النص المفهرس
صفحات 41-60
وموضوعاته، والعلاج وتبعاته ، وفق العلم حتى أوضح معالمه الوضعية . وبيّن الفرقّ فى القوى الطبيعية . وجال نظراً فى التشريح ، وقال فيه بالصحيح ، وذكر ترتيب الشريان على النازل، ومكان الصاعد والنازل . بكلام حلاه ، وكمال مكّن علاء ، ولهذا ساد فى أهل عصره ، وعاد بالظفر من قام بنصره. وأهل مصر يظنون أنه لو مس الماء لا لتهب أو التراب لأحاله إلى ذهب)) (١). (١) معجم الأطباء من سنة ٦٥٠ إلى يومنا هذا. ذيل عيون الأنباء فى طبقات الأطباء، طبع سنة ١٩٤٢م، ص ٣٥٤ - ٣٥٧ . ٣٩ مصادر المبحث الثالث (١) الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة ((ابن حجر العسقلانى)). (٢) كشف الظنون ((حاجى خليفة)). (٣) مسالك الأبصار «ابن فضل الله العمرى)). (٤) معجم الأطباء «أحمد عيسى (بك))). (٥) الوافى بالوفيات («ابن أيبك الصفدى)). ٤٠ المبحث الرابع الكلام عن كتاب (« إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» ٤١ أثنى العلماء الذين أتوا بعد ابن الأكفانى(١) على كتاب: (إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ) وقد ذكرنا بعض ذلك الثناء فيما سبق مما اقتبسناه من أقوالهم . وكذلك جاء فى كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون لحاجى خليفة : ( إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد ) للشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصارى الأكفانى السنجارى ، مختصر أوله: ( الحمد لله الذى خلق الإنسان وفضّله ... إلخ ) ذكر فيه أنواع العلوم وأصنافها، وهو مأخذ مفتاح السعادة ((لطاشكبرى زاده))، وجملة ما فيه ستون علماً، منها عشرة أصلية : سبعة نظرية ، وهى المنطق ، والإلهى ، والطبيعى ، والرياضى بأقسامه . وثلاثة عملية وهى : السياسة والأخلاق وتدبير المنزل ، وذكر فيه جملة العلوم أربعمائة تصنيف ) . وقد ذكر عثمان أمين أن موسوعة ((إرشاد القاصد)» من المراجع المصنفة التى استفادت من موسوعة الفارابى: «إحصاء العلوم» وقال : يظهر أن مؤلفها استقى من إحصاء العلوم شيئاً غير قليل . ونظرة فى مقدمة هذه الرسالة تجعلنا نتبين أنها قد اتفقت فى أكثر من موضع مع مقدمة الإحصاء اتفاقاً لا يقتصر على المعنى بل يتناول العبارات بنصها (٢)، وقد اتضح لنا عند بحث هذا الادعاء بحثاً علمياً ما يأتى: أولاً : إن مقدمة ( موسوعة كتاب إحصاء العلوم ) التى تحدث عنها عثمان أمين ، والتى يشرح فيها ((الفارابى)) كيفية الانتفاع من كتابه وأطلق عليها لفظ ((مقالة)) تقع فى صفحة واحدة، وتقع مقدمة كتاب ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد )»، التى يشرح فيها ابن الأكفانى كيف يستفاد من أنواع العلوم التى ذكرها ، تقع كذلك فى صفحة واحدة ، ولا يعدو أمر الاتفاق بين هاتين الصفحتين أن ابن الأكفانى كان فى (١) الدرر الكامنة لابن حجر جـ ٣: ٢٧٩ - ٢٨٠، الوافى للصفدى جـ ٢: ٢٥ - ٢٧، البدر الطالع للشوكانى جـ ٢ : ٧٩ - ٨٠، كشف الظنون لحاجى خليفه : ٦٦ - ١٤٦٠ _ ١٥٤٢ - ١٩٣٥ - ١٩٨٠، إيضاح المكنون للبغدادى جـ ٢: ٦٩٢ ، هداية العارفين للبغدادى جـ ٢ : ١٥٥، نور عثمانية كتنجانه: ٣٠٢، فهرس المؤلفين الظاهرية ٣، مجلة المسرة ٢٥ : ٥٢١، الأعلام للزركلى جـ ٦: ١٨٩، مجلة المجمع العلمى العربى جـ ١٧ : ٤٦٣، معجم المؤلفين لكحالة جـ ٨: ٢٠٠، معجم الأطباء لأحمد عيسى ٣٥٤ - ٣٥٧. (٢) مقدمة الإحصاء: ط ٢، ص ١٦، ص ٢٠ من ط ٣ . ٤٣ تأثره ((بفيلسوف المسلمين)» مثل غيره من العلماء والفلاسفة الذين تأثروا ((بالمعلم الثانى)» عندما فتح الباب على مصراعيه لتأليف الموسوعات المختصرة المرتبة وفق علم ((تقاسيم العلوم وبيان مراتبها)»، وهو ما نسميه فى حضارتنا المعاصرة المراجع الببليوغرافية الموسوعية المختصرة المصنفة، ولكن كل عالم من هؤلاء العلماء اتّبع فى تأليف موسوعته منهجاً وتصنيفاً خاصاً يوصله إلى الأغراض التى يرمى إليها ، كما أن كل عالم منهم أحاط فى موسوعته بعدد معين اختاره من بين العلوم والفنون التى كانت معروفة فى عصره، ونحن نلاحظ بهذه المناسبة أن ابن الأكفانى أحاط فى( إرشاد القاصد) بعدد أكبر من عدد العلوم التى تناولها الفارابى فى الإحصاء، فقد تحدث ابن الأكفانى عن علم الطب ، وعن علم الموسيقى، وهما علمان لم يذكرهما الفارابى فى موسوعته، ولا نعرف السَّر فى إغفال المعلم الثانى لذكرهما مع أنه كان أكثر علماء عصره تمكناً منهما . ثانياً : يدرك الباحث المنصف لأول وهلة أن الغرض من تأليف الكتابين مختلف اختلافاً واضحاً ، كما هو ثابت فى صدر المقدمتين القصيرتين اللتين أشرنا إليهما، فقد ذكر (الفارابى) ((أن قصده هو إحصاء العلوم المشهورة علماً علماً)» .. كما ذكر غرضاً ثانياً ضمّنه العنوان الثانى الذى اختاره لموسوعته وهو «بيان (مراتب العلوم))) ومن هذا نرى أن غرضه من هذا التأليف كان غرضاً علمياً فلسفياً خالصاً ، وهو ما نطلق عليه أحياناً : بحثاً علمياً أكاديمياً . أما « ابن الأكفانى)» فقد أوضح بجلاء أن الغرض من تأليف موسوعته هو غرض تربوى تعليمى، فقد ذكر فى مقدمته القصيرة: «وبعد ، فإن بنا حاجةٌ إلى تكميل نفوسنا البشرية فى قواها النظرية والعملية، إذ كان ذلك هو الوسيلة إلى السعادة الأبدية )» وكانت لابن الأكفانى عدة وسائل لتحقيق هذا الغرض التربوى : (١) ذكر أنواع العلوم وبيان مراتيها . (٢) اقتفى أثر ((ابن النديم)) حتى يقدم المساعدة العملية لمن يريد مواصلة الدراسة والبحث ، ولذلك فإنه أثبت بعد كل علم من العلوم قائمة بيبليوغرافية بالكتب والمستّفات التى تُعين على دراسته، ولكنه اختار لنفسه منهجاً خاصاً يختلف عن منهج ابن النديم عندما ذكر تلك القوائم . ٤٤ ثالثاً: يسلك ((ابن الأكفانى)» فى تأليف موسوعته طريقاً مختلفاً عن طريق ((الفارابى)) فى كتاب ((إحصاء العلوم)) وعن ((ابن النديم)) فى كتاب الفهرست ، ولذلك فإنا نراه يعمد بعد مقدمته القصيرة التى أشرنا إليها ، إلى كتابة مقدمة ثانية فى: (( العلم وشروط التعليم)) - تقع فى حوالى ثلاث عشرة صفحة يعنى فيها بذكر القواعد والنظريات التربوية التى كانت سائدة عند المسلمين فى القرن الثامن الهجرى ، مع بيان ما يفرضه العلم على العالم من الالتزامات ، وما يجب على المتعلم من اتباع آداب السلوك عند التّعلّم وواجباته نحو أستاذه. وهى مقدمة علمية كتبت بعناية فائقة ، كما أنها وثيقة هامة فى تاريخ التربية والتعليم عند المسلمين حتى زمانه . وتثبت هذه المقدمة بجلاء أن « ابن الأكفانى » ليس تابعاً ولا مقلداً ولكنه يشترك مع سابقيه فى الاهتمام بوضع النظريات العلمية والوسائل العملية التى يرى أنها كفيلة (( بتكملة النفوس البشرية)»، وهو يستعين فى ذلك بتجاربه وآرائه الخاصة بجانب القواعد والنظريات التربوية التى كانت معروفة عند المسلمين فى عصره ، ولذلك يقرر فى دقة علمية أن العلماء والفلاسفة اختلفوا منذ القدم فى اتباع إحدى الطرق الثلاثة المؤدية إلى طلب العلم الحقيقى فيقول : (١) من المجتهدين من رام إدراكه (١) بالبحث والنظر، ويقيم على ما يظهر له بالدليل والبرهان، وهؤلاء زمرة الحكماء والباحثين ورئيسهم أرسطو طاليس ومَنْ لخص آراءه أو شرحها مثل «أبى نصر الفارابى ... )). (٢) ومن المجتهدين من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة (٢)، وهؤلاء هم النساك ، أكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان تجل عن أن توصف بلسان ، فلا يقوم عليها دليل غيْرُ الوجدان. ونُسَّاك ملتناهم الصوفية، ولهم آداب شرعية واصطلاحية . (٣) ومن المجتهدين (٣) من ابتدأ أمره بالبحث والنظر وانتهى إلى التجريد وتصفية النفس فجمع بين الفضيلتين . وحاز كلتا الحسنيين ، ويُنْسَبُ مثل هذه الحال إلى «سقراط وأفلاطون والسهروردى» . (١) أى إدراك العلم . (٢) المقصود ((بالرياضة الروحية)). (٣) المقصود من المجتهدين ((جماعة الصوفية)). ٤٥ ولا يكتفى ابن الأكفانى بذكر هذه المناهج الثلاثة فى طلب العلم ، ولكنه كغيره من كبار المفكرين، يدلى برأيه مرجحاً أحدها فى صراحة واختصار ، ولكن فى قوة المتمكن المجرب فيقول: ((واعلم أن طريق الباحثين أنفع للمتعلم لو وَفَّى بجملة المطالب ، وقامت عليها براهين يقينية)» وهو بذلك يردّ على قول الفلاسفة وقول المتصوفين بطريقة علمية عملية . ويأخذ ابن الأكفانى موقفاً مُناصراً للكتاب ، ويشيد بفائدته لطالب العلم ، فأوجب على كل من تعلّم علماً نافعا « أن يثبت فى كتب لمن يأتى بعده ما عثر عليه بفكره، واستنبطه بمسارسته وتجاربه مما لم يُسبق إليه كما فعل الذين من قبله)). واشترط على طالب العلم انتقاء الكتاب الجيد ، وحدد للكتب الجيدة المواصفات التى يجب أن تتوافر فيها، وتحدّث عن مرتبة كل كتاب: ((متى يجب أن يقرأ . وهل يبدأ به أو يتقدم عليه غيره، ويتوقف الوثوق به على المنهج الذى يتبعه المؤلف عند إخراج كتابه ، وهذه كلها نظرات علمية هامة تصلح لأن تكون أساساً لنقد الكتب ، وبيان قيمة كل منها . وأشار ابن الأكفانى إلى أن الكتب المصنفة فى مختلف العلوم ((لا تحصى كثرة)» وذلك لاختلاف أغراض العلماء فى الوضع والتأليف ، ولكن تنحصر من جهة المقدار فى ثلاثة أصناف : (١) مختصرة . (٢) مبسوطة . (٣) متوسطة . فنحن نجد الكثير من المؤلفات العربية تحمل العناوين التالية : (١) الوجيز . (٢) المبسوط . (٣) الوسيط . وقد التزم ابن الأكفانى أن تكون القوائم الببليوغرافية التى يذكرها بعد كل علم من بين هذه الأصناف الثلاثة ، مع العناية بنقد تلك المراجع بأسلوبه العلمى المختصر . وهذا ٤٦ منهج اختطه لنفسه ولم يسبقه إليه أحد ممن جمع القوائم الببليوغرافية التى عرفتنا بتراث الحضارة العربية الإسلامية ، وبذلك يعتبر عمله هذا مكملاً للجهود الخلاقة التى بذلها ابن النديم ومن أتى بعده من كبار العلماء فى إمداد الأجيال التى أتت بعدهم بمجموعات من القوائم الببليوغرافية المختلفة التى خلّدت القيمة الحقيقية لكثير من الإنتاج الفكرى الإسلامى ، وبذلك اشتركوا جميعاً فى رسم صورة مشرقة للتراث العربى الإسلامى منذ بداية عهد التدوين تأليفاً وترجمة أو إملاء حتى عصر («ابن الأكفانى ». ومع إشادة (( ابن الأكفانى )» بالكتاب وقيمته العظيمة فى التعليم والتعلم ، فإنه رأى ضرورة أن يتناول الطالب العلم ، بجانب اعتماده على الكتاب ، يتناوله عن أستاذ ناصح ، متبعاً فى ذلك طريقة السلف فى ضرورة أن تكون المشافهة والحفظ فى الصدور والرواية من عالم إلى عالم أساساً من أسس التربية والتعليم ، ولذلك فقد اشترط فى المعلم الناصح شروطاً وذكر واجباته ، كما بين ما يجب أن يتحلى به المتعلم والمنهج الواجب اتباعه لتحصيل العلم ، وواجباته نحو شيوخه . ويختلف منهج («ابن الأكفانى)» فى تقاسيم العلوم وطريقة تصنيفها عن مناهج غيره ممن سبقوه إلى ذلك ، فقد حصر العلوم والمعارف الإنسانية فى نوعين اثنين أصليين ، وقسم كل نوع إلى علوم رئيسية عامة يحتوى كل واحد منها على موضوعات كُليّة ، هى التى تميّز كل علم عن الآخر ، ثم قسم كل علم رئيسى إلى مقاصده ، وهى ما يتفرع منه من العلوم الجزئية . ولاشك أن « ابن الأكفانى )» اطلع واستفاد مما ألفه من سبقه من العلماء ، شأنه فى ذلك شأن جميع العلماء والباحثين ، إلا أنه كانت له شخصيته العلمية المستقلة ، فهو مثلاً يتفق مع الفارابى فى القول: ((إن المنطق آلة للمعانى» ولكنه يختلف معه فيقول: ((ومن الناس من زعم أن المنطق آلة لغيره من العلوم فلا يكون علماً فى نفسه . وهذا تحامل ، لأن كونه آلة لا ينافى كونه علماً فى نفسه ، فالهندسة آلة لعلم الهيئة ، وعلم فى نفسه ». ٤٧ وتيسيراً على الباحث رأينا أن نلحق بالكتاب خرائط بعض الرسوم البيانية التى توضح علم تقاسيم العلوم وبيان مراتبها عند (« ابن الأكفانى » وأخرى عند الفارابى . وقد توخى « ابن الأكفانى)) أن تكون المقدمتان والموسوعة مختصرة أشد الاختصار فهى كلها فى حوالى مائة ورقة ، وقد كتب موسوعته هذه بأفصح عبارة ، وبأسلوب واضح كل الوضوح، وهو أسلوب السهل الممتنع، وقد وصفه تلميذه المؤرخ ((أبو الصفا الصفدى» بقوله: ((أما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها)). ووصفه مؤرخ السيرة النبوية الشريفة (( ابن سيد النّاس»(١) بقوله: « ما رأيت من يُعَبّر عما فى ضميره بأوجز من عبارته، ولم أر أمتع منه ولا أفكه فى محاضرته » . ولا شك أن إلمام « ابن الأكفانى » بأكثر علوم عصره ، وتمكّنه من الأدب العربى ساعداه على تقديم مادة علمية قيمة وعلى حُسن التعبير ودقته . كما يسّرًا له السبيل فى إحكام تصنيف العلوم وبيان مراتبها . (١) محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمرى. أبو الفتح. فتح الدين، مؤرخ وعالم فى الأدب من حفاظ الحديث وله شعر رقيق، ٦٧١ - ٧٣٤هـ / ١٢٧٣ - ١٣٣٤م ، الدرر الكامنة جـ ٤ : ٢٠٨ ، النجوم الزاهرة ٩ : ٢٠٣. ٤٨ مصادر المبحث الرابع (١) الأعلام ((خير الدين الزركلى)). (٢) الدرر الكامنة («لابن حجر)). (٣) كشف الظنون ((حاجى خليفه)). (٤) مجلة المجتمع العلمى العربى . (٥) معجم الأطباء ((أحمد بك عيسى)). (٦) مقدمة الإحصاء (٧) معجم المؤلفين ( أحمد رضا كحاله)). (٨) النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة «لابن تغرى بردى)). (٩) هداية العارفين ((للبغدادى)). ٤٩ المبحث الخامس التقييم العلمى لكتاب (( إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» ٥١ عرف علماء المسلمين فضل هذه الموسوعة المختصرة ، وقدّروها حق قدرها ، ومنهم من اعتمد عليها اعتماداً كبيراً ، ومن ذلك ما ذكره حاجى خليفه فى موسوعته الببليوغرافية الكبرى: ((كشف الظنون عن أسامى الكتب والفنون» (١) . فقد قال يصف ((إرشاد القاصد)»: مختصر .. ذكر فيه أنواع العلوم وأصنافها، وهو مأخذ مفتاح السعادة، وكذلك ذكر ((عثمان أمين)» فى تعليقاته على كتاب ((إحصاء العلوم)): ((إن التعريف العلمى الذى كتبه (الأكفانى) فى إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد موجود بنصّه فى مفتاح السعادة)»(٢). وجاء أيضاً فى مقدمة تحقيق موسوعة ((مفتاح السعادة)): ((ولعل الكتاب الذى يشبه كتابنا فى معظم الوجوه هو كتاب ( إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد) ... فإن من يقرأ إرشاد القاصد سوف يلاحظ على الفور أن ( طاش كبرى زاده ) قد تأثر بهذه الرسالة سواء فى شرح الغرض من الكتاب ، أو فى طريقة المعالجة وقد نقل ( طاش كبرى زاده) أجزاء بعضها من مقدمة ذلك الكتاب ، كما نقل تعريفات العلوم » (٣). ونظراً للممكانة العلمية التى يحظى بها كتاب: ((مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم » تأليف طاش كبرى زاده ، وذلك بوصفه أكبر موسوعة عربية ترتب محتوياتها ترتيباً علمياً دقيقاً وفق تصنيف العلوم . وتذكر بعد كل علم مختارات من المراجع التى صُنّفت فيه ، فقد أصبح لزاماً علينا أن نبحث هذا الموضوع بحثاً علمياً متأنياً، حتى نبين مبلغ تأثر موسوعة ((مفتاح السعادة)» بكتاب ((إرشاد القاصد)» متوخين فى ذلك الإيجاز ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً . فنقول : قسّم طاش كبرى زاده موسوعته: ((مفتاح السعادة)» إلى قسمين : القسم الأول : مقدمات أربع تقع فى سبعين صفحة عبّر فيها عن آراء المسلمين فى التربية والتعليم، والوسائل الواجب اتباعها للوصول إلى الغرض من التعليم ، ولا يسع الباحث المنصف إلا أن يقرر أن انتفاع ((طاش كبرى زاده » بما جاء فى مقدمة (١) طبعة وزارة المعارف التركية، جـ ١، ص ٦٦ . (٢) احصاء العلوم، ط ٣، التعليق رقم ٢٠، ص ١٥٦. (٣) مقدمة تحقيق كتاب ((مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم))، طبعة القاهرة ، ص ١٥ . ٥٣ («ابن الأكفانى)) لكتاب «إرشاد القاصد)» لم يكن مجرد تأثر بما قرأ، وأن مقدماته الأربع يمكن اعتبارها بسطاً وتوسُّعاً فى شرح المقدمة المختصرة التى قدم بها («ابن الأكفانى)» لموسوعته الموجزة ، ولكن لابد للمنصف كذلك من أن يدرك أن «طاش كبرى زاده» كان مجدّداً فى بسط الآراء التربوية السائدة فى عصره عند المسلمين فى القرن العاشر الهجرى(١) وبخاصة بعد اجتياح التتار لكثير من البلاد الإسلامية، ونشاط الطوائف الصوفية ودعاتها فى ترويج مبدأ الشعور بالذنب بين المسلمين على اعتبار أن هذه الكارثة تزلت بهم لغضب الله عليهم لعدم تمسكهم هم وحكامهم وكبار رجالاتهم بالدين الإسلامى الحنيف وانغماسهم فى الشهوات . القسم الثانى: قسّم ((طاش كبرى زاده» العلوم والمعارف فى موسوعته الكبرى إلى سبع دوحات ، ومع استفادته من تعريفات العلوم فى «إرشاد القاصد)» فإنه توسّع توسعاً لم يسبق إليه عند الكلام فى أربع دوحات منها ، وذلك فى ثلاثَ نواحى ، فقد توسع فى الحديث عن علوم هذه الدوحات الأربع ، وكذلك عند ذكر تاريخها وتراجم الكثير من رجالاتها ، كما توسع فى تصنيف تلك العلوم ، فقسم كل دوحة منها إلى شعب ، وكل شعبة إلى ما تشتمل عليه من علوم ، ثم توسع فى اختيار المراجع الببليوغرافية التى يستعان بها فى تعليم علوم تلك الدوحات الأربع وقد ورد ذلك فى أكثر من نصف الجزء الأول وفى الجزأين الثانى والثالث ، فهى غالبية الموسوعة . وقد تحقق لنا أن («طاش كبرى زاده» استفاد استفادة واضحة عند الكلام على الدوحات الثلاث الأخرى من كتاب ((إرشاد القاصد)) فقد اكتفى بنقل تعريف العلوم التى ذكرها (( ابن الأكفانى)) نقلاً يكاد يكون تاماً. وكذلك فى بيان الغرض من دراسة هذه العلوم كما اكتفى فيها بذكر المراجع البيليوغرافية التى وردت فى «إرشاد القاصد» ولكنه عنى بالتوسع فى تصنيف العلوم العامة فى تلك الدوحات الثلاث ، وعرَّفُ تلك الفروع ، وذكر بعض المراجع الببليوغرافية التى تُعين على دراستها ، ويشغل الكلام عن هذه الدوحات الثلاث نصف الجزء الأول من الموسوعة . ومما يؤسف له أن «طاش کبرى زاده» لم يشر فى موسوعته الكبرى إلى ما أخذه من كتاب ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» تأليف («ابن الأكفانى»، (١) يوافق القرن ١٦ الميلادى . ٥٤ ولم يكتف بذلك بل إنه تجاهل ذكرهذا العالم الجليل الذى انتفع من جهوده ، كما تجاهل إنتاجه الفكرى فلم يذكره فى موسوعته الكبرى ، ولم يذكر شيئاً عن مؤلفاته العديدة الأخرى فى مختلف العلوم والفنون . ومما يدل على على المكانة العلمية ((لابن الأكفانى))، وأصالة المنهج الذى اختاره فى موسوعته المختصرة: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم» أن العلامة الكبير ((الفيروز أبادى)) صاحب التصانيف العديدة (١) استعان بجزء كبير من هذه الموسوعة فأثبته فى بداية مقدمة كتابه الشهير: (( بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز)) وذلك عند الكلام عن الموضوعات الآتية : ((فضل العلم وأنواعه ومراتبه)) و((شروط التعلم والتعليم)» وكذلك عند القول عن ((القول فى حصر العلوم)) (٢)، ولولا منزلة «ابن الأكفانى)) العلمية ما اطمأن الفيروز أبادى، وهو من هو فى علمه الموسوعى، للأخذ من كتاب: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم)» وفى ذلك أبلغ دلالة على ارتفاع منزلة ((ابن الأكفانى)» والثقة فى علمه وفى موسوعته المختصرة عند جلّة العلماء من أمثال « الفيروز أبادى )». ولكن مما يؤسف له أن الفيروز أبادى لم يشر إلى هذا الفضل الكبير الذى استعارة من عالم جليل سبقه واستعار من كتابه أربع عشرة صفحة كاملة . ونظراً لأن موسوعة «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم » أحاطت بأكثر العلوم كما عرفها علماء المسلمين فى القرن الثامن الهجرى (٣)، ونظرا لأن (١) ذكر محقق كتاب: ((بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز)) ٤٩ كتاباً من مؤلفاته من بينها ((القاموس المحيط)» وهو من أشهر المعاجم العربية . (٢) يجد الباحث تطابقاً كاملاً بين ما ورد من هذه الموضوعات فى مقدمة الجزء الأول من ((بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز» من ص ٤١ حتى ص ٥٤ وبين المقدمة الثانية لموسوعة ((ابن الأكفانى)) المختصرة: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم)» علماً بأن ابن الأكفانى توفى سنة ٧٤٩هـ وأن ((الفيروز أبادی)» ولد سنة ٧٢٩هـ. أنظر ( طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامى بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ». (٣) يوافق القرن الرابع عشر الميلادى. ٥٥ ((الحكيم المتطبب ابن الأكفانى، توخى الدقة العلمية، ووضوح الرواية عند الكلام عن هذه العلوم ، ونظراً لأن تصنيفه لتلك العلوم والمعارف وبيان مراتبها وتعلق بعضها ببعض وأغراض كل منها جاء بأسلوب سهل وموجز أشد الإيجاز مما يعطى الباحثين والدارسين فكرة واضحة وشاملة عنها فى أسرع وقت ، فلذلك كله عمد العالم المصرى الجليل ((محمد فريد وجدى)) إلى الاستعانة بهذه الموسوعة عند ذكر «أنواع العلوم عند العرب» فقد ذكرها فى موسوعته(١) نقلاً عن («موسوعة إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فى أنواع العلوم»، وذكر ذلك صراحة فقال: المطلع على ما دونه العرب من العلوم يدهش من توسعهم فى أسمائها وموضوعاتها ، فقد أعد لهم العلامة («شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصارى» فى رسالته: «إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد)) ستين علماً ... ، ونحن لا يسعنا فى هذا الفصل إغفال ذكر أنواع العلوم التى كان المسلمون أيام عظمتهم المدنية ، فلنأت على ذكرها مستقاة من رسالة العلامة (( شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصارى» (١). ولما كان غرض ((الحكيم المتطبب ابن الأكفانى)» من تأليف هذه الموسوعة الببليوغرافية المختصرة غرضاً تربوياً تعليمياً يرمى إلى «تكميل نفوسنا البشرية فى قواها النظرية والعملية، إذ كان ذلك هو الوسيلة إلى السعادة الأبدية)) (٢)، وكانت وسيلة المؤلف لبلوغ ذلك هى ذكر أنواع العلوم وبيان مراتبها ، وكذلك مساعدة مَنْ يريد مواصلة الدراسة والبحث بذكر قائمة ببليوغرافية منتخبة من أهم المراجع والمصنفات التى تفيد طالبى العلم من مختلف المستويات الثقافية، ولما كانت بعض «الكلمات والألفاظ)» التى وردت عند شرح تقسيم العلوم لا غنى عن ذكر ما تدل عليه لأنها مصطلحات لازمة ، ولما كان الطالب المبتدئ يعجز عن فهم معنى تلك ((الألفاظ)» ولذلك يحتاج إلى كتاب آخر يساعده على هذا الفهم، لذلك رأى ((ابن الأكفانى)) ، إتماماً للفائدة من هذه الموسوعة، أن يلحق بها ((خاتمة)) (٣) تساعد المنتفعين منها، وأكثرهم كما يقول: ((من المبتدئين فى طلب العلم » إذ عنى فيها بتفسير تلك (١) مادة ((علم)) فى دائرة معارف القرن العشرين الميلادى الموافق القرن الرابع عشر الهجرى. (٢) راجع مقدمتى المؤلف الأولى والثانية . (٣) خاتمة الموسوعة . ٥٦ (الألفاظ)) حتى («لا يحتاج الناظر فى الموسوعة إلى كتاب آخر فى فهمها)). وهذه الألفاظ هى . (١) العلم . (٢) الحد . (٣) الرسم . (٤) الكليات الخمس . (٥) المقولات العشر . ولم يكتف (( ابن الأكفانى)) بتفسير هذه المصطلحات العلمية التى أطلق عليها اسم ((ألفاظ)) ولكنه ذكر «رسومها وبيّن أقسامها ». ٥٧ مصادر المبحث الخامس (١) إحصاء العلوم . (٢) دائرة معارف القرن العشرين ((محمد فريد وجدى)). (٣) كشف الظنون («حاجى خليفه)). (٤) مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم ((طاش كبرى زاده)). (٥) الموسوعة الميسرة . (٦) القاموس الإسلامى ((لأحمد عطية الله». ٥٨