النص المفهرس

صفحات 41-60

( ترجمة الفيروزبادى )
الحديث ، وليس المدار فى الاعتماد على
كثرة الجمع، بل على شَرْط الصحة .
قلت : وقوله ولم يصل واحد من
الثلاثة .. إلخ ، أى هذا بالنسبة إلى زمانه،
فأَما الآن فإِن القاموس بلغ فى الاشتهار
مبلغ اشتهار الشمس فى رابعة النهار ،
وقصر عليه اعتماد المدرسين ،وناط به
قُصْوَى رَغبةِ المحدّثين، وكثرت نسخه
حتى إنى حين أَعدت دَرْسه فى زَبيد
حرسها الله تعالى على سيّدنا الإِمام الفقيه
اللغوى رضى الدين عبد الخالق بن أبى
بكر الزبيدى الحنفى متع الله بحياته ،
وحضرت العلماء والطلبة ، فكان كل
واحد منهم بيده نسخة .
ثم قال : ومع كثرة ما فى القاموس
من الجمع للنوادر والشوارد ، فقد فاته
أَشياء ظفرت بها فى أثناء مطالعنى
لكتب اللغة حتى هممت أَن أَجمعها فى
جزء مُذيّلاً عليه .
قلت : وقد يُسِّر هذا المقصد للفقير ،
فجمعت ما ظفرت من الزوائد عليه فى
مُسْوَدَّة لطيفة ، سهل الله علىّ إِتمامها
وما ذلك على الله بعزيز .
﴿ المقصد التاسع ﴾
فى ترجمة المؤلف (١)
هو الإِمام الشهير أَبو طاهر محمد بن
يعقوب بن محمد بن يعقوب بن
إبراهيم بن عمر بن أبى بكر بن محمود
ابن إدريس بن فضل الله بن الشيخ
أبى إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف
قاضى القضاة مجد الدين الصِّدِّيقى
الفيروزابادى الشيرازى اللغوى ، قال
الحافظ ابنُ حجر : وكان يرفع نسبه
إلى أبى بكر الصدّيق رضي الله عنه ،
ولم يكن مدفوعاً فيما قاله . ولد
بكّارِزِين (٢) سنة ٧٢٩ ونشأً بها ، وحفظ
القرآن وهو ابن سبع، وكان سريع
الحفظ بحيث إنه يقول : لا أَنام حتى
أَحفظ مائتى سطر، وانتقل إلى شيراز
وهو ابن ثمان سنين، وأَخذعن والده ،
وعن القوام عبدالله بن محمود وغيرهما
من علماء شيراز، وانتقل إلى العراق ،
(١) قارة يقول عنه المؤلف وتارة يقول عنه المصنف
(٢) في المطبوع ((كازرين)) وهو تحريف وفي معجم البلدان
( کازرون ) مدينة بفارس بين البحر وشيراز. وفي
معجم البلدان ( كارزين ) بلد بفارس . هذا وكارزين
هي التى ولد بها صاحب القاموس كما في مادة كرز
في هذا النتاج
٤١

( ترجمة الفيروزبادى )
فدخل واسط وبغداد ، وأَخذ عن قاضيها
ومدرس النظامية بها الشرف عبد الله
ابن بكتاش، وجال فى البلاد الشرقية
والشلميّة ، ودخل بلاد الروم والهند.
ودخل مصر وأَخذ عن علمائها ، ولقى
الجمَّاءَ الغَفير من أَعيان الفضلاء ،
وأخذعنهم شيئاً كثيرًا بيّنه فى فهرسته ،
وبرع فى الفنون العلمية ولا سيما اللغة .
فتد برَّز فيها وفاق الأقران ، وجمع
النظائر ، واطلع على النوادر، وجود
الخَط ، وتوسع فى الحديث والتفسير ،
وخدمه السلطان أبو يزيد بن السلطان
مراد العثمانى، وقرأً عليه ، وأكسبه مالاً
عريضاً، وجاهاً عظيماً، ثم دخل زَبيد
فى رمضان سنة ٧٩٦ فتلقاه الملك
الأَشرف إسماعيل، وبالغ فى إِكرامه ،
وصرف له ألف دينار، وأَمر صاحب
عدن أَن يجهزه بألف دينار أُخرى ،
وتولى قضاءَ اليمن كلّه ، وقرأَ عليه
السلطان فمن دونه ، واستمرّ بزبيد
عشرين سنة، وقدم مكّة مرارًا، وجاوَرَ
بها ، وأقام بالمدينة المنورة ، وبالطائف
وعمل بها مآثر حسنة ، وما دخل بلدة
إِلا أَكرمه أهلها ومتولّيها وبالغ فى
تعظيمه ، مثل شاه منصور بن شاه شجاع
فى تبريز، والأَشرف صاحب مصر،
وأَبى يزيد صاحب الروم ، وأبن إدريس
فى بغداد، وتيمورلنك وغيرهم، وقد
كان تيمور مع عُتوّهِ يبالغ فى تعظيمه .
وأعطاه عند اجتماعه به مائة ألف درهم،
هكذا نقله شيخنا، والذى رأيته فى معجم
الشيخ ابن حجر المكى أَنه أعطاه خمسة
آلاف دينارٍ، ورام مَرّةً التوجُّهَ إِلى مكة
من اليمن ، فكتب إلى السلطان يستأذنه
ويُرغّبه فى الإِذن له بِكتاب من فصولهِ -
وكانَ مِنْ عادَةِ الخُلفَاءِ سلفاً وخلفاً.
أنهم كانوا يُبْرِدُون البريدُ بِقَصْد
تبليغِ سلامهم إلى حضرة سيّد
المرسلين - : فاجعَلْنِى - جَعلنى الله فداك -
ذلك البريد ، فإنى لا أَشتهى شيئاً سواه
ولا أُريد .
فكتب: إِليه السلطان .
إِن هذا شيءٌ لا ينطق به لسانى، ولا
يجرى به قلبى ، فبالله عليك إلا ماوَهَبْتَ
لنا هذا العُمر، واللهِ يامجدَ الدين يميناً
بارّة، إِنِى أَرى فِراقَ الدنيا ونعيمها
٤٢
.

٠
( ترجمة الفيروزبادى )
ولا فراقَك أَنت اليمن وأَهله.
وكان السلطان الأَشرف قد تزوّج
ابنته ، وكانت رائعة فى الجمال ، فنال
بذلك منه زيادة البِرّ والرِّفعة ، بحيث
إنه صنف له كتاباً وأهداه له على
طِبَاق ، فملأها له دراهم .
كان واسع الرِّواية ، سمع من محمد
ابن يوسف الزرندى المدنى صحيح
البخارى ، ومن ابن الخبّاز ، وابن القيم،
وابن الحموى ، وأَحمد بن عبد الرحمن
المرداوى، وأَحمد بن مظفّر النابلسى ،
والتقى السبكى، وولده التاج ، ويحيى
ابن على الحدّاد وغيرهم بدمشق ، وفى
القدس من العلائى، والبيانى، وابن
القلانسى ، وغضنفر ، وابن نباتة ،
والفارقى ، والعزّ بن جماعة ، وبكر بن
خليل المالكى ، والصفى الحراوى، وابن
جهبل، وغيرهم ، وله التصانيف
الكثيرة النافعة الفائقة ، منها هذا
الكتاب المسمى بالقاموس المحيط ،
وبصائر ذوى التمييزفى لطائف كتاب
الله العزيز، فى مجلدين، وتنوير
المقياس فى تفسير ابن عباس فى أربع
مجلدات ، وتيسير فائحة الإِهاب فى
تفسير فاتحة الكتاب ، فى مجلد كبير ،
والدر النظيم المرشد إلى مقاصد القرآن
العظيم ، وحاصل كورة الخلاص فى
فضائل سورة الإِخلاص ، وشرح قطبة
الخشاف فى شرح خطبة الكشّاف،
وشوارق الأَسرار العليّة فى شرح مشارق
الأَنوار النبوية ، فى أربع مجلدات ،
ومنح البارى لسيل الفيح الجارى فى
شرح صحيح البخارى ، كمل منه
رُبع العبادات فى عشرين مجلّدًا ،
والاسعاد بالإِصعاد إلى درجة الاجتهاد ،
فى ثلاث مجلدات ، وعدّة الحكام فى
شرح عمدة الأحكام ، فى مجلدين ،
وافتضاض السهاد فى افتراض الجهاد ،
فى مجلّدة، والنفحة العنبريّة فى مولد
خير البريّة، والصّلات والبُشَر فى
الصَّلاة على خير البشر، والوصْل والمُنَّى
فى فضل مِنى، والمغانم المطابة فى
معالم طابة ، وتهييج الغرام إلى البلد
الحرام ، وروضة الناظر فى درجة الشيخ
عبد القادر، والمرقاة الوفيّة فى طبقات
الحنفية، والمرقاة الأَرفعية فى طبقات
٤٣

( ترجمة الفيروز بادى )
الشافعية ، والبلغة فى تراجم أئمة النحو
واللغة ، ونزهة الأذهان فى تاريخ
أَصبهان، وتعيين الغرفات للمُعين على
عَرفات ، ومنية المسئول فى دعوات
الرسول، ومقصود ذوى الألباب فى
علم الإِعراب، والمتفق وضعا المختلف
صنعا ، والدر الغالى فى الأحاديث
العوالى، والتجاريح فى فوائد متعلقة
بأحاديث المصابيح، وتخبير الموشّين
فيما يقال بالسين والشين ، تتبع فيه
أوهام المجمل فى نحو ألف موضع (١).
والروض المسلوف فيما له اسمان إِلى
الأُلوف، وتحفة القماعيل فيمن تسمى
من الملائكة إسماعيل، وأَسماء السَّراح
فى أسماء النكاح، والجليس الأَنيس
فى أَسماء الخندريس، وأَنْواء الغيث
فى أسماء الليث، وترقيق الأسل فى
تصفيق العسل ، وزاد المعاد فى وزن
بانت سعاد ، وشرحه فی مجلدین ،
والتحف والظرائف فى النكت الشرائف،
(١) كتاب تجبير الموشين مطبوع سنة ١٣٢٧ ولا يبدو أنه
تتبع فيه أو هام المجمل وقد ذكر الفيروز بادى في مقدمته
أنه ألفهلناسبة قراءة لفظ ، بالشين والسين فاقتضى
ذلك تأليف الكتاب
:
وأَحاسن اللطائف فى محاسنَ الطائف ،
والفضل الوفى فى العدل الأَشرفى ، وإِشارة
الحجون إلى زيارة الحجون ، عمله فى
ليلة واحدة على ما قيل ، وفى الدرة من
الخرَزه فى فضل السلامة على الخبزه ،
وهما قريتان بالطائف. وتسهيل طريق
الوصول إلى الأحاديث الزائدة على
جامع الأصول . فى أربع مجلدات ،
صنفه للناصر ولد الأشرف، وأسماء
العادة فى أَسماء الغَادَهِ. وَالْلامع المعلم
العُجاب الجامع بين المحكم والعباب،
كمل منه خمس مجلدات ، وسِفر
السعادة ، وغير ذلك من مُطَوَّل ومختصر.
وتوفى رحمه الله ممتعاً بحواسِّه قاضياً
بزبيد، وقد ناهز التسعين ، فى ليلة
الثلاثاء المُوفية عشرين من شوّال سنة
سبع أَو ست عشرة وثمانمائة. وفى ذيل
أبن فهد: وله بضحٌ وثمانون سنة ،
ودفن بتربة القطب الشيخ إسماعيل
الجبرتى، وهو آخر من مات من الرؤساء
الذين انفرد كل واحدٍ منهم بفن فاق
فيه الأَّقران، على رأس القرن الثامن ؛
منهم السراج البلقينى فى فقه الشافعى ،

( ترجمة الفيروزبادى )
وابن عرفه فى فقه مالك ، والمجد اللغوى
فى أسرار اللغة ونوادرها، والذى فى
معجم ابن حجر المكى بعد البلقيني
الزين العِراقى فى الحديث، وابن الملقّن
فى كثرة التصانيف، والفَنارى فى
الإطلاع على العلوم ، ترجمه الحافظ
ابن حجر فى أَنباء الغمر، واقتفى أثره
تلميذه الحافظ السخاوى فى الضوء
اللامع ، والسيوطى فى البغية ، وابن قاضى
شهية فى الطبقات ، والصفدى فى تاريخه .
والمقَّرى فى أزهار الرياض .
ومن مفاخره ما قاله السّيوطى فى البُغية
أَنه سُئل بالروم عن قول سَيِّدنا علىّ
كرم الله وجهه لكاتبه ((أَلْصِقْ رَوَانِفَكَ
بِالجَبُوب، وخُذُ المِزْبَر بِشَنَاتِرِك واجعَل
خُندورَ تَيْك إلى قَيْهَلى حتى لا أَنْغِ نَغْيَةً إِلا
وقد وَعَيْنَها فِى حَمَاطَة جُلْجلانك)) مامعناه
فقال : ((أُلزِقِ عِضْرِطَكَ بالصَّلَّة ، وخذ
المسطر بأَباخسك، واجعل جحمتَيك إلى
أُثعبانى، حتى لا أَنْبِسِ نَبَسَة إلا وعَيْتها
فى لمظَة رِبَاطِك (١) )) فَعَجب الحاضرون من
(١) بها مش المطبوع ما يأتى: الروانف: المقعدة. والعضر ط :
الاست، والالزاق والالصاق واحد، والجبوب: الأرض
كالصلة بفتح الصاد وتشديد اللام ، والمزبر والمسطر
سرعة الجواب ، ومنها فى أزهار الرياض
فى أخبار القاضى عياض للمقرى .
ونقله عنه شيخ مشايخنا سيدى أحمد
زروق بن محمد بن قاسم البونى التميمى
فى كراسة إجازة له ما نصه : ومن أغرب
ما منح الله به المجد صاحب القاموس
أنه قرأَ بدمشق بين باب النصر والفرج
تجاه نَعْلِ النبى صلى الله عليه وسلم ،
على ناصر الدين أبى عبد الله محمد بن
جهبل صحيح مسلم فى ثلاثة أيام ،
وصرح بذلك فى ثلاثة أَبيات فقال :
قَرَأْتُ بِحَمْدِ اللّهِ جَامِعَ مُسْلِمٍ
بِجَوْفِ دِمَشْقِ الشَّامِ جَوْفاً لإِسْلاَمِ
عَلَى نَاصِرِ الدِّينِ الإِمام ابنِ جَهْبَلٍ
بحضرة حُفّاظِ مَشاهِرَ أَعْلَامٍ
وَتَمَّ بتوفيق الإِلِهِ وفَضْلِه
قِرَاءَةً ضَبْطِ فِى ثَلاثَة أَيَّامِ
قلت : وفى ذيل ابن فهد على ذيل
الشريف أبى المحاسن فى بيان طبقات
كمبر: القلم، والشناتر : جمع شفترة ما بين الأصابع
وهى الأباخس، والحندورة: الحدقة ، والجحمة العين:
والقيهل: الوجه كالأثعبان بضم الهمزة، ونبس كضرب:
نكذَّم فأسرع ، والنغية: النغمة ، والحماطة : سوداء
القلب أو حبته ، والجلجلان : القلب ، والمظة :
النكتة البيضاء في سواد والوداء في بياض ، والرباط
بالكسر : القلب ١هـ
٤٥

( أسانيد الزبيدى )
الحفّاظ ما نصه: وقرأَ الحافظ أبو الفضل
العراقى صحيحَ مُسلم على محمد بن
إسماعيل الخَبَّز بدمشق فى سِتَّة مجالس
متوالية ، قرأ فى آخر مجلس منها أَكثر
من ثلث الكتاب، وذلك بحضور
الحافظ زين الدين ابن رجب وهو
يعارض بنسخته ، وقرأت فى تاريخ
الذهبى فى ترجمة إسماعيل بن أحمد
الحيرى النيسابورى الضرير مانصه :
وقد سمع عليه الخطيب البغدادىّ مكة
صحيح البخارى سماعه من الكشميهنى
فى ثلاثة مجالس، قال : وهذا شىء
لا أعلم أَحدًا فى زماننا يستطيعه، انتهى.
﴿ المقصد العاشر }
فى أَسانيدنا المتصلة إِلى المؤلف
حدثنا شيخنا الإِمام الفقيه اللغوى
رضىّ الدين عبد الخالق بن أبى بكر
الزين ابن النمرى المزجاجى الزَّبيدى
الحنفى ، وذلك بمدينة زَبيد حرسها الله
تعالى بحضور جَمْعٍ من العلماء ،
بقراءتى عليه قدر الثلث ، وسماعى له
فيما قُرِئ عليه فى بعضٍ منه قال :
أذن لنا شيخُنا الفقيه عبد الفتاح بن
إسماعيل بن عبد الفتاح الخاص
السِّراج الحنفى، الزَّبيدى، والعلامة
علاء الدين بن محمد باقى المزجاجى
الحنفى الأَشعرى الزبيدى قالا : أخبرنا
الإِمام أبو الفداء إسماعيل بن عبد
الفتاح الخاص، وهو والد الأول قراءة
من الثانى عليه فى البعض، وإِجازة
منه فى سائره، وإِجازة للأَّوّل ومناولة
للكل عن والده فخر الدين عبد الفتاح
ابن الصدّيق بن محمد الخاص، وعمه
العلامة عبد الرحيم بن الصديق قالا:
أَخبرنا عمنا العلامة إِمام المدرسين
شرف الدين أبو الفداء إسماعيل بن
محمد الخاص ، وصِنْوُنَا العلاّمة وجيه
الدين أبو بكر ، وشيخ الإِسلام جمال
الدين أبو عبد الله محمد ، ابنا الصديق
ابن محمد الخاص قالوا : أخبرنا خاتمة
المحدثين واللغويين رضىّ الدين أَبو
محمد الصديق ، والعلامة شجاع الدين
أبو حفص عمر ، والعلامة نور الدين
أَبو عمر، وعثمان أَبناء محمد بن
الصدّيق الخاص السراج قالوا : أخبرنا
والدنا الحافظ المعمر شيخ الإسلام
٤٦

( أسانيد الزبيدى )
خاتمة المحققين جمال الدين محمد بن
الصدّيق بن إبراهيم الخاص السراج
الحنفى الزبيدى قال : أَخبرنا العلامة
شرف الدين أبو القاسم بن عبد العليم
ابن إِقبال القَرْيتى الخنفى الزبيدى ،
عن الإِمام المحدث الأصيل زين الدين
أبى العباس أحمد بن عبد اللطيف
الشرجى الحنفى الزبيدى قال : قرأته
على المؤلف. وهذا السند كما ترى مُسلسل
بالحنفية وبالزَّبيدِين، وأَجاز شيخَنا
المذكورَ فيه أيضاً شيخُ الجماعة
الشريف عماد الدين يحيى بن عمر
ابن عبد القادر الحُسينى الحرار الزبيدى ،
أَخبرنا المحدث اللغوى الفقيه حسن
ابن على بن يحيى الحنفى المكى،
أخبرنا عبد الرحيم بن الصدّيق الخاص
عالياً .
ح (١) وأَجازنى به أيضاً شيخى
الفقيه أبو عبد الله محمد ، ابن الشيخ
علاء الدين بن عبد الباقى المزجاجى ،
عن والده، عن أخيه عفيف الدين
عبد الله، عن العلامة عبد الهادى بن
(١) (ح)) رمز يراد به: حوّل السند إلى سند آخر
عبدالجبار بن موسى بن جنيد القرشى ،
عن العلامة برهان الدين إبراهيم بن
محمد بن جعمان ، عن الشريف الطاهر
ابن حسين الأهدل، قال : أخبرنا
شيخنا الحجة وجيه الدين عبد الرحمن
ابن على بن الديبع الشيبانى الزبيدى.
ح وأخبرنا شيخنا المحدث الأُصولى
اللغوى نادرة العصر أبو عبد الله محمد
ابن محمد بن موسى الشرفى الفاسى
نزيل طَيْبَة طاب ثراه فيما قُرِئ عليه
فى مواضع منه وأَنا أَسمع ومناولة
للكل سنة ١١٦٤ قال: قرأْته قراءةَ
بحثٍ وإتقان على شيخنا الإمام الكبير
أبى عبد الله محمد بن أحمد المناوى ،
والعلامة أبى عبد الله محمد بن أحمد
الشاذلى، وسمعت كثيرًا من مباحثه
وموادّه على شيخنا البركة نحوِىِّ العصرِ
ولُغوِّه أَبِى العباس أحمد بن على
الوجارى الأندلسى ، الثلاثة عن الشيخ
المسند أبى عبد الله محمد الصغير ، ابن
الشيخ الحافظ أبى زيد عبد الرحمن ،
ابن الإمام سيدى عبد القادر الفاسى ،
عن الإمام محمد بن أحمد الفاسى ،
٤٧

( أسانيد الزبيدى )
عن الإِمام النظار أبى عبد الله محمد بن
قاسم الغرناطي القيسى الشهير بالقصّار،
عن الإِمام أَبی عبد الله محمد الیسیتنی ،
عن علامة المغرب أبى عبد الله محمد بن
غازى المكناسى والعلامة أبى عبد الله
محمد الحطاب ، هما وابنُ الربيع عن
الحافظ أبى الخير شمس الدين محمد
ابن عبد الرحمن السخاوى
ح وزاد حسن بن على المكى عن
المحدث المعمّر أبى الوفاء محمد بن أحمد
ابن العجل بن العجيل الشافعى الصوفى
اليمنى ، عن إِمام المقام يحيى بن مكرم
ابن محب الدين محمد بن محمد بن
أَحمد الطبرى الحسينى، عن الإِمام
الحافظ جلال الدين أبى الفضل عبد
الرحمن بن أبى المناقب أبى بكر السيوطى ،
قال : أخبرنى به التقی محمد بن فهد ،
وأخوه ولى الدين أبو الفتح عطية ، وولداه
فخر الدين أبو بكر، والحافظ نجم
الدين عمر، والشرف إسماعيل بن أبى
بكر الزَّبيدى، والفخر أبو بكر بن
محمد بن إبراهيم المرشدى ، وأمين الدين
سالم بن الضياء محمد بن محمد بن
سالم القرشى المكى، وعلم الدين شاكر
ابن عبد الغنى بن الجيعان، والمحب
محمد بن على بن محمد المعروف بابن
الأَلواحى، ورضى الدين أبو حامد محمد
ابن محمدبن ظهيرة المكى، وأَخوه ولّ
الدين ومسند الدنيا على الإطلاق محمد
ابن مقبل الحلبى ، كلهم ما بين سماع
وإِجازة ومناولة عن المؤلف.
ح وأخذ ابن غازى أيضاً عن شيخ
الإِسلام زكريا الأنصارى هو والسخاوى
وابن فهد، عن الإِمام الرحلة الحافظ
شهاب الدين أحمد بن محمدبن حجر
العسقلانى قال : اجتمعت به أى بالمجد
اللغوى فى زبيد ، وفى وادى الحصيب ،
وناولنى جُلَّ القاموس وأَذِنلى وقرأْت
عليه من حديثه، وكتب لى تقريظاً
على بعض تخاريجى ، وأَنشدنى لنفسه
فى سنة ثمانمائة بزبيد، وكتبهما عنه
الصلاح الصفدى فى سنة ٥٧
بدمشق :
أَحْبَّتَنَا الأَمَاجِدَ إِنْ رحِلْـ
ولَمْ تَرْعوْا لَنَا عَهْدًا وإِلاّ
٤٨

( شرح خطبة المصنف )
نُودِّعُكُمْ ونُودِعُكُمْ قُلُوباً
لَعلَّ الله يجْمعُنَا وإِلَّا
وزاد السخاوى والتقى بن فهد عن
الحافظ جمال الدين أبى عبدالله محمد
ابن أبى بكر بن محمد بن صالح
الهمدانى التفرى الجبلى، عُرِف بابن
الخيّاط ، عن المؤلف، وسماعه عنه
صحيح، رأيته فى الذَّيل على طَبقات
الحفّاظ . وهناك أَسانيد أُخر غير هذه
عالية ونازلة ، أَعرضنا عنها خوف
الإِطالة ، وفى هذا القدر الكفاية ، وقد
طال البحث ، ووجب أَن نكفّ العِنان ،
ونُوجِّه الوِجْهَة إِلى ماهو الأَهمّ من افتنان
ما حواه الكتاب من الأَفنان، وقد ابتدأَ
المصنف كغيره بقوله :
( بسم الله الرحمن الرحيم )
اقتداءً بالكتاب العزيز، وعملاً
بالحديث المشهور على الألسنة («كُلُّ
أَمْرٍ ذِى بالٍ لايُبْدَأُ فيه ببسم اللهالرحمن
الرحيم فهو أَبْتَرُ، أَو أَقطعُ أَو أَجذَمُ )) ،
على الروايات والمباحث المتعلّقة بها ،
أَوردناها فى رسالة مخصوصة
بتحقيق فرائدها ، ليس هذا
محل ذكرها (الحمد لله) ثنّى به اقتفاءً
للأَثْرِيْن، وإِعمالاً للحديثين ، وجمعاً
بين الرِّوايتين ، وإِيراد المباحث المتعلقة
بهذه الجملة يخرجنا عن المقصود ،
فليُنظر فى الكتب المطَوّلات ( مُنْطِقٍ
البُلِغَاءِ) نَطَق نُطْقاً تكلَّم، وأَنطقه
غَيْرُه : جعله ناطقاً ، والبلغاءُ جمع بليغ ،
وهو الفصيحُ الذى يَبلُغ بعبارته إِلى
كُنْه ضميره ، والمعنى : أَى جاعِل البلغاءِ
نَاطِقِينَ أَى مُتْكلِّمين (بَاللُّغَى )
جمع لُغةٍ كَبُرَةٍ وبُرِّى ، أَى بالأَصوات
والحروف الدالَّةً على المعانى ،مأخوذٌ من
لَغَوْتُ أَى تكلّمت، ودائرةُ الأَخذ
أَوسعُ من دائرة الاشتقاق ، كذا حققه
الناصر اللَّقائىُّ، وأَصلها لُغْوَةَأَولُغْيَة ،
بناءً على أَن ماضيه لَغَى، إِما أَن تكون
ياؤه أَصلِيّةً أَو منقلبةً عن واوٍ ،
كرضِى استُثقلت الحركةُ على الواوٍ أَو
الياء، فنُقِلِت للساكن قبلَها ، فبقيت
الواو أو الياء ساكنةً ، فحذفت وعُوِّضَ
عنها هاءُ التأنيث، وقد يُذكَرِ الأَصلُ
مقروناً بها ، أَو نِيَّةِ العِوَضيَّة تكون
بعد الحذْفِ، ووزنها بعد الإِعِلال فُعةٌ ،
بحذف اللام ، وقولُنا كبُرَةٍ وبُرَّى هو
٤

( شرح خطبة المصنف )
لفظ الجوهرى ، ومراده المماثلة فى
الوزن لا الأصل، لقوله فى فصل الباء
نقلاً عن أبى علىّ: إِن أَصل بُرة بَرْوَةٍ
بالفَتحِ، قال: لِأَنها جُمعت على بُرَّى
مثل قَرْية وقُرَّى، وضبط فى بعض
النسخ بفتح اللام ، وهو غلطٌ ، الفساد
المعنى ، لأَنّه يكون حينئذ من لَغِىَ يَلْغَى
لَغَا إِذَا هَذَى، وقياس بابٍ عَلِمٍ إِذا
كان لازماً أَن يجىء على فَعَلٍ، كفرِح
فرجاً، قال شيخنا : وفى الفقرتينِ
شبْهُ الجِناس المحرَّف ، وعلى النسخة
الثانيةِ المُلحق : ويأنى جمعُ لُغةٍ على
لُغاتٍ فيجب كسرُ التاءِ فى حالة
النَّصْب، وحكى الكسائىُّ: سمعتُ
لُغاتَهم ، بالفتح، تشبيهاً لها بالتاء
التى يوقف عليها ( فى البوادى) أَى حالةً
كونِهِم فيها، وسوَّغ مجىءَ الحال من
المضاف إليه كونُ المضاف عاملاً فيه ،
وهى جمع باديةٍ سماعاً وقياساً،
واشتقاقها من الْبُدُوِّ، وهو الظُّهُور
والبُرُوز، وإِنما قُيِّد بذلك لأن المعتبر
فى اللغاتِ ما كان مأخوذًا عن هؤلاء
الأَعرابِ القاطنين بالبادية ، للحِكمة
التى أَوْدَعِها اللهُ سبحانهٍ فى لِسانهم، مع
مَظِنَّةِ الْبُعْدِ عن أَسرارها ولَطائِفِها
وبدائِعِها (ومُودِعٍ)، مِن أَوْدَعه الشىء
إِذا جعله عنده ودِيعةً يَحفَظُهِله (اللسان)
أَى لسانِ البلغاءِ (أَلْسَنَّ) أَفْعَلَ من لَسِنَ
كفرِح لَسَنَّا فَهو لَسِنُ كَكِتِف، وأَلْسن
كأَحْمَر، فهو صِفةٍ أَى أَفصح (اللُّسُن)
بضمتين جمع لسان بمعنى اللغةِ
(الهَوادى) جمع هادية وهادٍ، وهو
المُتَقدِّم من كلِّ شىءٍ ومنه يقال لِلعُنق :
الهادى، والمعنى مُودِعِ لِسانِ البلغاءِ
أَفصحَ اللَّغاتِ المُتَقدِّمة فى أَمرِالفصاحةِ
أَى الفائقة فيه، فإن الشىءَ إِذا فاق فى
أمرٍ وبلغ النهايةَ فيه يقال : إنه تقدّم
فيه، وفى البُلغاء واللَغى واللسان وما
بعده من الجناس ما لا يَخْفَى
( ومُخَصِّص )، أَى مُؤْثِرٍ ومُفضّل
(عُرُوقِ) جمع عِرْق من كُلِّ شئْ أَصلُه
(القَيْصُوم) نَبْتٌ طَيِّبُ الرِيحٍ خاصٌّ
ببلاد العرب (و) مُخصّص ( غَضَا)
مقصورٌ، وهو شجرٌ عربِيٍّ مشهور
( القَصِيم ) جمع قَصيمةٍ ، رملةٌ تُنْبِت
الغَضا، وفى بعض النسخ بالضاد
٥٠
:

( شرح خطبة المصنف )
المعجة ، وهو تصحيف (بما) أَى بالسِّرّ
والتخصيصِ الذى ( لم ينَلْه) أَى لم
يُعْطَه، من النَّوال، أَو لم يُصِبْه بِرَّ
وخُصوص ولم يظفرْ به (العبهَرُ) نبتٌ
طيِّبٌ مشهورٌ (والجادِى) بالجيم والدال
المهملة ، كذا فى النسخة الرَّسولية والملكية.
وحُكِى إِعجام الدالِ لغةً، والياء مشدّدة
خُفِّقت لمراعاة القوافى ، وهى نِسْبة إِلى
الجادِيَةِ قَرْية بالبلقاء، قال الزمخشرى
فى الأساس : سَمِعت من يقول: أَرْض
البلقاءِ أَرْضُ الزعفرانِ، وأَقرَّه المناوِىُّ.
والمعنى أن الله تعالى خصَّص النباتات
البدوّية كالغَضا والقَيْصوم والشّيح.
مع كوْنِها مُبتذَلَةً ، بأَسرارٍ ودقائقَ لم
تُوجَد فى النباتَاتِ الحَضَرِيَّةِ المُعَظَّمة
المُعدّة للشَّمِّ والنَّظَرِ كَالنّرجِس والياسمين
والزعفران، وفى ضمن هذا الكلام
تخصيصُ العربِ بالفصاحة والبلاغة ،
واقتضى أَن فى عُروق رغْىِ أَرضِهم
وخِصْب زمانهم من النفع والخاصّيّة مالم
يكن فى فاخِرٍ مَشموماتٍ غيرهم ، وهو .
ظاهر ، وفى نُسْخَة ميرزا على الشيرازى :
الخادِى، بالخاء المعجمة ، وهو غلَطُ ،
وفسره قاضى الأَقضية بكَجرات .
بالمُسترْخِى، فأَخطأ فى تفسيره .
وإِنما هو الخاذى، بمعجمتين ، ولا يُناسب
هنا ، لمخالفته سائرِ الفِقَر وكذا تفسيره
العُبْهر بالممتلئ الجسم الناعم، لُبُعْده
عن مغزى المُراد . وبين القَيْصومِ
والقصيمِ جناسُ الاشتقاقِ ومُراعاة
النّظير بين كلٍّ من النَّباتينِ ( ومُفيضٍ)
من أَفاضَ الماءَ ففاض، وأَفاض أيضاً
إذا جرى وكثُر حتى مَلأَّ جوانبَ مَجراه
(الأَيادى) جمع أَيْدٍ جمْعِ يَدِ فهو
جَمْعُ الجمعِ ، والَيَد أَصَلٌ فى
الجارِحة ، وتطلق بمعنى القُوّة ، لأَنها
بها، وبمعنى النعمة لأنها تُنَاوِلُها،
والمُراد هنا النِّعم والآلاء (بالرَّوائِح )
جمع رَائحةٍ ، وهى المَطرة التى تكون
عَشِيَّةً (والغوادى) جمع غادِيَة ، وهى
المَطرة التى تكون غدْوةً، والباء إِمَّا
سَبيَّة أَو ظرفيَّة، والمراد بالروائح
والغوادِى إِما الأَمطارُ ، أَى مُفيض النِّعَم
بسببها لمن يَطلبها ، أَو مُفيضها فيها ،
لأَن الأَمطار ظروفٌ للنِّعم ، أَو أَن المراد
بهما عُمُومُ الأَوقاتِ ، فالباء إِذًا ظرفيّة ،
٥١

( شرح خطبة المصنف )
وإِنما خُصَّت تلك الأوقاتُ جَرْياً على
الغالب (للمُجتدِى) أَى طالبِ الجَدْوَى
أَى السائل، والجَدْوَى والجَدَا العَطِيّة
(والجَادِى) المُعْطِى ، ويأتى بمعنى السائل
أيضاً، فهو من الأضداد، قال شيخنا :
ولم يذكره المؤلف، وقد ذكره الإِمام
:أَبو عَلِىِّ القالى فى كتاب المقصور
والممدود، وبين الجادى والجادى
الجِنَاسُ التامُّ، وبينه وبين المُجتدى
جناسُ الاشتقاق، وفى بعض النسخ
المُحتدِى، بالحاء المهملة، وهو غلط
( ونَاقِعٍ) أَى مُرْوِىٍ ومُزِيلِ ( غُلَّةٍ )
بالضمِّ العطَشُ ( الصَّوادى ) جمع
صَادِيِة، وهى العَطْشَى، والمراد بالغُلَّة
مُطَلَقُ الحَرارة، من باب التجريد ،
وفسَّرها الأكثرون بالنَّخيل الطِّوال ،
لكن المقامَ مَقَامُ العُموم ، كما لا يخفى،
قاله شيخنا ( بالأَهاضيب) الأمطار
الغزيرة، أَوهى مُطلَق الأَمطارٍ و(الثَّوَادى)
صِفَتُها، أَى العظيمة الكثيرةُ الماءِ ، أَومن
باب التجريد، ويقال مطرةٌ ثَدْياء، أَی
عظيمة غزيرةُ الماءِ، وفسر شارِحُ الخطبة
عيسى بنُ عبدالرحيم الأماضیبَ بالجبالِ
المُنْبسِطَةِ على وجْهِ الأَرْض، والنَّوادى
بما فسره المؤلف فى مادة ثدى أنها
جمع ثادِيَة ، إِما من ثَدِىَ بالكسرِ إِذا
ابتلَّ، أَوِ من ثَداه إِذَا بلَّه، وهما بعيدان
عن معنى المُراد ، وقيل إنه من المهموزِ
العين، والدال المهملة لامٌ له، كأنه
جمع ثَأداءَ كصحراء وصحارِى ، وفى
بعض النسخ بالنون، وهو خطأً عَقْلاً
ونَقْلاً (ودافعٍ) أَى صَارِفِ ومُزيل
(مَعَرَّة) بفتح الميم والعين المهملة وتشديد
الراء أَى الإِثم، عن الجوهرى، وهو
مُستَدْرِكِ على المؤلّف، كما يأتى فى
محلِّه، ووُجِدٍ فى بعض النسخ هناك
الاسم، بالسين المهملة بدل الثاء،
وتُطلَق المعرَّة بمعنى الأَذِى، وهو الأَشبهُ
بالمراد هنا، وتأتى بمعنى الغُرْم والخيانة
والعَيْب والدِّية، ذكرها المؤلف، وبمعنى
الصُّعُوبة والشِّدَّة ، قاله العكبرىُّ والشَريشى
(الْعَوَادِى) جمع عَادِيَةٍ من العُدْوانِ،
وهو الظُّلِم، والمراد بهاهنا السِّنونَ المجدِبَةُ
على التشبيه ، وهذا المعنى هو الذى يُناسبه
سياق الكلامِ وسِبَاقه، وأَمَّا جعلُهُ جمعَ
عادٍ أَو عادِيَة بمعنى جماعةِ القَوْم يَعْدُون
٥٢
..-

١
( شرح خطبة المصنف )
للقتال، أَو أَوّل مَن يَحمِل من الرَّجَّالة،
وجَعْلُه بمعنى ما يُغْرَس منِ الكَرْم فى
أُصولِ الشجرِ العِظام ، أَو بمعنى جماعةِ
عادِيَةٍ أَو ظَالِمة فيأْباه الطبعُ السَلِيمُ،
مع ما يَرِدِ على الأَوَّلِ من أَن فاعِلاً فى
صِفات المُذكَّر لا يُجْمع على فَوَاعل،
كما هو مُقرَّر فى محله (بالكَرَمِ) أَى
بالفَضْلِ (المُمَادى) الدائم والمستمرّ
البالِغ الغاية ، وفى بعض النسخ
المُتمادى، بزيادة التاء، وهو الظاهر
فى الدِّرَايَة، لشُيُوعِ ((تمادَى)) على
الأَمر إذا دام واستمرَّدون ((مَادَى )) وإِن
أَثبته الأكثرون ، والأُولَى هى الموجودة
فى الرَّسوليَّة (ومُجْرى) من الجَرْىِ وهو
المرُّ السريع أَى مُسِيِل ( الأَوْداء) جمع
وادٍ، والمراد ماؤه مجازًا، ثم المراد
الإِحسانات والتفضُّلات ، فهو من المجاز
على المجاز، ثم ذَكَر العَيْنَ فى قوله
( مِنْ عَيْن العَطاءِ) تَرشيحاً للمجاز الأَوَّل
استقلالاً وللثانى تَبعاً ، ومثل هذا المجاز
قَلَّمَا يُوجَد إِلا فى كَلامِ الْبُلغاء، والعطاءُ
بالمد والقَصْر نَوْلُكَ السَّمْحُ وما يُعْطَى،
كما سيأتى إن شاء الله تعالى ( لكلِّ
صادى) أَى عَطْشان، والمراد هنا مُطلَق
المحتاج إِليها والمشتاق لها ، قال شيخنا :
وفى الفقرة تَرْضِيعِ السَّجْعِ (باعِثْ)
تَجوزُ فيه الأَوْجُه الثلاثة، والاستئناف
أَوْلَى فى المَقام ، لِعِظمِ هذه النِّعمة ،
والمعنى مُرْسل (النبىِّ الهادى) أَى المرشد
لعباد الله تعالى ، بدُعائهم إِليه، وتعريفهم
طرِيقَ نَجاتهم ( مُفْحِماً) أَى حالةَ كونه
مُعجِزًا ( باللسان الضادِى) أَى العربىّ. لأَن
الضاد من الحُروف الخاصَّة بلغة العرب
(كُلَّمُضَادِى) أَى مُخالِفِ ومُعانِدِومُعارِضٍ
، من ضَادَاه . لغة فى ضَادَّه، وضبط
ابن الشحْنة ، والقَرافى ، بالصاد المهملة
فيهما ، فالصَّادى من صَاداه إِذا دَاجَاه
ودَارَاه وسَاتَرَه ، والمُصادِى من صَدّه
يَصُدُّه إِذا منعه، والمُصَادِى : المُعارض .
ويُخالفان النقْلَ الصحيحَ المأخوذ
عن الثِّقاتِ ، مع أَن فى الثانى خَلْطاً بين
بابَىِ المُعتلِّ والمُضاعَف، كما هو ظاهرٌ ،
وبين الضادى والمضادی جناسٌ كما هو
بيِّنٌ مفحماً (ومُفَخَّماً ) أَى وحالة كونه
مُعظَّماً ومُبجَّلاً جَزْلَ المنطِقِ (لاتَشِنه )
أَى لا تَعِبه مع فخامتِه وحُسْنِ كلامِه
٥٣

( شرح خطبة المصنف )
صلى الله عليه وسلَّم (الهُجْنَةِ) قُبْحُ
الكلام ( والعُجْمة ) العجز عن إِقامةٍ
العربية لعُجمة اللسان (والضَّوادى)
الكلامُ القبيح أو ما يُتَعلَّل به ، والمعنى
أَى لا يلحقه صلى اللهُ عليه وسلم شىءٌ مما
ذكر، ولا يتَّصِف به ، وقد تقدم فى
المقدِّمة ((أَنَا أَفْصَحُ منْ نَطق بالضَّاد
بَيْدَ أَنِّى من قُرَيْش)) الحديث، وتقدَّم
أيضاً بیانُ أَفصحّتِهِ ، صلى الله عليه
وسلم ،وتَعجّب الصحابة رضوان الله عليهم
منه ، وفيه مع ما قبله نوعٌ من الجناس .
قال شيخنا : وهذه اللفظة مما استدر كها
المؤلفُ على الجوهرىِّ ولم يُعرَفله مفرد
( محمدٍ ) قال ابن القيم: هو عَلَمُ
وصفة ، اجتمعا فى حَقِّه صلى الله عليه
وسلم، وعلَم مَحْضٌ فى حقّ من تَسمَّى
به غيره، وهذا شأنُ أَسمائِه تعالى
وأَسماءِ نَبيّه صلى الله عليه وسلم ، فهى
أَعلامٌ دلَّة على معانٍ، هى أَوصافُ
مَدْحٍ ، وهو أَعظم أسمائه صلى اللهعليه
وسلم وأشرفها وأشهرها ، لإِنبائه عن كمالٍ:
ذاته ، فهو المحمودُ مرَّةً بعد مرَّ ، عند الله
وعند الملائكة ، وعند الجن والإِنس ،
وَأَهل السماوات والأرض . وأُمّتُه الحَمَّادُون
وبيده لواء الحمد ، ويقوم المقام المحمودَ
يومَ القيامة، فيحمده فيه الأوَّلون
والآخرُون، فهو عليه الصلاة والسلام
١
الحائز لمعانى الحمد مطلقاً . . وقد أَلَّف
فى هذا الاسمِ المبارَكِ وبينانِ أَسرارِه
وأنوارِهِ شيخُ مشايخنا الإِمامِ شَرَفُ الدِّين
أَبو عبد الله محمد بن محمد الخليلىّ
الشافعىّ نزِيلُ بيتِ القدسُ كُرَّاسَةً
لَطيفةً. فراجِعْها ( خَيْرِ) أَى أَفْضَلِ
وأَشرفِ (مَنْ حَضَر) أَى شهد ( النَّوادِى)
أى المجالس مطلقاً، أو خاص بمجالس
النَّهارِ أَو المجلس ما داموا مجتمعين
فيه، كما سيأتى إِن شاءَ الله تعالى
(وأَفصحٍ ) أَى أَكثر فصاحةً من كُلِّ
(من رَكِب) أَى علا واستوى (الخَوادى)
هى الإِبل المُسرِعة فى السَّيْر، ويستعمل
فى الخيل أيضاً، مفردها خادِأَوخادِيَةً ،
وإنما خصت الإِبل لأنها أعظمُ مَراكِبِ
العرب وجُلُّ مَكَاسِبِها ( وَأَبلَغِ) اسم
تفضيل من البلاغة ، وهى المَلَكةُ ،
وتقدَّم تعريفها (مَنْ حَلَب) أَى استخرج
لَبَن (العَوَادِى) هى الإِبلِ التى تَرْعَى
٥٤
-- --

*
( شرح خطبة المصنف )
الحَمْض، على خلاف بين المصنّف
والجوهرىّ ، رحمهما الله تعالى، كما
سيأتى مُبَّيناً فى مادَّته. ورُكَّابُ الخوادى
وحَلْبَةُ العَوَادِى هم العربُ، والمعنى أَن
النِىَّ صلى الله عليه وسلم أَفصحُ
العربِ وأَبلَغُهم ، لأَنهم هم المشهورون
بالاعتناءِ بالإِبل رُكوباً وحَلَباً، ونظرًا
فى أَحوالها، وفى مقابلةِ رَكِبَ بحَلَب .
والعوادى بالخوادى : ترصيعٌ ، وهو من
الحسن بمكانٍ ، وفى نسخة جلب بالجيم
بدل حَلب بمعنى ساقها ، والحوادى
بالمهملة ، وهو تَحريفٌ وخلافٌ
للمنصوصِ المسموع من أَفواه الرواة
الثقات (بَسَقَت) هذه الجملة الفعلية
فى بيان عظمته وقهْرِهِ صلى الله عليه
وسلم لجميع مَن عاداه، ولهذا فَصَلها
عمَّا قبلها، أَى طالت (دَوْحَةُ) هى
الشجرة العظيمة من أى نوعٍ كانت
(رِسالتِهِ) أَى بَعْثَته العامَّة ، والإِضافة
من إضافة المشبّه به إلى المشبّه (فظهرَتْ)
أَى غلبَتْ واستوْلَت (شَوْكَةَ) هى واحدة
الشَّوْك، معروف، أَو السِّلاح أو الحدَّة
أَو شدّة البأُس والنِّكاية على العَدُوِّ
(الكَوَادى) جمع كادِيَة وهى الأَرض
الصُّلبة الغليظة البطيئةُ النباتِ . والمعنى
أَن رِسالته صلى الله عليه وسلم التى هى
كالشجرة العظيمة فى كثْرةِ الفروعِ
وسَعَة الظِّلّ وثباتِهِ نَسخَتْ سائرَ الشرائع
التى لولا بعثتُه صلى الله عليه وسلم لما
تَطَرَّق إِليها النسْخ ، وفى تشبيهها
بالأشجار الشائكة النابتة فى الأرض
الغليظة الصُّلْبة التى لا يَنْقلِع ما فيها
إِلا بُعُسْرِ ومَشقّة ، بعد تَشبيهِ رِسالته
صلى الله عليه وسلم بالدَّوْحَة فى الارتفاع
وسَعَة الظِّلّ وكثرة الفروع، من اللطافة
ما لا يَخفى ، وفى نسخة زيادة شَوْك
بعد شَوكة ، فيتعين حينذ حملُ
الأَخير على أحَدٍ معانيها المذكورة ماعدا
الأَول ، وفى أُخرى شَرَك ، بالراء بدل
الواو ، بفتحتین ، وضبطه بعضهم بكسر
الشين ، بمعناه المشهور ، والكوادى
حينئذ عبارة عن الكَفَرة، وإِنما عبّر
عنهم بالشوكة ، لكثرة ما فى الشوك
من الأَّذى والتأْليم وقِلَّةِ النفع وعَدمِ
الجَدْوَى، وبالكَوَادى لعدم الثَّمَرِ ، ولعدم
النُّموِّ، والمراد أن النبيّ صلى الله عليه
٥٥

( شرح خطبة المصنف )
وسلم غالِبٌ عليهم بقُوَّته ، وقَاهِرُهم
بحِلِمه، ومُستوْلٍ عليهم (واسْتَأْسَدَتْ)
أَى طالَت وبَلَغَتْ، يقال : رَوْضُ
مُستأْسِدٌ، وسيأتى بيانُه (رِياضُ نُبَوَّتِهِ).
بالضمِ ، أَى نَباتُها ، جمع رَوْضةٍ .
هى مستنقَعُ الماء فى الرَّمَلِ والْعُشْبِ.
أَو الأَرض ذات الخُضرة وَالْبُستان
الحَسَن (فَعَيَّتْ) أَى أَعجزَّتْ ( فى
المآسِد) جمع مَأْسَدة هى الغَابة (اللُّيُوثَ)
الأُسود ( العَوَادِى ) التى لاستيحاشها
وجَرَاءَتَها تَعْدُو على الخَلْقِ
وتُؤذيهم ، ومن قوله بَسقت إِلى هنا
هى النسخة الصحيحة المكّة ، وفى
نسخة فغيَّبت بدل عَيَّت، أَى أَخْفَتْ
وفى أُخرى فَطَهَّرت ، بالطاء المهملة ،
أَى أَزالت أَوسَاخِ الشِّرْك، وهذه النسخة
التى نَوَّهْنا بشأنِها هى نسخة الملكِ
الناصِرِ صلاحِ الدّين بن رَسُول سُلطانٍ
اليمن، بخط المحدِّث اللغوىّ أبى بكرِن
يُوسف بن عُثمان الحُميدِىِّ المغربىّ،
وغليها خطُّ المؤلف، إِذ قُرِئَتبین یدیه
فی مدینةٍ زَبید، حماها الله تعالى وسائرَ
بلاد الإِسلام ، قبل وفاته بسنتين ، وفى
نسخة أُخرى يمنَّةِ ((نبينا الذى شُعَب
دَوْحِ رِسِالته طَهَّرْتِ شَوْكَة شَوْكِ
الكَوَادى ، ولا استأْسِدتْ رِياضُ نبُوَّتِه
يحمَ الذوابل نُضْرَتها إِلّ رَعَتْ فِى
المآسد اللَّبُون ذات التعادِى فضلاً عن
"الذئاب العَوادى فى إِرداء الضوادى))،
وفى نسخة أُخرى قديمة : ((استأسدت))
من غير ((لا)) النافية، ونجم بدل يحُّ ،
وعثَت بدل إِلّ رعت. وبين شوكة
والشوك . واستأسدت، والمأسدة.
جناسُ اشتقاقٍ، وَالشُّعب هو طَرفُ
الغُصن، ويحم بالتحتانية محذوف
الآخر ، والذوابل جمع ذابل، الرمح
الرقيق، ونُضرتها خُضرتها وحُسْن
بهجتها ، والضمير راجع إلى الرياض .
ورَعَت : تناولت الكلاَ، واللَّبون: الشاة
ذات اللبن، ومنه الحديثَ ((يَا أَبًّا
الهَيْثُمِ إِيَّاكَ وَاللَّبُونَ، اذْبَحْ عَنَاقًا))
( أخرجه الحاكم، والتَّعادى: التحامى
أَو الإِسراع . والإِرداء : الإِهلاكِ .
والضَّوادى: جمع ضادى بمعنى
الضدّ، بإِبِدَّال المضعَّف . والنجْمُ من
النبات ما كان على غير ساقٍ وعَثَت ،
أَى أَفسدت. قال شيخنا : ونبه ابن
?
,
٥٦

( شرح خطبة المصنف )
الشحنة والقرافى وغيرهما أن نسخة
المؤلّف التى بخطه ليس فيها شىء من
هذه، وإِنما فيها بعد قوله حَلَب العوادى
(صَلَّى اللّه) تعالى (عليه وسلَّم) ومثله
فى نسخة نقيب الأشراف السيد محمد
ابن كمال الدين الحُسينى الدِّمشقى .
التى صححها على أُصول المشرق ، والمراد
من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ،
م
زيادةُ التشريف والتعظيمٍ، والتسليم
والسلامُ: التحية والأَمان ( وعلى آله)
هم أَقاربُه المؤمنون من بنى هاشم
فقط ، أَو والمطَّلب . أَو أَتباعهوعياله ،
أَوَ كُلّ تقىٌّ ، كما ورد فى الحديث،
وأَما الكلام على اشتقاقه وأَن أَصلَه
أَهلٌ كما يقول سٍبويه، أَو أَوّل كما
يقول الكسائىُّ، والاحتجاج لكل من
القولين، وترجيح الراجح منهما ،
وغير ذلك من الأبحاث المتعلقة بذلك .
فَأَمَرُ كَفَتْ شُهرته مُؤْنَة ذكره
(وأَصحابِهِ) جمع صَاحِب كناصِر
وأَنصار ، وهو مَن اجتمع بالنبيّ صلى
الله عليه وسلم مُؤْمِناً به ومات على ذلك
(نُجومٍ) جمع نجْم وهو الكوكب
(الَّآدِى) جمع دَأْدَاءٍ بالدال والهمزة ،
وسُهِّل فى كلام المؤلف تخفيفاً وهى
الليالى المظلمة جدًّا ، ومنهم مَن عَيَّنها
فى آخر الشهر، وسيأتى الخلاف فى
مادَّته ( بُدُورِ) جمع بَدْرٍ هو القمَر عند
الكمال (القَوَادى) بالقاف فى سائر
النسخ، جمع قادِية ، من قَدِىَ به
كَرَضِى إِذا استَنَّ واَّبَع القُدْوَة ، أَو
مصدر بمعنى الاقتداء ، كالعافية
والعاقبة، ويجوز أن يكون جمع قُدْوَة
ولو شذوذًا بمعنى المُقتدَى بِهِ ، أَو
الاقتداء، قاله شيخنا ، والمعنى أى النجوم
المضيئة التى بها يهتدِى الحائرُ فى
الليل البهيم، وهى صِفة للآلِ .
وبُدور : الجماعات التى يُقتَدى
بأَنوارهم ، وأَضوائهم ، وهى صِفةٌ
للأَصحاب ، والمراد أن الضالَّ يهتدِى
بهم فىظلمات الضلالات ، كما يهندى
المسافرُ بالنجوم فى ظلمات البرِّ والبحر،
للطريقِ المَوَصِّلة إلى القَصْد ، ومنه
قَوْلُ كثيرٍ من العارفين فى استعمالاتهم :
وعلى آلِهِ نُجومِ الاهتداءِ وبُدُورِ
الاقتداء. وقال شيخنا : وبهذا ظَهَر
٥٧

( شرح خطبة المصنف )
شُقوط ما قاله بعضهم من التوجيهات
البعيدة عن مراد المصنف ، والظاهر
أَن النجوم صفة للصَّحَابة. للتلميح
بحديث ((أَصْحَابِى كَالنُُّومِ) فَيَرِدُ
سُؤالٌ: لم وَصَف الصحابةَ دُون الآل؟
فيُجَابُ بجواز كونِهِ حَذْفْ صِفة
الآل لذَلالة صفة الصَّحْب عليها .
والسؤال من أَصله فى مَعرِضِ السقوط .
لأَّنه ورَد فى صفة الآلَ أَيضاً بأنهم
نجومٌ فى غيرِ مَا حديثٍ ، وأيضاً ففى
الآل مَنْ هو صحابىٌّ، فالصحيح على
ما قدّمنا أَن كُلَّمنهما لَفُّ ونَشْرٌ مُرَتَّب
فالاهتداء بالآل ، والاقتداء بالصحابة .
وإِن كانتا تصلحانِ لكلٌّ منهما، وفى
نسخة التوادى ، بالتاء المثناة الفوقيّة
بدل القاف، وهو غلط مخالفٌ للدِّراية
والرِّواية، لأَنّه جمْعُ تأْدِيةٍ ، وتأديةُ
الحقِّ : قضاؤه ، وتأدية الصلاة :
قَضاؤها فى أَوّل وقْتِها ، ولا معنى
لُدور الأقضية ، وفى رواية أشياخنا
بالقاف لا غير، كما قدّمنا، قال
شيخنا : وأعجب من هذا من جعل
القَوادى جمْع قائِدٍ، وفسره بكلامٍ
المصنف : القائد الأَوّل مِن بنات نَعْش
الصُّغرَى الذى هو آخرها. والثانى
عَنَاق . وإلى جانبه قائدٌ صَغِير ، وثانيه
عَناق، وإلى جانبه الصَّيْدَقِ، وهو
السُّهَا. والثالث الحَوَر (١) فإِنه لامعنى
لبدّور الأَوائل من بنات نعش، مع
كون المُفرَد مُعتلَّ العينِ، والجمع
مُعْتَلّ اللام، وهذا لَعمرى وأَمثالُه
احتمالاتُ بعيدةٌ بِجُّها الطيِّعُ السليم ،
ولا يقبلها الذُّهْن المستقيم (ما نَاحَ) أَى
سجع وهَدَر ( الحمامُ ): طيرٌ معروف
( الشّادِى) مِنِ شَدَا بَشِدُو إِذا ترنَّم
وغَتَّى ، فالنَّوْحِ هنا ليس على حَقِقته
الأصلية التى هى : البكاء والخزن ،
كما سيأتى، والصحيح أَن إِطلاق كلّ
منهما باختلافِ القائلين ، فمن صادفَته
أَسجاعُ الحمامِ فى ساعةٍ أُنسه مَع حبيبه
فى زمن وصاله وغَيْبَةِ رقيبه سماه سَجْعاً
وترثُّماً، ومن بضِدِّه سماه نَوْحًاً وبكاءً
وتغريدًا (وساح ) أَى ذهب وتردّد فى
الفَلَوات (النعام) طائر معروف
(القادِى) أَى المسرع، من قَدَى
(١) هذا الكلام ذكره المصنف في مادة (قود )
٥٨

( شرح خطبة المصنف )
كَرَمَى قَدَياناً، محرَّكة، إِذا أَسرع
( وصاح) من الصِّياح، وهو رَفْعُ
الصوتِ إِلى الغَايَة ( بالأنغام ) جمع
نَغَم محرّكة، وهو تَرجيعِ الغِناءِ
وَتَرْدِيِده (الحادى) من حَدَا الإِبل .
كدعا ، يَحْدُوها، إِذا ساقها وغَنَّى لها
ليحْصُل لها نَشاطٌ وارتياح فى السَّيْرِ،
والمراد بهذه الجُمل طُولُ الأَبد الذى
لا نهاية له ، لأَنَّ الكَوْنَ لا يخلو عن
تَسجيع الحمام ، وتردّد النعامِ .
وسَوْق الحادى إِبله بالأنغام ، ثم إِن فى
مقابلة ناح بساح وصاح. والحمام
بالنعام والأنغام، تَرصيحٌ بَدِيع
ومُجانسة ، وفى القوافى الدَّالِيَّة تسميط
(ورشَفَت) مَصَّت ( الطُّفاوةُ) بالضم دَارَة
الشمسِ أَو الشمس نفسُها . وهو المناسب
فى المقام ، ومنهم من زاد بعد دَارة
الشمس ودَارة القَمر، ومنهم من اقتصر
على الأَخير ، وكلاهما تكلُّف ، وقيل
بل الطُّفاوة أَيَّام بَرْدِ العَجوز، وقد نُسِب
للمصنف ، ولا أَصْل له ، أَو أَيسام.
الرَّبيع، كما للجوهرىّ ، وهو خطأٌ
فى النقل، فحينئذ يكون إِسناد الرَّشف
لأَيام العجوز بمناسبة أَن بُدَوَّ الأَزهار فى
أَواخر الشتاء، وهى تلك الأيام ، وهذا
مع صحة هذه المناسبة ليس خالياً عن
التكلف، قاله شيخنا (رُضَاب) بالضمّ
الرِّيقِ المَرشوف، ويطلق على قِطعٍ
الرِّيق فى الفمِ وفُتات المِسِك وقِطَعِ
الثَّلج والسُكَّر ولُعَاب العَسل ورغْوَتَهُ
وما تقطَّع من النَّدى على الشجر ، والمراد
هنا المعنى الأَوّل. وزعمِ بعضهم المعنى
الأَخير (الطَّلِّ) هو الندَى أَو فوقه
ودون المطر ، ويطلق على المطر الضعيف،
وليس بمرادٍ هنا . وإِضافة الرُّضاب إِليه
من قَبِيل إِضافة المشبّة به إلى المشبّه ، أَى
الطل الذى فى الأزهار بين الأشجار ،
كالرضاب فى فم الأحباب ، كقوله .
والرِّيحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وَقَدْ جَرَى
ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَّى لُجَيْنِ المَاءِ(١)
أَى ماء كاللُّجَين، ومن قال إِن
الإضافة بيانيَّة فقد أَخطأً، وكذا من
فسَّر الرضابَ بالسَّحِّ ، والطلّ بأَخفِّ
المَطر، فكأنه أَجاز إِضافة الشىء إِلى
نفسه مع فساد المعنى، على أَن السعَّ إِنما
هو من معانى الرَّاضِبة دون الرُّضاب،
(١) هو لابن خفاجة الأندلسى ديوانه ١٧
٥٩

( شرح خطبة المصنف )
كما سيأتى فى محلّه (من كُظَام) متعلّق
برشفت ، وهو بالضم (١) جمع كَظَمٍ
مُحرَّكة وهو الحَلْق أَو الفمِ . وفى
الأَربعين الودعانية: فبادِرُوا فى مُهَل
الأَنْفاس، وحْدَة الإِخلاس ، قبل أن
يُؤْخَذ بالكَظَم . ومنهم من فسروه بأَفواهِ
الوادى والآبارِ المتقارب بعضُهَا بعضاً،
وقيل : الكِظامة : فَمُ الوادى الذى
يخرج منه الماء وليس فى الكلام ما يدلُ
على الأَودية والآبار ولا بتقارب بعضها
بعضاً، كما فسّروه، لا حقيقةً، ولا
مجازًا ، ولا رمزًا ، ولا كنايةً ، وفى بعض
الشروح كِظَامِ الشىء : مبدوُّه ، والصحيح
ما أشرنا إليه (الجُلِّ) بالضم، كذا
هو مضبوط فى نسخه شيخنا الإمام
رضىّ الدين المِزجاجى ، قيل: معناه
مُعظَم الشىء، وقيل : هو بالفتحِ ، وفسّره
بالياسمين والورد أَبيضه وأحمرِهِ
وأَصفره ، والواحدة بهاء ، أما المعنى
الأوّل فليس بمراد هنا قطعاً لأنه حينئذ
(١) كذا . والصحيح أن كِظَام بكسر الكاف جمع كظم.
وضبطت كظام في القاموس بالكبر، ونقل نصر
المورينى في مقدمة القاموس هذا الشرح ، وضبطه
بالضم نقلا عن الشارح دون تحقيق
لايُذكر إِلا مضافاً، لفظا أو تقديراً ،
ككلّ وبعض ؛ وهذا ليس كذلك ،
وأَما رواية الفتح فهى أيضاً غير
صحيحة ، وقد باحَثَنى فى ذلك شيخُنا
الإِمام المذكور ، أطال الله بقاءه ، حين
وصلتُ إلى هذا المحلّ عند القراءة
بحضرة شيخنا السيد سليمان الأهدل
وغيره ، فقلت : الذى يعطيه مَقام اللفظِ
أَن اللفظة مُعَرّبة عن الفارسيّة ، ومعناه
عندهم الزّهر مطلقاً، من أَى شجرٍ
كان ، ويصرف غالباً فى الإطلاق
عندهم إلى هذا الوَرْد المعروف ، بأنواعه
الثلاثة: الأحمر والأبيض والأصفر ،
فأُعْجِبا بما قرَّرْت وأَقَرّاه (والجَادِى)
قالى قاضى كَجرات : هو طالب المَطَر،
عطف على الطفاوة، أى وما أَخذ
الجادى الماء من السحاب ، وقيل: هو
الخمر ، عطف على رُضاب ، ولا يخفى
أَن فيما ذكر من المعنيين تكلُّفاً،
والصحيح أنه نوع من الزهرِ کالنرجس
والياسمين ، وهو المناسب ، ومن قال :
إنه عطفُ تفسيرٍ لما قبله فقد أَخطأً،
فإن الجلّإنما يُطلقُ على الياسمين والورد
t
٦٠