النص المفهرس

صفحات 21-40

السلطان بيبرس الثانى، وأخذوا يعلنون ولاءهم للسلطان الناصر محمد، وصار
يتجمع لمناصرته أمراء المماليك المصريين ، فزحف إلى مصر ، واسترد الحكم ( ٧٠٩هــ
١٣٠٩م) وكان قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره واستفاد من التجارب التى مرت
به، وأصبح قادراً على أن يمسك بزمام الحكم ، وفرض كلمته على أمراء المماليك.
وقمع كل من يحاول الفتنة ، فاستقر له الملك ، ودانت له البلاد واحداً وثلاثين عاماً :
٧٠٩ - ٧٤١هـ / ١٣٠٩ - ١٣٤٠م قضاها فى إصلاح أحوال البلاد ، والنهوض بها ،
فأنشأ القناطر ، وشق الترع الجديدة لزيادة الرقعة الزراعية ، ولم يكتف بتكليف بعض
الأمراء بتقوية جسور النيل والترع الكبرى لحماية مصر من خطر الفيضانات العالية،
ولكنه أشرف بنفسه على تقوية بعضها ، كما أقام وشجع أمراء المماليك على إقامة
المساجد لتكون دوراً للعبادة ومركزاً لنشر التعليم ، وقد أوقفوا عليها الكثير من
الأوقاف حتى يكون لها دخل ثابت يساعد على استمرارها فى أداء رسالتها ، وحتى
تستطيع أن تستعين بكبار العلماء للتدريس فيها .
لقد عاش ابن الأكفانى فى هذا العصر الذى ازدهرت فيه الحياة الاقتصادية فى مصر
والشام ، وعم فيه الأمن ، وانتشر الرخاء مما أتاح الفرصة لامتداد نفوذ السلطان الناصر
محمد إلى الحجاز حيث قام بتنظيم شئون مكة المكرمة والمدينة المنورة وتوفير أسباب
الحياة لسكانهما ، وكذلك نجح السلطان الناصر محمد فى مد نفوذه على ليبيا وتونس
غربى مصر ، كما نجح فى نشر الأمن والسلام فى بلاد النوبة .
١٩

مراجع المبحث الأول
(١) النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى، جـ ٦، ٧، ٨ .
( ٢) مفرج الكروب لابن واصل .
( ٣ ) السلوك المقريزى .
(٤) المختصر فى أخبار البشر لابى الغدا، جـ ٢، ٣ ، ٤ .
(٥ ) تاريخ الخلفاء للسيوطي.
(٦) المواعظ المقريزى .
( ٧) النهج السعيد لمفضل بن أبى الفضايل.
( ٨) بدائع الزهور لابن إياس .
( ٩) الأيوبيون والمماليك فى مصر والشام لسعيد عبد الفتاح عاشور .
(١٠) دولة بنى قلاوون فى مصر لمحمد جمال الدين سرور .
٢٠

المبحث الثانى
الحياة العلمية والثقافية
فى عصر ابن الأكفانى
٢١

كانت الحروب والفتن والكوارث التى ابتليت بها البلاد الإسلامية فى هذين القرنين
سبباً فى انتشار الشعور بالذنب بين المسلمين ، فقد ساد الاعتقاد بين الناس أن الله
سبحانه قد سلّط عليهم الصليبيين والمغول لانغماس حكامهم وأغنيائهم فى الترف
والشهوات ، وابتعادهم عن تعاليم الدين الإسلامى الحنيف ، وظهر فى جميع البلاد
الإسلامية عدد كبير من أقطاب المتصوفين والزهاد ، ونشط دعاتهم فى الدعوة لتعميق
هذا الشعور بين مختلف طبقات الشعب ، واصطبغ كثير من الآدب العربى شعره ونثره
بهذه الروح ، ودعا بعض غلاة المتصوفين إلى اتباع نظريات فلسفية تصوفيه مبنية
على مبادئ غير إسلامية ، فقد انتشرت فى سوريا وفى غيرها من البلاد الآسيوية
الدعوة إلى نبذ الدنيا وما فيها من النّعم التى أحلها الله لعباده، وإلى أن يُقبل الناس
على مجاهدة النفس بالرياضة الروحية حتى يتصل المريد بالذات الإلهية المقدسة ويفنى
فيها فيشعر باللذة الدائسة، ويرى «مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر »(١) فتصدى لهم كثير من الفقهاء والمحدِّثين ، وهاجموهم هجوماً يمتاز بعضه
بالهدوء وضبط النفس والموعظة الحسنة على أساس الدعوة إلى اتباع تعاليم الدين
الإسلامى الحنيف فى سماحة ، وكان من بين هؤلاء الطبيب والفقيه الإسلامى النابغة
ابن النفيس(٢)، فقد عارضهم وأبان أن الانسان مدنى بطبعه ، وأنه يجب أن يعيش
فى جماعة يتعاون أفرادها، «لأن الانسان فى حاجة إلى غذاء صناعى ، ولباس
صناعى وليست تجود عيشته إذا انفرد بنفسه ، بل لابد أن يكون مدنياً حتى يكون
مع جماعة: يكون لبعضهم أن يزرع ، وللآخر أن يحرث ، وللآخر أن يخبز ، وللآخر
أن ينقل المادة، وللآخر أن يخيط الثوب، ونحو ذلك»(٣) وكذلك دافع ابن النفيس
عن مبدأ ((العمل لكسب الرزق)) معارضاً فى ذلك غلاة المتصوفين الذين دعوا إلى
الانقطاع إلى العبادة ونبذ الدنيا ، فقد بيّن لهم أن الشرع الذى يأتى به النبى يجب أن
يفرض ذلك كما يفرض غيره من المبادئ الهامة التى لا تصلح الحياة إلا بها ، فيقول :
(١) انظر شرحنا ((للرسالة الكاملية فى السيرة النبوية)).
(٢) هو الطبيب المسلم الذى اكتشف الدورة الدموية الصغرى ، وكان بجانب ذلك فقيهاً شافعياً
( ٦٠٧ - ٦٨٧هـ / ١٢٠٧ - ١٢٨٨ م).
(٣) الفصل الثالث من الفن الأول من الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية .
٢٣

(«إن النبى يجب أن ينهى عن الظلم وأخذ مالٍ بغير حق وبالباطل ، ويأمر بالمعروف ،
وينهى عن المنكر ، و (عن ) كل أمرٍ يؤدى إلى الاستغناء عن نفع الناس وإلى
القناعة بالبطالة ، فيجب أن يكون اجتماع الناس على وجه يكون لكل واحد تفع ، فلا
يكون فيهم من لا نفع له إلا أن يكون عاجزاً بمرض))(١).
وكان من بين الفقهاء الذين عاصرهم ابن الاكفانى «المزى: يوسف بن عبد الرحمن
الكلبى»(٢) إمام الحفاظ وحامل راية السنة والجماعة (٦٥٤ - ٧٤٢هـ)، ومنهم
كذلك الأصبهانى ، أبو الثناء شمس الدين محمد (٣) (٦٧٤ - ٧٤٩هـ / ١٢٧٦ -
١٣٤٩م ) فقد هاجر من أصبهان إلى دمشق وعاصر ابن تيمية ثم استقر بالقاهرة شيخاً
لخانقاه قوصون بالقاهرة وهو صاحب المؤلفات فى الفقه والتفسير والمنطق . ومنهم كذلك
تقى الدين السبكى (٤): (٧٥٦هـ - ١٣٥٥م) أبو الحسن على، وهو الذى أنتهت
إليه رياسة العلم فى مصر ، وقد تولى قضاء الشام ثم مشيخة دار الحديث بالأشرفية
بمصر ، وعاصر كذلك تاج الدين السبكى، أبو النصر عبد الوهاب (٥) ( ٧٢٧ -
٧٧١هـ / ١٣٢٦ - ١٣٩٩م) وهو ابن تقى الدين سالف الذكر، وقد انتهت إليه
أيضاً رياسة قضاء الشام، ومن أشهر مؤلفاته ((جمع الجوامع فى أصول الفقه )) وكتاب
« طبقات الشافعية الكبرى » .
وتألق فى عهد ابن الأكفانى لفيف آخر من الفقهاء الغيورين على الإسلام ،
فتصدّوا للفلاسفة والأصحاب الطرق الصوفية، وكان من أبرزهم ابن تيمية (٦)، تقى
الدين أبو العباس (٦٦١ - ٧٢٨هـ / ١٢٦٣ - ١٣٢٨م ) فقد كان هو وتلاميذه
على رأس الفقهاء الذين آثروا العُنف فى مهاجمة بعض الفلاسفة وغلاة المتصوفين
(١) الفصل الثانى من الباب الثانى من الفن الثالث من الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية .
(٢) مفتاح السعادة جـ ٢، ص ٣٦٧ - ٣٦٨.
(٣) القاموس الإسلامى لاحمد عطية الله، جـ ١، ص ١١٩ .
(٤) القاموس الإسلامى، جـ ٣ ، ص ٢٤١ .
(٥) القاموس الإسلامى، جـ ٣.
(٦) فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى، جـ ١، ص ٣٥. وطبقات الشافعية للسبكى، جـ ٥،
ص ١٨١ - ٢١٢ .
٢٤

وشطحات بعض أصحاب الطرق الصوفية ، وقد لاقى فى سبيل ذلك الكثير من
الاضطهاد ، ومن أمثلة العنف الذى اتبعه الخصومة التى نشبت بينه وبين ابن عطاء الله
السكندرى ، مع ما كان مشهوراً عن هذا المتصوف من الالتزام بالشرع الحنيف (١).
وعاصر ابن الأكفانى ابن قيم الجوزية (٢)، شمس الدين أبو عبد الله محمد
(٦٩١ - ٧٥١هـ / ١٢٩٢ - ١٣٥٦م) الذى ورث الصراع مع الفلاسفة والمتصوفين
عن استاذه ابن تيمية ، وقد قاسى الكثير من الاضطهاد مثل استاذه وبخاصة بعد وفاة
استاذه ، وقد نُشر الكثير من مؤلفات ابن قيم الجوزية مطبوعاً من بينها «زاد المعاد
فى هدى خير العباد)) وكتاب «الفوائد المشرفة إلى علوم القرآن وعلم البيان » وكتاب
«الروح)».
ولا يفوتنا أن ننوه بالتصوف الذى انتشر فى مصر لأنه خلا من كثير من العناصر
غير الإسلامية التى اختلطت بالتصوف فى كثير من البلاد الإسلامية الأخرى ، فلم تجد
نظرية وحدة الوجود ، ولا مبدأ الحلول أو الاتحاد إقبالاً من أقطاب المتصوفين فى
مصر(٣) ، ولكنهم عنوا عناية كبيرة بالجانب العملى الخلقى ، ولم يقبل الشعب فى
مصر على الانخراط فى سلك طرق المتصوفين الذين غالوا فى تصوفهم وأسرفوا فى
الدعوة لنظريات أثير حولها بعض الشبهات (٣).
ويسرنا أن نذكر أنه بالرغم من الحروب الطاحنة ، والفتن والقلاقل الكثيرة التى
عانت منها مصر والشام طوال قرنين من الزمان فإنه كان العصر الأيوبى والعصر
المملوكى نواح أخرى مشرقة مما كان له أكبر الأثر فى تكوين «ابن الأكفانى » من
الناحيتين العلمية والثقافية ، وذلك لأن هذين القرنين كانا امتداداً للعصر الفاطمى من
الناحية الحضارية ، فقد عنى الأيوبيون والمماليك بتشجيع العلم والعلماء ، والأدب
والأدباء ، ولم يدخروا وسعاً فى اتباع هذا المنهج اقتداء بالفاطميين ، فكما عنى
(١) كتاب ((ابن عطاء الله السكندرى)) تأليف أبو الوفا التفتازانى، ص ٦٧ - ٦٩.
(٢) دائرة المعارف الإسلامية ، جـ ١
(٣) كتاب ابن عطاء الله السكندري، تأليف ابى الوفا التفتازانى، ص ٦٣ - ٦٤.
٢٥

الفاطميون ببناء الأزهر وغيره من المساجد لنشر العلم والتعليم وبخاصة تعاليم الشيعة،
فكذلك عنى الأيوبيون والمماليك من بعدهم ببناء المساجد والبيمارستانات (١) التى
لاتزال شاهدة على ما بذل بسخاء فى تشييدها ، وعلى النهضة المعمارية والذوق الفنى
الرائع الذى يشهد على ارتقاء الحضارة فى تلك العصور، كما أقاموا المدارس التى
كانت تنهض بما تقوم به الجامعات فى أيامنا هذه ، وكان يقوم بالتدريس فيها وفى
المساجد نخبة ممتازة من الأساتذة والشيوخ المتخصصين فى جميع العلوم والفنون . وقد
عاصر (( ابن الأكفانى)) السلطان («الناصر محمد)) الذى عنى هو وأمراؤه بتشييد
المساجد العظيمة حتى قيل إنه بُنى فى هذا العصر ثمانية وعشرون مسجداً فى مصر
والشام ، واختاروا لها أكفأ الشيوخ لتدريس جميع العلوم والفنون ، وعنوا كما عنى
من سبقهم من الأيوبيين والمماليك بتحريم تدريس فقه الشيعة ، كما بذلوا الكثير من
الجهود للقضاء على التشيع وعلى التعاليم الفاطمية ، واقتدوا بمن سبقهم من الأيوبيين
والمماليك فخصصوا الكثير من الأوقاف لتلك المنشآت ، فلا غرو أن تقوم فى مصر
والشام أثناء حكم الأيوبيين والمماليك نهضة حضارية عظيمة هى النهضة الثانية فى
تاريخ الحضارة الإسلامية .
وقد غذى هذه النهضة الحضارية المباركة العلماء والشيوخ الذين استطاعوا الهرب
من العراق ومن المشرق الإسلامى قراراً من بطش المغول وعسفهم، كما لجأ إلى مصر
والشام الكثيرون من أفاضل العلماء والمتصوفين الذين هاجروا من المغرب الإسلامى
فراراً من بطش الفرنجة فى الأندلس ومن عدم الاستقرار فى بلاد المغرب العربى وشمال
أفريقية ، وقد نزل هؤلاء وأولئك على الرحب والسعة، وأكرمت مصر والشام وفادتهم ،
ورُتّبت لهم الأرزاق التى تكفل لهم عيشة كريمة نظير قيامهم بالتدريس وبوظائف القضاء
ويكفى أن نذكر هنا أنه كان من بينهم العالم الكبير ((ابن خلدون)) (٢) مؤسس علم
الاجتماع واستاذ فلسفة التاريخ .
(١) المرجع السابق، وكتاب ((دولة بنى قلاون فى مصر لمحمد جمال الدين سرور)).
(٢) ابن خلدون: ٧٣٢ - ٨٠٣هـ / ١٣٣٢ - ١٤٠٦م .
٢٦

وقد ازدان زمن ابن الأكفانى كذلك بنخبة ممتازة من الفقهاء الذين ضربوا بسهم وافر
فى كثير من العلوم . فقد كان الفقيه الشافعى ((ابن سيد الناس)) أبو الفتح محمد (١)
(٦٧١ - ٧٣٤هـ / ١٢٦٣ - ١٣٣٣م) من كبار حفاظ الحديث ، كما ألف فى
السيرة النبوية الشريفة كتاب (( عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير » ثم
اختصره بعنوان «فوز العيون فى تلخيص سيرة الأمين والمأمون )» وكذلك له ديوان
شعر رقيق فى مدح الرسول عليه عنوانه «بشرى اللبيب فى ذكرى الحبيب)).
وكان من ألمع فقهاء عصره ((تقى الدين السبكى)) (٢) أبو الحسن على فقد خلف
عدة مؤلفات فى كثير من العلوم نذكر من بينها ((الدر النظيم فى التفسير» وله فى
السيرة الشريفة كتاب «السيف المسلول)) وكتاب «شفاء السقام فى زيارة خير الأنام».
وكان من بينهم تاج الدين السبكى (٣) ، أبو النصر عبد الوهاب وله فى التراجم كتاب
« طبقات الشافعية الكبرى)) وهو من أوفى ما كتب فى هذا الموضوع حتى عصره .
ونذكر من بين المتصوفين الذين ازدان بهم هذا العصر («ابن عطاء الله السكندري»
الذى كان له أكبر الفضل فى التعريف بآداب الطريقة الشاذلية ، وكان من كبار الفقهاء
المصريين ، وحافظاً للحديث الشريف ، كما درس العلوم العقلية ثم تصوف ، ومن
مؤلفاته كتاب (( الحكم العطائية)) وكتاب ((تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس))
و ((لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وأبى الحسن الشاذلى».
وأدرك ابن الأكفانى العالم اللغوى والمؤرخ الكبير «ابن منظور» (٤) المصرى ،
جمال الدين أبو الفضل محمد (٦٣٠ - ٧١١هـ / ١٢٣٢ - ١٣١١م) وقد قدم للغة
العربية أجَلّ الخدمات فهو صاحب أكبر وأوسع معجم من معاجم الألفاظ فى اللغة
العربية ويقع فى عشرين مجلداً هو (( لسان العرب»، كما أسدى إلى اللغة العربية
خدمات جليلة أخرى فقد توفّر على اختصار بعض من أمهات كتب الأدب وكتب
التاريخ المطولة نذكر منها كتاب « الأغانى لأبى الفرج الاصفهانى)» و «العقد الفريد
(١) ابن عطاء الله السكندري: تأليف أبو الوفا التفتازانى.
(٢) سبق ذكره .
(٣) انظر الموسوعة الميسرة، والقاموس الإسلامى ودائرة المعارف الإسلامية.
(٤) انظر دائرة المعارف الإسلامية والموسوعة الميسرة .
٢٧

لابن عبد ربه)» و «الذخيرة فى محاسن الجزيرة» و «تاريخ مدينة دمشق لابن
عساكر)) و ((تاريخ بغداد للخطيب البغدادى)» و ((كتاب الحيوان للجاحظ)). وكذلك
عاصر اللغوى الاندلسى الكبير أبو حيان الغرناطي (١)، اثير الدين محمد (٦٥٤ -
٧٤٥هـ / ١٣٤٤م) الذى هاجر إلى مصر وجلس للتدريس فيها أيام السلطان الناصر محمد
واشتهر باتقانه لكثير من اللغات ودراسته لعلم اللغات المقارنة ومن مؤلفاته ((البحر
المحيط)) و ((عقد اللآلى فى علوم القرآن)) و ((طبقات نحاة الأندلس)).
وعاصر النحوى الكبير ابن هشام المصرى(٢) ، جمال الدين أبو محمد عبد الله
(٧٠٨ - ٧٦١ هـ / ١٣٠٩ - ١٣٦٠م) وهو فقيه قام بتدريس الفقه فى القبة
المنصورية ، وقد قال عنه ابن خلدون فى مقدمته: «إن ابن هشام على علم جم يشهد
بعلو قدره فى علم النحو)).
وقد أجزل سلاطين المماليك العطاء الأدباء والشعراء والمؤرخين ، وقد عاصر منهم ابن
الأكفانى الكثيرين من بينهم «ابن نباته الجذامی(٣)، محمد (٦٨٦ - ٧٦٨ هـ /
١٢٨٧ - ١٣٦٦م) . الذى عاش فترة فى دمشق ثم عيّنه السلطان الناصر محمد
صاحب سره ، وكان أديباً يميل إلى السجع مقتدياً فى ذلك بالقاضى الفاضل ، وقد
أعجب بشعره أهل عصره ومن مؤلفاته ديوان طبع أكثر من مرة بمصر وله كثير من
المدائح والغزل .
وفى عهد ابن الأكفانى عاش الأديب المغربى ابن أبى حَجَلّه ، أبو العباس شهاب
الدين أحمد (٧٢٥ - ٧٧٦هـ / ١٣٢٥ - ١٣٧٥م)، وهو شاعر رقيق عارض منهج
عمر بن الفارض ، وقد تولّى مشيخة تكية ((منجك)» بالقاهرة ، وله ديوان الصبابة فى
قصص مشاهير العشاق .
وقد ازدهر علم التاريخ ازدهاراً كبيراً فى الفترة التى عاشها ابن الأكفانى وكان من
أبرز المؤرخين :
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية والموسوعة الميسرة .
(٢) المراجع السابقة .
(٣) المراجع السابقة .
٢٨

الذهبى (١)، شمس الدين محمد (٦٧٣ - ٧٤٨هـ / ١٢٧٤ - ١٣٤٨م). وهو
تركى الأصل وقد تنقل فى البلاد الإسلامية طلباً للعلم وبخاصة التاريخ وتراجم رجال
الحديث . وعاش فترة فى القاهرة ، وتوفى فى دمشق ، وترك ثروة كبيرة منها :
(١) تاريخ الإسلام الكبير .
(٢) تاريخ دول الإسلام .
(٣) سير أعلام النبلاء .
(٤) تذكرة الحفاظ .
(٥) ميزان الاعتدال فى نقد الرجال .
فنذكر كذلك المؤرخ العربى الأمير أبا الغدا (٢) ، إسماعيل بن على الأيوبى
(ت٧٣٢هـ / ١٢٧٣ - ١٣٣١م) وهو أديب ومؤرخ وجغرافى ، كان من رجال
السلطان الناصر محمد، وأهم كتبه «المختصر فى أخبار البشر» اعتمد فيه على
اختصار كتاب ابن الأثير (« الكامل فى التاريخ » ثم أتبعه بما حدث بعد ذلك إلى
عصره ويعتبر مؤرخاً شاهداً على العصر الذى عاش فيه حتى سنة ٧٢٩هـ - ١٣٢٩م
وجل اعتماد المستشرقين على هذا الكتاب ، وقد أتمه الفقيه اللغوى ابن الوردى (٦٨٩
- ٧٤٩هـ / ١٢٩٠ - ١٣٤٩م) وهو أحد معاصرى ابن الأكفانى ، وقد توفى مثله
فى الطاعون، ومن مؤلفاته ((الشهاب الثاقب)» فى التصوف .
وكان من كبار معاصريه المفسر الفقيه المؤرخ ابن كثير (٣)، إسماعيل بن عمر
(٧٠١ - ٧٧٤ هـ / ١٣٠١ - ١٣٧٣م) وهو من كبار تلاميذ ابن تيمية ، وقد ورث
عن أستاذه محاربة من أسماهم ((أهل البدع)) من غلاة المتصوفين ورجال الطرق
الصوفية ، ولقى مثل أستاذه الكثير من الاضطهاد والمتاعب ، ومن أهم مؤلفاته
(تفسير القرآن العظيم)) وكذلك كتاب ((البداية والنهاية)) فى التاريخ ويبدأ بتاريخ
الأنبياء والرسل حتى القريب من عصره .
(١) القاموس الإسلامى جـ ٢ ، وكذلك الموسوعة العربية الميسرة.
(٢) مقدمة كتاب: ((المختصر فى تاريخ البشر)» والموسوعة العربية الميسرة، وكتاب ((فوات
الوفيات )» .
(٣) مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم، جـ ١، ص ٢٥٢ - ٢٥٣.
٢٩

وكان من أخلص أصدقائه الذين تتلمذوا له الصفدى(١) ، خليل بن أيبك ( ٦٩٦ -
٧٦٤هـ / ١٢٩٧ - ١٣٦٣م) وهو أديب ومؤرخ موسوعى تولى ديوان الإنشاء
ببعض مدن الشام وبالقاهرة، ومن مؤلفاته: ((الوافى بالوفيات)» فى تراجم المشهورين
فى التاريخ الإسلامى، وكذلك كتاب: ((أعيان العصر وأعوان النصر)» فى تراجم
معاصريه .
وعاش فى القرن الثامن لفيف من الجغرافيين الذين أثروا بمؤلفاتهم التراث العربى ،
وقد عاصر منهم ابن الأكفانى الأمير ((أبا الفدا)) (٢) مؤلف كتاب «تقويم البلدان))
فى الجغرافيا الوصفية ، وقد انتشر الانتفاع به بدلاً من كثير من الكتب التى سبقته .
وكذلك ألف (« ابن فضل الله العمرى» (٣) موسوعته الشهيرة بعنوان: ((مسالك
الأبصار فى عجائب الأمصار )) وهى فى أكثر من عشرين مجلداً ، وتتناول فى جزء
كبير منها الحديث عن الطرق التى كانت تربط بين عواصم البلاد الإسلامية كما تحوى
الكثير من العلوم والمعارف التى كانت متداولة فى عصر مؤلفها وأهمها الأدب والتاريخ
والجغرافيا ، وقد أثنى العمرى فى موسوعته هذه على صديقه واستاذه ابن الأكفانى
فى ترجمته له (٤). وقد اقتبسنا نبذة من تلك الترجمة عند الحديث على تاريخ ابن
الأكفانى .
وكان أبو الصفا صلاح الدين الصفدى من أعز أصدقاء ((ابن الأكفانى )) ومن أقرب
تلاميذه إليه، وقد ذكر الصفدى فى موسوعة تراجمه المعروفة بعنوان ((الوافى
بالوفيات)) ترجمة لأستاذه، أشاد فيها بذكره ، وقد اقتبسنا جزءاً منها عند الكلام
على حياة (« ابن الأكفانى ».
وجدير بالذكر أن كتاب ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد )» كان بداية لتأليف
الموسوعات المختصرة فى مصر، فقد كان ((ابن الأكفانى)» أول عالم مصرى اقتفى أثر
(١) المرجع السابق، جـ ١، ص ٢٥٨، والقاموس الإسلامى جـ ٤.
(٢) سبق ذكره .
(٣) ت ٧٨١هـ - ١٣٨٤م ..
(٤) فى الجزء الخامس من الموسوعة .
٣٠

الفارابى فى هذا المنهج من التأليف ، وقد زاد على المعلم الثانى بذكر عدد كبير من
المراجع الببليوغرافية التى تيسر على الدارسين سبل البحث والاستزادة من طلب العلم ،
وقد اقتفى أثر (( ابن الأكفانى)) فى تأليف الموسوعات المختصرة المصنفة لفيف من
كبار العلماء المصريين نذكر منهم «جلال الدين السيوطى» ( ٨٤٩ - ٩١١ هـ /
١٤٤٥ - ١٥٠٥م) فقد ألف موسوعته المختصرة ((إتمام الدراية لقراء النقابة)» صنف
فيها أربعة عشر علماً تحوى العلوم الدينية المختلفة والعلوم التى تساعد على
دراستها .
٣١

مراجع المبحث الثانى
(١) كتاب ابن عطاء الله السكندرى ((أبو الوفا التفتازانى)).
(٢) دائرة المعارف الإسلامية .
(٣) الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية الشريفة ((لابن النفيس)).
(٤) فوات الوفيات ((ابن شاكر الكتبى)).
(٥) القاموس الإسلامى ((أحمد عطية الله)).
(٦) المختصر فى أخبار البشر .
(٧) مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم .
(٨) مقدمة ابن خلدون .
(٩) الموسوعة الميسرة .
٣٢

المبحث الثالث
الحديث عن ابن الأكفانى
٣٣

محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصارى ، شمس الدين أبو عبد الله السنجارى(١)
الأصل والمولد ، المصرى الدار، المعروف بابن الأكفانى المتوفى سنة ٧٤٩ هــ
١٣٤٨م (٢). كان من أفضل علماء القرن الثامن الهجرى ، ومن أعلمهم بدراسة
العقاقير الطبية ، ومن أنجحهم فى مداواة الناس ، وقد أحاط بكثير من علوم عصره ،
وله عدة تصانيف أكثرها فى الطب .
وقد أثنى عليه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى فقال: «ولد بسنجار ، طلب
العلم ففاق فى عدة فنون وأتقن الرياضة والحكمة ، وصنف فيها التصانيف الكثيرة .
وكان يحل إقليدس بلا كلفة كأنه تمثل بين عينيه ، وتقدم فى معرفة الطب فكان
يصيب حتى يتعجب الحذاق فى الفن منه ، فإنه يأتى المريض بخواصَ ومفردات يُغيّر
كيفيتها فيبرأ . وكان مع ذلك مستحضراً للتواريخ وأخبار الناس ، حافظاً للأشعار،
وله فى فنون الآداب تصانيف .. ومن تصانيفه: ((إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد »
وهو كتاب نفيس ، ومات فى الطاعون سنة ٧٤٩هـ (٣).
وأشاد بذكره تلميذه المؤرخ أبو الصفا صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي(٤) فقال:
« فاضل جمع أشتات العلوم ، وبرع فى علوم الحكمة ، خصوصاً الرياضى فإنه إمام فى
الهيئة والهندسة والحساب ، له فى ذلك تصانيف .. إلى أن قال: قرأت عليه قطعة
جديدة من كتاب إقليدس . وكان يحلّ لى فيه ما أقرأه عليه بلا كلفة . كأنما هو مُمَثّل
(١) سنجار: بلدة فى العراق هى سنجار القديمة ... ر٨ ن، مركز قضاء سنجار (محافظة نينوى).
أعلنها مرقس أوريليوس ١٦ - ١٨٠ مستعمرة رومانية . هاجمها الفرس عدة مرات . احتلها
شابور ونقل سكانها إلى فارس . ثم أعادها الامبراطور دليانس ٣٦٣هـ. اشتهرت فى العصر
العباسى بتقدمها . جبل سنجار كتلة صخرية فى العراق بالقرب من الحدود السورية تشرف على
مدينة سنجار ٢٠٠ر١م .
(٢) اتفقت أكثر المصادر على هذا التاريخ، ولم يشذّ إلا حاجى خليفه فى كتاب : كشف الظنون
وقد ذكر أنه توفى عام ٧٩٤هـ ولعل ذلك خطأ مطبعی .
(٣) الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة: جـ ٣، الترجمة رقم ٣٢٦٤. وقد ولد ابن حجر سنة
٧٧٣هـ وتوفى سنة ( ٨٥٣هـ / ١٣٣٢ - ١٤٠٦م).
(٤) صاحب كتاب الوافي بالوفيات: ( ٦٩٦ - ٧٦٤ / ١٢٩٦ - ١٣٦٣م).
٣٥

بين عينيه ، فإذا ابتدأت فى الشكل شرع هو فيسرد باقى الكلام سرداً ، أو أخذ الميل ،
ووضع الشكل فى حروفه فى الرمل على التخت ، وعبَّر عنه بعبارة جزلة فصيحة بينة
واضحة ، كأنه ما يعرف شيئاً غير ذلك الشكل . وقرأت عليه مقدمة فى وضع الأوقات
فشرحها لى أحسن شرح. وقرأت عليه أول الإشكالات وكان يحل علوم النصير
الطوسى : بأجلّ عبارة وأحلى إشارة ، وما سألته عن شئ فى وقت من الأوقات مما
يتعلق بالحكمة من المنطق والطبيعى والرياضى والإلهى إلاّ أجاب بأحسن جواب كأنه ما
كان البارحة يطالع إلا تلك المسألة طول الليل، وأما الطب فإنه إمام عصره ، وغالب
طبه بخواص ومفردات يأتى بها وما يعرفها أحد ، لأنه يغيّر كيفيتها وصورتها حتى لا
يُعلم ، وله إطبابات غريبة فى علاجه ، وأما الأدب فهو فريد فيه ، يفهم نكته ويذوق
غوامضه ويستحضر من الوقائع والأخبار والوفيات للمناس قاطبة جملة كبيرة ، ويحفظ
من الشعر شيئاً كثيراً إلى الغاية ، من شعر العرب والمولدين والمحدثين والمتأخرين ،
وله فى الأدب تصانيف ، ويعرف العروض والبديع جيداً ، وما رأيت مثل ذهنه توقد
ذكاء بسرعة مالها روية ، وما رأيت فيمن رأيت أصح ذهناً منه ولا أذكر )).
وقال أيضاً (١): «لم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطلاعاً منه
على أحوال الناس وتراجمهم ووقائعهم ممن تقدمه وممن عاصره ، وأما أحوال الشرق
ومتجددات التتار فى بلادهم فى أوقاتها فكأنما كانت القصاد تجئ إليه والملطفات تتلى
عليه بحيث كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه من الديوان ، وأما الرقى والعزائم فيحفظ
منها جملاً كثيرة وله اليد الطولى فى الروحانيات والطلاسم. وما يدخل فى هذا الباب.»
وقال أيضاً : وقرأت عليه من تصانيفه :
(١) إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد .
(٢) اللباب فى الحساب .
(٣) نخب الذخائر فى معرفة الجواهر .
(٤) غنية اللبيب عند غيبة الطبيب .
(١) الصفدى هو: صلاح الدين الصفدى (أبو الصفا) من أهل القرن الثامن الهجرى، له مؤلفات
كثيرة أشهرها الوافى بالوفيات . وكذلك أعيان العصر وأعوان النصر (٦٩٦ - ٧٦٤ هـ /
١٢٩٦ - ١٣٦٣م) ومن شيوخه ابن سيد الناس وابن نباتة .
٣٦

ومما لم أقرأه عليه من تصانيفه:
(١) كشف الرين فى أمراض العين .
(٢) روضة الألبا فى أخبار الأطبا.
(٣) الدر النظيم فى أحوال العلوم والتعليم.
(٤) نهاية القصد فى صناعة الفصد .
(٥) له نظم .
قال : وأنشدنى لنفسه :
فى طبّه (١) قد جاء بالشنعاء
ولقد عجبت لعاكس للكيميا
يلقى على العين النحاس يحلها (٢) ... فى لمحة كالفضة البيضاء
« وله تجمل فى بيته وملبسه ومركوبه من الخيل المسومة واليزة الفاخرة ، ثم إنه
اقتصر وترك الخيل، وآلى على نفسه أن لا يطب (٣) أحداً إلا ببيته أو فى المارستان
أو فى الطريق. وهو غاية فى معرفة الأصناف من الجواهر والقماش والآلات وأنواع
العقاقير والحيوانات وما يحتاج إليه البيمارستان ولا يُشترى بالمارستان المنصورى شئ
ولا يدخل إلا بعد عرضه عليه ، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه لم يُشْتَر ألبتة،
وهذا اطلاع كبير وخبرة تامة لأن البيمارستان يريد كل ما فى الوجود ، مما يدخل فى
الطب والكحل والجراح وغير ذلك. وأما معرفة الرقيق من المماليك والجوارى فإليه المآل
فى ذلك . ورأيت المولمين بالصنعة يحضرون إليه ويذكرون له ما وقع لهم من الخلل فى
أثناء أعمالهم فيرشدهم إلى الصواب ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد ، ولم أره شيئاً
يعوز (٤) من إكمال الأدوات ، غير أن عربيته ضعيفة وخطه أضعف من مرضى
مارستانه ، ومع ذلك فله كلام حسن ، ومعرفة بأصول الخط المنسوب والكلام على ذلك)).
(١) فى الدرر الكامنة (فى كحله) والكحل هو الاسم الذى اختاره العرب لمداواة مرض العين.
(٢) فى الدرر الكامنة (يحيلها ) وهو الأصح .
(٣) طبَّه = داواه ويجوز طب له .
(٤) فى الأصل بالذال المعجمة .
٣٧

وقال عنه تلميذه ابن فضل الله العمرى (١): ((قلت هذا رجل اجتمع لى وتردّد إلىّ
غير مرة وحادثته الحديث كرّة على كرّة ، وهو ذكره من الحديث الممتع والكلام المطمع ،
وقرأت عليه . ولقد كنت ألتقط من أثناء كلامه ثمرات الحكم . وأستدل عليه بمجاراته
على سعة اطلاع ووفور مدد ، ورأيت له فى هذا ما لم أره لأحد ، وكان يستجهل
الأطباء ويستبعد معالجتهم . ويستبعد كريه وصفاتهم. ويقول: « أنا أعالج المرضى
بما لم يستكره لهذه الأدوية الكريهة التى يصفها الأطباء . وأعطى القدر اليسير مما
يستطاب فيقوم مقام الكثير مما يعطونه مما لا يستطاب ، ويكون ما أعطيته من نوع
الغذاء وهو يقوم مقام الدواء ».
«وحكى لى القاضى ضياء الدين يوسف بن الخطيب أنه احتاج إلى استفراغ نعرض
ما به على الأطباء واستوصفهم فقالوا : هذا يحتاج إلى خمسة أيام تتقدم قبل استعماله
دواء. وشرعوا فى وصف دواء يشتمل على عقاقير كثيرة كريهة ، فلم أجد لى قابلية
على ما قالوه ، فقلت لابن الأكفانى فقال : يحصل القصد ، ثم أتانى ببرنية فيها شراب
حماض وقال : كلما أردت قيام مجلس العق من هذا الشراب لعقة، قال : ولعقت منه
تسع لعقات فقمت تسعة مجالس ، وزال ما كنت أشكوه ، ثم كنت فى كل حين ألعق
من ذلك الشراب وكلما لعقت لعقة قمت مجلساً لا يخالف (٢) عدد اللعقات. ولم يخرم
معى هذا » .
« وحكى لى الصدر مجد الدين السلامى نحو ذلك، ومع هذا كله : وما لا يجحد
من فضله لا يقول أطباء مصر إلا أنه طرقى لا طبيب . وأى حسن ماله من يعيب ؟
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبُغضاً إنه للميم»
وقد أثبت الدكتور أحمد بك عيسى فى بداية الحديث عن ابن الأكفانى قوله : حكيم
تكلم فى الجوهر والعرض ، وعرف أسباب الصحة والمرض ، وبرهن على الطب
(١) مسالك الأبصار: ص ٤٣٣، جـ ٥، قسم ٣، وقد عاش العمرى بعده حوالى ٣٢ عاماً
وتوفى سنة ١٣٨٤م .
(٢) المعنى : ان عدد المجالس يتفق مع عدد اللعقات .
٣٨