلخّص) أى تبين الكتاب واتضح
( وكُلُّ غَثِّ) وهو اللحم المهزول ، ومن
الحديث : الفاسد ( إن شاء الله تعالى)
جاءَ بها تبركا ( عنه ) أى الكتاب
(مَصروف) أَى مدفوع عنه، وقدمه
اهتماماً ومناسبة للفقرة ،وفيها الالتزام ،
قالشيخنا : وضابط هذه جمعه المصنّف
بنفسه فی بیتین ، نقلهما عنه غیر واحد
٨٦
من أصحابه وهما :
وَمَا فِيهِ مِنْ رَمْزٍ فَخْسَةُ أَخْرُفٍ
فِيمٌّ لمُعْرُوفٍ وعَيْنُ لموضِعِ
وجِيمٌ لجَمْعٍ ثم هَاءٌ لِقَرْيَةٍ
وللبَلَدِ الدَّالُ التى أُهْمَلَتْ فَعِى
وفى أَزهارِ الرياض للمقْرِىّ.
ومافيهِ مِنْ رَمْزٍ بِحرْفٍ فَخَمْسَةٌ .
ونسبهما لعبد الرحمن بن معمر
الواسطى : وقد ذَيَّل عليهما أَحدُ الشعراء
فقال :
وَفِ آخرِ الأَبْوَابِ وَأوْ وياؤْهَا
إِشارةُ وَاوِىٌّ وَيَائِيُّهَا اسْمَعٍ
واستدرك بعضهم أيضاً فقال :
وَمَا جَاءَ فى القَاموسِ رَمْزًا فِسِنَّةٌ
لموضِعهم عَيْنٌ ومَعْرُوفٍ المسيمُ
وجَجَّ لجمْعِ الجَمْعِ دَالٌ لِبَلْدةٍ
وقَرْيْتُهُمْ هائٌ وَجمْعُ لِه الجِيمُ
ونقل شيخنا عن شيوخه ما نصه :
ووجد بهامش نسخة المصنف رحمه الله
تعالی بخللّه لنفسه
إِذَا رُمْت فى القاموس كَشْفَاً لِلَفْظَةِ
فَآخِرُها لِلْباب والبَدْءُ لِلْفَصْل
ء

( شرح خطبة المصنف )
ولا تَعْتَبِرْ فِى بَدْئِها وأَخِرِهِا
مِزِيدًا ولكِنَّ اعَتِبَارَكِ للأُصْلِ
وقد تقدّم ما قيل فى اصطلاح
الصحاح ، فهذه أمور سبعة جعلها
اصطلاحاً لكتابه، ومَيَّزه بها اختصارًا
وإيجازًا ، وإن كان بعضُها قد سبقه
فيه كالجوهرى وابن سيده .
الأوّل : تمييزه المواد الزائدة بكتابة
الأحمر .
الثانى : تخليص الواو من الياء .
الثالث : عدم ذكر جمع فاعل المعتل
ما أُعِلّ منه .
الرابع : إتباع المذكر المؤنث بقوله
وهى بهاء .
الخامس : الإشارة إلى المضارع مضموم
العين هو أو مكسورها عند ذكر الآتى
وعدم ذكره.
والسادس: حَمْلِ المُطلق على ضَبْط
الفتح فى غير المشهور.
والسابع : الاقتصار على الحروف
الخمسة .
ويجوز أن يجعل قوله ((وماسوى ذلك
فأُقيده)) اصطلاحاً ثامناً، ليطابق عدد
أبواب الجنان .
قال شيخنا : وله ضوابط واصطلاحات
أُخر تعلم بممارسته ومعاناته واستقرائه .
منها : أَن وسط الكلمة عنده مُرتب
أيضاً على حُروف المعجم كالأ وائل
والأَواخر . قلت ، وقد أَشرت إِلى ذلك
فى أَوّل الخطبة ، ومثله فى الصحاح
ولسان العرب وغيرهما.
ومنها : إِتقان الرباعيات والخماسيات
فى الضبط ، وترتيب الحروف ، وتقديم
الأَوّل فالأَوّل .
ومنها : إذا ذكرت الموازين فى كلمة
سواء كانت فعلاً أَو اسماً يقدّم المشهور
الفصيح ولاء ثم يتبعه باللغات الزائدة
إِن كان فى الكلمة لغتان فأكثر .
ومنها : أنه عند إيراد المصادر يقدم
المصدر المقيس أَوّلا ثم يذكر غيره
فى الغالب .
ومنها أَنه قد يأتى بوزنين متّحدين
فى اللفظ فيظُنُّ من لا معرفة له بأسرار
الألفاظ ولا باصطلاح الحفاظ أَن ذلك
تكرارٌ ليس فيه فائدة، وقد يكون له
٨٧

( شرح خطبة المصنف )
فوائد يأتى ذكرها ، وأقربها أنه أحياناً
يزن الكلمة الواحدة بزُفر وصُرَد ،
وكلاهما مشهور بضم أَوّله وفتح ثانيه ،
فيظهر أنه تكرارٌ ، وهو يشير بالوزن
الأول إلى أنه علم فيعتبر فيه المنع
من الصرف، وبالثانى إلى أنه جنس لم
يُقْصد منه تعريف ، فيكون نكرةً
فيصرف، و کذلك یزِن تارةً بسحاب
وقطام وثمان وما أشبه ذلك .
ومنها : أنه إنما يعتبر الحروف الأصلية.
فى الكلمات دون الزوائد، ومن ثم خفى
على كثير من الناس مراجعة ألفاظ مزيدة
فيه ، نحو التوراة والتقوى ، وكثير
من الناس يحاجى ويقول: إن المصنف
لم يذكر التقوى فى كتابه، أى بناء
على الظاهر .
ومنها : أنه عند تصدّيه الذكر الجموع
أيضاً يقدم المقيس منها على غيره فى
الغالب ، وقد يهمل المقيس أحياناً اعتمادًا
على شهرته ، کالبوادى، وقد يترك غيره
سهوًا، كما نبينه .
ومنها : أنه يقدم الصَّفات المقيسة
أوّلاً ثم يتبعها بغيرها من المبالغة أو
غيرها ، ويعقبها بذكر مؤنثها بتلك
الأوزان أو غيرها ، وقد يفصل بينهما ،
فیذ کر أوّلاً صفات المذكر ، ويتبعها
بمجموعها، ثم يذكر صفات المؤنث،
ثم يتبعها بمجموعها، على الأكثر.
ومنها : أنه اختار استعمال التحريك
ومحرَّكا فيما يكون بفتحتين، كجبلٍ
وفَرَح ، وإطلاق الفتح أَو الضم أَو
الكسر على المفتوح الأُوّل فقط أو
المضمومِ الأَوّل فقط ، أَو المكسور
الأوّل فقط ، وهو اصطلاحلگثیر من
اللغويين .
فهذه نحو عشرة أُمور إنما تؤخذ من
الاستقراء والمعاناة، كما أشرنا إليه.
انتھی .
(ثمإنی نبهت فیه ) أَی القاموس( علی
أشياء) وأُمورٍ (رَكِبَ) أى ارتكب إمام
الفن أبو نصر ( الجوهرىّ رحمه الله .
ٹعالی) وهی جملة دعائية (فیھا(١) خلاف
الضُّواب) وغالب ما نبّه عليه فهو من
تكملة الصاغانى وحاشية ابن بَرِّى
وغيرهما ، وللبدر القرافى بهجة النفوس
(١) ((فيها: مقدمة في القاموس بعد (وركب))
٨٨

١
( شرح خطبة المصنف )
فى المحاكمة بين الصحاح والقاموس
جمعها من خطوط عبد الباسط البلقيني.
وسعدی أفندى مفتى الديار الرومية ، وقد
اطلعت عليه، ونحن إن شاء الله تعالى
نورد فى كل موضع ما يناسبه من
الجواب عن الجوهرى ، حالة كونى
(غير طاعٍ) أى دافع وواقع وقادح
(فيه ) أَى الجوهرىّ (ولاقاصدٍ بذلك)
أَى بالتنبيه المفهوم من قوله نبهت
(تَنْدِيدًا) أَى إِشهارًا (له) وتصريحاً
بعيوبه وإسماعه القبيح (و) لا (إزراءً)
أُی عیباً (علیه و ) لا ( غضًّا منه) أَی
وَضْعا من قدره (بل) فعلت ذلك
( استيضاحاً للصواب ) أَى طلباً لأَن
يتضح الصواب من الخطأ(واستِرْباحاً
للثواب) أَى طلباً للرِّبح العظيم الذى
هو الثواب من الله تعالى، وفى الفقرة
الترصيع والتزام ما لا يلزم، وقدم
الاستيضاح على الاسترباح لكونه الأهم
عند أُولى الألباب (وتحرُّزًا) أى تحفظاً
(وحَذَرًا) محركة ، وفى نسخة حِذاراً
ككتاب، وكلاهما مصدران أى خوفاً
( من أَن يُنْمَى) أَى يُنسب (إِنَّ
التصحيف ) قال الراغب : هو رواية
الشىء على خلاف ما هو عليه لاشتباه
حروفه (١) . وفى المزهر : قال أبو العلاء
المعرىُّ: أَصل التصحيف أَن يأُخذ
الرجلُ اللفظَ مِن قراءَتِهِ فى صحيفةٍ ولم
يكن سَمِعِه من الرّجال فيغيّره عن
الصَّوَاب ( أَوْ يُعْزَى) أَى ينسب (إِلىَّ
الغَلَط ) محرَّكة ، هو الإِعياء بالشىء
بحيث لا يَعرف فيه وجْهَ الصواب
(والتحريف) وهو التغيير، وتحريف
الكلام : أن تجعله على حَرْف من
الاحتمال ، والمحرَّف: الكلمة التى
خَرَجَت عن أصلها غلطاً، كقولهم
للمشئوم مَيْشوم. ثم إِن الذى حذر منه
وهو نسبة الغلط والتصحيف أَو
التحريف إليه فقد وقع فيه جماعةٌ من
الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث،
حتى قال الإمام أحمد : وَمَنْ يَعْرَى عن
الخَطَلِ والتصحيف؟ قال ابن دريد:
صحّف الخليلُ بن أحمد فقال: يوم
بغاث ، بالغين المعجمة ، وإنماهو بالمهملة ،
(١) في مفردات الراغب (صحف) والتصحيف قراءة
المصحف وروايته على غير ما هو الاشتباه حروفه
٨٩

( شرح خطبة المصنف )
أورده ابن الجوزى ، وفى صحاح
الجوهرى : قال الأصمعى: كنت فى
مجلس شعبه فروى الحديث قال :
تسمعون جَرْش طير الجنة . بالشين
المعجمة ، فقلت : جَرْس ، فنظر إِلىّ
وقال : خذوها منه، فإِنه أعلم بهذا
نا . وقال الحافظ أبو عبدالله محمد بن
ناصر الدمشقى فى رسالة له : إن ضبط
القَلَمْ لا يُؤْمَن التحريفُ عليه، بل
يتطرَّق أَوْهَامَ الظانِّين إليه، لاسيمامن
علمه من الصحف بالمطالعة ، من غير
تُلَقُّ من المشايخ، ولا سؤال ولا مراجعة .
زقرأت في كتاب الإيضاح لما يُستدرك
الإصلاح كتاب المستدرك للحافظ زين
الدين العراقى بخطه نقلاً عن أبى عمرو
أبن الصَّلاح ما نصّه : وأَما التصحيف
فسبيل السَّلامة منه الأَخذ من أفواه أَهلِ
بالعلم والضبط ، فإِن من حُرم ذلك وكان
أَخِذُّهُ وتعلُّمه من بطون الكتب كان
من شأنه التحريف ، ولم يُفلِتْ من
التبديل والتصحيف ، والله أعلم .
( على أَنى لو رُمْتُ ) أَى طَلبت
( للنّضال) مصدر ناضَلَه مُنَاضلَةٌ إِذا
بَارَاه بالرَّمْىِ ( إِيتَارَ القَوْس) يقال
أَوْتَرِ القوْسَ إِذا جعل له وَتَرًا (لأَنشدت)
أَى ذكرت وقرأت ، وقد تقدم فى المقدّمة
أنه يقال فى رواية الشعر أَنشدنا وأخبرنا
(بيتَىْ) مُثَنَّى بَيْت (الطائىِّ) نسبة إلى
طيّئُ كسيّد، على خلاف القياس، كما
سیأتی فی مادته ، وهو أبو تمام(حَبیب
ابن أَوْس) الشاعر المشهور ، صاحب
الحماسة العجيبة ، التى شرحها المرزوقى
والزمخشرىّ وغيرهما ، وهو الذى قال
فيه أَبو حَيّان، أنا لا أَسمع عَذلاً فى
حبيب ، ويقال : إِنه كان يحفظ عشرة
آلاف أرجوزة للعرب غير القصائد
والمقاطيع ، وله الديوان الفائق المشهور
الجامعُ لحُرّ الكلامِ ودُرِّ النظام، ولد
بجَاسم ، قريةٍ من دمشق سنة ١٩٠،
وتوفى بالموصل سنة ٢٣٢ وقيل غير
ذلك ، والبيتان اللذان أَشار إليهما
المصنف قد قدَّمنا إنشادهما آنفاً، هذا
هو الظاهر المشهور على ألسنة الناس ،
وهكذا قرَّر لنا مشايخنا ، قال شيخنا :
ويقال إن المراد بالبيتين قول
أَبی تمام :

وشرم خطبة المصنف )
فَلَوْ كَانَ يَفْسَ الكِّْرُ أَقْهِمَ وَرَّتْ
حَاصُكْ مَهُقَ الْعُصُورِ الذْوَأَهب
ولَكْفُهُ صَوْبُ العَقُولِ إِذَا الْجَنَّتَه
سَحَتْبُ مِنْهُ أَعْقِتُ بِسَحَالِب١ٍ
ثم قال : وهذا الذي كان يرجحة
شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن
الشاذل رضى اللهعنه ، ويستبعد الأول
ويقول : يقبح أن بنمثل به أولاً
صريحاً ثم يشير إليه ثانياً تقديراً
وتلويحاً ، وهو فى غاية الوضوح
لأنه يُؤدّى إِلى التناقض الظاهر،
وارتضاه شيخنا الإِمام ابن المسناوىّ ،
وعليه كان يقتصر الشيخ أبو العباس
شهاب الدين أحمد بن على الوجارى ،
رضى الله عنهم أجمعين . والفقرة فيها
التزام ما لا يلزم ( ولو لم أَخْشَ) قال
الراغب : الخشية : خوفٌ يشوبه
تَعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علمٍ
مما يخشى منه (٢). وسيأنى ما يتعلق به
فى مادّته ( مَايَلْحق المُزَكَِّ نَفْسَه)
تزكيةُ الشاهد : تطهيرُه من عوارض
(١) ديوانه ١ : ٢٢١ - ٢٢٢ وفي الأصل أعقبه سحائب
فيكون فيه قراء والتصويب من الديوان
(٢) في مفردات الراغب مادة (خشى) ((عن علم بما يخشى منه»
باقة اليجـ
وقال : -
بان
الأَود
واقتح .
التثمار
قَبِمَةُ
مَا هُمْتَ أَ ثْدة
والعدس
(من الكغرفا
٤
الخيانة : وسياق فى
وسبقت إليه الاســ
(والدمات) هو من
الشراح والحطُون معنا
بل هو الذَّان. الذى
(١) سورة كشمس ١
(٢) سورة النجم ٣٣

( شرح خطبة المصنف )
الذَّامِ، وهو العَيْب، وقال بعضُهم :
الدَّمَان كسَحاب من معانيه السَّرقين
ويُراد به لازِمُه ، وهو الحَقارة ، هذا هو
المناسب هنا ، على حسب سَماعنا من
المشايخ ، وفى بعض الأصول بكسر
المهملة أو ضمها وتشديد الميم ، مَصدرٌ
من الدعَّامة وهى الحَقارةِ (لتمثَّلْت)
يقال تمثّل بالشعر إِذا أَنشده مرَّةً بعد
مرَّةٍ (بقول) أبى العلاء (أحمد بن)
عبد الله بن (سُليمان) بن محمد بن
أحمد بن سليمان المعَرِّىّ التنوخىّ
القُضاعىّ اللغوىّ ، الشاعر المشهور،
المنفرد بالإمامة ، ولد يوم الجُمعة لثلاث
بقين من ربيع الأَوّل سنة ٣٦٣ بالمعرّة ،
وعمى بالجُدَرِىّ، وكان يقول إنه
لا يعرف من الألوان غير الحُمرة ، وتوفی
فى الثالث من ربيع الأول سنة ٤٤٩
( أديب ) وهو أَعَمُّ من الشاعر ، إِذ
الشِّعْرِ أَحدُ قُنون الأدب، وهو أبلغ فى
المدح، وأَضافه إلى ( مَعَّرّة النّعمانِ )
لأنها بلدته، وبها وُلد، وهى بينحَلبٍ
وحَماة، وأُضيفت إلى النِّعمان بن بشيرٍ
الأنصاریّ، رضی الله عنه، فنُسپت إليه
وقيل : دفن بها ولَدٌ له، والقولِ الذى
أشار إليه هو قوله من قصيدة
ومطلعها :
وَإِنِى وإِن كُنْتُ الأَخِرَ زَمَانُهُ
لآت بما لم تَسْتَطِئْه الأَوائِلُ (١)
أَلاَ فِى سَبِيلِ المَجْدِ مَا أَنَا فَاعِلُ
عَفَافُ وإِقِبَالٌ وَمَجْدٌ ونَائِلُ
وفى الفقرة الالتزام والجناس التامّ
بين مَعرّة والمعرَّة ( ولكنى أقول كما قال)
الإِمام (أَبو العباس) محمد بن يزيد
ابن عبد الأَكبر الثَّمالىّ الأَزدىّ البصرىّ
الإِمام فى النحو واللغة وفنون الأدب
ولقبه (المبرّد) بفتح الراء المشدّدة عند
الأكثر ، وبعضهم یکسر ، وروى عنه
أنه كان يقول برّد الله من بَرّدنی، أخذ
عن أبىعُثمانَالمازنىّ وأبى حاتم السجستانى
وطبقتهما، وعنه نفطَویْه وأصحابه ،
وكان هو وثعلب خاتمة تاريخ الأدباء،
ولد سنة ٢١٠ وتوفى سنة ٢٨٦ ببغداد
(فى) كتابه المشهور الجامع وهو (الكامل)
وقد جعله ابن رشیق فی العمدةمن أُر كان
الأدب التى لا يَسْتَغنِ عنها مَنْ يُعانى
١٥
(١) شرح مقامات الحريرى !
٩٢
:
ء

( شرح خطبة المصنف )
الأدب ، وله غيره من التصانيف
الفائقة، كالمقتَضَب والرَّوْضة وغيرهما
(وهو القائِلُ المحقّ) وهذه جملة اعتراضية
جىء بها فى مدح المبرد بين القول
ومقوله وهو (ليس لِقِلَم العَهْد) أَى
تقدُّمه، والعَهد : الزمان (يَفْضُل) أَى
يزيد ويكْمُل (الفائل) بالفاء، وضبطه
القرافى وغيره بالقاف كالأَوّل، وهو
غلطٌ ، فَالَ رَأْيُه كباع فهو فائِلُه ، أَى
فاسدُه وضَعِيفه (ولا لِحِدْثَانِهِ) هو
كحِرْمان أَى القرب ، والضمير إلى
العهد (يُهتَضَم) مبنيًّا للمجهول ، أَى
يُظلَم ويُنتَقص من هَضَمَه حَقَّه إِذا
نقصه ( المُصِيب ) ضد المخطئُ
(ولكن) الإِنصاف والحق أَن (يُعطى
كلٍّ) من فائِلِ الرأى ومُصِيبه (ما يستحق)
أَى ما يستوجبه من القبول والردّ ،
ومثل هذا الكلام فى خُطبة التسهيل
ما نصه، وإذا كانت العُلوم منِحاً إلهية
ومواهب اختصاصِيّة، فغير مُستبعَدٍ أَن
يُدَّخَر لبعض المتأخرين ما عَسُر على
كَثير من المتقدِّمين، والمعنى أَن تَقدُّمَ
الزمان وتأَخُّرَه ليست له فضيلةٌ فى
نفسه، لأَن الأَزمان كلها متساوية ، وإِنما
المعتبَر الرجالُ الموجودون فى تلك الأَزمان ،
فالمصيب فى رأيه ونقله ونقدهلا بضرّه
تأَخِّرُ زمانِهِ الذى أَظهره الله فيه ،
والمخطئ الفاسدُ الرأْىِ الفاسِهُ الفهمِ
لا ينفعه تقدُّم زمانه ، وإِنما المُعَاصرة
كما قيل حِجَابٌ، والتقليد المَحْضُ
وَبَالٌ على صاحِبِهِ وعذاب ، أَنشدنا
شيخُنا الأديب عبد الله بن سلامة المؤذن:
قُلْ لمَن لا يَرَى المعاصِرَ شَيْئاً
ويَرَى لِلأَوائِلِ النَّقْدِيِمَا
إِن ذاك القديمَ كانَ حَدِيثاً
وسَيُسْمَى هذا الحديثُ قَدِيِمَا (١)
وأنشدنى أيضاً لابن رشيق :
أُولِع الناسُ بامتداحِ القَدِيِمِ
وَبِذَمِّ الجَدِيِدِ غَيْرِ اللَّمِيمِ
لَيْسَ إِلاَّ لأَنَّهُمْ حَسَدُوا الحَىَّ
وَرَقُوا عَلَى العِظامِ الرَّحِيمِ(٢)
(١) هذان البيتان في رسائل البلغاء ٢٥٣ ضمن مقامة
لابن شر ف القير وانى منسوبان له ، وهو معاصر لابن
رشيق .
(٢) وهذان البيتان أيضا في رسائل البلغاء ٢٥٣ منسوبان
لابن شرف القيروانى وليسا لابن رشيق وهما أيضاً في
شرح مقامات الحريرى ١ : ١٥ لابن شرف وجاءا
في عنوان المرقصات ٣ بدون نسبة
٩٢

( شرح خطبة المصنف )
النقباء
كله النظر بعين
ين * برعم ، فإن
ـكن هو المقصود من
المتاحة القول
فتة العلم
.، أَى آثرات ( كِتَاب)
- (الجوهرى المسمى
بالتوجه إليه
اخصوض أمن بين
المصنفات المنسوبة
كالثياب والحكم
راقبات والعين وغيرها (مع
: أى اكثرها، يقولون :
قل هو الغالب ، أى الأكثر
الدمٍ، لكنه قد يتخلّف،
ـارع فإنه المقيس الذى
لا يختلٌ ﴿ مِن الأوهام) جمع وَهَم
محركة، كالغَلَط وزناً ومعنى (الواضحة)
أى الظاهرة ظهورًا بيِّناً لا خفاء فيه
كَوَضَحِ الصَّبْح ( والأغلاط) جمع غَلَط
قد تقدم معناه (الفاضحة ) المنكشفة فى
نفسها، أو الكاشفة لصاحبها ومرتكبها
(لِتَدَاوُله) بين الناس ، أى علماء الفن،
كما فى بعض النسخ هذه الزيادة ، وهو
حُصول الشىء فى يَدِ هذا مرَّةً وفى يد
الآخر أُخْرَى ، وتداولوه : تناولوه
وأَجْرَوْه بينهم ، وهو يدلّ على شهرته
ودورانه. وفى نسخة أُخرى ((لتناوله))
وهو أَخذ الشىء مُنَاوَبَةً أَيضاً ( واشتهارِهِ)
أی انتشاره ووضوحه (بخُصُوصه )أَی
خاصّته دون غيره ( و) لأجل ( اعتمادٍ
المدرّسين) كذا فى نسخة المناوى والقرافى
وميرزا على الشيرازى ، وقاضى كجرات
أَى استنادهم ورُكُونهم (على نُقُوله)
جمع نَقْل مصدر بمعنى المفعول ، أَى
المنقول الذى يَنقله عن الثِّقات والعرب
العَرْباء ( ونُصُوصه) هى مَسائله التى
أُوردت فيه . وفى نسخة ابن الشحنة
(المتدرسين)) بزيادة التاء، وهو خطأ،

( شرح خطبة المصنف )
لأَن هذه الصيغةَ مُشِيرةٌ إلى التعاطى
بغير استحقاق ، وهو قد جعل الاعتماد
علّةً لاختصاصه من دون الكتب ، ولو
تكلف بعضهم فى تصحيحه کما
تكلّف آخرون فى معنى هذه الجملة ،
أُعنى اختصصت إلى آخرها بوجه
يَمجُّه الطبعُ السليم، ويستبعِدُه الذِّهْن
المستقيم ، فليحذر المطالع من الركون
إليه أَو التعويل عليه ( وهذه اللغة الشريفةُ)
من هنا إلى قوله ( و کتابی هذا )) ساقط فى
بعض النسخ ، وعليه شرح البدر القرافى
وجماعة ، لعدم ثبوته فى أُصولهم ، وهو
ثابت عندنا ، ومثله فى نسخة ميرزا على
والشرف الأحمر وغيرهما ، وهذه العبارة
من هنا إلى قوله ((مالك رِقّ العلوم ورِبِقة
الكلام )) مأخوذة من رسالة شرف إيوان
البيان فى شرف بيت صاحب الدِّيوان ،
وهى رسالة أنشأَّها بعض أدباء أَصْفهان ،
من رجال الستمائة والثلاثين ، باسم
بعض أمراء أَصفهان ونصُّها : تَهُبُّ
نَوَاسِمُ القَبُول، على رَيْحانَةِ الأَشعار
والفُصول، فيُناوِحِ سَحَرِىُّ شَمَالِهَا
شَمائِلِ المَحبوب ، ويُنْعِمِ نُعَامِى أُرضِها
بَالَ المكروب، تَرفَع الفقيرة غرب:
بانها أَحْيَانا، وتَصوغ ذاتٌ طَوفه
بِقَدْرِ القُدْرَةِ أَلْحاناً، ينحتّع بشجم
عَرارِها، وإن انساق إلى طَفَلِ الْعَشبه
مُتُونَ نَهارها، تَغْتَنِمِ خَيْلُ الطباع انتهاء.
نقْلٍ رياضها، وإن توانّتُ خُطَا طالبية
وتدَانَت كَرُوَيْحَات الفَجر فى انتهاضها .
إلى آخر ما قال ، غير أن المؤلف قد
تَصرَّف فيها كما ننبه عليه ( لم تَزْل (١)
ترفع العَقيرة) أَى الصوت مخففاً أو
خاصَّة بالغناء (غِرِيدة) بِالكسر، صفة
من غَرّد الطائر تغريدًا إِذا رفع صوته
وطَرّب به (بَانِها) شجرٌ معروف، أَى
لم تزل حمامةٌ أَشجارِها ترفع صوتها
بالغناء (وتصوغ) مِنِ صَاغه صَوْغَا إِذا
هَيَّأَه على مثالٍ مُسْتقيم، وأَصلحه على
أَحْسَن تَقْوِيم (ذاتُ طَوْقها ) أَنواع من
الطير لها أطواق كالحمام والفواخت
والقمارى ونحوها (بقَدْرِ) أَى بمقدار
(القُدْرَة) بالضم أَى الطاقة (فُنونَ) أَى
أنواع وفى نسخة صنُوف (أَلحانها) أَى
أصواتها المطرّبة، وعبّر بالصوغ إِشارة
(١) في القاموس: التى لم تزل»
١٥

(شرح خطبة المصنف )
إلى أنها تخترع ذلك وتنشئه إنشاء
بديعاً. ومُراد المصنف أنها إن شاءَ الله
تعالى لا تنقطع ولا بُدَّ لها مَن يقوم بها ،
وإن حصل فيها التقصير أحياناً ،
لعموم الجهل، وتعاطى العلوم من ليس
لها بأَهْل ، قال شيخُنا ولا يخفى ما فى
حذف المشبّه وذكر بعض أنواع المشبه
به كالغِرِّيدة وذات الطوق ، من الاستعارة
بالكناية والتخبيلية والترشيح ، وقد
يدّعى إثبات المشبّه أَوّلاً حيث صرّح
باللغة الشريفة ، فتكون الاستعارة
تصريحيّة ، وفيه الجناس المحرَّف
الناقصُ، وإيراد المثل، وغير ذلك من
اللطائف الجوامع (وإِن دارت الدوائرُ)
أَى أَحاطت النوائبُ والحوادث
والمصائب من كُلّ جهة ( على ذويها) أَى
أصحابها ، أى اللغة الشریفة، وفى شرف
إيوان البيان: ولا أَشئكِ تَحامُل
الدَّهرِ بإضاعة بِضَاعَة الأَدب ، وسَلْب
خَطَرِ المُقامرين على ذلك النَّدَب،
وتطّرق الخَلل إلى القشر دونِ اللَّبَاب ،
وموضوع اللفظ دون المعنى الذى هو مَغْزَى
الطلاب ، بل أقول دارت الدوائر على
العلوم وذويها ( وأُخْنَت ) أَى أَهلكت
واستولت، وفى نسخة قاضی کجرات
وبعض الأُصول التى بأيدينا ((أَنحت))
بالنون قبل الحاء المهملة ، معناه أقبلت ،
ومثله فى شرف إيوان البيان(على نَضَارَة)
بالفتح النعمة وحُسْن المنظر (رِيَاض)
جمع رَوْض سقط من بعض النسخ
(عَيْشِهِم) حياتهم أو ما يتعيَّش به
(تُذْوِيِها) أَى تُجفِّفها وتُيِبُّسها (حتى)
غاية لدَوَرَان الدوائر العارضة (لا لَهَا)
أی اللغة الشریفة (الیوم) أُی فی زمانه ،
ونص عبارة شرف إیوان البيان بعد
قوله ((تذويها)) فأَهملوا الفروع
والأُصول، واطَّرحوا المعقول والمنقول،
ورغبوا عن الصناعات دقيقِها وجليلها ،
والحكم جُمَلِهَا وتفاصيلها ، فغاضت
الشرائع بمسائلها ، وتركت مَدْلُولات
أحكام الفقه بدلائلها فلا (دارٍسٍ) أَى
قارئٌ ومشتغل به (سِوَى الطَّلَل) محركة :
ما شَخَص من آثار الدار (فى المَدَارس)
جمع مَدْرسة ، هى موضع الدُّراسة والقراءة،
وذلك عبارة عن قلة الاعتناء بالعلم
وانقراض أهله ، وهذا فى زمانه، فكيف
٩٦
.. :

( شرح خطبة المصنف )
بزماننا ، وقد روينا فى الحديث المسلسل
بالترحم أن السيدة عائشة أم المؤمنين
رضى الله عنها قالت: رحم اللهلَبِيدًا
كيف لو أدرك زماننا هذا حين أنشد
بین یدیها :
ذَهَبَ الذّينِ يُعَاشُ فى أَكْنَافِهِمْ
وبَقِيتُ فى خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ(١)
وأنشدنا غير واحد :
أَمَّا الخِيَامُ فإِنها كَخِيَامِهِمْ
وأَرى نِسَاءَ الحَىِّ غَيْرَ نِسَائِهَا (٢)
نسأل الله اللطفَ والستر ، إنه ولّ
الإِجابة والأَمر (ولا) لها (مُجَاوِب)
يردُّ لها جوابَهَا (إلاّ الصَّدَى) وهو
الصوت الذى يُسْمَع من أركان السُّقوف
والباب إذا وقع صِيَاحٌ فى جوانبها
(ما بَين أعلامِها) أَى علاماتها الكائنة
فيها ( الدَّوَارِسِ) أَى التى عفَتْ آثارها،
وكأن هذا مبالغة فى الإعراض عن العلم
(١) ديوانه ١٥٣ وفي الأغافى ١٧ : ٢٣ - حدثنا محمد
ابن جرير الطبرى قال حدثنا أبو السائب سالم بن جنادة
قال حدثنا وكيع ، عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن
عائشة أنها كانت تنشد بيت لبيد (البيت) ثم تقول: رحم
الله لبيداً كيف لو أدرك من نحن بين ظهْرَانَبْهم
(٢) تفسير القرطبى ١٩٦/٧ دار الكتب سنة ١٩٣٨ بلون
نسبة وفي معجم الأدباء ترجمة على بن أحمد الفالى ضمنه
في شعر له
وطلبه ، بحيث لو قدِّر أنه رجل طالب
يسأل من يأُخذه لا يُلْقَى له مجاوب
ولا يُوجَد له دَاع ولا مجيب، وفى
الفقرة التزام مالايلزم ، وزاد فى الأصل
بعد هذه العبارة إن اختلف إلى الفقهاء
محصل بيده التعليق فمسبّب الديوان
وحامل البروات ، أَو ألزم الحجة بطريق
التوجيه معاند فمستخرج مال القسمات ،
يقع الخلاف ولا منع إلا عن الحق
الصريح، ولا مطالبة إلا بالمال الجسيم،
ولا مصادرة على المطلوب إلا بضرب
يضطر معه إلى التسليم . إلى آخر ماقال
(لكن) استدراك على الكلام السابق ،
وعبارة الأَصل: ولو شئت لقلْت أَسْأَّرَت
شفاه الليالى من القوم بَقَايا، وأَخلفت
بواسقُ النخل ودَايَا ، بلى (لم يَتَصَوَّحْ)
أى لم يتشقق ولم يَجِفَّ، وصاح النبت
وصَوّح وتَصَوّحِ : يَبِس وجَفَّ ،
وظهرت فيه الشقوق (فى عَصْفِ) بفتح
فسكون أَى هبّ (تلك البَوَارِح) وهى
الرياح الشديدة الحارّة التى تهبّ بشدة
فى الصيف، والمراد بها تلك الحوادث
والمصائب ( نَبْتُ تلك الأَبَاطِح ) عبارة
٩٧

(شرح خطبة المصنف )
عن اللغة وأهلها على وجه الاستعارة
التخييلية والمكنية والترشيحية(أصلاً)
انتصابه على الظرفية ، أَى لم يتصوّح
وقتاً من الأوقات (وَرَاسا) هو فى نسختنا
بإثبات الهمز ، وسقطت عن غالب
الأُصول المصححة ، وهو على لغة بنى
تميم فإنهم يتركون الهمز لزُوماً، خلافاً
لمن زعم أن ترك الهمز إنما هو تخفيف،
قاله شيخنا ، والمراد أن تلك الدوائر التى
دارت على أهل اللغة لم تستأُصلهم
بالكلّيّة ، بل أَبقت منهم بقيّة قليلة ،
تنجح إذا سقتْها سحائبُ التدارُكِ ممن
يقيِّضه الله على عادته إحياء للدين
وعلومه ، وفى الفقرة ترصيح (ولم
تُستَلَبْ) أى لم تختلس ولم ينتزع ذلك
النبت الذى أُريد به اللغة، وهو من
الافتعال، وفى نسخة: ولم یتسلّب ، من
باب التفعَّل، فهو نظير لم يتَصَوّح،
ومثله فى شرف إيوان البيان ( الأَعْوَاد
المُورِقَةُ) أَى الأَغصان التى نبت عليها
وَرَقُها (عنآخرها) أَى بتمامها و كلها ،
وهذه الكلمة استعملها العرب قديماً.
وأرادت بها الاستيعاب والشمول (وإن
أَذْوَت) أَى أَجَفَّت وأَيْبَسَتْ (الليالى)
أَى حركاتها (غِرَاسا) جمع غَرْسٍ أَو
مفرد بمعنى المغروس ، كاللَّباس بمعنى
الملبوس ، وفى الفقرة التزام ما لا يلزم،
وهو الراء قبل الألف الموالية للسين التى
هى القافية ، وفى نسخة : وإن أُذوت
الألسنة ثمار الليالى غراسا (ولا تَتَساقَطُ
عن عَذَبات) جمع عَذَبة محركةفيهما ،
وهى الطَّرَف، وعَذَبة الشجرةِ غُصْنُها
كما سيأتى تحقيقه فى مادته (أَفنانِ)
جمع فَتَن، هو الغُصن (الألسنة) جمع
لِسانِ هو الجارحة ( ثِمارُ اللسان) أَى
اللغة، وفى الأصل البيان (العربِىّ)
منسوبة للعرب (ما اتَّقَتْ) أَى تحفّظت
(مُصادمَةَ) أَى مدافعة (هُوجٍ)) بالضم،
جمع هَوْجاء، وهى الريح العظيمة التى
تَقْلع البيوتَ والأشجار (الزَّعازِع) جمع
زَعْزَع، والمراد بها الشدائد ، وجعل ابنُ
عبد الرحيم الهُوجَ جمع هَوَج محر کة ،
وتمحَّل لبيان معناه ، وهو غلط (بمُنَاسَبَةٍ )
أى مشاكلة ومقاربة (الكتاب) وهو
القرآن العظيم كلام الله الذى لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،
٩٨

( شرح خطبة المصنف )
تنزيل من حكيم حميد (وَدَوْلَة النَّى)
صلى الله عليه وسلم، والمراد استمرار
الغَلَبة النبويّة ، قال: وهذه الفقرة
كالتى قبلها مُشعرة ببقاء هذه العلوم
اللسانية ، وأنها لا تذهب ولا تنقطع ولو
صادمتها الزعازع والشدائد، لأنها
قريبة ومشاكلة للقرآن العظيم، وللدولة
النبوية ، فكما أن القرآن والدولة
النبوية ثابتان باقيان ببقاء الدنيا ،
ولا تزال كلمة الله هي العليا ، ولا تزال
الدولة المحمديةصائلة ،فكذلك مايتوصّل
به إلى معرفة الكتاب العزيز وكلام النبى
صلى الله عليه وسلم لا يزال مستمرًّا على
مرور الزمان، وإن حصل فيه فتور
أحياناً، كما أن الاتقاء والتحفظ دائم
لا يزول ، فكذلك عدم التساقط ، وفى
الكلام من الاستعارات الكنائية
والتخييلية والترشيحية ، وفيه جناس
الاشتقاق والتزام ما لا يلزم ( ولا يَشْتَأُ)
أَى لا يبغض ( هذه اللغةَ الشريفةَ )
وعبارة الأَصل : فهى اللغة لا يَشنَؤُها
(إلَّ من اهْتافَ به) افتعل من الهَيْفِ
أَى رماه (رِيحُ الشقاء) أَى الشدة
والعسر وخلاف السعادة ، واستعار للشقاء
ريح الهَيْف ، لما بينهما من كمال
المناسبة فى الفساد الظاهر والباطن، لأَن
الهَيْفَ ريحٌ شديدة حارّة، من شأنها
أَن تُجَفِّف النبات وتُعطش الحيوان
وتُنشف المياه أَى مَنْ بَغَض اللسانَ العربىّ
أَدّاه بُغْضه إلى بُغْض القرآن وسُنّة
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك
كُفْرٌ صُرَاح، وهو الشقاءُ الباقى، نسأل
الله العفو (ولا يَختار عليها) غيرها من
العلوم قبل معرفتها (إلّ من اعتاض)
أى استبدل الريح (السافِيَة) بالمهملة
والفاء، وهى التى تحمل الترابَ وتُلقيه
فى وجهه وتَذرّه على عينيه (مِن) وفى
نسخة عن ( الشَّحْوَاء ) بفتح الشين
المعجمة وسكون الحاء المهملة ممدودًا ،
هو البئر الواسعة الكثيرة الماء الذى هو
مادّة الحياة ، قال شيخنا : وسمعت من
يقول: السافية: الأَرض ذات السَّفا،
وهو التراب ، والسَّجْواء بالجيم والسين
المهملة البئر الواسعة ، وكلاهما عندى
غير ثابت ولا صحيح ، انتهى .
قلت : وهذه النسخة أى الثانیة هینص
٩٩

.( شرح خطبة المصنف )
عبارة الأصل (أَفادَتْها) أى أعطتها
(مَيَامِنُ) أَى بركات ( أَنفاسِ المُستَجِنّ)
أَى المستتر والمراد به المقبور (بَطَيْبَةَ)
وهى المدينة المشرَّفة (طِيباً) أَى لذاذةً
وعِطْرًا، والمراد به النبى صلى الله عليه
وسلم (فشَدَتْ) أَى غَنَّت ورَنَّمت (بها).
أى اللغة (أيْكيَّةُ النُّطْق) هى الحمامة
ونحوها من الطيور التى لها شَدْوُ ، وغناء
نسبها إِلى الأَيك، وهى الغَيْضَة ، لأنها
تأُوِى إليها كثيرًا، وتتخذها مساكنَ
(على فَتْنٍ) محرّكةً: الغصنُ (اللسانِ)
هذه الجارحة (رَطيبا) أَى رَخْصاً لِيِّنَاً
ناعماً، وهو حال من الفَنَن، أَى أَن
هذا اللسان ببركات أنفاسه صلى الله
عليه وسلم لم تجفّ أَغصانُها ولم تزل
حمائمُ النطقِ تُغنِّى على أَغصان الألسنة
وهى رطبة ناعمة ، وفى الفقرة زيادة
على المجازات والاستعارات الالتزام
(يَتداولها القومُ) أَی یتناولها (مائَنَتِ
الشَّمَال) أَى عطفت وأَمالت ، والشَّمال:
الريح التى تهبُّ من الشأَم (مَعاطِفَ)
جمع مِعْطَف كمنبر: الرداء، والمراد
ما يكون عليه وهو القامة والجوانب
( غُصْن و) ما (مَرَت) أَى دَرّت
( الجَنوبُ) بالفتح الريحُ اليمانية
لبن (لِقْحَة) بالكسر : الناقة ذات اللبن
(مُزْن) بالضم هو السحاب، والإِضافة
فيه كلُجَيْنِ الماءِ: قال شيخنا : شبّه
الأَغصان بالقدود ، والمُزْن باللّقاح من
الإبل، والجنوب بصاحب إِبل يمريها
لیستخرج درها ، وأورد ذلك علىأكمل
وجه من المجاز والاستعارة الكنائية
والتخييلية والترشيح والمقابلة وغير
ذلك مما يظهر بالتأمل ( استظلالاً بدَوْلَة)
أَى دُخولا تحت ظلّ دولة، وفى الأصل
استظلالاً بدوحة (مَنْ رَفَعَ مَنَارَها)
وعَلَمَها ( فَأَعْلَى) وأَوضح منزلَتها
بحیث لا تخفی علی أحدٍ، وهو النبى
صلى الله عليه وسلم ( وذلٌ ) ضبطه
بعضهم مبنيًّا للمفعول ، والصواب مبنيا
للفاعل معطوف على الصلة ، أَى أَرشد
وهَدَى (عَلى) نَيْلِ (شَجرةِ الخلد) أَى
البقاء والدوام وهى أشجار الجنة ( ومُلْكِ
لا يَبْلَى) أَى سلطنة لا يَلحقها بَلاءُ
ولا فَناء والدَّالّ على ذلك هو النبى صلى
الله عليه وسلم على جهة النُّصْحِ للعباد،
١٠٠