النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
المحلی بأل
ويَجِبُ ثُوتُهَا في فاعِلَيْ نِعْمَ وَبِئْسَ الْمُظْهَرَيْنِ، نحوُ: ﴿نِعْمَ اُلْعَبْدٌ ﴾ و﴿ بِنْسَ
مَثَلُ الْقَوْرِ﴾ ((فَنِعْمَ ابنُ أُخْتِ الْقَوْمِ)) فأمَّا الْمُضْمَرُ فَمُسْتَِرٌ مُفَسَرٌ بِتَمْيِيزِ نحو: ((نِعْم
امْرَأَ هَرِمٌ)) وَمِنْهُ: ﴿فَنِعِمَا هِىّ﴾(١) وَفِي نَعْتِيَ الإِشَارَةِ مُطْلَقًا وَأَيِّ فِي النِّدَاءِ،
نحو: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنْسَنُ﴾ ونحو: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَبِ﴾ وَقَدْ يُقالُ: يا أَيهذَا .
وَيَجِبُ في السَّعَةِ حَذْفُها مِنَ الْمُنَادَى، إلا مِنَ اسْمِ اللهِ تَعَالى، والجملَةِ
الْمُسَمّى بِهَا ، وَمِنَ المضَافِ ، إلا إذا كانَتْ صِفةٌ مُعْرَبة بالْحَرْفِ، أَوْ مُضافَة إلى ما
فیهِ أُل .
وأقول : الخامسُ من المعارف : المحلى بالألف واللام العَهْدية ، أو الجنسية .
وأشرت إلى أن كلا منهما قسمان ؛ لأن العهدية إما أن يشار بها إلى معهودٍ ذهني
أو ذكرِيٍّ؛ فالأُولُ كقولك: ((جَاءَ الْقاضي)) إذا كَانَ بينك وبين مخاطبك عَهْدٌ في
قاضٍ خاص، والثاني كقوله تعالى: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ [النور، ٣٥) الآية ، فإِن أل
في المصباح وفي الزجاجة للعهد في مصباح وزجاجة المتقدم ذكرهما .
وأل الجنسية قسمان؛ لأنها إما أَن تكون استغراقية، أو مشارًا بها إلى نفس
الحقيقة؛ فالأول كقوله تعالى: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنِسَنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء، ٢٨] أَيْ: كل
فرد من أفراد الإِنسان، ونحو ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ [البقرة، ٢] أَي: أَن هذا الكتاب هو
(١) نعمًا: لفظ مركب من كلمتين: إحداهما ((نعم)) التي تدل على إنشاء المدح، والثانية ((ما))، وقد اختلف
العلماء في ((ما)) هذه في مثل هذا التركيب، ولهم في ذلك ثلاثة مذاهب :
الأول: أن ((ما)) هذه نكرة تامة؛ فهي تمييز للفاعل المستتر، وكأنه قيل: نعم الشيء شيئًا هي، فالشيء هو
الفاعل، وعبرنا به عن الضمير المستتر في نعم، وشيئًا هو التمييز؛ وهو الذي وضعت ((ما)) موضعه، و((هي))
مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح، وهذا المذهب هو الذي يريده المؤلف بالإتيان بهذا المثال في هذا الموضع .
والمذهب الثاني: أن ((ما)) معرفة تامة، وهي فاعل نعم، وجملة ((نعمًا)) من الفعل وفاعله في محل رفع خبر
مقدم، و((هي)) مبتدأ مؤخر، وهو المخصوص بالمدح .
والمذهب الثالث: أن ((ما)) لا معنى لها؛ لأنها ركبت مع ((نعم)) فصارتا كلمة واحدة وعليه يكون ((نعمًا))
فعلًا ماضيًا دالًّا على إنشاء المدح، و ((هي)) فاعلًا بنعمًا.
فالجملة على هذا المذهب الأخير جملة فعلية، وعلى المذهبين السابقين هي جملة اسمية ؛ لأنها من مبتدأ
وخبر، وهذا المذهب الأخير هو مذهب الفراء ومن وافقه .

١٨٢
المحلى بأل
كل الكتب ، إلا أَن الاستغراق في الآية الأولى لأَفراد الجنس، وفي الثانية لخصائص
الجنس، كقولك: ((زَيْدٌّ الرَّجُلُ)) أَي الذي اجتمع فيه صفاتُ الرجالِ المحمودة،
والثاني نحوُ: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء، ٠ ٣] أي: من هذه الحقيقة،
لا من كل شيء اسمهُ ماء .
وقولي ((العهدية أو الجنسية)) خرج به المحلى بالألف واللام الزائدتين؛ فإنها
ليست لعهد ولا جنس، وذلك كقراءة بعضهم ﴿لَبِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ
الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ ﴾ [المنافقون، ٨] بفتح ياء (ليخرجن) وضم رائه، وذلك لأن الأُذَلَّ على
هذه القراءة حالٌ ، والحال واجبة التنكير؛ فلهذا قلنا : إن أل زائدة لا مُعَرَّفة، والتقدير:
ليخرجن الأعز منها ذليلًا، ولك أن تقدر أن الأصل خُرُوجَ الأَذَل ، ثم حذف المضافُ
وأقيم المضاف إليه مُقَامه، فانتصب على المصدر على سبيل النيابة، وحينئذ فلا
يحتاج لدعوى الزيادة .
ثم ذكرت أَن ((أَل)) المعرفة يجب ثبوتها في مسألتين، ويجب حذفها في
مسألتين :
أَمَا مسألتا الثبوتِ فإحداهما: أَن يكون الاسم فاعلًا ظاهرًا والفعلُ ((نِعْمَ)) أَو
((بِئْسَ)) كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ اَلْعَبْدُّ﴾ [ص،٣٠] ﴿فَنِعْمَ اُلْقَدِرُونَ﴾﴾ [المرسلات، ٢٣]
﴿فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ﴾ [الذاريات، ٤٨] و﴿ بِْسَ الشَرَابُ﴾ [الكهف ٢٩]، وأَشَرْتُ بالتمثيل
بقوله تعالى: ﴿بِنْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ [الجمعة، ٥]، إلى أنه لا يشترط كونُ ((أَل)) في نفس
الاسم الذي وقع فاعلا كما في ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [النحل، ٣٠]، بل يجوز كونُهَا فيما
أَضيف هو إليه، نحو ﴿ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [ص، ٣٠] ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَِّينَ﴾
[النحل، ٢٩]، ﴿ِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾(١).
(١) يشترط في هذا التمييز خمسة شروط: أولها: أن يكون نكرة، فلا يصح الإتيان به معرفة .
والثاني : أن يكون عامًّا، ونريد بالعام ما يكون له أفراد متعددة، كرجل وامرأة وفتاة وكتاب، فإن لم يكن له
إلا فرد واحد كقمر وشمس لم يصح أن يكون تمييزًا هنا، نعم لو قلت ((نعم شمسًا شمس يومنا)) أو قلت: (( نعم
قمرًا قمر ليلتنا)) صح ذلك؛ لأن القمر يتعدد بتعدد الليالي، والشمس تتعدد بتعدد الأيام؛ فصار من قبيل النكرة
العامة ذات الأفراد .
==

١٨٣
المحلى بأل
ولو كَانَ فاعلُ نعم وبئس مضمرًا وجب فيه ثلاثة أُمور؛ أَحدها : أَن يكون مفردًا ،
لا مثنى ولا مجموعًا، مستترًا لا بارزًا، مُفَسرًا بتمييز بعده، كقولك: نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ ،
ونِعْمَ رَجُلَيْنِ الزَّيْدَانِ ، ونِعْمَ رِجَالًا الزَّيْدُونَ، وقول الشاعر:
٧٠ - نِعْمَ امْرَأَ هَرِمٌ لَمْ تَغْرُ نَائِبَةٌ إِلَّ وَكَانَ لِمُزْتَاعٍ بَها وَزَرَا
٧٠ - هذا بيت من البسيط، وقد زعم قوم أنه من كلام زهير بن أبي سلمى المزني من قصيدة له
يمدح فيها هرم بن سنان المري، اغترارًا بذكر اسم هرم فيه، مع أن زهيرًا كان كثير المدح لهرم بن
سنان المري، ولم أجد البيت في إحدى نسخ ديوان زهير بن أبي سلمى التي بين يدي على اختلاف
رواتها وشراحها .
اللُّغَةِ: ((لم تعر)) أي لم تنزل، ((لمرتاع)) أي فزع، خائف، ((وزرًا)) أي ملجأ وحصنًا، يريد أنه
يدفع عنهم آثار نوائب الدهر بإحساناته إليهم.
الإعراب: ((نعم)) فعل ماض دال على إنشاء المدح، مبني على الفتح لا محل له من الإعراب،
وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى امرأ الآتي، والجملة من الفعل والفاعل في محل
رفع خبر مقدم، (امرأ)) تمييز، ((هرم)) مبتدأ مؤخر، ((لم) نافية جازمة، ((تعر)) فعل مضارع مجزوم
بلم، وعلامة جزمه حذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، ((نائبة)) فاعل تعر، ((إلا)) أداة استثناء،
((وكان)) الواو واو الحال، كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود
إلى هرم، ((لمرتاع)) جار ومجرور متعلق بقوله وزرًا الآتي، ((بها)) جار ومجرور متعلق بقوله مرتاع،
((وزرًا)) خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة، والجملة من كان واسمها وخبرها في محل نصب
حال، وهذا الحال في المعنى مستثنى من عموم الأحوال، ألست ترى أن معنى الكلام: لم تعر
الناس نائبة في حال من الأحوال إلا في الحال التي يكون هرم فيها وزرًا للمرتاعين بها ؟
الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((نعم امرأ هرم)) فإن نعم فعل ماض فيه ضمير مستتر، ومرجعه هو قوله ((امرأً))
الذي وقع تمييزًا مفسرًا لهذا الضمير لإِبهامه، فعاد الضمير هنا على متأخر لفظًا ورتبة، أما تأخره لفظًا
والشرط الثالث: أن تكون النكرة مما يقبل أل؛ فخرج بذلك لفظ ((مثل)) ولفظ ((غير)) ونحوهما مما هو
متوغل في التنكير ولا يقبل أل، بناء على ما ذهب إليه كثير من النحاة .
والشرط الرابع: أن يؤخر هذا التمييز عن الفعل الذي هو بئس أو نعم؛ فلا يصح تقديمه عليهما .
والشرط الخامس : أن يقدم هذا التمييز عن المخصوص بالمدح أو الذم: فلا يجوز أن يؤخر عنه .
والمثال الجامع لهذه الشروط هو ما ذكره المؤلف من قوله ((نعم رجلًا زيد)) وقد اكتفى بذلك المثال المستوفي
لكل هذه الشروط عن ذكر هذه الشروط .

١٨٤
المحلى بأل
والثانية: أَن يكون الاسمُ نعتًا: إِما لاسم الإِشارةِ نحو ﴿ مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ﴾
[الكهف، ٤٩] ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان، ٧] وقولك: ((مررتُ بهذا الرّجل)) أَو نعت
((أَيها)) في النداء، نحوٍ ﴿يََّأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة، ٦٧] ﴿يَأَيُّهَا الْإِنِسَنُ﴾ [الانفطار،
٦]، ولكن قد تنعت ((أَيُّ)) باسم الإِشارة كقولك ((يا أَيُّهذَا))(١)، والغالبُ حينئذٍ أَن
تُنْعَتَ الإِشارةُ كقوله :
٧١ - أَلَا أَيُّهِذَا الزَّاجِرِي أَخْضُرَ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ الّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي؟
وقد لا تُنْعَتُ كقوله :
فواضح، وأما تأخره رتبة فإن من البديهي أن رتبة التمييز متأخرة عن رتبة الفاعل؛ لأن كل فعل
يحتاج ألبتة إلى فاعل، والأصل فيه أن يتصل بالفعل، والغالب أن الكلام لا يحتاج إلى التمييز،
ولكن هذا الموضع مما يغتفر فيه عود الضمير على المتأخر على نحو ما علمت مما سبق، وشيء آخر
يوضح لك هذا، وهو أن الفاعل عمدة، والتمييز فضلة، بدليل أن الفاعل مرفوع وهو جزء من
الجملة، والتمييز منصوب وليس جزءًا من الجملة.
وفي البيت شاهد آخر: وذلك في قوله ((إلا وكان لمرتاع بها وزرًا)) وذلك حيث اقترنت جملة
الحال الماضوية الواقعة بعد إلا بالواو، والمستعمل الكثير في اللسان أن تجيء جملة الحال - إذا كانت
بهذه المثابة - غير مقترنة بالواو.
٧١ - هذا بيت من الطويل، وهو من معلقة طرفة بن العبد البكري أحد شعراء الجاهلية، وهو من
شواهد ابن عقيل (رقم ٣٢٩).
اللُّغَةِ: ((الزاجري)) الذي يزجرني ويكفني ويمنعني، ((الوغى)) هو في الأصل الأصوات والجلبة،
ثم استعملوه في الحرب والقتال لما فيهما من الأصوات، ((مخلدي)) أراد هل تضمن لي البقاء
بزجرك إياي ومنعك لي من منازلة الأقران ؟
الاْراب: ((ألا)) أداة استفتاح وتنبيه، ((أيهذا)) أي: منادى بحرف نداء محذوف مبني على
الضم في محل نصب، وها: حرف تنبيه، وذا: اسم إشارة نعت لأيّ، مبني على السكون في
(١) اعلم أن ((يا)) إذا نعتت بمذكر فإن لفظها يذكر، كما في الآيتين اللتين تلاهما المؤلف، وإذا نعتت بمؤنث فإن
لفظها يؤنث، كما في قوله تعالى: ﴿ يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ﴾ [سورة الفجر، ٢٧]، وكما في قول أوس بن
حجر :
أَيَّتُهَا النّفْسُ أَجْمِلِي جَزَعًا
إِنَّ الْذِي تَخْذَرِينَ قَدْ وَقَعَا

١٨٥
المحلى بأل
* أَيُّهِذَانِ كُلَا زَادَيْكُمَا .
٧٢ -
محل رفع، ((الزاجري)) الزاجر: بدل من اسم الإشارة، أو نعت له، أو عطف بيان عليه، مرفوع
بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وياء المتكلم مفعول به؛ مبني على السكون في محل
نصب، وقيل: مضاف إليه مبني على السكون في محل جر، وهو ضعيف، ((أحضر)) فعل مضارع
يروى مرفوعًا فلا لبس فيه، لأنه فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه
الضمة الظاهرة، ويروى منصوبًا، فهو منصوب بأن المصدرية المحذوفة، وستعرف ما فيه، وفاعله
ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، ((الوغى)) مفعول به لأحضر، ((وأن)) الواو عاطفة، أن: مصدرية
ناصبة، ((أشهد)) فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، ((اللذات))
مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، ((هل)) حرف استفهام مبني
على السكون لا محل له من الإعراب، ((أنت)) ضمير منفصل مبتدأ، ((مخلدي)) مخلد: خبر
المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة
المناسبة، ومخلد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه مبني على السكون في محل جر.
الثَّاهِدُ فِيه: قوله (أيهذا الزاجري)) حيث نعت ((أي)) باسم الإِشارة ثم نعت اسم الإِشارة بالاسم
المحلى بالألف واللام، وهذا هو الغالب إذا نعت ((أي)) باسم الإِشارة.
وفي البيت شاهد آخر، وهو انتصاب الفعل المضارع، الذي هو قوله ((أحضر)) بأن المصدرية
المحذوفة، وذلك عند من روى هذا الفعل بالنصب، وهم الكوفيون، والذي سهل النصب مع الحذف
ذكر ((أن)) في المعطوف، وهو قوله ((وأن أشهد)) فافهم ذلك، ونظير ذلك قولهم في مثل هذا ((تسمع
بالمعيدي خير من أن تراه)) بنصب تسمع، فأما البصريون فيروون البيت برفع ((أحضر)) والمثل برفع
((تسمع))، وذلك لأنهم لا يجيزون أن ينتصب الفعل المضارع بحرف محذوف في غير المواضع
المحفوظة، من قبل أن نواصب المضارع عوامل ضعيفة، والعامل الضعيف لا يعمل إلا وهو مذكور
( انظر ص ٤١ السابقة ).
٧٢- هذا صدر بيت من الرمل، وعجزه قوله:
* وَدَعَانِي وَاغِلًا فِي مَنْ يَغِلْ *
وفي بعض نسخ الشرح ذكر البيت كاملًا، ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين.
اللَّغَةُ: ((واغلًا)) هو الرجل الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى لذلك،
((يغل)) أصله يوغل - بفتح الياء وسكون الواو وكسر الغين، فحذفت الواو لوقوعها بین عدوّتیها،
على نحو ما علمت مما سبق للمؤلف أول الكتاب في ص ٤٩.
الإعراب: ((أيهذان)) أي: منادى بحرف نداء محذوف، مبني على الضم في محل نصب، ها:

١٨٦
المحلى بأل
وأَمَا مسألَتَا الحذفِ فإحداهما: أَن يكون الاسمُ منادَى؛ فتقول في نداءِ الغلام
والرجل والإِنسان: يا غُلَامُ، ويا رَجُلُ، ويا إِنْسَانُ، ويُشَتْنَى من ذلك أَمرِان:
أَحدهما: اسم الله تعالى(١)؛ فيجوز أن تقول: يا أَلله، فتجمع بين ((يا)) والألف
واللام، ولك قَطْعُ أَلَفِ اسم الله تعالى وَحَذْفُها، والثاني: الجملة المسمى بها؛ فلو
سمیت بقولك (( المنطلق زَيْد )) ثم ناديته قلت : يا المنطلق زید .
الثانية: أَن يكون الاسم مضافًا، كقولك في الغلام والدار : غلامي ، وداري، ولا
تقل: الغلامي، ولا الداري، فتجمَعَ بين أَل والإِضافة، ويُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان؛
إحداهما : أن يكون المضاف صفَةً مُغربة بالحروف؛ فيجوز حينئذ اجتماع أَل
والإِضافة، وذلك نحو ((الضَّارِبَا زَيْدِ)) و((الضَّارِبُو زَيْدٍ))(٢)، والثانية: أَن يكون
حرف تنبيه، ذان: اسم إشارة نعت لأيّ، مبني على الألف في محل رفع، وقيل مرفوع بالألف
نيابة عن الضمة لأنه ملحق بالمثنى، (( كلا)) فعل أمر مبني على حذف النون وألف الاثنين فاعله،
مبني على السكون في محل رفع، ((زاديكما)) زادي: مفعول به منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لأنه
مثنى، والكاف ضمير المخاطب مضاف إليه مبني على الضم في محل جر، والميم حرف عماد،
والألف حرف دالٌ على تثنية المخاطب، ((ودعاني)) الواو عاطفة، دعا: فعل أمر مبني على حذف
النون، وألف الاثنين فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به ((واغلًا)) حال من المفعول به، وهو ياء
المتكلم، ((فيمن)) في: حرف جر، من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بفي،
والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لواغل، ((يغل)) فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه
جوازا تقديره هو يعود على الاسم الموصول، والجملة لا محل لها صلة الموصول.
الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أيهذان)) حيث نعت ((أي)) باسم الإشارة الذي للمثنى، وهو قوله ((ذان))، ولم
ينعت اسم الإِشارة باسم محلى بالألف واللام، وذلك قليل.
(١) الأكثر في نداء اسم الله تعالى أن تحذف حرف النداء، وتعوض منه ميمًا مشددة في آخر الاسم؛ فتقول:
اللهم؛ وربما جمع بين الميم المشددة وحرف النداء، وهذا خاص بالشعر، ومنه قول الراجز :
إِنَّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا
أَقُولُ: يَا اللَّهُمَّ، يَا اللّهُمَّا
(٢) ومن ذلك قول عنترة بن شداد :
لِلْحَرِبٍ دَائِرَةٌ عَلَى ابْتَيْ ضَمْضَمٍ
وَلَقَدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُزْ
الشاتِمَيْ عِرْضِي وَلَمْ أَشْتُمْهُمَا
وَالنَّاذِرَينِ إِذَا لَم ألقَهُمَا ذَمِي =

١٨٧
المضاف لمعرفة
المضاف صفَةً والمضافُ إليه مَعْمُولًا لها وهو بالألف واللام؛ فيجوز حينئذ أيضًا
الجمع بين أل والإِضَافَةِ ، وذلك نحو ((الضَّارِبُ الرَّجُلِ)) و((الرَّاكِبُ الْفَرَسِ))(١) وما
عداهما لا يجوز فيه ذلك، خلافًا للفَرَّاء في إجازة ((الضّارِبُ زَيْدٍ)) ونحوه مما
المضافُ فيه صِفَةٌ والمضافُ إليه مَعْرِفَةٌ بغير الألف واللام، وللكوفيين كلهم في إجازة
نحو ((الثَّلَاثَة الأَثْوَابِ))(٢) ونحوه مما المضافُ [فيه] عَدَدّ والمضافُ إليه مَعْدُودٌ ،
وللرِّمَّانيّ والمبرِّدِ والزَّمْخِشَرِي في قولهم [في] ((الضَّارِبِي)) و((الضَّارِبِكَ))
و((الضّارِبِهِ)): إن الضمير في موضع خفض بالإِضافة .
ثم قلت: السَّادِسُ الْمُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ ، كَ(( غُلَامي)) وَ(عُلَامٍ زَيْدِ)) .
وأقول: هذا خاتمةُ المعارف، وهو المضافُ لمعرفةٍ ، وهو في درجة مَّا أُضِيفَ
إليه، فـ((غُلَامُ زَيْدٍ)) في رتبة العلم، و((غُلَامُ هذَا)) في رتبة الإِشارة، و((غُلَامُ الّذي
جَاءَك)) في رتبة الموصول، و((غُلَامُ الْقَاضِي)) في رتبة ذي الأداة، ولا يستثنى من
ذلك إلا المضاف إلى المضمر كـ((غُلَامي))؛ فإنه ليس في رتبة المضمر، بل هو في
رتبة العلم، وهذا هو المذهبُ الصحيحُ، وَزَعَمَ بعضُهم أن مَا أَضِيفَ إلى معرفة فهو في
رتبة ما تحت تلك المعرفة دائمًا ، وذهب آخر إلى أنه في رتبتها مطلقًا، ولا يستثنى
المضمر، والذي يدل عَلَى بطلان القَوْلِ الثاني قولُه:
كَخُذْرُوف الْوَلِيدِ الْمُثَقّب »
*
٧٣ -
٧٣- هذا الشاهد قطعة من بيت من الطويل لامرئ القيس بن حجر الكندي، أحد فحول
الشعراء في الجاهلية، والبيت بتمامه هكذا:
= ومحل الاستشهاد به في قوله ((الشاتمي عرضي)) فإن ((الشاتمي)) صفة؛ لكونه اسم فاعل، وهي معربة بالحروف ؛
لكونها مثنى، وقد أضيفت إلى ((عرضي)) الذي هو مفعول به لهذه الصفة .
(١) ومن شواهد ذلك قول النابغة الذبياني :
الْوَاهِبُ المِائَةِ الأَبْكَارِ زَيِّنَهَا
سَعْدَانُ تُوضِحَ فِي أَوْبَارِهَا اللَّبَدُ
(٢) إذا أريد تعريف العدد المضاف إلى المعدود - على ما اختاره البصريون - أدخلت أل على المضاف إليه كقول
ذي الرمة :
ثَلَثُ الأَنَافِي وَالدِّيَارُ الْبَلَاقِعُ ؟
وَهَلْ يَرْجِعُ التَسْلِيمَ أَوَ يَكْشِفَ الْعَمَى

١٨٨
المضاف لمعرفة
فَوَصَفَ المضافَ للمعَرَّفِ بالأَداة بالاسم المعرف بالأداة، والصِّفَةُ لا تكون
يَمُرُّ كَخُذْرُوفِ الْوَلِيدِ المُثَقَّبِ
فَأَذْرَكَ لَمْ يُجْهَدْ، وَلَمْ يُثْنَ شَأْؤُهُ
وهذا البيت من قصيدة له طويلة كان قد ساجل بها علقمة الفحل أمام امرأة اسمها أم جندب،
وتحاكما إليها في أن يصف كل واحد منهما فرسه في قصيدة، ومطلع قصيدة امرئ القيس قوله:
خِلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمّ جُنْدَبٍ
ومطلع قصيدة علقمة قوله :
لِنَقْضِيَ حَاجَاتِ الْفُؤَادِ الْمُعَذَّبِ
وَلَمْ يَكُّ حَقًّا كُلُّ هَذَا التَّجَنُبِ
ذَهَبْتَ مِنَ الهِجْرَانِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ
لُغُيَيْتِ الشَّاهِدِ: ((أدرك)) أي أدرك هذا الفرس الوحش الذي كان يطارده، ((لم يجهد)) أي
على طبيعته من غير أن أجهده أو أبعثه أو أثيره، ((شأوه)) الشأو: الشوط البعيد، ((الخذروف))
لعبة للصبيان يديرونها بخيط في أكفهم فلا تكاد ترى لسرعة دورانها.
المعنى: يصف فرسه بأنه أدرك الصيد من غير أن يجهده، وأنه كان سريعًا سرعة تشبه سرعة
خذروف الوليد.
الإعْراب: ((أدرك)) فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفرس
المذكور في أبيات قبل هذا البيت، ((لم)) نافية جازمة، ((يجهد)) فعل مضارع مبني للمجهول،
مجزوم بلم، ونائب فاعله ضمير الفرس، والجملة في محل نصب حال من فاعل أدرك، ((ولم))
الواو عاطفة، لم: نافية جازمة، ((يثن)) فعل مضارع مبني للمجهول، مجزوم بلم، وعلامة جزمه
حذف الألف والفتحة قبلها دليل عليها، ((شأوه)) شأو: نائب فاعل يثن، وهو مضاف والضمير
مضاف إليه، والجملة في محل نصب بالعطف على جملة الحال، ((يمر)) فعل مضارع، وفاعله
ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الفرس، ((كخذروف)) جار ومجرور متعلق
بمحذوف صفة لموصوف محذوف، وتقدير الكلام: يمر مؤًّا كائنًا كمر خذروف، وخذروف
مضاف و ((الوليد)) مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، ((المثقب)) صفة لخذروف.
الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((كخذروف الوليد المثقب)) فإن قوله ((المثقب)) نعت لقوله خذروف في قوله
((خذروف الوليد)) على ما علمناه من الإِعراب، وهذا النعت محلى بالألف واللام، والمنعوت
مضاف إلى المحلى بالألف واللام، والنعت لا يجوز أن يكون أعرف من المنعوت؛ فدلنا ذلك
على أن المحلى بأل ليس أعرف من المضاف إلى المحلى بأل؛ فثبت أن المضاف إلى معرفة يكون
في رتبة هذه المعرفة، وفي كلام المؤلف دليل على استثناء المضاف إلى الضمير، فتنبه لهذا
وافهمه.

١٨٩
المرفوعات: الفاعل
أُعْرَفَ من الموصوف، وعَلَى بطلان الثالث قولُهم: مررت بَزَيْدٍ صَاحِبِكَ(١).
ثم قلت: بَابٌ - الْمَرْفُوعَاتُ عَشَرَةٌ: أحَدُهَا الْفَاعِلُ، وَهُوَ: مَا قُدِّمَ الْفِعْلُ أوْ
شِبْهُهُ عَلَيْهِ وَأُسْنِدَ إِلَيْهِ عَلَى جِهَةِ قِيَامِهِ بِهِ أَوْ وُقُوعِهِ مِنْهُ كَـ((عَلِمَ زَيْدٌ)) وَ((مَاتَ بَكْرٌ))
وَ((ضَرَبَ عَمْرٌو)) وَ( مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ).
وأقول : شَرَعْتُ من هنا في ذكر أنواع المعربات، وبدأت منها بالمرفوعات ؛
لأنها أَرْكَانُ الإِسْنَادِ، وثَنَّيْتُ بالمنصوبات؛ لأنها فَضَلَات غالبًا (٢)، وختمت
بالمجرورات؛ لأنها تابعة في الْعُمْدِيَّةِ وَالفَضْلِيَّةِ لغيرها، وهو المضافُ؛ فإن كان
عمدة فالمضاف إليه عمدة، كما في قولك: ((قَامَ غُلَامُ زَيْدٍ))، وإن كان فضلة
فالمضاف إليه فضلة ، كما في قولك: ((رَأَيْتُ غُلَامَ زَيْدٍ))، والتابع يتأخر عن المتبوع .
وَبَدأْتُ من المرفوعات بالفاعل لأمرين؛ أحَدُهُمَا: أن عامله لفظي، وهو الفعل أو
شبهه ، بخلاف المبتدأ؛ فإن عامله معنوي ، وهو الابتداء(٣) ، والعامل اللفظي أقوى من
العامل المعنوي؛ بدليل أنه يُزِيل حكم العامل المعنوي، تقول في زيد قائم: «كَانَ زَيْدٌ
قَائِمًا)) و((إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ) وَ((ظَنَنْتُ زَيْدًا قَائِمًا)) ولما يَنْتُ أنَّ عامل الفاعل أقوى كان
الفاعلُ أقوى، والأقوى مُقَدَّم على الأضعف ، الثاني : أن الرفع في الفاعل للفرق بينه
وبين المفعول ، وليس هو في المبتدأ كذلك، والأضْلُ في الإعراب أن يكون للفرق بين
المعاني فَقَدَّمْتُ ما هو الأصل .
والضمير في قولي ((وهو)) للفاعل، وقولي (( ما قُدِّمَ الفعل أو شِبْهُهُ عليه)) مخرج
لنحو ((زَيْدٌ قَامَ)) و((زَيْدٌ قَائِمٌ)) فإِنَّ زيدًا فيهما أَسْنِدَ إليه الفعلُ وَشِئْهُهُ ولكنهما لم يُقَدَّمَا
(١) وجه دلالة هذا المثال أن النعت - وهو قولهم: صاحبك - مضاف إلى الضمير، والمنعوت علم؛ فلو كان
المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير لكانت الصفة أعرف من الموصوف؛ ومن المقرر عند النحاة أن الصفة لا
يجوز أن تكون أعرف من الموصوف؛ فدل اتفاقهم على صحة هذا المثال - مع هذا المقرر عندهم - على أن
المضاف إلى الضمير - مثل صاحبك - في رتبة العلم کزید .
(٢) إنما قال المؤلف ((غالبًا)) لأن بعض المنصوبات ليس فضلة، بل هو ركن من أركان الإسناد، وذلك مثل اسم
إن ، فإنه المحكوم عليه، وخبر كان ، فإنه المحكوم به .
(٣) هذا مذهب البصريين، وهو الراجح، وذهب الكوفيون إلى أن العامل في المبتدأ هو الخبر، وعليه يكون العامل
عندهم في المبتدأ لفظيًّا، وهو مذهب ضعيف .

١٩٠
نائب الفاعل
عليه ، ولا بد من هذا القيد ؛ لأن به يتميز الفاعلُ من المبتدأ .
وقولي ((أسند إليه)) مخرج لنحو ((زيدًا)) في قولك ((ضَرَبْتُ زَيدًا)) و((أنا ضاربٌ
زَيْدًا))؛ فإِنه يصدق عليه فيهما أنه قُدِّم عليه فعلٌ أو شبههُ، ولكنهما لم يُسْتَدًا إليه .
وقولي «عَلَى جهة قيامه به أو وقوعه منه)) مخرج لمفعول ما لم يُسَمَّ فاعلُه، نحو :
((ضُرِبَ زَيْدٌ)) و((عَمْرٌو مَضْرُؤُبِّ غُلَامُهُ)) فزيد والغلام وإن صدق عليهما أنهما قدم
عليهما فعل وشبهه وأسندا إليهما ، لكن هذا الإِسناد عَلَى جهة الوقوع عليهما، لا عَلَى
جهة القيام به كما في قولك : عَلِمَ زَيْدٌ ، أو الوقوع منه كما في قولك : ضَرَبَ عمْرٌو.
ومَثَّلْتُ لما أسند إليه شبهُ الفعلِ بقوله تعالى: ﴿ تُخْتَلِفُّ أَلْوَانُهُ ﴾ [فاطر، ٢٨] فألوانه :
فاعل لمختلف؛ لأنه اسم فاعل؛ فهو في معنى الفعل، والتقدير: وصنفٌ مختلفٌ
ألوانُهُ، أي يختلف ألوانه ، فحذف الموصوف وأنيبَ الوصفُ عن الفعل، وقوله تعالى :
كَذَلِكَ ﴾ أَيْ: اختلافًا كالاختلاف المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدُ؟
بِيَضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهَا وَغَاِبُ سُودٌ﴾ [فاطر، الآية ٢٧] .
ثم قلت : الثاني نَائِبُهُ، وهو: ما حُذِفَ فاعِلُه، وَأَقِيمَ هُوَ مُقَامَهُ(١) ، وغَُّ عامِلُه إلى
طَرِيقَةٍ فُعِلَ أو يُفْعَلُ أَوْ مَفْعُولٍ، وهو الْمِفْعُولُ به، نحوُ ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾، وإن فُقِدَ
فالَّمِصْدَرُ نحو ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الْصُورِ نَفْخَةُ وَحِدَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُم مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ﴾،
(١) الأغراض التي يحذف من أجلها الفاعل على نوعين: الأول أغراض لفظية أي راجعة إلى اللفظ المتكلم به،
والثاني أغراض معنوية .
وأهم الأغراض اللفظية ثلاثة أغراض :
الأول : رغبة المتكلم في إيجاز العبارة، أي أن يأتي بها مختصرة من غير تعقيد، ومن أفصح أمثلة ذلك قوله
تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوئِبْتُم بِةٌ﴾.
الثاني: رغبة المتكلم في أن يحافظ على السجع في الكلام المنثور، ومثاله قولهم (( من طابت سريرته حمدت
سيرته)) فإنه لو قيل في هذه العبارة ((حمد الناس سيرته)) لتغيرت حركة إعراب الفاصلة الثانية فلم توافق حركة
إعراب الفاصلة الأولى .
الثالث: رغبة المتكلم في المحافظة على الوزن في الكلام المنظوم نحو قول الأعشى :
غَيْرِي، وَعُلِّقَ أخْرَى غَيْرَهَا الرَّجُلُ
غُلُقْتُهَا عَرَضًا وَعُلْقَتْ رَجُلًا
وأهم الأغراض المعنوية سبعة أغراض :

١٩١
نائب الفاعل
أو الظّرْفُ نحو ((صِيمَ رَمَضَانُ)) و((جُلِسَ أَمَامُكَ)) أو المَجْرُورُ نحوُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾ ومِنْهُ ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا﴾ [ البقرة، ٤٨].
وأقول : الثاني من المرفوعات : نائب الفاعل، وهو الذي يعبرون عنه بمفعول ما
لم يُسَمّ فاعلُه، والعبارة الأولى أولى لوجهين؛ أحدُهما: أَن النائب عن الفاعل يكون
مفعولًا وغيرَهُ، كما سيأتي، والثاني: أَن المنصوب في قولك: ((أُعْطِيَ زَيْدٌ دِينَارًا))
يَصْدُقُ عليه أَنه مفعول للفعل الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، وليس مقصودًا لهم، ومعنى قولي
((أُقِيمَ هوَ مُقَامةُ)) أَنه ◌ُقيم مقامه في إسناد الفعل إليه .
ولما فَرَغْتُ من حَدِّه شرعت في بيانِ ما يُعْمَل بعد حذف الفاعل؛ فذكرت أَن
الفعل يجب تغييره إلى فُعِل أَو يُفْعَلُ، ولا أُريد بذلك هذين الوزنين؛ فإن ذلك لا يتأَتَّى
إلا في الفعل الثلاثي، وإنما أُريد أَنْه يُضَمُّ أَوَّلُهُ مطلقًا، ويكسر ما قبل آخره في
الماضي، ويفتح في المضارع، ثم بِعْدَ ذلك يُقَامُ المفعولُ به مُقَامُ الفاعل؛ فيعطى
أَحكامه كلها؛ فيصير مرفوعًا بعد أَن كَانَ منصوبًا، وعُمْدَة بعد أَن كَانَ فَضْلَة ،
وواجب التأخير عن الفعل بَعْدَ أَن كَانَ جائزَ التقديم عليه .
والمفعولُ به عند المحققين مُقَدَّمٌ في النيابة عَلَى غيره وجوبًا؛ لأنه قد يكون فاعلاً
في المعنى كقولك ((أَعْطَيْتُ زَئِدًا دِينَارًا)) أَلا ترى أنه آخذ؟ وأَوْضَحُ من هذا ((ضَارَبَ
زَيْدٌ عَمْرًا)) لأن الفعل صَادِرٌ من زَيْد وعمرو؛ فقد اشتركا في إيجاد الفعل، حتى إن
الأول : أن يكون الفاعل معلومًا لكل أحد بحيث لا يحتاج المتكلم لذكره، ومن أمثله قوله تعالى: ﴿ خُلِقَ
=
اُلْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
والثاني: أن يكون المتكلم غير عالم بالفاعل، نحو قولك ((سرق متاعي)) وأنت لا تعلم السارق.
الثالث: أن يرغب المتكلم في الإبهام على السامع، نحو قولك ((صنع مع زيد جميل)) إذا كنت تعرف صانع
الجميل ولكنك رغبت في الإبهام على السامع .
الرابع: أن يقصد المتكلم تعظيم الفاعل بصون اسمه عن أن يجري على لسانه أو عن أن يقترن في الكلام
بالمفعول ، نحو قولك (( خلق الخنزير)) .
الخامس : أن يقصد المتكلم تحقير الفاعل بأن لا يجري اسمه على لسانه .
السادس : خوف المتكلم على الفاعل أن يناله أحد بمكروه .
السابع: خوف المتكلم من الفاعل أن يناله بأذى، وذلك إذا كان جبارًا لا يسلم الناس من شروره .

١٩٢
نائب الفاعل
بعضهم جَوَّزَ في هذا المفعول أَن يُرْفَعِ وَصْفُهَ فيقول: ((ضَارَبَ زَيْدٌ عمْرًا الْجَاهِلُ)) لأنه
نعت المرفوع في المعنى .
وَمَثّلْتُ لنيابته عن الفَاعِلِ بقوله تعالى: ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة، ٢١٠، وسورة هود، الآية
٤٤] وأَصله قَضَى الله الأَمْرَ، فَحُذِفَ الفاعِل للعلم به، ورُفِعَ المفعولُ به، وغُيَِّ الفعلُ
بضم أَوّله وكسر ما قبل آخره، فانقلبت الألف ياء .
فإن لم يكن في الكلام مفعولٌ به أُقيم غيرُه: من مصدرٍ، أَو ظرفٍ زمانٍ ، أَو
مکانٍ ، أَو مجرورٍ .
فالمصدر كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ﴾ [الحاقة، ١٣] وقولِه
تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة، ١٧٨] وكون ((نفخة)) مصدرًا واضحٌ،
وأما ((شيء)) فلأنه كناية عن المصدرِ، وهو العفو، والتقدير- والله أعلم - فَأَيُّ شخص
من القاتل عُفيَ له عَفْوٌ ما من جهة أخيه، والأخ هنا محتمل لوجهين: أحدهما : أن
يكون المراد به المقتول فـ((مِنْ)) للسببية، أي بسببه، وإنما جعل أخًا تعطيفًا عليه
وتنفيرًا عن قَثْلِهِ، لأن الخلقَ كلهم مُشْتَرِكُون في أنهم عَبِيدُ اللَّه؛ فهم كالإخوة في
ذلك، ولأنهم أولاد أبٍ واحدٍ وأم واحدة؛ والثاني: أن المراد به وليُّ الدَّمٍ ، وسُمِّيَ أخّا
ترغيبًا له في العَفْوِ، وَ((مِنْ)) على هذا لابتداء الغاية، وهذا الوجْهُ أحسن، لوجهين:
أحدهما: أن كَوْنَ ((مِنْ)) لابتداء الغاية أَشْهَرُ من كونها للسببية ، والثاني : أن الضمير
في قوله تعالى: ﴿وَأَدَاءُ إِلَيْهِ﴾ راجعٌ إلى مذكور في هذا الوجه دون الأول.
وظرفُ الزمان، كقولك ((صِيمَ رَمَضانُ)) وأَصله صامَ الناسُ رمضانَ .
وظرفُ المكان، كقولك ((مجلِسَ أَمامكَ)) والدليلُ عَلَى أَن الأمام من الظروف
المتصرفة التي يجوز رفْعُها قولُ الشاعر:
مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا
٧٤ - فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّهُ
فموضِعُ ((كِلَا)) رفعٌ بالابتداء، و((خلفُهَا)) بدل منه، و((أمامُهَا)) عطف عليه،
٧٤ - هذا بيت من الكامل من معلقة لبيد بن ربيعة العامري التي مطلعها:
بِمِنَّى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا

١٩٣
نائب الفاعل
والجملة التي هي ((تحسب)) وما بعدها في موضع رفع خبر المبتدأ، والعائد على
المبتدأ الهاء المتصلة بأنَّ، وإنما يصف الشاعر بقرةَ وَحْشِ بالتبّدِ وأنها لا تَدْرِي على
أي شيء تُقْدِمُ، ولا بُدَّ من تقدير واوِ حالٍ قبل (( كلا)) فكأنه قال: فغدت هذه
اللَّغَة: ((عفت)) درست وذهبت معالمها، وهو هنا لازم، وقد يأتي متعديًا، ((الدیار)) جمع دار،
((محلها)) هو بدل من الديار، وهو موضع حلول أهليها: أي نزولهم وسكناهم، ((فمقامها)) بضم الميم
- موضع إقامتهم، ((تأبد)) توحش، ((غولها)) قيل: هو جبل، وقيل: هو اسم ماء معروف عندهم،
((فعدت)) يروى بالغين المعجمة - من الغدو. ويروى بالعين المهملة من العدو، وهو شدة الجري،
(((الفرجين)) مثنى فرج، وهو الثغرة في الجبل، ((مولى المخافة)) أي الموضع الذي فيه المخافة: أي الخوف.
المعنى: يصف بقرة من بقر الوحش سمعت صوت الصيادين فأخذت تعدو في الجبل، وهي
كلما ذهبت إلى طريق حسبت أنه المكان الذي تجد فيه الصيادين، سواء في ذلك الطريق الذي
أمامها والطريق خلفها.
الإغْراب: ((فغدت)) الفاء حرف عطف، غدا: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير
مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى بقرة الوحش، ((كلا)) مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف
منع من ظهورها التعذر، وكلا مضاف و((الفرجين)) مضاف إليه، ((تحسب)) فعل مضارع، وفاعله
ضمير مستتر فيه جولزًا تقديره هي يعود إلى البقرة أيضًا، ((أنه)) أن: حرف توكيد ونصب، والهاء
ضمير الغائب العائد إلى كلا الفرجين اسم أن، ((مولى)) خبر أن مرفوع بضمة مقدرة على الألف
منع من ظهورها التعذر، ومولى مضاف و((المخافة)) مضاف إليه، وأن واسمها وخبرها في محل
نصب سدت مسد مفعولي تحسب، وجملة تحسب مع فاعله ومفعوليه في محل رفع خبر المبتدأ
الذي هو كلا، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب حال على تقدير الواو، ((خلفها)) خلف:
بدل من كلا، وبدل المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وخلف مضاف والضمير الذي
للغائبة العائد إلى البقرة مضاف إليه، ((وأمامها)) الواو عاطفة؛ أمام: معطوف على خلف،
والمعطوف على المرفوع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وأمام مضاف والضمير الذي
للغائبة مضاف إليه أيضًا، وفي هذا البيت أعاريب أخرى كثيرة أضربنا عنها صفحًا؛ لأنها لا تخلو
من تكلفات بعيدة.
الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أمامها)) فإن الرواية قد وردت برفعه؛ بدليل أن هذه القصيدة ميمية مرفوعة
القوافي، ورفعه على أنه معطوف على خلفها الذي هو بدل من ((كلا)) الذي هو مبتدأ على ما علمت
في إعراب البيت؛ فدل ذلك على أن ((أمام)) من الظروف المتصرفة: أي التي تخرج عن النصب على
الظرفية وعن الجر بمن، إلى التأثر بالعوامل؛ فتكون أحيانًا مرفوعة بعامل من العوامل التي تقتضي الرفع
کما هنا، ونحو ذلك.

١٩٤
نائب الفاعل
الوحشية وكلا النُّقْرَتَيْنِ اللتين هما خلفها وأمامها تحسب أنه مؤلى المخافة، أي :
المكان الذي تُؤْتَی فیه .
والمجرور، كقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام، ٧٠]
فـ( يؤخذ) فعل مضارع مبني لما لم يسِم فاعله، وهو خالٍ من ضمير مستتر فيه،
و( منها) جار ومجرور في موضع رفع: أَي لا يكن أَخذٌ منها، ولو قدر ما هو المتبادر
من أَن في ( يؤخذ) ضميرًا مستترًا هو القائم مَقَامَ الفاعل، و(منها) في موضع نصب،
لم يستقم؛ لأن [ذلك] الضمير عائد حينئذ عَلَى (كل عدلٍ) و((كل عدل)) حَدَث،
والأحداث لا تؤخذ، وإنما [ تؤخذ ] الذواتُ، نعم إن قدر أَن (لا يؤخذ) بمعنى لا
يقبل صَحّ ذلك .
وفُهِمَ من قولي ((فإِن فُقِدَ فالمصدر- إلى آخره) أَنه لا يجوز إقامةُ غيرِ المفعول به
مع وجود المفعول به، وهو مذهب البصريين إلا الأَخْفَشَ، واسْتَدَلَّ المخالفون بنحو
قول الشاعر :
٧٥ - أُبِيحَ لي مِنَ الْعِدَا نَذِيرًا
بِهِ وُقِيتُ الشَّرَّ مُسْتَطِيرًا
وبقراءة أَبي جعفر ((لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))(١) فَأُقِيمَ فيهما الجار
والمجرور، وتُرِكَ المفعول به منصوبًا .
٧٥ - هذا بيت من الرجز أو بيتان من مشطوره ليزيد بن القعقاع.
اللَّغَر: ((أتيح لي)) هيئ لي وقدر، ((نذيرًا)) مخوفًا ومحذرًا، ((وقيت الشر)) حفظت منه.
(١) الجاثية، ١٤ - وأبو جعفر يقرأ في هذه الآية بضم الياء من ((ليجزى)) على أنه فعل مضارع مبني للمجهول،
وينصب ((قومًا)) على أنه مفعول به ليجزى، ونائب الفاعل هو ((بما)) وهو الجار والمجرور؛ فدلت هذه القراءة في
هذه الآية الكريمة على جواز إنابة الجار والمجرور مع وجود المفعول به، ولو أنه قد تقدم المفعول به على النائب عن
الفاعل، وهذا رأي الكوفيين الذين يجوزون إنابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول به في الكلام مطلقًا ،
تعني أنه سواء عندهم أتقدم المفعول به على الجار والمجرور أم تأخر عنه .
وقد رد جمهور البصريين على استدلالهم بهذه القراءة بوجهين :
أولهما : أن الجار والمجرور ليس هو نائب الفاعل، ولكن الفاعل ضمير مستتر يعود إلى مصدر يجزي وهو
الجزاء .
وثانيهما : أن هذه القراءة شاذة، والقراءة الشاذة لا تصلح للاحتجاج بها؛ لأنها تشبه ما قد يكون من
ضرورات الشعر، وهذا الجواب ضعيف فيما نرى .

١٩٥
نائب الفاعل
ثم قلت: وَلَا يُخْذَفَانِ، بَلْ يَسْتَتِرَانِ، وَيُخْذَفُ عَامِلُهُمَا: جَوَازًا، نَحْوُ ((زَيْدٌ))
المعنى: يريد أن أعداءه قد دبروا له ليوقعوه في شر يتفاقم خطبه ويتطاير شرره، وأن المقادير
هيأت له من ينذره بما بيتوه له، فكان ذلك سببًا في حفظه من الوقوع في الشر.
الإعراب: ((أتيح)) فعل ماض مبني للمجهول، ((لي)) جار ومجرور، وهو نائب فاعل أتيح، ((من
العدا)) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من قوله نذيرًا الآتي، وكان أصله صفة له؛ فلما تقدم
عليه أعرب حالًا، ((نذيرًا)) مفعول به ثان لأتيح منصوب بالفتحة الظاهرة، ((به)) جار ومجرور متعلق
بوقيت الآتي، ((وقيت)) وقي: فعل ماض مبني للمجهول، وتاء المتكلم نائب فاعل، ((الشر))
مفعول ثاني لوقي، ومفعوله الأول هو نائب الفاعل، ((مستطيرًا)) حال من الشر.
الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أتيح لي نذيرًا)) فإن أتيح فعل ماض مبني للمجهول، وأصل هذا الفعل
وهو مبني للمعلوم يتعدى إلى مفعولين يصل لأحدهما بنفسه وللآخر باللام، فتقول: أتاح الله
لي ظروفًا حسنة، فلفظ الجلالة هو الفاعل، والجار والمجرور أحد المفعولين، وظروفًا: هو المفعول
الثاني، ولو أردت أن تبني هذا الفعل للمجهول في مثالنا كنت تقول: أتيحت لي ظروف
حسنة؛ فتغير صورة الفعل، وتسنده إلى المفعول الذي كان يتعدى إليه بنفسه، وتترك الجار
والمجرور، إلا أن هذا الشاعر لما بنى الفعل للمجهول أسنده إلى الجار والمجرور مع ذكر المفعول
به؛ بدليل أن هذا المفعول به منصوب، وهذا جائز عند الكوفيين والأخفش، ومقصور على
ضرورة الشعر عند سائر البصريين.
ومما ورد منه واستدل به أنصار الكوفيين والأخفش قول جرير يهجو الفرزدق:
لَسبَّ بِذَلِكَ الْجَزِ الْكلَابَا
وَلَزْ وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جَزْوَ كَلْبٍ
فقوله ((بذلك)) جار ومجرور هو نائب فاعل لقوله ((سب)) الذي هو فعل ماض مبني
للمجهول، و((الكلابا)) مفعول ثان منصوب بالفتحة الظاهرة، فأنت ترى جريرًا قد أقام الجار
والمجرور مقام الفاعل مع وجود المفعول به حينما اضطرته قافية البيت لذلك.
ومثل هذا البيت أيضًا قول الراجز، وينسب إلى رؤبة بن العجاج:
وَلَا شَفَى ذَا الْغَيِّ إِلَّ ذُو هُدَى
لَمْ يُعْنَ بِالْعَلْيَاءِ إِلّ سَيِّدًا
فقوله ((يعن)) فعل مضارع مبني للمجهول، وقوله ((بالعلياء)) جار ومجرور، وهو نائب فاعله،
وقوله ((سيدًا)) مفعول به ثان ليعن المبني للمجهول، وقد أناب هذا الراجز الجار والمجرور كما ترى مع
وجود المفعول به، والدليل على أنه أناب الجار والمجرور ولم ينب المفعول به أنه أتى بالمفعول به
منصوبًا، ولو أنابه لرفعه؛ لما علمت أن من أحكام إنابة المفعول به أنه يرتفع بعد أن كان منصوبًا.
ومثل هذه الشواهد قول الشاعر:

١٩٦
نائب الفاعل
لِمَنْ قَالَ ((مَنْ قَامَ)) أَوْ ((مَنْ ضُرِبَ)) وَوُجُوبًا، نَحْوُ ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِهَا
وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَتْ﴾ وَ لَا يَكُونَانِ جُمْلَةً فَتَحْوُ ﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ عَلَى إِضْمَارِ التَّنِ، وَنَحْوُ ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ﴾ عَلَى
الإِسْتَادِ إلى اللّفْظِ، وَيُؤَنَّثُ فِعْلُهُما لِتَأْنِهِمَا: وُجُوبًا فِي نَحْوِ ((الشَّمْسُ طَلَعَتْ))
و((قَامَتْ هِنْدٌ)) أَوِ ((الهِنْدَانِ)) أَوِ ((الهِنْدَاتُ)) وَجَوَازًا: رَاجِحًا فِي نَحْوِ ((طَلَعَتِ
الشَّمْسُ)) وَمِنْهُ ((قَامَتِ الرِّجَالُ)) أَو (النِّسَاءُ)) أَوِ ((الهُنُودُ)) وَ(«حَضَرَتِ الْقَاضِيَ
امْرَةٌ() وَمِثْلُ قَامِتِ النِّسَاءُ((نِعْمَتِ الْمَرَأَةُ هِنْدٌ)) وَمَرْجُوحًا في نَحْوِ ((مَا قَامَ إِلَّ هِنْدٌ))
وَقِيلَ : ضَرُورَةٌ ، وَلَا تَلْحَقُهُ عَلَامَةُ تَثْنِيَةٍ وَلَا جَمْعٍ، وَشَذَّ نَحْوُ ((أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ)) .
وأقول : ذكرت هنا خمسة أَحكام يشترك فيها الفاعلُ والنائبُ عنه :
الحكم الأَول: أَنهما لا يُحْذَفَان، وذلك لأنهما عُمْدَتَانٍ، ومُتَزَّلَانٍ من فعلهما
منزلَةَ الجزءِ .
فإن ورد ما ظاهره أَنهما فيه محذوفان فليسٍ محمولا عَلَى ذلك الظاهر، وإنما هو
محمول عَلَى أَنهما ضميران مستتران(١)؛ فمن ذلك قولُ النبي ◌َُّ: ((لا يَزْنِي الزَّاني
حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مَؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ))؛ ففاعل
((يشرب)) ليس ضميرًا عائدًا إلى ما تقدم ذكره- وهو الزاني- لأن ذلك خلافُ
مَا دَامَ مَعْنِيًّا بِذِكْرٍ قَلْبَهُ
وَإِنَّمَا يُرْضِي المُنِيبُ رَبَّهُ
فإن قوله ((معنيًّا)) اسم مفعول يعمل عمل الفعل المبني للمجهول وهو منصوب لأنه خبر دام،
وقوله ((بذكر)) جار ومجرور، وهو نائب فاعل لمعنيّ، وقوله ((قلبه)) مفعول ثان لمعنيّ، ولم ينب
الشاعر المفعول به مع وجوده في الكلام، بدليل أنه جاء به منصوبًا، وأناب الجار والمجرور.
وكل هذه الشواهد محمولة على الضرورة الشعرية عند جمهور البصريين.
(١) هذا الكلام على إطلاقه صحيح بالنسبة لنائب الفاعل، ولكنه غير صحيح بالنسبة للفاعل، وذلك لأن الفاعل
قد حذف في مواضع عديدة، ومنها مواضع قياسية، وذكر المؤلف نفسه في كتابه قطر الندى بعض هذه
المواضع، ونحن نجمل لك ذكر هذه المواضع حتى لا تضيع عليك فائدة نرجو أن تنتفع بها .
=

١٩٧
نائب الفاعل
المقصودِ، ولا الأصل (( ولا يشرب الشارب)) فحذف الشارب ؛ لأن الفاعل عمدة فلا
يحذف ، وإنما هو ضميرٌ مستترٌ فى الفعل عائدٌ عَلَى الشارب الذي استلزمه ((يشرب))
[ فإِن ((يشرب)) يستلزم الشارب] وحَسَّنَ ذلك تَقَدُّمُ نَظِيرِهِ - وهو (( لا يَزْنِي الزَّاني))-
وعَلَى ذلك فَقِسْ، وتَلَطِّفْ لكل موضع بما يناسبه(١)، وعن الكسائي إجازة حذفٍ
= الموضع الأول: فاعل المصدر في نحو وقله تعالى: ﴿أَوْ إِعَمٌ فِ يَوْرٍ ذِى مَسْغَبَكَرِ * يَتِيِمَا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد،
١٤ و١٥].
والموضع الثاني: فاعل أفعل في التعجب إذا تقدم له نظير يدل عليه، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾
[مريم، ٣٨].
والموضع الثالث: عند نيابة نائب الفاعل عنه، نحو قوله تعالى: ﴿وَقُضِىَ اُلْأَمِّرُ﴾ [البقرة، ٢١٠].
والموضع الرابع: في إقامة البدل مقام الفاعل نحو قولهم: ما قام إلا هند؛ فهند عند التحقيق ليست فاعل
قام، بل هي بدل من فاعل قام، وأصل الكلام: ما قام أحد إلا هند، والدليل على أن هندًا ليست فاعلا أنهم
التزموا تذكير الفعل المسند إلى اسم واقع بعد إلا ، سواء أكان هذا الفاعل مذكرًا نحو (( ما قام إلا زيد)» أم كان
مؤنثًا نحو ((ما قام إلا هند))، ولو اعتبروا ما بعد إلا فاعلًا لأنثوا الفعل إذا كان ما بعد إلا مؤنثًا .
والموضع الخامس: فاعل قل وكثر ونحوهما إذا اتصلت بهما ((ما)) الزائدة، نحو قولك: قلما يكون ذلك،
وكثر ما كان ذلك .
والموضع السادس: إذا أقيم المضاف إليه مقام المضاف كما في قوله تعالى: ﴿ وَجَاءُ رَبُّكَ﴾ [الفجر، ٢٢]
فإن التقدير - والله أعلم - وجاء أمر ربك .
والموضع السابع: إذا أقيم مقام الفاعل حال مفصلة ، نحو قول الشاعر:
فَتَلَقُّفَهَا رَجُلٌ رَجُلٌ
كُرَةُ ضُرِبَتْ بِصَوَالِجَةِ
أصل الكلام: فتلقفها الناس رجلًا رجلًا، فحذف الفاعل، وأناب عنه الحال المفصلة .
والموضع الثامن: الفاعل الذي حذف للتخلص من التقاء الساكنين، وذلك في الفعل المسند إلى ضمير
الجماعة عند توكيده بنون التوكيد، نحو قولك : اضربُنَّ يا قوم .
(١) أنت تعلم أن الفعل يدل بالوضع على شيئين: الأول الحدث ، والثاني الزمان ، والحدث هو مدلول المصدر، كما
تعلم أن الفعل يدل بدلالة الالتزام على الفاعل، ضرورة أنه لابد لكل حدث من محدث أحدثه، فإذا قلت ((ضرب))
مثلًا أشعر هذا الفعل بالحدث الذي هو الضرب وبزمان وقوعه، ودل عقلًا على أن له محدثًا وهو الضارب .
وقد رأينا العرب تذكر ضمير الغائب البارز مع الفعل وهي تريد به الحدث الذي هو جزء من مدلول الفعل
وهو مدلول المصدر، كما وقع في قول الشاعر :
وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إلى خِلَافٍ
إِذَا زُجِرَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ
يريد إذا زجر السفيه جرى إلى السفه، وتذكر الفعل أحيانًا وتجعل فاعله المصدر نفسه كما في الشاهد ٧٦ أو
ضميرًا مستترًا يعود إلى المصدر، فقسنا على هذا ما إذا ذكر الفعل ولم يذكر معه فاعله، فجعلناه ضميرًا مستترًا
يعود إلى اسم الفاعل الذي استلزمه الفعل .

١٩٨
نائب الفاعل
الفاعل، وتابعه عَلَى ذلك السُّهَيْلي وابن مَضَاء .
الثاني: أن عاملهما قد يُخْذَف لقرينة ، وأنَّ حذفه عَلَى قسمين: جائز وواجب .
فالجائز كقولك ((زَيْد)) جوابًا لمن قال لك: ((مَنْ قَامَ؟)) أو ((مَنْ ضُربَ؟)) فزيد
في جواب الأول فاعلُ فعلٍ محذوفٍ، وفي جواب الثاني نائبٌ عن فاعلٍ فعلٍ
محذوفٍ، وإن شئتَ صَرَّحْتَ بالفعلين فقلت ((قَامَ زَيْدٌ)) و((ضُرِبَ عَمْرٌ)) .
والواجبُ ضابُطه: أن يتأخر عنه فعلٌ مُفَسِّر له، وقد اجتمع المثالان في الآية
الكريمة (١) ف(السماء) فاعل بـ(انْشَقَّتْ) محذوفَةً، كالسماء في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا
أَنْشَقَّتِ السَّمَآءُ ﴾ [الرحمن، ٣٧] إلا أن الفعل هنا مذكور، و((الأرضُ)) نائب عن فاعل
((مُدَّتْ)) محذوفَةٌ ، وكلٌّ من الفعلين يفسره الفعلُ المذكور، فلا يجوز أن يُتَلَفَّظ به ؛
لأن المذكور ◌ِوَضٌ عن المحذوف ، وهم لا يجمعون بين العِوَضِ والمُعَوَّضِ عنه .
الحكم الثالث : أنهما لا يكونان جملة ، هذا هو المذهب الصحيح، وزعم قوم
أن ذلك جائز، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنُ بَعْدِ مَا رَأَوْ اْلْأَيَتِ
لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف، ٣٥]، ﴿وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ [إبراهيم، ٤٥]،
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِىِ اَلْأَرْضِ﴾ [البقرة، ١١] فجعلوا جملة (ليسجننه ) فاعلا
لـ(بَدَا) وجملة ( كيف فعلنا بهم) فاعلًا لـ(تبين) وجملة (لا تفسدوا في الأرض)
قائمة مقام فاعل (قيل)، ولا حجة لهم في ذلك: أَما الآية الأولى فالفاعل فيها ضمير
مستتر عائد: إِمَّا عَلَى مَصْدَرِ الفعلِ، والتقدير: ثم بدا لهم بَدَاءٌ، كما تقول: ((بَدَا لي
رَأَيّ )) ويؤيد ذلك أَن إسناد ((بَدَا)) إلى البَدَاءِ قد جاء مُصَرَّحًا به في قول الشاعر :
بَدَا لَكَ في تِلْكَ الْقَلُوصِ بَدَاءُ
٧٦ - لَعَلَّكَ وَالمَوْعُودُ حَقٌّ لِقَاؤُ
٧٦- هذا بيت من الطويل، وقد نسب في اللسان (ب دا) هذا الشاهد إلى الشماخ بن ضرار
الغطفاني، ولم أجده في ديوانه المطبوع، ووجدته في الأغاني (٤ / ١٥٧ بولاق) أول أربعة أبيات
منسوبة إلى محمد بن بشير الخارجي في مدح زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهجاء رجل
(١) هي قوله تعالى: ﴿إِذَا التَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ * وَأَِنَتْ لِمَهَا وَحُقَّتْ » وَإِذَا اُلْأَرَضُ مُدَّتْ﴾ وقد تلاها المؤلف في المتن، من
سورة الانشقاق ، الآيات ١ - ٣.

١٩٩
نائب الفاعل
وإِما عَلَى السَّجْن- بفتح السين- المفهوم من قوله تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ ويدلُّ
عليه قولُه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ ﴾ [يوسف، ٣٢] وكذلك
الْقَوْلُ في الآية الثانية: أَي وتبين هو ، أَي التبيّنُ، وجملة الاستفهام مُفَسِّرة ، وأما الآية
الثالثة فليس الإِسنادِ فيها من الإسناد المعنوي الذي هو محلُّ الخلاف، وإنما هو [ من]
الإسناد اللفظي، أَيْ: وإذا قيل لهم هذا اللفظُ، والإِسنادُ اللفظيُ جائزٌ في جميعِ
الألفاظ، كقول العرب ((زَعَمُوا مَطِيَّةُ الْكَذِبِ)) وفي الحديثِ ((لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
باللهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ)) .
الحكم الرابع: أن عاملهما يُؤَنَّثُ إذا كانا مؤنثين، وذلك عَلَى ثلاثة أقسام :
تأنيث واجب ، وتأنيث راجح، وتأنيث مرجوح .
فأما التأنيث الواجب ففي مسألتين :
كان قد وعده قلوصًا، ثم مطله ولم يف له بعدته ولكنه وقع ثمة محرفًا.
اللُّغَّ: ((حق لقاؤه)) يروى في مكانه ((حق وفاؤه))، و((القلوص)) بفتح القاف - الناقة الشابة،
((بدا لك بداء)) ظهر لك رأي آخر غير الرأي الذي كنت قد رأيته حين وعدتني القلوص.
المعنى: يقول: لعلك قد تغير رأيك في شأن هذه الناقة، وظهر لك في أخريات التفكير ما لم
يكن ظاهرًا، وما قضي لابد كائن.
الإغْراب: ((لعل)) حرف ترجّ ونصب، والكاف ضمير المخاطب اسمه، مبني على الفتح
في محل نصب، ((والموعود)) الواو واو الحال، الموعود: مبتدأ ((حق)) خبر المبتدأ ((وفاؤه))
وفاء: فاعل حق؛ لأنه صفة مشبهة أو مصدر، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، وجملة
المبتدأ وخبره في محل نصب حال، ((بدا)) فعل ماض، ((لك)) جار ومجرور متعلق ببدا، ((في
تلك)) الجار والمجرور متعلق ببدا أيضًا، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، ((القلوص))
بدل من اسم الإِشارة أو عطف بيان عليه، ((بداء)) فاعل بدا، والجملة من الفعل وفاعله خبر
لعل في أول البيت.
الثَّاهِدُفِيه: قوله ((بدا لك بداء)) حيث أسند الفعل - وهو بدا - إلى بداء، وهو مصدر ذلك
الفعل، وهذا يرشح أن هذا الفعل لو ورد في كلام آخر وليس معه اسم مرفوع على أنه فاعل جاز أن
يقدر الفاعل ضميرًا عائدًا إلى مصدره كما في الآية الكريمة ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلَيَتِ
لَيَسْجُنُنَّهُ ﴾ [يوسف، ٣٥]، على نحو ما ذكره المؤلف.

٢٠٠
نائب الفاعل
إحداهما : أن يكون الفاعل المؤنث ضميرًا متصلًا؛ ولا فَوْقَ في ذلك بين حقيقيّ
التأنيث ومَجَازِيِّهِ؛ فالحقيقىُّ نحو: ((هِنْدٌ قَامَتْ)) فهند: مبتدأ، وقام: فعل ماض،
والفاعل [ ضمير] مستتر في الفعل، والتقدير: قامت هي، والتاء عَلَامَة التأنيث ، وهي
واجبة لما ذكرناه، والمَجَازِيُّ نحو: ((الْشِّمْسُ طَلَعَتْ)) وإعرابه ظاهر، ولَمَّا مَثَّلْتُ به
في المقدمة للتأنيث الواجب عُلم أَن وجوب التأنيث مع الحقيقيّ من باب أَوْلِى،
بخلاف ما لو عكست ، فأما قول الشاعر :
٧٧ - إنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءةَ ضُمِّنَا
قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطريقِ الْوَاضِحِ
ولم يقل ((ضُمِّنَتَا)) فضرورة .
الثانية: أن يكون الفاعلُ اسمًا ظاهرًا متصلًا حقيقيّ التأنيثِ: مفردًا، أو تثنية له،
أو جمعًا بالألف والتاء؛ فالمفرد كقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ ﴾ [آل عمران، ٣٥]
والمثنى كقولك: قامت الهندان ، والجمعُ كقولك : قامَتِ الهنداتُ ؛ فأما قوله :
٧٧ - هذا بيت من الكامل من كلام زياد الأعجم مولى عبد القيس، من قصيدة له تعد من نادر
الكلام ونقي المعاني، يرثي فيها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة.
اللُّغَةُ: ((مرو)) أشهر مدن خراسان وقصبتها، وبينها وبين نيسابور سبعون فرسخًا ويقال لها ((مرو
الشاهجان))، وعلى بعد خمسة أيام منها مدينة أخرى يقال لها ((مرو الروذ)).
الإغراب: ((إن)) حرف توكيد ونصب، ((السماحة)) اسم إن، ((والمروءة)) معطوف عليه،
((ضُمِّنا)) ضمن فعل ماض مبني للمجهول، وألف الاثنين نائب فاعل، مبني على السكون في محل
رفع، وهو المفعول الأول، ((قبرًا)) مفعول ثان لضمن ((بمرو)) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة
لقبر ((على الطريق)) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة ثانية لقبر، ((الواضح)) صفة للطريق.
الثَّاحِدُ فِيه: قوله ((ضُمِّنا)) فإن ((ضُمِّنَ)) فعل ماض مسند إلى ضمير المؤنث، وهو الألف العائدة
إلى السماحة والمروءة، وكان من حقه أن يؤنث هذا الفعل فيقول ((ضمنتا))، لأن كل فعل أسند إلى
ضمير مؤنث يجب تأنيثه، سواء أكان هذا المؤنث الذي يعود إليه الضمير مؤنثًا حقيقي التأنيث أم
كان مؤنثًا مجازي التأنيث؛ فترك الشاعر في هذا البيت تأنيث الفعل جار على خلاف الواجب،
وذلك شاذ لا يقاس عليه في السعة، ومن أحكام ما يشذ عن المطرد الجاري على ألسنة العرب أنه
ليس لنا أن نستعمل مثله لا في نثرنا، وهو بديهي، ولا في شعرنا؛ لأن ما كان يجوز للعرب من
الضرائر في أشعارهم لا يجوز لنا في أشعارنا، فافهم هذا.