النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ المجرورات: المجرور بالحرف ثم بينثُ أَن حذف حَوْفِ الجر لا يختص برُبَّ، بل يجوز في حرف آخر في موضع خاص ، وفي جميع الحروف في موضعين خاصين . أَما الأول ففي لام التعليل؛ فإِنها إذا ◌َرَّتْ كَيْ المصدرية وَصِلَتَهَا جاز لك حذفُها قياسًا مطردًا ، ولهذا تسمع النحويينِ يُجِيزونَ في نحو ((جِئْتُ كَي تُكْرِمَني)) أَن تكون [ كي] تعليلية وأَن مضمرة بعدها، وأَن تكون كي مصدرية واللام مُقَدَّرة قبلها . وأَما الثاني فإِذا كَانَ المجرور أَنَّ وَصِلَتَهَا أَو أَنْ وصلتها، فالأول كقولك ((عَجِبْتُ أَنّكَ فَاضِلٌ)) أَيْ: من أنك، وقال الله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى﴾ [البقرة، ٢٥] ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ﴾ [الجن، ١٨] أَيْ: بأن لهم جنات، لأن المساجد لله ، والثاني كقولك ((عَجِبْتُ أنْ قَامَ زَيْدٌ)) أَيْ : من أن قام، وقال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ﴾ [البقرة ، ١٥٨] أَيْ : في أن يطوف بهما ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة، ١] أَيْ: لأن تؤمنوا وقيل في ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء)، ١٧٦]: أن الأصل لئلا تضلوا؛ فحذفت اللام الجارة ولا النافية، وقيل: الأصل كراهة أن تضلوا؛ فحذف المضاف، وهذا أسْهَل، وقال الله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء، ١٢٧] أَيْ: في أن تنكحوهن، أو عن أن تنكحوهن، عَلَى خلاف في ذلك بين أهل التفسير . * لَا يُشْتَرَى كَثَّانُهُ وَجَهْرَمُهْ * الشاهد قوله : والكتان : معروف ، والجهرم - بزنة جعفر - البساط الإغراب: ((بل)) حرف نائب عن رب، ((بلد)) مبتدأ، مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد الذي هو رب المحذوف، ((ملء)) مبتدأ ثان ، وملء مضاف و((الفجاج)) مضاف إليه، ((قتمه)) قتم: خبر المبتدأ الثاني . ويجوز في هذه الجملة العكس فيكون قتم مبتدأ ومثل خبره مقدمًا، وقتم مضاف، وضمير الغائب مضاف إليه، وجملة هذا المبتدأ وخبره في محل رفع أو جر صفة لبلد، ((لا)) نافية، ((يشترى)) فعل مضارع مبني للمجهول (( كتانه)) كتان : نائب فاعل يشترى، وكتان مضاف وضمير الغائب مضاف إليه ، وخبر المبتدأ الواقع بعد بل في بيت من أبيات القصيدة يقع بعد البيت الشاهد بكثير (( انظر ديوان أراجيزه ص ١٥٠). ٣٤٢ المجرورات: المجرور بالإضافة ثم قلت : الْثَّنِي الْمَجْرُورُ بِالإِضَافَةِ كَـ«غُلَامٍ زَيْدٍ)) وَيُجَرَّدُ الْمُضَافُ مِنْ تَنْوِينٍ أَوْ نُونٍ تُشْبِهُهُ مُطْلَقًا، وَمِنَ التَّعْرِيفِ إِلَّ فِيمَا مِرَّ، وَإِذَا كَانَ الْمُضَافُ صِفَةٌ وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ مَعْمُولًا لَهَا سُمِّيَتْ لَفْظِيَّةٍ وَغَيْرِ مَحْضَة، وَلَمْ تُفِدْ تَغْرِيفًا وَلَا تَخْصِيصًا، كَ «ضَارِبِ زَيْدِ) وَ((مُعْطي الدِّينَار)» وَ«حَسَنِ الْوَجْهِ))، وَإلَّا فَمَعْتَوِيّةٍ وَمَحْضَة، تُفِيدُهُمَا ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُضَافُ شَدِيدَ الإِنْهَامِ كَغَيْرٍ وَمِثْلٍ وَخِدْنٍ، أَوْ مَوْضِعُهُ مُسْتَحِقًّا لِلنَّكِرَةِ كَـ«جَاءَ [زَيْدٌ] وَحْدَهُ)) وَ(( كَمْ نَاقَةٍ وَفَصِيلَها لَكَ)) وَ(«لا أَبَا لَهُ)) فِلَا يَتَعَّفُ. وَتُقَدَّرُ بِمَعْنى ((في)) نَحْوُ: ﴿بَلْ مَكْرُ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ وَ(عُثْمَانُ شَهِيدُ الدَّارِ)) وَبِمِعَنَى ((مِنْ)) في نحو: ((خَاتَمُ حَدِيدٍ )) وَيَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ في الثَّانِي وَإِْبَاعُهُ لِلأَولِ، وَبِمِعْنَى اللَّمِ في الْباقي. وأقول : الثاني من أَنواع المجرورات : المجرورُ بالإِضافةِ. والإِضافة في اللغة : الإِسنادُ ، قال امرؤ القيس : ١٦٤- فَلَمَّا دَخَلْنَاهُ أَضَفْنَا ظُهُورِنَا إِلى كُلِّ حَارِىِّ جَدِيدٍ مُشَطَّبٍ التَّاهِدُ فِيه: قوله ((بل بلد)) حيث حذف حرف الجر، الذي هو رب، وأبقى عمله بعد بل، وذلك قليل . ومثله قول رؤبة بن العجاج أيضًا . * بَلْ مَهْمَهٍ قَطَعْتُ إِثْرَ مَهْمَهِ * ١٦٤ - هذا بيت من الطويل من كلام امرئ القيس بن حجر الكندي من قصيدته التي فاخر بها علقمة الفحل، وقد سبق ذكر مطلعها من شرح الشاهد ٧٣ وقبل البيت قوله : فَقُلْنَا لِفِغْيَانٍ كِرَامٍ: أَلَ انْزِلُوا فَعَالَوْا عَلَيْنَا فَضْلَ ثَوْبٍ مُطَّنَّبٍ اللُّغَةُ: ((عالوا)) رفعوا، ((مطنب)) مشدود بالحبال، ((أضفنا)) أسندنا، ((الحاريّ)) المنسوب إلى الحيرة، وأراد رحالًا تصنع بها، ((مشطب)) مخطط. الاغراب: ((لما)) ظرفية بمعنى حين تتعلق بقوله أضفنا الآتي، وهي مبنية على السكون في محل نصب، ((دخلناه)) فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل جر بإضافة لما إليها، ((أضفنا)) فعل وفاعل، ((ظهورنا)) ظهور: مفعول به لأضاف، وظهور مضاف والضمير مضاف إليه، ((إلى كل)) جار ومجرور ٣٤٣ المجرورات: المجرور بالإضافة أَي : لَمَّا دخلنا هذا البيتَ أَسْتَدْنَا ظهورنا إلى كل رَحْلٍ منسوب إلى الحِيرَةِ مخطّطٍ فيه طرائق . وفي الاصطلاح : إسنادُ اسم إلى غيره، عَلَى تنزيل الثاني من الأول منزلَة تنوينه ، أَو ما يقوم مَقَامَ تنوينه، ولهذا وجب تجريدُ المضافِ من التنوين في نحو: ((غُلَامٍ زَيْدٍ)) ومن النون في نحو : ((غُلَامَي زَيْدٍ)) و((ضَارِبِي عَمْرٍو))، قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِىِ لَهَبِ﴾ [المسد، ١] ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ﴾ [القمر، ٢٧] ﴿إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اٌلْقَرْيَةٌ﴾ [العنكبوت، (٣]، وذلك لأن نون المثنى والمجموع عَلَى حَدِّهِ قائمةٌ مَقَامَ تنوين المفردِ . وإلى هذا أَشْتُ بقولي ((ويجرد المضاف من تنوين أَو نون تشبهه)). واحترزتُ بقولي « تشبهه )) من نون المفرد وجمع التکسیر، کشیطان ، وشیاطین، تقول : شيطانُ الإِنس شَرٌّ مِنْ شَيَاطِين الْجِنِّ؛ فتثبت النون فيهما، ولا يجوز غير ذلك. وقولي ((مطلقًا)) أَشَرْتُ [ به ] إلى أَنها قاعدة عامة لا يستثنى منها شيء، بخلاف القاعدة التي بعدها . وكما أَن الإِضافة تستدعي وُجُوبَ حذفِ التنوين والنونِ المشبهةِ له، كذلك تستدعي وجوبَ تجريدِ المضافِ من التعريف ، سواء كَانَ التعريف بعَلَامَة لفظية أم بأمرٍ معنوىٍ : فلا تقول : الغلامُ زيدٍ، ولا زيدُ عمروٍ، مع بقاء زَيْد عَلَى تعريف العلمية ، بل يجب أن تجرد الغلام من أَل، وأَن تعتقد في زَيْد الشيوعَ والتنكير، وحينئذٍ يجوز لك إضافتهما(١)، وهذه هى القاعدة التي تقدمت الإشارة إليها آنفًا. والذي يُستثنى منها مسألة ((الضَّارِبِ الرَّجُلِ)) و((الضَّارِبِ رَأْسِ الرَّجُلِ)) و(( الضَّارِبا متعلق بأضاف، وكل مضاف و((حاري)) مضاف إليه، ((جديد، مشطب)) نعتان لكل حاري. الثَّاحِدُ فِي: قوله (أضفنا)) فإن معناه أُسندنا؛ فيكون معنى الإضافة - التي هي مصدر أضاف - الإسناد ، وذلك ظاهر . (١) وذلك كما في قول الشاعر، وهو من شواهد الأشموني (رقم ١٣٠). بِأَبْيَضَ مِنْ مَاءِ الْحَدِيدِ يَمَان عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ ٣٤٤ المجرورات: المجرور بالإضافة زَيْد)) و((الضَّاربو زَيْد)) وقد تقدم شَرْحُهُنَّ في فصل المحلى بأل(١)؛ فأغنى ذلك عن إعادته ؛ فلذلك قلت : ((إلا فيما استثنى)) أي : إلا فيما تقدم لي استثناؤه. ثم بينت بعد ذلك أَن الإِضافة قسمين: مَحْضَة، وغير مَحْضَة . وأَن غير المحضة عبارةٌ عما اجتمع فيها أمران: أَمر في المضاف، وهو كونه صفة، وأَمر في المضاف إليه، وهو كونه معمولًا لتلك الصفة، وذلك يقع في ثلاثة أَبواب: اسم الفاعل، كـ((ضَارِب زَيْدٍ)) واسم المفعول، كـ« مُغْطَى الدِّينَارِ)) والصفة المشبهة، كـ((حَسَن الْوَجْهِ)) وهذه الإضافة لا يستفيد بها المضاف تعريفًا ولا تخصيصًا، أَما أَنه لا يستفيد تعريفًا فبالإجماع، ويدل عليه أَنك تصف به النكرة فتقول: ((مَرَرْت بِرَجُلٍ ضَارِبٍ زَيْدِ)) وقال الله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة، ٩٥] ﴿هَذَا عَارِضُ مُطِّرُنَا﴾ [الأحقاف، ٢٤] إن لم تعرب (ممطرنا) خبرًا ثانيًا، ولا خبرًا لمبتدأ محذوف، وأما أنه لا يستفيد تخصيصًا فهو الصحيح، وزعم بعض المتأخرين أنه يستفيده، بناء عَلَى أن ((ضَارِبَ زَيْدٍ)) أَخَصُّ من ((ضَارِبٍ)) والجوابُ أن ((ضَارِبَ زَيْدٍ )) ليس فرعًا عن ((ضاربٍ)) حتى تكون الإضافة قد أفادته التخصيص، وإنما هو فرع عن ((ضَارِبٍ زَيْدًا)) بالتنوين والنصْبِ ، فالتخصيص حَاصِل بالمعمول أَضَفْتَ أمْ لم تُضِفْ . وإنما سُمِّيَت هذه الإضافة غيرَ محضةٍ لأنها في نية الانفصال؛ إذ الأصل ((ضَارِبٌ زَيْدًا)) كما بيَّنا، وإنما سميت لفظية لأنها أفادت أمرًا لفظيًّا، وهو التخفيف؛ فإن ((ضَارِبَ زَئِدٍ)) أخَفُّ من ((ضَارِبٍ زَيْدًا)). وأن الإِضافة المحضة عبارةٌ عما انتفى منها الأمران المذكوران أو أحَدُهُمَا ، مثالُ ذلك ((غُلَامُ زَيْدٍ) فإِن الأمرين فيهما منتفيان، و((ضَرْبُ زيدٍ)) فإن المضاف إليه وإن كَانَ معمولًا للمضاف لكن المضاف غير صفة، و((ضَارِبُ زَيْدِ أمْسٍ)) فإِن المضاف وإن كَانَ صفة لكن المضاف إليه ليس معمولًا لها؛ لأن اسم الفاعل لا يعمل إذا كَانَ بمعنى الماضي؛ فهذه الأمثلة الثلاثة وما أشبهها تسمى الإِضافة فيها مَخْضَة- أَيْ : خالصة من شائبة الانفصال- ومعنوية ، لأنها أَفادت أمرًا معنويًّا، وهو تعريف المضاف (١) انظر (١٨٥ وما بعدها من هذا الكتاب). ٣٤٥ المجرورات: المجرور بالإضافة إِن كَانَ المضاف إليه معرفة، نحو : ((غُلَامُ زيدٍ)) وتخصيصه إن كَانَ نكرة نحو « غلامُ امرأةٍ)) اللهم إلا في مسألتين، فإِنه لا يتعرف ، ولكن يتخصص . إحداهما : أن يكون المضاف شديدَ الإِبهام، وذلك كغَيْرٍ ومِثْلٍ وشِئْهِ وخِدْنٍ- بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهلة- بمعنى صاحب . والدليل عَلَى ذلك أنك تَصفُ بها النكرات؛ فتقول ((مَرَرْتُ بِرَجُلٍ غَيْرِكَ ، وَبِرَجُلٍ مِثْلِكَ، وَبِرَجُلٍ شِبْهِكَ، وَبِرَجُلٍ خِدْنِكَ)) قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَاً أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر، ٣٧]. الثانية: أن يكون المضاف في موضع مستحق للنكرة، كأن يقع حالاً أو تمييزًا أو اسمًا للا النافية للجنس؛ فالحال كقولهم ((جَاءَ زَيْدٌ وَحْدَهُ)) والتمييز كقولهم ((كَمْ نَاقَةً وَفَصِيلَهَا)) فكم: مبتدأ، وهي استفهامية، ونَاقَةً: منصوب عَلَى التمييز، وفصيلها : عاطف ومعطوف، والمعطوف عَلَى التمييز تمييز، واسمُ ((لا)) كقولك ((لَا أَبَا لِزَيْدٍ)) و((لَا غُلَامَيْ لِعَمْرو)). فإِن الصحيح أنه من باب المضاف، واللام مُقْحَمَة، بدليل سقوطها في قول الشاعر : ١٦٥- أَبِالْمَوْتِ الّذي لا بُدَّ أَنِّي مُلَاقٍ- لَا أَبَاكِ- تُخَوِّفِيني ١٦٥ - هذا بيت من الوافر، وهو من كلام أبي حية النمري . الإعراب: ((أبالموت)) الهمزة للاستفهام، بالموت: جار ومجرور متعلق بقوله تخوفيني في آخر البيت، ((الذي)) اسم موصول نعت للموت، مبني على السكون في محل جر، ((لا)) نافية للجنس ((بد)) اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، ((أني)) أن : حرف توكيد ونصب، وياء المتكلم اسمه ((ملاق)) خبر أن، وأن مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لا، ولا مع اسمها وخبرها جملة لا محل لها صلة الموصول ، والعائد ضمير منصوب بملاق ، أي: أبالموت الذي لا فرار من كوني ملاقيه، ((لا)) نافية للجنس، ((أباك)) اسم لا منصوب بالألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، وأبا مضاف والكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه، وخبر لا محذوف، والجملة لا محل لها معترضة بين المعمول الذي هو الجار والمجرور والعامل الذي هو قوله تخوفيني، ((تخوفيني)) فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة تخفيفًا ، وياء المخاطبة فاعل، والنون الموجودة للوقاية ، والياء التي بعد النون مفعول به . الثَّاهِدُ فِيه: في هذا البيت شاهدان للنحاة : ٣٤٦ المجرورات: المجرور بالإضافة فهذه الأنواع كلها نكرات، وهي في المعنى بمنزلة قولك : جاء زيدٌ منفردًا، وكم أحدهما يتعلق به غرض المؤلف ههنا، وهو في قوله ((لا أباك)) حيث استعمل كلمة ((أبا)) اسمًا للا النافية للجنس، وأضافها إلى ضمير المخاطبة، فيكون قولهم ((لا أبا لك)) من باب الإضافة واللام مقحمة بين المضاف والمضاف إليه، وهذا أحد أقوال كثيرة في هذا التعبير، وليس من شأننا في هذه العجالة أن نفصل لك الأقوال، وبحسبنا أن نبين كلام المؤلف ، ولم نعلم أنه قد جاء في العربية مثل بيت الشاهد مما أضيف إليه ((أبا)) صراحة إلا قول مسكين الدارمي في بعض رواياته : وأيُّ كَرِيمٍ لا أَبَاكَ مُخَلَّدُ وَقَدْ مَاتَ شَمَّاخٌ وَمَات مُزَرِّدٌ والشاهد الثاني - وليس مما يتعلق به غرض المؤلف في هذا الموضع - في قوله: ((تخوفيني)) حيث حذف نون الرفع، وأبقى نون الوقاية، والذي سوغ هذا الحذف هو اجتماع المثلين ، وأصل العبارة ((تخوفينني)) بنونين إحداهما نون الرفع والثانية نون الوقاية، وللعرب في مثل هذا ثلاث طرق : الأولى: أن يثبتوا النونين جميعًا بحالهما؛ فيقولون: أتخوفونني أيها الرجال، وتقول : أتخوفينني يا هند، وهذه الطريق هي الأصل، وعليها غالب استعمالهم، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿أَتَعِدَاِنِىّ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ١٧]. الطريق الثانية: أن يثبتوا النونين جميعًا أيضًا، ولكنهم يدغمون إحداهما في الأخرى وقد جاءت هذه اللغة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوّنِيِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٤]. والطريق الثالثة : أن يحذفوا إحدى النونين، وللعلماء خلاف في المحذوفة منهما، والصحيح أن المحذوفة منهما هي نون الرفع، وقد وردت على هذه الطريقة جملة صالحة من الشواهد، منها هذا البيت الذي استشهد به المؤلف ههنا، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر، ٥٤] - بنون واحدة قبل الياء على هذه اللغة . ومن شواهد هذه الطريقة قول الشاعر ، وهو من شعر الحماسة : لَا أَرْتَقِى صَدَرًا مِنْهَا وَلا أرِدُ أنَا الذي يَجِدُونِي فِي صُدُورِهِمْ الأصل : أنا الذي يجدونني . وقد حذفت نون الرفع من غير أن يكون معها نون الوقاية في قول الآخر : أبِيتُ أسْرِي وَتَبيتي تَذْلُكي شَعْرَكِ بِالعَنْبَرِ وَالمِسْكِ الذكِي فإن الأصل : وتبيتين تدلكين شعرك - إلخ . ٣٤٧ المجرورات: المجرور بالمجاورة نَاقَةً وَفَصِيلًا لها ، ولا أبًا لكَ. ثم بينت أن الإضافة المعنوية عَلَى ثلاثة أقسام: مُقدرة بفي، ومقدرة بمن، ومقدرة باللام : فالمقدرة بفي ضابِطُهَا : أن يكون المضاف إليه ظرفًا للمضاف ، نحو قول الله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ، ٣٣] ﴿تَرَبُُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة، ٢٢٦] ونحو قولك ((عُثْمَانُ شَهِيدُ الدَّار))، و((الْحُسَيْنُ شَهِيدُ كَرْبَلَاءَ)) و((مَالِكٌ عَالِمُ المدينةِ)) وأَكثر النحويين لم يثبت مجيءَ الإِضافة بمعنى في . والمقدرة بمن ضابِطُهَا: أَن يكون المضاف إليه كُلَّ للمضاف وصالحًا للإخبار به عنه، نحو قولك ((هذَا خَاتمُ حَدِيدٍ)) أَلا ترى أَن الحديد كل، والخاتمَ جزء منه، وأَنْه يجوز أن يقال : الخاتم حدیدٌ ، فیخبر بالحديد عن الخاتم؟ وبمعنى اللام فيما عدا ذلك، نحو: ((يَدُ زيدٍ )) و((غُلَامُ عمٍو)) و((ثَوْبُ بكرٍ )) . ثم قلت : الثالثُ الْمَجِرُورُ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ، نحوُ: ((هذَا جُحْرُ ضَبِّ خرِپٍ». وقوله : * يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كلِّهم » وَلَيْسَ مِنْهُ ﴿ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة، ٦] عَلَى الأَصَحِّ. وأقول: الثالث من أنواع المجرورات: ما جُرَّ لمجاورة المجرور، وذلك في بابي النعت والتأكيد، قيل : وبابِ عطف النَّسَقِ . فأما النعتُ ففي قولهم: ((هذا جُخْرُ ضَبّ خَرِبٍ))(١) روى بخفض ((خرب)) لمجاورته للضبّ، وإنما كَانَ حقه الرفع، لأنه صفة للمرفوع، وهو الْجُحْرُ، وعَلَى الرفع أكثر العَرَب . وأَما التوكيد ففي نحو قوله : (١) قد ورد من ذلك قول امرئ القيس: .كأنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِيٍ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بجادٍ مُزَمَّلٍ فخفض ((مزمل)) مع أنه وصف ((كبير)) المرفوع، لمجاورته لقوله ((بجاد)) المخفوض. ٣٤٨ المجرورات: المجرور بالمجاورة - ١٦٦ - يَا صَاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجَاتِ كُلِّهِمُ أَنْ لَيْسَ وَضْلٌ إِذَ انْحَلّتْ عُرَى الذّنَبِ فكلِّهم: توكيد لذوي، لا للزوجات، وإلا لقال كلهنَّ، وذوي: منصوب عَلَى المفعولية، وكان حق (( كلهم)) النصب ، ولكنه خفض المجاورة المخفوض . وأَما المعطوف فكقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيِنِ﴾ [المائدة، ٦]. في قراءة مَنْ جر الأرجل لمجاورته للمخفوض وهو الرؤوس، وإنما كَانَ حقه النصب ، كما هو في قراء جماعة آخرين، وهو [ منصوب] بالعطف عَلَى الوجوه والأيدي، وهذا قول جماعة من المفسرين والفقهاء . وَخَالَفَهم في ذلك المحققون، ورأوا أَن الخفض عَلَى الجوار لا يحسن في المعطوف ؛ لأن حرف العطف حَاجِزٌ بين الاسمين وَمُبْطِل المجاورة ، نعم لا يمتنع في ١٦٦ - هذا بيت من البسيط، ولم أجد أحدًا نسب هذا البيت إلى قائل معين. الإغراب: ((يا)) حرف نداء ((صاح)) منادى مرخم، وأصله صاحب، وقيل: أصله صاحبي، ((بلغ)) فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، ((ذوي)) مفعول به لبلغ منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، وذوي مضاف و((الزوجات)) مضاف إليه، ((كلهم)) كل: توكيد لذوي، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة ، وكل مضاف وضمير الغائبين مضاف إليه، ((أن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، والتقدير: أنه، أي الحال والشأن، ((ليس)) فعل ماض ناقص، ((وصل)) اسم ليس وخبرها محذوف، والجملة من ليس واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن، ((إذا)) ظرفية تضمنت معنى الشرط، ((انحلت)) انحل: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، ((عرى)) فاعل انحلت، وعرى مضاف، و((الذنب)) مضاف إليه، وجملة انحلت وفاعله في محل جر بإضافة إذا إليها ، وجواب إذا محذوف يدل عليه سياق الكلام، وتقدير العبارة : إذا انحلت عرى الذنب فليس وصل موجودًا . الثَّاهِدُ فِي: قوله (( كلهم)) فإن الرواية في هذه الكلمة بجر كل، مع أنها توكيد لذوي المنصوب على المفعولية، والتوكيد يتبع المؤكد في إعرابه، فكان حقه أن ينصب كُلَّ لذلك، ولكنه لما وقع مجاورًا للزوجات المجرور بالإضافة جره لمناسبة الجوار، ويسمى ذلك (الجر بمجاورة المجرور))، أو ((الجر للمجاورة)) وهو شاذ لا يقاس عليه . ، ٣٤٩ المجرورات: المجرور بالمجاورة القياس الخفضُ عَلَى الجوار في عطف البيان؛ لأنه كالنعت والتوكيد في مجاورة المتبوع، وينبغي امتناعه في البدل؛ لأنه في التقدير من جملة أخرى؛ فهو محجوز تقديرًا، ورأَى هؤلاء أَن الخفض في الآية إنما هو بالعطف عَلَى لفظ الرؤوس، فقيل: الأرجل مغسولة لا ممسوحة، فأجابوا عَلَى ذِلكِ بوجهين؛ أَحدهما: أَن المسح هنا الغَسْل، قال أَبو علي: حكى لنا مَنْ لا يُتّهم أَن أَبَا زَيْد قال: المسحُ خفيفُ الغسل، يقال: مسحت للصلاة، وَخُصَّتِ الرجلان من بين سائر المغسولات باسم المسح ليقتصد في صب الماء عليهما؛ إذ كانتا مَظنّةً للإسراف، والثاني: أَن المراد هنا المسح عَلَى الخفين، وجعل ذلك مسحًا للرجل مجازًا، وإنما حقيقته أنه مَسْح للخف الذي عَلَى الرجل، وَالسُّنّة بَيَّنَتْ ذلك. ويرجح ذلك الْقَوْل ثلاثة أمور: أَحدها: أَن الحمل عَلَى المجاورة حمل عَلَى شاذ ؛ فينبغي صونُ القرآن عنه، الثاني أنه إذا حمل عَلَى ذلك كَانَ العطف في الحقيقة عَلَى الوُجُوهِ وَالأيدي؛ فيلزم الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية وهو ﴿وَأُمْسَحُواْ بُوسِكُمْ﴾ وإذا حمل عَلَى العطف عَلَى الرؤوس لم يلزم الفصلِ بالأجنبي، والأصل أن لا يفصل بين المتعاطفين بمفردٍ فضلاً عن الجملة، الثالث: أَن العطف عَلَى هذا التقدير حمل عَلَى المجاور، وعَلَى التقدير الأول حمل عَلَى غير المجاور، والحمل عَلَى المجاور أَوْلى . فإِن قلت : يدل للتوجيه الأول قراءة النصب . قلت : لا نسلم أنها عَطْفٌ عَلَى الوجوه والأَيدي ، بل عَلَى الجار والمجرور، كما قال : * يَسْلُكْنَ فِي نَجْدٍ وَغَوْرًا غَائِرا » ١٦٧- ١٦٧ - هذا بيت من الرجز المشطور، وهو من كلام العجاج بن رؤبة، الراجز، وهو من شواهد سيبويه (ج ١ ص ٤٩) ورواه (( يذهبن في نجد ... )) وبعد هذا قوله : * فَوَاسِقًا عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرا » اللَّغَةُ: ((نجد)) هو ما ارتفع من الأرض، ((غورًا)) هو المنخفض منها، ((فواسق)) جمع فاسقة ، ٣٥٠ الجوازم: ما يجزم فعلًا واحدًا ثم قلت : بَابٌّ- الْمَجْزُومَاتُ الأَفْعَالُ الْمُضَارِعَةُ الدَّاخِلُ عَلَيْهَا جَازٌِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: جازِمٌ لِفِعْلٍ، وَهُوَ: لَمْ، وَلَمَّ، وَلَمُ الأَمْرِ ، وَلَا فِي النَّهْي ، وَجَازِمٌ لِفِعْلَيْنِ ، وَهُوَ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ، إِنْ، وَإِذْ مَا، لمجرَّدِ التَّعْلِقِ، وَهُمَا حَرْفَانِ ، وَمَنْ لِلِعَاقِلِ، وَمَا وَمَهْمَا لِغَيْرِهِ، وَمَتَى وَأَيَّانَ لِلزَّمانِ، وَأَيْنَ وأَنَّى وَحِيْثُمَا لِلْمَكانِ، وأَيِّ بِحَسَبِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ ، وَيُسَمَّى أَوَّلُهُمَا شَرْطًا، وَلَا يَكُونُ ماضِيَ الْمَعْنَى، وَلَا إِنْشَاءً، وَلَا جَامِدًا ، وَلَا مَقْرُونَا بِتَنْفِيسِ، وَلَا قَدْ، وَلَا نَافٍ غَيْرِ لا وَلَمْ، وَثَانِيهما جَوابًا وَجَزَاءً . وأقول: لما أنهيتُ الْقَوْلَ في المجرورات شرعت في المجزومات ، وبهذا الباب تتم أنواع المُعْرَبَاتِ ، وبينت أن المجزومات هي الأفعالُ المضارعةُ الداخل عليها أداةٌ من هذه الأدوات الخمسَةَ عَشَرَ ، وأن هذه الأدوات ضربان : (١) ما يجزم فعلًا واحدًا، وهو أَربعة: لم، نحو ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَُّ كُفُوَا أَحَدٌ﴾ [الصمد، ٣و٤] وَلَمَّا، نحو ﴿لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ﴾ [عبس، ٢٣] ﴿ بَل أَمَّا يَذُوقُواْ عَذَابٍ﴾ [ص، ٨] ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اَللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران، ١٤٢] ولا وهي الخارجة عما طلب إليها أن تكون عليه، (جواثر)) مائلات، وهو جمع جائر أو جائرة . الاغراب: ((يسلكن)) فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون الإناث فاعله، ((في نجد)) جار ومجرور متعلق بيسلك، ((وغورًا)) الواو عاطفة، غورًا: معطوف على الجار والمجرور باعتبار محله؛ لأنه في المعنى مفعول به؛ فمحله نصب على المفعولية، ((غائرًا)) صفة لغور، ((فواسقًا)) حال من فاعل يسلك، ((عن قصدها)) الجار والمجرور متعلق بجوائر، وقصد مضاف والضمير مضاف إليه، ((جوائزًا)) حال ثانية من نون النسوة. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((غورًا)) حيث عطف بالنصب على الجار والمجرور، وأنت تعرف أن المعطوف يجب أن يشارك المعطوف عليه في إعرابه؛ فيسهل عليك أن تستدل بنصب المعطوف على أن المعطوف عليه منصوب ألبتة ، فإن لم يكن منصوبًا في اللفظ تعين أن يكون منصوبًا في المحل، والسر في ذلك أن الجار والمجرور عند التحقيق هو مفعول به . ومثل هذا الشاهد في ذلك قول جرير بن عطية يفخر على الفرزدق : أَوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظُورٍ بِن سَيَّارٍ جِئْنِي بِمِثْلٍ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِهِمْ الرواية بنصب ((مثل)) المعطوف بأو على محل قوله ((بمثل)). ٣٥١ الجوازم: ما يجزم فعلين الأمر، نحو ﴿لِنُفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَيٍْ﴾ [الطلاق،٧] و((لا)) في النهي نحو ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة، ٤٠] وقد يُستعاران للدعاء، كقوله تعالى: ﴿لَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَّ﴾ [الزخرف، ٧٧] ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ﴾ [البقرة، ٢٨٦]. (٢) وما يجزم فعلين، وهو الإِحدَى عَشَرَةَ الباقية، وقد قسمتها إلى ستة أقسام: أَحدها : ما وضع للدلالة عَلَى مجرد تعليق الجواب عَلَى الشرِطِ، وهو إِنْ وإذْمَا ، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدَّ ﴾ [الأنفال، ١٩] وتقول ((إِذْ مَا تَقُمْ أَقُمْ)) . وهما حرفان، أَما إنْ فبالإِجماع، وأَما إذْ مَا فعند سيبويه، والجمهور، وذهب المبرد وابن السراج والفارسي إلى أنها اسم . وفهم من تخصيصي هذين بالحرفية أَن ما عداهما من الأدوات أَسماء، وذلك بالإِجماع في غير ((مَهْمَا)) وعَلَى الأصح فيها، والدليل عليه قولُه تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ ﴾ [الأعراف، ١٣٢] فعاد الضمير المجرور عليها، ولا يعود [الضمير] إلا عَلَى اسم . الثاني: ما وضع للدلالة عَلَى مَنْ يعقل، ثم ضُمِّن معنى الشرط، وهو مَنْ، نحو ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ﴾ [النساء، ١٢٣] . الثالث: ما وضع للدلالة عَلَى ما لا يعقل، ثم ضُمِّن معنى الشرط، وهو ما، ومَهْمَا، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة، ١٩٧]، ﴿مَهْمَا تَأْيِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ ﴾ [الأعراف، ١٣٢] الآية . الرابع: ما وضع للدلالة عَلَى الزمان، ثم ضُمِّن معنى الشَّرْط، وهو مَتَى، وَأَيَّانَ ، كقول الشاعر : ولكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القومُ أُرِفِدٍ ١٦٨- وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً وقول الآخر: ١٦٨ - هذا بيت من الطويل من كلام طرفة بن العبد البكري، وهو البيت الرابع والأربعون من معلقته المشهورة التي مطلعها قوله : تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ الیَدِ لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبُرْقَةٍ ثَهْمَدِ ٣٥٢ الجوازم: ما يجزم فعلين لَمْ تُدْرِكِ الأَمْنَ مِنّا لَمْ تَزَلْ حَذِرًا ١٦٩- أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تَأْمَنْ غَيْرَنَا، وإذا اللُّغَةِ: ((التلاع)) بكسر التاء المثناة - جمع تلعة بفتح فسكون - وهي: ما ارتفع من الأرض، ((يسترفد القوم)) يطلبوا الرفد - بكسر فسكون - وهي العطية، ((أرفد)) أعطي، وتقول: رفده يرفده - من باب ضرب - يريد متى يستعينوا بي أعنهم. الإْراب: ((لست)) ليس: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه، ((بحلال)) الباء حرف جر زائد، وحلال : خبر ليس، منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وحلال مضاف و((التلاع)) مضاف إليه ((مخافة)) مفعول لأجله، ((ولكن)) الواو عاطفة، لكن: حرف استدراك، ((متى)) اسم شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه، وهو ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب بيسترفد، ((يسترفد)) فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بمتى، وعلامة جزمه السكون ، وحرك بالسكر للتخلص من التقاء الساكنين، ((القوم)) فاعل يسترفد مرفوع بالضمة الظاهرة، ((أرفد)) فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بمتى، وعلامة جزمه السكون ، وحرك بالكسر لأجل الروي ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا . الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((متى يسترفد القوم أرفد)) حيث جزم بمتى فعلين، أولهما فعل الشرط، وهو قوله يسترفد، وثانيهما جواب الشرط وجزاؤه، وهو قوله أرفد، وأصل متى ظرف زمان ، ثم تضمنت معنى الشرط . ١٦٩- هذا بيت من البسيط ، وهو من الشواهد التي لم نقف لها على نسبة إلى قائل معين، وهو من شواهد ابن عقيل (رقم ٣٢٥). اللُّغَةِ: ((نؤمنك)) نعطك الأمان، ((حذرًا)) خائفًا وجلًا. الإعراب: ((أيان)) اسم شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه، وهو ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب، والعامل فيه قوله تأمن، ((نؤمنك)) نؤمن: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بأيان ، وعلامة جزمه السكون ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن، والكاف ضمير المخاطب مفعول به مبني على الفتح في محل نصب، ((تأمن)) فعل مضارع جواب الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ((غيرنا)) غير: مفعول به لتأمن، وغير مضاف والضمير مضاف إليه، ((وإذا)) الواو عاطفة، إذا: ظرفية تضمنت معنى الشرط، ((لم)) نافية جازمة، ((تدرك)) فعل مضارع مجزوم بلم ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت ، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، ((الأمن)) مفعول به لتدرك، ((منا)) جار ومجرور متعلق بتدرك، ((لم)) نافية جازمة، ((تزل)) فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، ((حذرًا)) خبر تزل ، والجملة لا محل لها جواب إذا . ٣٥٣ الجوازم: ما يجزم فعلين الخامسُ: ما وضعَ للدلالة عَلَى المكان ، ثم ضُمِّنَ معنى الشرط، وهو ثلاثة : أينَ، وأَنَّى، وحَيْثُمَا، كقوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اُلْمَوْتُ ﴾ [النساء ، ٧٨] . وقول الشاعر : ١٧٠ - خَلِيلَيَّ أَنَّى تَأْتِيَانِيَ تَأْتِيَا أَخَا غَيْرَ ما يُرْضِيكُمَا لا يُحَاوِلُ وقوله : نَجَاحًا في غَابِرِ الأَزْمَانِ ١٧١- حَيْثُما تَسْتَقِمْ يُقَدِّرْ لَكَ اللهُ الثَّاهِدُفِيه: قوله ((أيان نؤمنك تأمن)) حيث جزم بأيان فعلين، أولهما قوله نؤمن، وهو فعل الشرط ، وثانيهما قوله تأمن، وهو جواب الشرط ، وقد ظهر هذا من الإعراب . ١٧٠- هذا بيت من الطويل، ولم أجد أحدًا نسبه إلى قائل معين، وهو من شواهد ابن عقيل (رقم ٣٣٩) . الإغراب: ((خليلي)) منادى بحرف نداء محذوف، وهو مثنى، والياء الثانية ضمير المتكلم مضاف إليه، ((أنى)) اسم شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه، وهو ظرف مكان مبني على السكون في محل نصب بتأتيا الثاني، ((تأتياني)) تأتيا : فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف النون ، وألف الاثنين فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، ((تأتيا)) فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون وألف الاثنين فاعله، ((أخّا)) مفعول به لتأتيا منصوب بالفتحة الظاهرة، ((غير)) مفعول به ليحاول مقدم عليه، وغير مضاف، و((ما)) اسم موصول مضاف إليه، ((يرضيكما)) يرضي : فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى ما الموصولة، وضمير المخاطب مفعول به ، والجملة من الفعل وفاعله ومفعوله لا محل لها صلة الموصول ، والعائد هو الضمير المستتر في يرضي العائد على ما الموصولة، ((لا)) نافية، ((يحاول)) فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى أخ، والجملة في محل نصب صفة لأخ، وتقدير الكلام: تأتيا أخًا لا يحاول غير الأمر الذي يرضيكما . الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أنى تأتياني تأتيا)) حيث جزم بأنى فعلين: أولهما قوله تأتياني وهو فعل الشرط ، وثانيهما قوله تأتیا وهو جواب الشرط وجزاؤه . ولا يقال: إنه قد اتحد هنا الشرط والجواب فيكون كترتب الشيء على نفسه لأنا نقول : الجواب هنا هو الفعل مع متعلقاته ، فأما الشرط فهو مطلق الإِتيان . ١٧١ - هذا بيت من الخفيف، ولم أجد أحدًا نسبه إلى قائل معين ، وهو من شواهد ابن عقيل . ٣٥٤ المجزومات: الشرط وجوابه السادسُ: ما هو مُتَردّدٌ بين الأقسام الأربعة، وهي أيٌّ؛ فإِنها بحسب ما تضاف إليه؛ فهي في قولك ((أَيُّهُمْ يَقُمْ أقمْ معه)) من باب مَنْ، وفي قولك: (( أَيّ الدَّوابِّ تركَبْ أركبْ)) من باب ما ، وفي قولك: ((أيّ يَوْمٍ تَصُمْ أَصُمْ)) من باب مَتَى، وفي قولك : ((أيّ مكانٍ تجلِسْ أَجلس)) من باب أثْنَ . ثم بيّنت أن الفعل الأول يسمى شَرْطًا، وذلك لأنه عَلَامة عَلَى وجود الفعل الثاني ، والعَلَامَة تسمى شرطًا، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [ محمد، ١٨] [ أَي: علاماتها ] والأُشْرَاطُ في الآية جمع شَرَطِ - بفتحتين- لا جمع شَرْط- بسكون الراء- لأَن فَعْلًا لا يجمع عَلَى أَفْعال قياسًا إلا في معتل الوسط كأثْوَابٍ وَأَنْيَاتٍ . ثم يبنت أَن فعل الشرط يُشْتَرَطُ فيه ستة أَمور: أَحدها : أَن لا يكون ماضي المعنى (١)؛ فلا يجوز: ((إن قام زَيْد أَمْسٍ أَقَمْ معه)) . (رقم ٣٣٨) والمؤلف في القطر (رقم ٣٨) والأشموني في جوازم المضارع . اللُّغَةُ: ((تستقم)) تعتدل وتسر في الطريق المستقيم، ((يقدر)) يريد يبلغك ويوصلك، ((نجاحًا)) ظفرًا بما تحب ونيلًا لما تريد، ((غابر الأزمان)) باقيها. الإْراب: ((حيثما)) اسم شرط جازم يجزم فعلين، وهو مبني على الضم في محل نصب لأنه ظرف مكان، وعامله قوله يقدر، ((تستقم)) فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بحيثما، وعلامة جزمه السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ((يقدر)) فعل مضارع جواب الشرط ، مجزوم، وعلامة جزمه السكون، ((لك)) جار ومجرور متعلق بيقدر، ((الله)) فاعل يقدر، ((نجاحًا)) مفعول به ليقدر، ((في غابر)) جار ومجرور متعلق إما بيقدر وإما بمحذوف صفة لقوله نجاحًا، وغابر مضاف و(( الأزمان)) مضاف إليه . الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((حيثما تستقم يقدر)) حيث جزم بحيثما فعلين: أولهما قوله تستقم، وهو فعل الشرط ، وثانيهما قوله يقدر ، وهو جواب الشرط وجزاؤه . (١) قد يكون الشرط والجواب مضارعين، وهو الأصل، نحو قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾ وقد يكونان ماضيين نحو قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، وقد يكون الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا نحو قوله جل شأنه : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْئٍِ﴾ وقد يكون الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا، وخص الجمهور هذا النوع بالضرورة، وذهب الفراء وابن مالك إلى جوازه في الاختيار، وهو الذي نرجحه، فقد وردت منه جملة صالحة من الشواهد: من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (( من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له)) = ٣٥٥ : المجزومات: الشرط وجوابه وأَمَا قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُ فَقَدْ عَلِمْتَهُمْ﴾ [المائدة، ١١٦] فالمعنى إِن يَتَبِيَنْ أَنِي کنت قلته، کقوله : * إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدني لَئِيمَةٌ » ١٧٢- ١٧٢- هذا صدر بيت من الطويل الزائد بن صعصعة الفقعسي ، والبيت بكماله مع بيت سابق علیه هکذا : عُبَيْدَةُ، زَادَ اللَّهُ ما بيننا بُعْدَا ! رَمَتْنِيَ عَنْ قَوْسِ الْعَدُوِّ، وَبَاعَدَتْ وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بها بُدَّا إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة الاغْراب: ((إذا)) ظرفية تضمنت معنى الشرط مبني على السكون في محل نصب، ((ما)) زائدة، ((انتسبنا)) فعل وفاعل، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وهذه الجملة هي شرط إذا، ((لم)) نافية جازمة، ((تلدني)) تلد: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة لا محل لها جواب إذا؛ لأن جواب الشرط غير الجازم لا محل له، ((ولم)) الواو عاطفة، لم: نافية جازمة، ((تجدي)) فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون ، ویاء المخاطبة فاعل، ((من)) حرف جر، ((أن)) حرف مصدري ونصب، ((تقري)) فعل مضارع منصوب بأن ، وعلامة نصبه حذف النون، وياء المخاطبة فاعل، وأن مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بمن، والجار والمجرور متعلق بقوله بدا الآتي، ((بها)) جار ومجرور متعلق بتقري، ((بدا)) مفعول به لتجدي . الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((إذا ما انتسبنا لم تلدني)) فإن ظاهره أن جواب الشرط- وهو قوله ((لم تلدني)- ماض في المعنى، وإن كان فعلًا مضارعًا في اللفظ، وذلك أن ((لم)) إذا دخلت على الفعل المضارع عملت فيه ثلاثة أشياء: أولها أنها تجعله منفيًّا، والثاني أنها تقلب معناه ماضيًا بعد أن كان صالحاً = ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها في مرض رسول الله وَ لر واستخلافه أباها أبا بكر الصديق رضي الله عنه على الصلاة: ((إن أبا بكر رجل أسيف متى يقم مقامك رق)) ومن ذلك قول قعنب بن أم صاحب من قصيدة له رواها الشريف ابن الشجري : مِنِّي، وما يَسْمَعُوا من صالح دَفَنُوا إِنْ يَسْمَعُوا رِيبَةٌ طَارُوا بِها فَرَحًا ومن ذلك قول الشاعر : إِنْ تَصْرِمُونَا وَصَلْنَاكُمْ، وَإِنْ تَصِلُوا مَلاَثُمُ أَنْفُسَ الأَعْدَاءِ إِزْهَابَا ومن ذلك قول أبي زيد الطائي : كَالشَّجَا بين خَلْقِهِ والوريد مَنْ يَكِدْنِي بِسَيِّئ كُنْتَ مِنْهُ ٣٥٦ المجزومات: الشرط وجوابه فهذا في الجواب نظير الآية الكريمة في الشرط . الثاني: أَنْ لا يكون طلبًا، فلا يجوز ((إِنْ قُمْ)) ولا ((إِنْ لِيَقُمْ) أَو ((إِنْ لَا يَقُمْ)). الثالث: أَنْ لا يكون جامدًا، فلا يجوز ((إِنْ عَسَى)) و((لا إِنْ لَيْسَ)) . الرابع: أَن لا يكون مقرونًا بتنفيس، فلا يجوز ((إِنْ سَوْفَ يَقُمْ)). الخامس: أَنْ لا يكون مقرونًا بقَدْ، فلا يجوز ((إنْ قَدْ قام زَيْد)) ولا ((إِنْ قَدْ يقم )) . السادس: أَن لا يكون مقرونًا بحرف نفي؛ فلا يجوز ((إن لَمَّا يقم)) ولا ((إِن لَنْ يَقم)) ويُستثنى من ذلك لم ولا؛ فيجوز اقترانه بهما، نحو: ﴿ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة، ٦٧] ونحو: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الأنفال، ٧٣] . ثم بينت أَن الفعل الثاني يسمى جوابًا وجزاء، تشبيهًا له بجواب السؤال وبجزاء الأعمال، وذلك لأنه يقع بعد وقوع الأول كما يَقَعُ الجوابُ بعد السؤال، وكما يَقَعُ الجزاء بعد الفعل الْمُجَازَى عليه . ثم قلت: وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا مِنْ هذِهِ، فَيَقْتَرِنُ بِالْفَاءِ، نَحْوُ: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ الآية ﴿ فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ أَوْ جُمْلَةً اسْمِيَّةٍ فَيَقْتَرِنُ بِهَا أَوْ بِإِذَا الْفُجَائِيّةِ، نَحْوُ ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَنَحْو ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ . وأقول : قد يأتي جوابُ الشرط واحدًا من هذه الأمور الستة التي ذكرتُ أَنها لا للحال والاستقبال، والثالث أنها تجزمه، وأيضًا فإن ولادته قد حصلت منذ أزمان بعيدة ، لكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الشاعر يريد أن يقول : إننا إذا تفاخرنا بأنسابنا تبين أنني لم تلدني لئيمة ، والتبيين مستقبل لا ماض، فجواب الشرط في الآية كذلك، وغرض المؤلف الاستدلال بهذا البيت على أن الفعل قد يكون ماضي المعنى في ظاهر الأمر، ولكنه عند التأمل يرى مستقبلاً ، أعم من أن يكون هذا الفعل فعل الشرط أو جوابه، وإذا علمت هذا لم يسغ لك أن تقول : إن الكلام في فعل الشرط فكيف ساغ للمؤلف أن يجيء بشاهد لا يكون موطن الاستدلال فيه فعل الشرط ؟ على أن المؤلف نفسه صرح بذلك في قوله ((فهذا في الجواب نظير الآية الكريمة في الشرط)) فتنبه لهذا والله يعصمك . ٣٥٧ المجزومات: الشرط وجوابه تكون شرطًا؛ فيجب أن يقترن بالفاء. مثالُ ماضي المعنى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَفَتْ وَهُوَ مِنَ اَلْكَذِبِينَ * وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف، ٢٦و٢٧]. ومثال الطّلَب قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران، ٣١] ((فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَفْ بَحْسًا ولا رَهَقًّا)) بالجزم على أن لا ناهية، وأما من قرأَ ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾ بالرفع فلا نافية ، ولا النافية تقترن بفعل الشرط كما بينًّا؛ فكان مقتضى الظاهر أن لا تدخل الفاء، ولكن هذا الفعل مبنيٌّ عَلَى مبتدأ محذوف ، والتقدير: فهو لا يخاف ؛ فالجملة اسمية ، وسيأتي أَن الجملة الاسْمِيَّة تحتاج إلى الفاء أو إذا(١)، وكذا يجب هذا التقدير في نحو: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اَللّهُ مِنْهُ ﴾ [المائدة، ٩٥] أَي فهو ينتقم الله منه، ولولا ذلك التقدير لوجب الجزمُ وَتَرْكُ الفاء. ومثالُ الْجَامِدِ قولُه تعالى: ﴿إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرً مِّنْ جَنَِّكَ﴾ [الكهف، ٣٩و٤٠] ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىِّ ﴾ [البقرة، ٢٧١] ﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُمْ قَيِبًا فَسَآءَ قَرِينًا ﴾ [النساء، ٣٨]. ومثالُ المقرون بالتنفيس قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة، ٢٨] ﴿ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبٍ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَميعًا ﴾ [النساء، ١٧٢]. ومثالُ المقرون بقَدْ قوله تعالى: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلَ ﴾ [يوسف ، ٧٧] . ومثالُ المقرون بنافٍ غير لا ولم ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة، ٦٧] ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ [آل عمران، ١١٥] ﴿ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران، ١٤٤]. (١) يشترط لاقتران جملة الجواب بإذا الفجائية أربعة شروط، الأول: أن يكون الجازم هو إن أو إذا، دون غيرهما من الجوازم، الثاني: أن تكون جملة الجواب اسمية موجبة ، لا منفية، الثالث: ألا تكون طلبية دعائية أو استفهامية ، الرابع: ألا تقترن هذه الجملة بإن المؤكدة ، فإن اختل شرط منها تعينت الفاء . ٣٥٨ المجزومات: الشرط وجوابه، الحذف وقد يكون الجواب جملة اسمية فيجب اقترانه بأحد أمرين: إما بالفاء أو ((إذا)) الفُجائية، فالأولُ كقوله تعالى: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام، ١٧] والثاني كقوله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَِئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم، ٣٦]. ثم قلت: وَيَجُوزُ حَذْفُ مَا عُلِمَ مِنْ شَرْطٍ بَعْدَ ((وَإِلَّا)) نَحْوِ ((افْعَل هَذَا وَإلَّا عَاقَبْتُكَ)) أَوْ جوابٍ شَرْطُهُ مَاض، نحوُ ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِىِ الْأَرْضِ﴾. أوْ جُمْلَةٍ شَرْطٍ وَأَدَاتِهِ إِنْ تَقَدَّمَهَا طَلَبٌ وَلَوْ باسْمِيةٍ أو باسم فِعْلٍ أو بما لَفْظُه الْخَبَرُ نحوُ ﴿تَعَالَوَاْ أَثْلُ﴾ وَنَحْوُ ((أَيْنَ بَيْتُكَ أَزْرِكَ)) وَ(« حَسْئُكَ الْحَدِيثُ يَنَمِ النَّاسُ)) وَقَالَ : مَكَانَكِ تُحْمَدِي أُو تَسْتَرِيحي * * وَشَرْطُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ كَوْنُ الْجَوَابِ مَخْبُوبًا، نَحْوُ ((لَا تَكْفُرْ تَدْخُلِ الْجَنَّةَ)). وأقول : مسائل الحذفِ الْوَاقِعِ في باب الشرط والجزاء ثلاثة : (١) المسألة الأولى: حذفُ الجواب، وشَرْطُهُ أَمْرَان: أَحَدُهما : أن يكون معلومًا، والثاني: أن يكون فعل الشرط ماضيًا، تقول: أَنْت ظالم إِن فَعَلْتَ؛ لوجود الأمرين، ويمتنع ((إن تقم)) و((إن تقعد)) ونَحْوُهُما حيث لا دليلٍ، لانتفاء الأمرين، ونحو ((إِنْ قُمْتَ)) حيث لا دليل لانتفاء الأمر الأول، ونحو ((أَنْتَ ظَالِمٌ إِنْ تَفْعَل)) لانتفاء الأمرين، قال الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًّا فِىِ اٌلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِهَايَفْ﴾ [الأنعام، ٣٥] تقديره : فافعـ في هذه الآية في غَايَةٍ من الحسن، لأنه قد انضم لوجود الشرطين طُولُ الكلام، وهو مما يحسن معه الحذف . (١) لم يتعرض المؤلف لنوع رابع من الحذف، وهو حذف الشرط والجواب جميعًا مع بقاء أداة الشرط ، وقد ورد ذلك والأداة إن في قول الراجز: كان فقيرًا معدمًا ؟ قالت: وإن قالت بنات العم: يا سلمى وإن يريد: أترضين به إن لم يكن فقيرًا وإن كان فقيرًا؟ قالت: وإن كان فقيرًا معدمًا أرضى به . ٣٥٩ الجزومات: الشرط وجوابه ، الحذف المسألة الثانية: حذفُ فعل الشرط وحده، وشَرْطُهُ أيضًا أمرَانٍ : دلالة الدليل عليه، وكَوْنُ الشرط واقعًا بعد ((وَإلَّ)) كقولك: ((تُبْ وَإلَّ عَاقَتُكَ)) أَيْ: وإِلا تَتُبْ عاقبتك ، وقول الشاعر : ١٧٣- فَطَلِّقْهَا فَلَسْتَ لَها بِكُفْءٍ وَإِلَّ يَغْلُ مَفْرِقَكَ الْحُسَامُ أي : وإِلا تُطَلّقها يَعْل. وقد لا يكون بعد ((وإِلَّ)) فيكون شاذًّا، إِلا في نحو ((إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ)) فقياسٌ كما مر في بابه(١)، عَلَى أن ذلك لم يحذف فيه جملة الشرط بجملتها، بل بعضها، وكذلك نحو: ((﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ ﴾ [التوبة ،٦] فلیستا مما نحن فيه ، وأكثر ما يكون ذلك مع اقتران الأداة بلا النافية ، كما مثلت . ١٧٣- هذا بيت من الوافر من كلام الأحوص، واسمه محمد بن عبد الله الأنصاري، والأحوص هو صاحب الشاهد (رقم ٥٣) الذي تقدم ذكره مشروحًا في باب البناء عند الكلام على بناء المنادى، والبيت الشاهد الذي معنا من نفس القطعة التي منها ذلك الشاهد المتقدم، والشاهد الذي معنا من شواهد ابن عقيل أيضًا (رقم ٣٤٥) والمؤلف في أوضحه (رقم ٥١٥). اللُّغَرُ: ((كفء)) - بضم الكاف وسكون الفاء - هو النظير المكافئ، ((مفرق)) بفتح الميم وراؤه مكسورة وقد تفتح - هو وسط الرأس، ((الحسام)) السيف. الإعْراب: ((طلقها)) طلق: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت ، وضمير الغائبة مفعول به مبني على السكون في محل نصب، ((فلست)) الفاء حرف دال على التعليل ، ليس : فعل ماض ناقص، وتاء المخاطب اسمه، مبني على الفتح في محل رفع، ((لها)) جار ومجرور متعلق بقوله كفء الآتي، ((بكفء)) الباء حرف جر زائد، كفء: خبر ليس منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ((وإلا)) الواو عاطفة، إلا: كلمة مركبة من حرفين، الأول : إن ، وهو حرف شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط والثاني جوابه جزاؤه، والثاني: لا، وهو حرف نفي، وفعل الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، والتقدير: وإلا تطلقها ((يعل)) فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بأن، وعلامة جزمه حذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، ((مفرقك)) مفرق: مفعول به ليعل، وهو مضاف وضمير المخاطب مضاف إليه، ((الحسام)) فاعل يعل . (١) انظر (ص ١٧٤) من هذا الكتاب . ٣٦٠ المجزومات: الشرط وجوابه، الحذف المسألة الثالثة : حذفُ أداة الشرط وفعل الشرط . وشرطُه أن يتقدم عليهما طلبٌ بلفظ الشرط ومعناه، أو بمعناه فقط ؛ فالأول نحو ((ائتني أُكْرِمْكَ)) تقديره: ائتني فإِن تأتني أكرمْك، فأكرمك: مجزوم في جواب شرط محذوفٍ دلَّ عليه فعل الطلب المذكور، هذا هو المذهب الصحيح(١) والثاني نحو قوله تعالى: ﴿قُلّ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام، ١٥١] أَيْ تعالوا فإِن تأتُوا أَثْلُ، ولا يجوز أن يُقَدَّرَ فإن تتعالوا؛ لأن تعال فعلٌ جامدٌ لا مضارعَ له ولا ماضي حتى توهم بعضهم أنه اسم فعل . ولا فَرْقَ بين كون الطلب بالفعل كما مثلنا، وكونه باسم الفعل كقول عَمْرو بن الإِطنابة ، وغلط أبو عبيدة فنسبه إلى قَطَرِيٍّ بن الفُجَاءة: وَأَخْذِى الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ ١٧٤ - أَبَت لي عِفَّتي وَأَبَى بَلَائي وَضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ الْمُشِيحِ وإِنْساكي عَلَى المِكْرُوهِ نَفْسِي الثَّاهِدُ فِيه: قوله (( وإلا يعل)) حيث حذف فعل الشرط ، لكونه معلومًا من سابق الكلام، ولكون أداة الشرط إن المدغمة في لا النافية ، وليس يجوز حذف الشرط إلا على مثل هذه الصورة، وهو مع ذلك قليل بالنسبة لحذف الجواب المدلول عليه ، على نحو ما ذكر المؤلف . ١٧٤- هذه الأبيات الأربعة من الوافر، وهي - كما قال المؤلف - لعمرو بن الإِطنابة والإِطنابة : اسم أمه وهو عمرو بن زيد مناة ، وقد أنشد المؤلف عجز ثالث هذه الأبيات في أوضحه (رقم ٥٠٤) وفي القطر (رقم ١١٧) وسينشد عجز ثالثها مرة أخرى في باب اسم الفعل من هذا (١) الذي ذكره المؤلف - من أن المضارع المجزوم بعد الطلب مجزوم بأداة شرط محذوفة مع فعل شرط موافق للطلب المتقدم في معناه وحده أو في معناه ولفظه جميعًا - هو مذهب الجمهور من العلماء، وقد حكم المؤلف عليه بأنه هو المذهب الصحيح، ومقابله ما ذهب إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه شيخ النحاة وأبو سعيد السيرافي شارح كتاب سيبويه وأبو علي الفارسي الفسوي شيخ ابن جني، ومذهب هؤلاء جميعًا أن الجازم لهذا المضارع هو نفس الطلب المتقدم عليه، ومع اتفاقهم على هذا المقدار تجدهم يختلفون في تعليل المسألة : فأما الخليل وسيبويه فيعللان ذلك بأن الطلب المتقدم إنما جزم المضارع المتأخر عنه لكون ذلك الطلب قد تضمن معنى حرف الشرط، ونظير ذلك أسماء الشرط كمتى وحيثما، فإنها إنما جزمت لأنها تضمنت معنى حرف الشرط الذي هو إن ، وأما السيرافي والفارسي فيعللان ذلك بأن الطلب إنما جزم المضارع المتأخر عنه لكونه قد ناب مناب فعل الشرط كما أن المصدر ينصب المفعول به في نحو قولك ((ضربًا زيدًا)) لأنه ناب مناب فعل الأمر، ووقع موقعه، هكذا قالوا، وكلا التعليلين غير مستقيم، لا جرم كان مذهب الجمهور هو الصحيح .