النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ المبني على الضم وقرئ ﴿لِلَّهِ اُلْأَمْرُ مِن قَبْلِ وَمِنْ بَعْدٍ﴾ [الروم، ٤] بالخفض والتنوين، عَلَى إِرادة التنكير وقَطْعِ النظر عن المضاف إليه: أَيْ لفظًا ومعنَى، وقرأ الْجُحْدُري(١) والعقيلي بالجر من غير تنوين، عَلَى إرادة المضاف إليه وتقدير وجودِهِ . النوع الثاني: ما ألحق بقبل وبعد من قولهم ((قَبَضْتُ عَشَرَةً لَيْسَ غَيْرُ)) والأُصْلُ ليس المقبوض غَيْرَ ذلك؛ فأضْمِرَ اسمُ ((ليس)) فيها ومحُذِفَ ما أضيف إليه ((غير)) وبنيت ((غير)) عَلَى الضم، تشبيها لها بقبلُ وبعدُ ، لإبهامها، ويحتمل أن التقدير: ليس غيرُ ذلك مقبوضًا، ثم حذف خبر ((ليس)) وما أضيفت إليه ((غير)) وتكون الضمَّةُ عَلَى هذا ضمةَ إِعرابٍ ، والوجه الأول أولى؛ لأن فيه تقليلا للحذف، ولأن الخبر في باب ((كَانَ)) يضْعُف حذفُه جدًا . ولا يجوز حذف ما أضيفت إليه ((غير)) إِلا بعد ((ليس)) فقط، كما مثلنا، وأما ما يقع في عبارات العلماء من قولهم ((لا غير)) فلم تتكلم به العرب، فإما أنهم قاسوا ((لا)) عَلَى ((ليس)) أو قالوا ذلك سَهْوًا عن شرط المسأَّة(٢). النوع الثالث: ما ألحق بقبل وبعد من ((عَلُ)) المرادِ به مُعَيَّنٌ، كقولك: أخذت الشيء الفلانيَّ من أسْفَلِ [الدارِ] والشيء الفلانيَّ من عَلُ: أَيْ من فوق الدار، قال الشاعر : وَأَتَيْتُ فَوْقَ بَنِي كُلَيْبٍ مِنْ عَلُ ٤٩ - وَلَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكَ كلّ ثَنِيّةٍ لو نواه لوجب أن يمتنع من تنوين هذه الكلمة؛ لأن الإضافة تمنع التنوين، والمنوي كالثابت تمامًا، ودل نصبه إياها على أنه لم يبنها؛ لأن البناء في هذه الكلمة إنما يكون على الضم. ٤٩- هذا بيت من الكامل، وهو من كلام الفرزدق يهجو فيه جريرًا، وقد أنشده المؤلف في أوضحه (رقم ٣٤٩). (١) الْجُحدُري - بضم الجيم والدال المهملة - هو عاصم، وهو أحد القراء السبعة، لكن هذه القراءة غير المشهورة عنه ؛ فليست من القراءات السبع؛ فهي قراءة شاذة . (٢) قد ورد هذا الاستعمال الذي أنكره المؤلف في قول الشاعر: لَعَنْ عَمَلٍ أسْلَفْتَ لا غَيْرُ تُسألُ جَوَابًا بِهِ تَنْجُوَ اغْعَمِدْ فَوَرَبِنَا ١٤٢ المبني على الضم ولا تستعمل ((عَلُ)) مُضَافَةً أصلا، ووقع ذلك في كلام الجوهري، وهو سَهْوٌ، ولو أردت بعَلُ عُلُوًّا مجهولا غيرَ معروفٍ تعيَّنَ الإِعرابُ ، كقوله : * كَجُلْمُودٍ صَخْرٍ خَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلٍ » ٥٠ - أي : من مكان عَالٍ . اللُّغَمَ: ((ثنية)) بوزن قضية - هي الطريق مطلقًا ههنا، وأصله الطريق في الجبل ونحوه، ويطلق على الطريق الوعر، وجمعه ثنايا، مثل قضايا، ومنه قول الشاعر: مَتَى أَضَعِ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلّاعُ الثَّنَايَا ويريد بقوله ((سددت عليك كل ثنية)) أنه ضيق عليه الخناق ولم يمكنه من الإفلات، ((بني كليب)) هم قوم جرير بن عطية الذي يهجوه، ويريد بأنه أتاهم من عَلُ أنه نزل عليهم كالقضاء الذي لا يتوقعونه ولا یعملون له حسابًا. الإغراب: ((لقد)) اللام موطئة للقسم، وقد: حرف تحقيق، ((سددت)) فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب القسم، ((عليك)) جار ومجرور متعلق بسد، ((كل)) مفعول به لسد، وكل مضاف، و ((ثنية)) مضاف إليه، ((وأتيت)) الواو عاطفة، وما بعدها فعل وفاعل جملتهما معطوفة بالواو على جملة سددت، ((فوق)) ظرف مكان منصوب على الظرفية، والعامل فيه أتى، وفوق مضاف و ((بني)) مضاف إليه، مجرور بالياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وبني مضاف، و((كليب)) مضاف إليه، ((من)) حرف جر ((عل)) ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بمن والجار والمجرور متعلق بأتى. الثَّاهِدُفِيه: قوله ((من عل)) فإن هذه الكلمة قد وردت في هذا البيت بالضم؛ فدل ذلك على أنها مبنية؛ لكون المراد بها معينًا، وإذا كان المراد بها معينًا فإنه يستلزم أن يكون هناك مضاف إليه محذوف وهو منويّ من حيث المعنى؛ إذ ليس في جوهر اللفظ ما يدل على التعيين؛ فيكون كأنه قد قال: أتيت نحو بني كليب من فوقهم. ٥٠- هذا عجز بيت من الطويل، وهو من معلقة امرئ القيس بن حجر الكندي، في وصف فرس، وصدر البيت قوله: * مِكرّ مِفَرِّ مُقْبِلٍ مُذْبِرٍ مَعًا * وقد أنشد المؤلف هذا الشاهد في أوضحه (رقم ٣٥٠). اللُّغَ: (مكر)) أي: أنه يصلح للكر والإقدام به، ((مفر)) أي: أنه يصلح للفر والهرب به من وجوه الأعداء، والمراد بهاتين الكلمتين أنه سريع جدًا، ((مقبل)) أي: أنه حسن الإقبال، ((مدبر)) ١٤٣ المبني على الضم النوع الرابع: ما ألحق بقبلُ وبعدُ من ((أَيّ)) الموصولة. واعلم أن أيًّا الموصولَةَ مُعْرَبَةٌ في جميع حالاتها ، إلا في حالة واحدة، فإنها تبنى فيها عَلَى الضم، وذلك إذا اجتمع شرطان؛ أحدهما : أن تضاف ، الثاني : أن يكون صَدْرُ صلتها ضميرًا محذوفًا، وذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَفْرِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيًا﴾ [مريم، ٦٩]. (ثم) حرف عطف على جواب القَسَمِ، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ﴾ [مريم، ٦٨] واللام لام التوكيد التي يُتَلَقَّى بها القَسَمُ ، مثلُها في (لَنَحْشُرَنَّهُمْ) و(ننزَع) فعل مضارع مبني على الفتح لمباشرته لنون التوكيد [والفاعل ضمير مستتر، والنون للتوكيد]، و(من كل) جارٌ ومجرور متعلق بننزع، و(شيعة) مضاف إليه، و(أيّ) مفعول، وهو موصول اسمي يحتاج إلى صِلةٍ وعائد، والهاء والميم مضاف إليه ، و(أشد) خبر لمبتدأ محذوف: أي أيهم هو أشد، والجملة من المبتدأ والخبر صلة أي: حسن الإدبار ((معًا)) أي: عنده هذا إن أردته منه وعنده هذا إن أردته منه، ((حطه السيل)) أي: حدره. الإغراب: ((مكر مفر مقبل مدبر)) هذه نعوت أربعة للفرس، وهي مجرورة تبعًا للمنعوت، وهو منجرد - ومعناه قصير الشعر - في قوله: وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في ؤُكُنَاتِهَا بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلٍ ((كجلمود)) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف: أي هو كائن كجلمود، وجملة المبتدأ والخبر في محل جر صفة أخرى لمنجرد، وجلمود مضاف و((صَخْرٍ)) مضاف إليه، ((حَطَّهُ)) حطّ: فعل ماضٍ، وضمير الغائب مفعول به، ((السيل)) فاعل حط، والجملة في محل جر صفة لجلمود ((من عل)) جار ومجرور متعلق بحط. الشَّاهِدُ فِيه: قوله ((من عل)) فإن كلمة ((عل)) قد وردت في هذا البيت مجرورة بدليل القوافي؛ فدل على أنه أعربها بالكسرة الظاهرة لدخول حرف الجر عليها، وذلك بسبب أنه لا يقصد علوًّا خاصًا، وإنما يقصد علوًّا أي علوّ، كما هو واضح من معنى البيت، فتنبه لذلك والله يرشدك. ونظير هذا البيت كلمة ((عل)) في قول أبي النجم الفضل بن قدامة العجلي يصف فرسًا: مُؤَّقِ الأَغْلَى أمِينِ الأَسْفَلِ أَقَبَّ مِنْ تَخْتُ عرِيضٍ مِنْ عَلٍ ١٤٤ المبني على الضم أو نائبه :٠٠ لأيّ، و(على الرَّحْمنِ) متعلق بأشد، و(عتيًّا) تمييز، وكان الظاهر أن تفتح أَيّ؛ لأَن إِعرابَ المفعولِ النصبُ، إِلا أنها هنا مبنية عَلَى الضَّمِّ لإضافتها إلى الهاء والميم وحَذْفٍ صدر صلتها، وهو المقدر بقولك ((هو)). ومن العرب مَنْ يُغْرِبُ أَيَّا في أحوالها كلها، وقد قرأ هارُونُ ومُعاذ ويعقوب ((أيّهم أشَدُّ)) بالنصب، قال سيبويه: وهي لُغَة جيدة، وقال الْجَرميُّ: ((خرجت من الخَنْدَق- يعني خَتْدَقَ الْبَصْرَةِ - حتى صرت إلى مكة، فلم أسمع أحدا يقول: ((اضْرِبْ أَيُّهُمْ أَفْضَّلُ)) أَيْ كلهم ينصب ولا يضم(١). والمعنى أقسم بربِّكَ لَنَجْمَعَنَّ المُنْكِرِينَ للبعث وَقُرْنَاءَهُم من الشياطين الذين أَضَلُّوهُمْ مُقَرَّنين في السلاسلِ كُلُّ كَافِرٍ معه شيطانه في سلسلة، ثم لنُخْضِرتَّهُمْ حول جهنم جاثين على الرُّكَبِ، ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيَاً﴾: أي جراءة، وقيل: فُجُورًا وكذبًا، وقيل: كفرًا، أي: لنزعنَّ رؤساءهم في الشرِّ فنبدأ بالأكبر فالأكبر بجوْمًا، [والأكثر جراءة] ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَ بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم، ٧٠] أي أحقُّ بدخول النار، يقال: صَلِيَ يَصْلَى صِلِيًّا، كما يقال: لَقِيَ يَلْقَى لُقِيًّا ، ويقال : صَلَى يَصْلِي صُلِيًّا مثل مضى يمضي مُضِيًّا . ثم قلت: أوِ الضَّمِّ أو نَائِهِ، وَهُوَ المُنَادَى المُفْرَدُ المَعْرِفَةُ، نَحْوُ ((يَا زَيْدُ)) و((يَا جِبَالُ)) و((يَا زَيْدَانِ)» و«یا زَيْدُونَ)» . (١) ذهب جماعة من النحويين إلى أن ((أي)) في الآية الكريمة ليست موصولة ولكنها استفهامية، وهي مبتدأ، وأشد: خبر، ثم اختلفوا في مفعول ننزع؛ فقال الخليل بن أحمد شيخ سيبويه: مفعول ننزع محذوف، وهو اسم موصول أو موصوف بموصول، وصلة الموصول محذوفة أيضًا، وجملة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ من المبتدأ والخبر في محل رفع نائب فاعل لفعل في جملة الصلة، وتقدير الكلام: ثم لننزعن من كل شيعة الفريق الذي يقال فيه أيهم أشد، وقال يونس بن حبيب شيخ سيبويه أيضًا: مفعول ننزع هو جملة ((أيهم أشد)) فهذه الجملة في محل نصب مفعول لننزع، وهذا الفعل لم يعمل في لفظ الجملة؛ لأن صدرها اسم استفهام، واسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وقال الكسائي والأخفش: مفعول ننزع هو قوله سبحانه ((كل شيعة)) و((من)) التي قبله حرف جر زائد كما هي في نحو قولك: ما ضربت من أحد، وجملة ((أيهم أشد)) على هذا القول لا محل لها من الإعراب مستأنفة، وهذه المذاهب كلها مردودة، والصواب في هذه المسألة ما ذكره المؤلف، وهو مذهب سیبویه رحمه الله ! ١٤٥ المبني على الضم أو نائبه وأقول: الباب السابع من المبنيات: ما لزم الضمَّ أو نائبَةُ- وهو (١) الأَلف والواو- وهو نوع واحد وهو المنادى المفرد المعرفة . ونعني بالمفرد هنا: ما ليس مضافًا ولا شبيهًا به ، ولو كَانَ مثنى أو مجموعًا، وقد سبق هذا عند الكلام عَلَی اسم ((لا )). ونعني بالمعرفة، ما أريِدَ به مُعَيَّنٌ ، سواء كَانَ علمًا أو غيره . فهذا النوع بينى عَلَى الضم في مسألتين : إحداهما : أن يكون غير مثنى ولا مجموع جمع مذكر سالمًا، نحو ((يَا زَيْدُ » و (( يا رَجُلُ)) وقول الله تعالى: ﴿يَنُوعُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود، ٤٦] ﴿يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ﴾ [هود، ٤٨] ﴿يَصَلِحُ أَثْتِنَا﴾ [الأعراف، ٧٧] ﴿يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ [هود، ٥٣]. الثانية: أن يكون جمع تكسير، نحو قولك (( يا زُيُودُ)) وقوله تعالى: ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾(٢) . ويبنى عَلَى الأَلْف إِن كَانَ مثنى، نحو ((يَا زَيْدَان)» و «يَا رَجُلَانِ)» إذا أُريد بهما مُعَيَّنٌ . ويبنى عَلَى الواو إِن كَانَ جمع مذكر سالمًا نحو ((يَا زَيْدُونَ)» و «يَا مُسْلِمُونَ » إذا أريد بهما مُعَيَّنٌ . وأما إذا كَانَ المنادى مضافًا ، أو شبيهًا بالمضاف ، أو نكرةً غيرَ معينةٍ ؛ فإِنه يعرب نصبًا عَلَى المفعولية ؛ في باب البناء . فالمضاف كقولك: ((يَا عَبْدَ اللهِ)) و ((يَا رَسُولَ اللهِ » وفي التنزيل ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر، ٤٦] أَيْ يا فاطر السموات ﴿ أَنْ أَدُوّأْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ ﴾ [الدخان، ١٨] أَيْ يا عباد الله، ويجوز أن يكون (عِبَادَ اللهِ) مفعولًا بأدُّوا كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَِّلَ﴾ [الشعراء، ١٧]، ويجوز أن يكون (فَاطِرَ) صفة لاسم الله تعالى ، خلافًا لسيبويه . (١) وهو: أي نائب الضم، شيئان: الألف في المثنى، والواو في جمع المذكر السالم . (٢) سبأ، ١٠ والآية الكريمة تدل على جواز نداء النكرة المقصودة. ١٤٦ المبني على الضم أو نائبه والشبيه بالمضاف: هو ما اتصل به شيء من تمام معناه، كقولك: ((يَا كَثِيرًا بِرُّهُ)) و ((يَا مُفِيضًا خَيْرَهُ)) و((يَا رَفِيقًا بالْعِبَادِ »(١). والنكرة كقول الأعمى: ((يَا رَجُلًا خُذْ بِيَدِي)) وقول الشاعر: نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أنْ لَا تَلَاقِیَا ٥١ - أَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلُغَنْ ويجوز في المنادى المستحق للضم أن ينصب إذا اضْطُرَّ إلى تنوينِهِ، كقول الشاعر : ٥١- هذا بيت من الطويل لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، من كلمة له يقولها وقد أسرته التيم في يوم الكلاب - بضم الكاف وفتح اللام مخففة بوزن الغراب - وقد أنشد المؤلف صدر البيت في أوضحه (رقم ٤٣٤) وأنشده كله في القطر (رقم ٨٣) وكذا ابن عقيل (رقم ٣٠٢) والأشموني في باب النداء، وسیبویہ (ج ١ ص ٣١٢). اللُّغَة: ((عرضت)) أتيت العروض وهو مكة والمدينة وما حولهما، وقيل: هي جبال نجد، ((نداماي)) الندامى - بوزن السكارى - جمع ندمان، وهو النديم، وقيل: هو الجليس المصاحب مطلقًا، ((نجران)) مدينة بالحجاز من شق اليمن. الإغْراب: ((أيا)) حرف نداء، ((راكبًا)) منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، ((إما)) هذه لفظة مركبة من كلمتين: الأولى إن، والثانية ما، فأما إن فهي حرف شرط جازم وأما ما فهي زائدة، ((عرضت)) عرض: فعل ماض فعل الشرط، وتاء المخاطب فاعله، ((فبلغن)) الفاء واقعة في جواب الشرط، وبلغ: فعل أمر، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لا محل له من الإعراب، وجملة فعل الأمر وفاعله في محل جزم جواب الشرط، ((نداماي)) ندامى: مفعول به لبلغ، وياء المتكلم مضاف إليه ((من نجران)) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ندامى، ((أن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، والتقدير: أنه، أي: الحال والشأن، ((لا)) نافية للجنس ((تلاقيا)) تلاقي: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، والألف للإِطلاق، وخبر لا محذوف، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن، والجملة من أن واسمها وخبرها في محل نصب مفعول به لبلغ. (١) أشار المؤلف بالتمثيل للشبيه بالمضاف بثلاثة أمثلة إلى أنه لا فرق بين أن يكون ما يتصل بالمنادى مرفوعًا على الفاعلية كالمثال الأول، أو يكون منصوبًا على المفعولية كالمثال الثاني، أو مجرورًا بحرف جر يتعلق بالمنادى كالمثال الثالث؛ وبقي مثال رابع، وهو أن يكون قد عطف عليه ما يتم به معناه، نحو: يا ثلاثة وثلاثين، إذا سمي به . ١٤٧ المبني على الضم أو نائبه يا عَدِيًّا لَقَدْ وَقَتْكَ الأَوَاقي ٥٢ - ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إليَّ وَقَالَتْ الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أيا راكبًا)) فإنه نكرة غير مقصود بها معين، ألا ترى أن الشاعر - وهو رجل أسير في أيدي أعدائه - يريد أن يبلغ قومه على لسان من يمر بهم كائنًا من كان أنه لن يلقاهم بعد الیوم، لأنه علم أن القوم سیقتلونه بلا ریب، فهو لا يقصد راكبًا دون راكب، وهذا البيت يرد على من أنكر من النحاة جواز نداء النكرة غير المقصودة. ٥٢- هذا بيت من الخفيف، وقد أنشده ابن عقيل (رقم ٣٠٤) وقد نسبه في اللسان تبعًا للجوهري إلى مهلهل بن ربيعة أخي كليب بن ربيعة، وقال صاحب التكملة: إنه ليس للمهلهل، وإنما هو لأخيه عدي يرثیه، وقبل البيت قوله: ظَبْيَةٌ مِنْ ظِبَاءِ وَجْرَةَ تَغْطُو بِيَدَيْهَا فِي نَاضِرِ الأَوْرَاقِ اللُّغَّمَ: ((وقتك)) فعل ماض، من الوقاية وهي الحفظ والكلاءة، ((الأواقي)) جمع واقية بمعنى حافظة، وأصله الوواقي، فقبلت الواو الأولى همزة. الإغراب: ((ضربت)) ضرب: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى ظبية المذكورة في البيت السابق عليه والمراد بها المرأة، ((صدرها)) صدر: مفعول به، وصدر مضاف وضمير المؤنثة مضاف إليه، ((إليَّ)) جار ومجرور متعلق بضرب، ((وقالت)) الواو عاطفة، قال: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي، ((يا)) حرف نداء ((عديًّا)) منادى منصوب بالفتحة الظاهرة، وستعرف ما فيه، ((لقد)) اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق، ((وقتك)) وقى: فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والكاف ضمير المخاطب مفعول به، مبني على الفتح في محل نصب، ((الأواقي)) فاعل وقى، مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((يا عديًّا)) فإن هذا علم مفرد، وكان من حقه أن يبنى على الضم؛ لأن المنادى إذا كان علمًا مفردًا يبنى على الضم، كما عرفت، ولكنه اضطر إلى تنوينه؛ فعدل عن ضمه إلى نصبه، فشابه به النكرة غير المقصودة. ومثل هذا قول جرير بن عطية يهجو العباس بن يزيد الكندي: أَلُومًا لَا أَبَا لَكَ وَاغْتِرَابا أَعَبْدًا حَلَّ فِي شُعَبَى غَرِيبًا فإن هذه الهمزة لنداء القريب، و ((عبدًا)) منادى، وهو نكرة مقصودة؛ لأنه يريد واحدًا بعينه هو العباس بن يزيد الكندي الذي يهجوه، وقد علمت أن النكرة المقصودة إذا نوديت بنيت على الضم، ولكنه لما اضطر إلى تنوينه عدل عن ضمه المستحق له إلى نصبه؛ تشبيهًا له بالنكرة غير المقصودة. ١٤٨ يجوز في المنادي أن يفتح فتحة إتباع وأن يبقي مضمومًا كقوله : ٥٣ - سَلَامُ اللهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلَامُ ويجوز في المنادى أيضًا أن يُفْتَحَ فتحةً إتباعٍ، وذلك إذا كَانَ علمًا: موصوفًا بائنِ ، متصل به، مضاف إلى علم، كقولك: ((يا زَّيْدَ بْنَ عَمْرو)) وقول الشاعر: ٥٤ - يَا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللـهِ قَدْ وَجَبَتْ لَكَ الْجِنَانُ وَبُوِّثْتَ المَهَا الْعِينَا ٥٣- هذا بيت من الوافر، وهو من كلام الأحوص الأنصاري، وكان يهوى امرأة ويشبب بها ولا يفصح عنها، فتزوجها رجل اسمه مطر، فغلب الوجد والعشق على الأحوص فقال هذا الشعر، وهذا البيت من شواهد ابن عقيل (رقم ٢٠٣)، وقد أنشده المؤلف في أوضحه (رقم ٤٣٦). الإعْراب: ((سلام)) مبتدأ، وهو مضاف، و((الله)) مضاف إليه، ((يا)) حرف نداء، ((مطر)) منادى مبني على الضم في محل نصب، ونون لأجل الضرورة، وجملة النداء لا محل لها؛ لأنها معترضة بين المبتدأ وخبره، ((عليها)) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، ((وليس)) الواو حرف عطف، ليس: فعل ماضٍ ناقص يرفع الاسم وينصب الخبر، ((عليك)) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم، ((يا)) حرف نداء ((مطر)) منادى مبني على الضم في محل نصب، والجملة لا محل لها معترضة أيضًا، ((السلام)) اسم ليس تأخر عن خبره، مرفوع بالضمة الظاهرة. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((يا مطر)) الأول، حيث نون المنادى المفرد العلم، وهو مطر، وأبقاه على الضم، حين اضطر لإقامة الوزن. ومثله قول كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة: مَكَانَ يَا جَمَلٌ حُيِّيتَ يَا رَجُلُ لَيْتَ التَّحِيَّةَ كَانَتْ لِي فَأَشْكُرَهَا إلا أن التنوين في هذا تنوين النكرة المقصودة، وهي قوله ((يا جمل)) والتنوين في بيت الشاهد تنوين العلم المفرد، كما قررناه، ويجمعهما أنه تنوين ما وجب ضمه. ٥٤- هذا بيت من بحر البسيط، وهو ثالث ثلاثة أبيات يقولها سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - في طلحة بن عبيد الله، الملقب بطلحة الفياض، رضي الله عنه ! وكان طلحة قد قام في يوم أحد مقامًا محمودًا؛ إذ وقف دون الرسول وَ له يدفع عنه ويرد الأعداء، وهو يقول: نَذُبُّ عَنْ رَسُولِنَا الْمُبَارَكِ نَحْنُ حُمَاةُ غِالِبٍ وَمَالِكِ ضَرْبَ صِفَاحِ الْكُومِ فِي المَبَارِكِ نَضْرِبُ عِنْدَ الْقَوْمِ فِي الْمَعَارِكِ ولما انتهت المعركة أمر الرسول حسان بن ثابت أن يذكر طلحة بخير، فقال فيه أبياتًا، وقال ١٤٩ يجوز في المنادي أن يفتح فتحة إتباع وبقاء الضم أرْجَحُ عند المبرد ، والمختار عند الجمهور الفَتْحُ . أبو بكر هذه الأبيات التي منها بيت الشاهد، وقد ذكرها الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة طلحة بن عبيد الله، انظر مختصر تاريخ دمشق (٧ - ٨٢). اللُّغَةُ: ((بوئت)) أراد منها معنى أفردت بها، ((المها)) جمع مهاة، وأصله البقر الوحشية، والعرب تشبه المرأة بالمهاة، ((العين)) جمع عيناء، وهي واسعة العينين. الإعراب، ((يا)) حرف نداء، ((طلحة)) منادى يجوز ضمه وفتحه: فإن ضممته فهو مبني على الضم في محل نصب لأنه مفرد علم، وإن فتحته، فقيل: هو مبني على الضم المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع، وقيل: هو منصوب بالفتحة الظاهرة لأنه مضاف إلى ما بعد ابن، ولفظ ابن مقحم بين المضاف والمضاف إليه، وقيل: هو مع ابن مركبان تركيب خمسة عشر؛ فهو مبني على فتح الجزأين في محل نصب، والأول هو الأوضح وهو الذي ذكره ابن مالك، وهو الذي عناه المؤلف بقوله ((فتحة إتباع)) وقوله ((ابن)) هو بالفتح، فإن ضممت طلحة فهو نعت له بالنظر إلى محله؛ لأن محله النصب على ما علمت، وإن فتحت طلحة فكذلك هو نعت له بالنظر إلى محله؛ لأنك علمت أن فتحته فتحة إتباع وأن الضم مقدر عليه على ما رجحناه، وابن مضاف و ((عبيد الله)) مركب إضافي مضاف إليه، ((قد)) حرف تحقيق، ((وجبت)) وجب: فعل ماض، والتاء للتأنيث، ((لك)) جار ومجرور متعلق بوجب، ((الجنان)) فاعل وجب، ((وبوئت)) الواو عاطفة، بوئ: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء ضمير المخاطب نائب فاعل ((المها)) إما منصوب على نزع الخافض، وإما مفعول ثان لبوئ، ((العينا)) صفة للمها، والألف للإِطلاق. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((يا طلحة بن عبيد الله)) فإن المنادى هنا - وهو طلحة - علم مفرد وقد وصف بابن، وهذا الوصف مضاف إلى علم، وهو عبيد الله، وهذا العلم الثاني أبو العلم الأول، والمنادى إذا كان بهذه المثابة جاز فيه الضم على الأصل، والفتح على أحد وجوه ثلاثة ذهب إليها العلماء: الأول: أن هذا الفتح الذي على تاء ((طلحة)) ليس فتح إعراب ولا فتح بناء، ولكنه فتح إتباع لما على نون ((ابن)) لأن الحاجز بينهما في النطق ليس إلا الباء الساكنة، والحرف الساكن حاجز غير حصين فكأن الحرفين متجاوران، واختار هذا الوجه العلامة ابن مالك في كتابه شرح التسهيل، ولم یذ کر سواه من الأوجه. والوجه الثاني: أن هذا الفتح فتح بناء؛ لأن الشاعر ركب الصفة والموصوف معًا تركيب خمسة عشر، فبناهما على فتح الجزأين ثم أدخل عليهما حرف النداء، واختار هذا الوجه فخر الدين الرازي، ولم یذ کر سواه. والوجه الثالث: أن هذا الفتح فتح الإِعراب، وذلك لأن طلحة مضاف إلى عبيد الله وابن مقحم بينهما، والمنادى إذا كان مضافًا كان حكمه النصب. ١٥٠ المبني على شيء غير معين ثم قلت: وإمَّا أنْ لا يَطَّرِدَ فيهِ شيءٌ بِعَيْنِهِ، وهو : الحُرُوفُ كهَلْ وَثُمَّ وَجَيْرٍ ومُنْذُ ، والأَسمَاءُ غَيْرُ المُتَمَكِّنة، وهي سبعةٌ: أسماء الأَفْعَال كصَهْ وَآمِينَ وإِهِ وهَيْتُ ، والمُضْمَرَاتُ كَقُومِي وَقُمْتَ وقُمْتِ وَقُمْتُ ، والإِشَارَات كذِي وَثَمَّ وهؤلاءٍ وهؤلاءُ، والمَوْصولات كالّذِي والتي والذِينَ والأُولاء فيمَنْ مَدَّهُ وذاتُ فيمَنْ بَنَاهُ وهو الأَفْصَحِ، إلا ذَيْنِ وَيْنِ والّذَيْنِ واللَّيْنِ فكالمثنى، وأسماء الشَّرْطِ وأسماء الاستفهام: كَمَنْ وَمَا وَأَيْنَ ، إلا أيًّا فيهما ، وَبَعْضُ الظرُوفِ كَإِذْ وَالآنَ وَأَمْسِ وَحَيْثُ مُثلثًا . وأقول: لما أنهيتُ القَوْلَ في المبنياتِ السبعةِ المختصةِ شَرَعْتُ في بيان ما لا يختص، وَحَصَرْتُ ذلكِ في نوعين؛ أحدهما: الحروف، وَقدمتها لأنها أقْعَدُ في باب البناء، والثاني: الأَسماء غير المتمكنة، وحَصَرْتُها في سبعة أنواع وفَصَّلْتها، ومَثَّلْتُ كلا منها، ورتبت أمثلة الجميع عَلَى ما يجب لها؛ فبدأت بما بني عَلَى السُّكُون لأَنه الأصل في البناء، ثم ثَنَّت بما بنى عَلَى الفتح لأنه أخف من غيره، ثم ثَلّئْتُ بما بني عَلَى الكسر، ثم ختمت بما بني عَلَى الضم. فمثالُ ما بني عَلَى السكون من الحروف : هَلْ وَبَلْ وقَدْ وَلَمْ ، ومثالُ ما بني منها عَلَى الفتح: ثُمَّ وإِنَّ ولعَلَّ ولَيْتَ، ومثالُ ما بني عَلَى الكسر: جَيْرٍ- بمعنى نَعَمْ- واللام والباء في قولك ((لِزَيْدِ)) و((يِزَيْدِ)) ولا رابع لهن، الا ((مِ اللهِ)) في لُغَة من كسر الميم، وذلك عَلَى الْقَوْل بحرفيتها ، ومثالُ مَا بني منها عَلَى الضم: منذُ فِي لُغَة من جَرَّ بها، وقولهم في القسم ((مُ الله)) فيمن ضم الميم و((مُنُّ الله)) فيمن ضم الميم والنون، ومَنْ قال فيهما وفي ((م الله)) إنها محذوفة من قولهم ((أيمُنُ الله)) فلا يصح ذكرها هنا؛ فإِنها عَلَى هذا الْقَوْل من باب الأسماء، لا من باب الحروف. وقد اختلف العلماء أيضًا في ضم ((طلحة)) وفتحه: أيهما أرجح ؟ فذهب جمهور علماء البصرة إلى أن الفتح أرجح من الضم وأجود، وقال ابن كيسان: إن الفتح أكثر في لسان العرب، وذهب أبو العباس المبرد إلى أن الضم أرجح وأجود، وقد أشار المؤلف إلى ذلك. ١٥١ المبني على شيء غير معين ومثالُ ما بني عَلَى السكون من أسماء الأفعال: صَوْ- بمعنى اسكت- ومَةْ بمعنى انكفِفْ- ولا تقل بمعنى اكفف كما يقول كثير منهم؛ لأن اكفف يَتَعَدَّى، ومَهْ لا يتعدى، ومثالُ ما بني منها عَلَى الفتح: آمِينَ - بمعنى اسْتَجِبْ، لمَّا ثَقُلَ بكسر الميم وبالياء بعدها بني عَلَى الفتح، كما بني أَيْنَ وكَيْفَ عليه لثقل الياءِ، وفيه أربع لُغَات: إحداها ((آمِينَ)) بالمد بعد الهمزة من غير إمالة، وهذه اللغة أكثر اللغات استعمالاً ، ولكِنْ فيها بُعْدٌ عن القياس؛ إذ ليس في اللغة العربية اسْمٌ على فَاعِيلَ، وإنما ذلك في الأسماء الأعجمية كقَائِيلَ وهَابِيلَ، ومن ثَمَّ زَعَمَ بعضهم أنه أعجمي، وعلى هذه اللغة قولُه : ٥٥ - [يَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا] وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا والثانية كالأولى، إلا أن الألف مُمَّالَة للكسرة بعدها، ورويت عن حمزة ٥٥- هذا بيت من البسيط، وقد نسب قوم هذا البيت لقيس بن الملوح، المعروف بمجنون ليلى، وقد نسبه صاحب اللسان (مادة أم ن) إلى عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وليس بشيء، ولا يوجد في ديوان شعره، بل إنه لا يوجد في زيادات الديوان التي جمع فيها الشعر المنحول لعمر. الاغراب: ((يا)) حرف نداء ((رب)) منادى، منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، ((لا)) دعائية، ((تسلبني)) تسلب: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا الدعائية، وياء المتكلم مفعول أول لتسلب مبني على السكون في محل نصب، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، (حبها)) حب: مفعول ثان لتسلب، وحب مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه، ((أبدًا)) ظرف زمان منصوب على الظرفية عامله تسلب، ((ويرحم)) الواو للاستئناف، يرحم: فعل مضارع، ((الله)) فاعل يرحم، ((عبدًا)) مفعول به ليرحم، وهذه الجملة خبرية لفظًا إنشائية معنى؛ لأنها دعائية، ((قال)) فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى عبد، والجملة في محل نصب صفة لعبد، ((آمينا)) اسم فعل أمر، بمعنى استجب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والألف للإِطلاق، والجملة في محل نصب مقول القول. الثَّاحِدُفِيه: قوله ((آمينا)) فإنه جاء به ممدودًا مخفف الميم. ١٥٢ المبني على شيء غير معين والكسائي ، والثالثة ((أَمِينَ)) بقصر الألف على وزن قَدِير وبَصِير، قال : * أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا ﴾ ٥٦ - وهذه اللُّغة أنْصَح في القياس، وأقلّ في الاستعمال(١) حتى إنَّ بعضهم أنكرها ، قال صاحب الإكمال: حكى ثعلبٌ القَصْرَ، وأنكره غيره، وقال: إنما جاء مقصورًا في الشعر، انتهى . وانعكس القَوْلُ عن ثعلب على ابن قُْقُولٍ فقال: أنكر ثعلب القَصْرَ. إلا في الشعر وصححه غيره، وقال صاحب التحرير في شرح مسلم : وقد قال جماعة إِنَّ القَصْرَ لم يجئ عن العرب ، وإن البيت إنما هو : * فَآمِينَ زَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدًا * ٥٦ - ٥٦- هذا عجز بيت من الطويل، وصدره قوله: * تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْعُلٌ إِذْ سَأَلْتُهُ . ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين. اللُّغَّ: ((فطحل)) - بضم الفاء وضم الحاء المهملة أو فتحها بينهما طاء مهملة ساكنة - وهو اسم رجل، ((سألته)) يروى في مكانه ((دعوته)) يعني ليغيثني من المكروه. الاْراب: ((تباعد)) فعل ماض، ((مني)) جار ومجرور متعلق بتباعد، ((فطحل)) فاعل تباعد، ((إذ)) ظرف للزمان الماضي مبني على السكون في محل نصب عامله تباعد، ((سألته)) فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها، ((أمين)) اسم فعل أمر، مبني على الفتح لا محل له من الإِعراب، ((زاد)) فعل ماض، ((الله)) فاعل زاد، ((ما)) اسم موصول مفعول أول الزاد، مبني على السكون في محل نصب، ((بيننا)) بين: ظرف مكان متعلق بمحذوف تقديره استقر، يقع هو وفاعله جملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول وهو ما، وبين مضاف وضمير المتكلم المتحدث عن نفسه وغیره مضاف إلیه، «بعدا» مفعول ثان لزاد. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((أمين)) حيث جاء به مقصورًا أي بهمزة واحدة ليس بعدها ألف، وهو مع ذلك مخفف الميم. (١) أما أنها فصيحة في القياس فلأنها على وزن قد جاءت عليه ألفاظ عربية كثيرة بعضها قياسي وكثير منها سماعي، في حين أن الممدودة جاءت على زنة لم يجئ عليها شيء من الألفاظ العربية، ومن العلماء من جعل الأصل في العربية المقصورة، وادعى أن الممدودة عبارة عن المقصورة مع إشباع حركة الهمزة، كما قالوا (( درهام، وخاتام)) وأصلهما درهم وخاتم . ١٥٣ المبني على شيء غير معين والرابعة ((آمِّين)) بالمدّ وتشديد الميم، روي ذلك عن الحسن، والحسين بن الفضل، وعن جعفر الصادق ، وأنه قال : تأويلهُ قاصِدِينَ نحوك وأنت أكرم من أن تُخَيِّبَ قاصدًا ، نقل ذلك عنهم الوَاحِدِيُّ في البسيط ، وقال صاحبُ الإكمال : حكى الداودي تشديد الميم مع المدِّ، وقال: وهي لُغَة شاذة، ولم يعرفها غيره، انتهى . قلت : أنكر ثعلب والجوهري [والجمهور] أن يكون ذلك لُغة، وقالوا: لا نعرف آمّينَ إلا جمعًا بمعنى قاصدين كقوله تعالى: ﴿ وَلَآَ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة، ٢]. ومثالُ ما بني منها عَلَى الكسر إِيهِ بمعنى امْضٍ في حَدِيثِكَ - ولا تقل بمعنى حَدِّثْ كما يقولون ؛ لما بينتُ لك في مَهْ وأما قوله : * إِيهِ أَحَادِيثَ نَعْمَانٍ وساكنِهِ * ٥٧ - ٥٧- هذا صدر بيت من البسيط، وقد نسبوا هذا الشاهد لابن الأثير، ولم يعينوا واحدًا من أبناء الأثير؛ فإنهم ثلاثة رجال من أفذاذ العلماء: أحدهم محدث، وهو أبو السعادات محمد بن محمد ابن عبد الكريم المتوفى في سنة ٦٠٦ من الهجرة، وثانيهم مؤرخ، وهو أبو الحسن علي بن محمد المتوفى في سنة ٦٣٠ من الهجرة، وثالثهم أديب كبير، وهو ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد، وثلاثتهم لا يحتج بشعرهم ولا بنثرهم على شيء من قواعد اللغة، وقد قال المؤلف في رد هذا الشاهد ((إنه ليس بعربي)) وثمة ((ابن أثير)) آخر متأخر عن هؤلاء جميعًا. وقد عثرت على بيت صدره هذا الشاهد، وعجزه قوله: * إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الأخْبَابِ أَشْمَارُ . وقد أنشده على هذا الوجه بيتًا مفردًا شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني في كتابه أزهار الرياض (١ / ٦) ولم ينسبه إلى أحد، ورأيته ذكر العجز في قصيدة طويلة للناصر داود بن المعظم عيسى في كتابه نفح الطيب (٣ / ١٦٤ بتحقيقنا). اللُّغَةُ: ((نعمان)) - بفتح النون وسكون العين المهملة - اسم واد في طريق الطائف يخرج على عرفات، وفيه يقول الشاعر: بِهِ زَيْنَبٌ فِي نِسْوَةٍ عَطِرَاتٍ تَضَوَّعَ مِشْكًا بَطْنُ نَغْمَانَ أَنْ مَشَتْ الإعْراب: ((إيه)) اسم فعل أمر، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ((أحاديث)) مفعول به لاسم الفعل، وهو مضاف، و ((نعمان)) مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، وكان حقه أن يمنعه من الصرف؛ لأنه علم على مكان وفيه ألف ونون ١٥٤ المبني على شيء غير معين فليس بعربي، وعند الأصمعي أنها لا تستعمل الا مُنَوَّنة، وخالفوه في ذلك، واستدلوا بقول ذي الرمة : ٥٨ - * وَقَفْنَا فَقُلْنَا: إِيهِ عَنْ أُمُّ سَالِمٍ * وكان الأَضْمَعِيُّ يُخَطِّئ ذا الرمة في ذلك وغيره، ولا يَحْتَجُ بكلامه . ومثالُ ما بني منها عَلَى الضم: هَيْتُ - بمعنى تهيّأت - قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف، ٢٣]، وقيل: المعنى هَلُمَّ لك؛ فلك: تبيينٌ مثل سَقْيًا لَكَ(١)، وقرئ زائدتان، ولكنه صرفه للضرورة، ((وساكنه)) الواو عاطفة: وساكن: معطوف على نعمان، وساكن مضاف والضمیر الذي للغائب العائد إلی نعمان مضاف إليه. سبب ذكره: قوله ((إيه أحاديث نعمان)) فإن إيه اسم فعل أمر، وهو دال على معنى امض في حديثك، وهذا الفعل الذي يؤدي اسم الفعل معناه لا يتعدى بنفسه إلى المفعول به، كما سمعت، ومن حق اسم الفعل أن يكون بمنزلة الفعل الذي يقوم هو مقامه، فيكون متعديًا إذا كان الفعل متعديًا، ولازمًا إذا كان الفعل لازمًا، ولكن الشاعر في هذا الشاهد خالف ذلك؛ فعدَّى اسم الفعل إلى المفعول به، مع أن الفعل الذي ناب عنه لازم، فافهم ذلك. ٥٨- هذا صدر بيت من الطويل لذي الرمة، واسمه غيلان بن عقبة، وعجزه قوله: * وَمَا بَالُ تَكْلِيمِ الدِّيَارِ الْبَلَاقِعِ. (١) اعلم أن في هذا الموضع أمورًا أحب أن أبينها لك بيانًا لا لبس فيه عليك ولا غموض: الأمر الأول: أن العلماء الذين قرؤوا القرآن الكريم قد اختلفوا في قراءة هذه الجملة وهي قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ وأشهر هذه القراءات ثلاث: الأولى قراءة لهشام ((مِثْتُ لك)) بكسر الهاء بعدها همزة ساكنة فتاء مضمومة، والثانية قراءة ذكوان ﴿هِيتُ لَكَ﴾ بكسر الهاء بعدها ياء فتاء مضمومة، والثالثة قراءة ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء وسكون الياء وبعدها تاء مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة . الأمر الثاني : في تخريج علماء النحو لهذه القراءات تخريجًا يطابق القواعد العربية : فأما القراءة الأولى: فلا خلاف بين أحد من النحاة في أن (مئت) فعل ماض مسند لتاء الفاعل، كما تقول: جئت، وكما تقول: شئت، فهذه التاء ليست من بنية الكلمة لكنها ضمير رفع متصل، مثل التاء في ضربت وخرجت ودحرجت واستخرجت، وما أشبه ذلك و((لك)) جار ومجرور متعلق بهاء، ومعنى هاء على هذا الوجه تهيأ واستعد، فكأنها قالت : تهيأت لك، أو استعددت لك . وأما القراءة الثانية: فهي مثل القراءة الأولى في التخريج والإِعراب، وكل ما بينهما من الفرق أن القارئ قلب الهمزة الساكنة ياء لوقوعها ساكنة بعد الكسرة ، وهذا جار على لغة أهل الحجاز؛ فإنهم يقولون في ذئب : = . ١٥٥ المبني على شيء غير معين (هَيْتُّ) مُثَلَّة التاء؛ فالكسر عَلَى أَصْلِ التقاء الساكنين، والفتحُ للتخفيف كما في أيْنَ وكَيْفَ، والضمّ تشبيهًا بحَيْثُ، وقرئ ((هِئْتُ)) بكسر الهاء، وبالهمزة ساكنةً ، وبضم التاء، وهو عَلَى هذا فعلٌ ماضٍ وفاعلٌ، من هاء يهاء كشاء يشاء، أو من هاء يهيءُ کجاء يجيءُ . اللُّغَةُ: ((ما بال)) أي: ما شأن، ((البلاقع)) جمع بلقع - بزنة جعفر - وهي الخالية من السكان. الإْراب: ((وقفنا)) فعل ماض وفاعله، ((فقلنا)) فعل وفاعل جملتهما معطوفة بالفاء على الجملة السابقة، ((إيه)) اسم فعل أمر، مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة في محل نصب مقول القول، ((عن أم)) جار ومجرور متعلق باسم الفعل، وأم مضاف، و ((سالم)) مضاف إليه، ((وما)) الواو للاستئناف، ما: اسم استفهام مبتدأ، مبني = ذيب، وفي بثر: بير، وفي سؤل، سول، وفي مؤق: موق، وفي رأل: رال، وفي شأن: شان . وهكذا. وأما القراءة الثالثة: فقد اختلف النحاة في تخريجها، ولهم في ذلك رأيان: الرأي الأول أن ((هيت)) اسم فعل ماض، ومعناه تهيأت واستعددت، وهذه التاء جزء من الكلمة، وليست ضميرًا كما كانت في تخريج القراءتين الأولى والثانية، و((لك)) جار ومجرور متعلق باسم الفعل الماضي، والرأي الثاني: أن ((هيت)) اسم فعل أمر معناه أقبل، مثل هلم وتعال، والتاء جزء من الكلمة أيضًا، وليست ضميرًا كما كانت في تخريج القراءتين الأولى والثانية، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، و«لك)) جار ومجرور متعلق بمحذوف وهذا المحذوف يجوز أن يكون فعلًا؛ فيكون التقدير: أقول لك، وكأنها بعد أن أمرت يوسف بالمجيء والإقبال عليها قد توقعت منه أن يفهم أن الكلام ليس له، فقالت : إنما أقول لك، ويجوز أن يكون المحذوف الذي يتعلق به الجار والمجرور اسمًا؛ فيكون خبرًا لمبتدأ محذوف والتقدير: إرادتي أو رغبتي كائنة لك، أو دعائي أو كلامى كائن لك : أي موجه لك . الأمر الثالث : في بيان لام التبيين التي أشار إليها المؤلف، وذلك أن لام التبيين على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول : اللام التي تبين الفاعل من المفعول وتميز أحدهما من الآخر ومثلها قولك: ما أحبني لفلان، وقولك : ما أبغضني لفلان؛ فالعبارة الأولى معناها أنك تحب فلانًا حبًا شديدًا، والعبارة الثانية معناها أنك تبغضه بغضًا شديدًا؛ فاللام داخلة على المفعول وما قبله فاعل، فإن أردت أن فلانًا يحبك حبًا شديدًا قلت: ما أحبني إلى فلان، وإذا أردت أن فلانًا يبغضك بغضًا شديدًا قلت : ما أبغضني إلى فلان؛ فاللام في العبارتين الأوليين كانت للتفرقة بين الفاعل والمفعول والتمييز بينهما، والنوع الثاني: اللام التي تبين فاعلية غير ملتبسة بمفعولية، والنوع الثالث : اللام التي تبين مفعولية غير ملتبسة بفاعلية عكس الذي قبله، ومثله قولهم: سقيًا لك، ورحمة لك، وما أشبه ذلك، واللام التي تبين الفاعل من المفعول تكون متعلقة بمذكور؛ فقولك ((ما أبغضني لفلان)) اللام فيه متعلقة بأبغضني، واللام التي تبين مفعولية أو فاعلية غير ملتبسة بالأخرى تكون متعلقة بمحذوف کالذي ذكرناه في بيان الرأي الثاني في توجيه القراءة الثالثة من الآية الكريمة، وفي هذا القدر كفاية فافهمه واحرص عليه ولا تغفل عنه . ١٥٦ المبني على شيء غير معين ومثالُ ما بني من المضمرات عَلَى السكون: قُومِي وَقُومَا وَقُومُوا، ومثالُ ما بني منها عَلَى الفتح: قمتَ للمخاطب المذكَّر، ومثالُ ما بني منها عَلَى الكسر: قمتِ للمخاطبة ، ومثال ما بني منها عَلَى الضم : قمتُ للمتكلم . ومثالُ ما بني عَلَى السكون من أسماء الإِشارة: ذا للمذكر وذي للمؤنث ، ومثالُ ما بني [ منها] عَلَى الفتح: ثَمَّ - بفتح الثاءِ- إشارة إلى المكان البعيد، قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَ ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء، ٦٤] أي: وأزلفنا الآخرين هُنالك، أَيْ: قَبناهم ، ومثالُ ما بني منها عَلَى الكسر: هؤلاءٍ، ومثالُ ما بني منها عَلَى الضم ما حكاه قُطْرُبٌ من أن بعض العرب يقولون: هؤلاءُ - بالضم- فلذلك ذكرت هؤلاء في المقدمة مرتين : أولاهما تضبط بالكسر ، والثانية بالضم . ومثالُ ما بني عَلَى السكون من الموصولات : الذي والتي وَمَنْ وما، ومثالٍ ما بِنِي عَلَى الفتح: الّذِينَ، ومثالُ ما بني عَلَى الكسر: الأُلآءِ - بالمد- لُغَة في الأُلى بمعنى الذين ، قال الشاعر : على السكون في محل رفع، ((بال)) خبر المبتدأ، وبال مضاف و ((تكليم)) مضاف إليه، وتكليم مضاف و ((الديار)) مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله ((البلاقع)) صفة للديار، وصفة المجرور مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة. الثَّاهِدُفِيه: قوله ((إيه)) فقد وردت هذه الكلمة غير منونة في هذا البيت، وقد اختلف العلماء في توجيه ذلك، فذهب الأصمعي إلى أنه خطأ، وأنه لا يجوز ترك التنوين، وكان الأصمعي يتحامل على جماعة من الشعراء منهم ذو الرمة، ولكن العلماء غير الأصمعي صححوا ذلك الذي نطق به ذو الرمة، وذهبوا إلى أن هذه الكلمة - وهي إيه - معناها أنك تطلب من مخاطبك الزيادة من الحديث، فإن كنت تطلب الزيادة من حديث معين لم تنون، وإن كنت تطلب الزيادة من حديث أي حدیث نونت، ويسمى هذا التنوين تنوين التنكير. قال ابن سيده: ((والصحيح أن هذه الأصوات إذا عنيت بها المعرفة لم تنون، وإذا عنيت بها النكرة نونت، وإنما استزاد ذو الرمة هذا الطلل حديثًا معروفًا، كأنه قال: حدثنا الحديث، أو خبرنا الخبر)) اهـ، وقد فسر إيه بحدث وعداه كما ترى، وعبارة ابن سيده صريحة الدلالة على ما ذكره من أن لهذه الكلمة استعمالين: أحدهما تنون فيه، وثانيهما يترك فيه تنوينها، كما أنه صريح في أن ترك ذي الرمة التنوين لأنه أراد الاستعمال الذي يجب فيه حذف التنوين؛ فهو صريح في الرد على الأصمعي. ١٥٧ المبني على شيء غير معين ٥٩ - أبَى اللهُ للِثُمَّ الأُلاَءِ كَأَنَّهُمْ سُيُوفٌ أَجَادَ الْقَيْنُ يَوْمًا صِقَالَهَا ومثالُ ما بني منها عَلَى الضم: ذاتُ بمعنى التي، وذلك في لُغَة طيئ وحكى الفَرَّاء أنه سمع بعض السُّؤَّال يقول في المسجد الجامع: (( بالفضل ذو فَضَّلكم الله بِهْ والكَرَامَةِ ذاتُ أَكرمكم الله بَهْ)) بضم ذات مع أنها صفة للكرامة : أَي أَسألكم بالفضل، وقوله ((بَهْ)) بفتح الباء، وأَصله ((بِهَا )) فَحُذِفَتْ الأَلْفُ ، ونقلت فتحة الهاء إلى الباء بعد تقدیر سَلْبٍ کسرتها . ٥٩- هذا بيت من الطويل من كلام كثير بن عبد الرحمن، وهو المعروف بكثير عزة. اللُّغَةُ: ((الشم)) بالضم - جمع أشم، مأخوذ من الشمم - بفتح الشين والميم جميعًا - وهو استواء قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في أرنبته، والعرب تعد ذلك من علامات السؤدد في الرجال، انظر إلى قول حسان بن ثابت يمدح بني جفنة: شُمُّ الأَنُوفِ، مِنَ الطِّرَازِ الأوّلِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ ((القين)) الحداد، ((صقالها)) أراد صنعتها، وإجادته إياه معناه إحسانها وإحكامها. المعنى: يصف قومًا بأن الله تعالى عصمهم من فعل السوء، وجنبهم صفات الشر؛ فيقول: لقد أبى الله تعالى لهؤلاء الناس ذوي السؤدد والمكارم أن يأتوا منكرًا، أو يفعلوا فعلًا يلامون عليه. الإعْراب: ((أبى الله)) فعل ماض وفاعله، والمفعول محذوف، والتقدير أبى الله فعل الشر، ((للشم)) جار ومجرور متعلق بأبي، ((الألاء)) اسم موصول بمعنى الذين صفة للشم، مبني على الكسر في محل جر، (( كأنهم)) كأن: حرف تشبيه ونصب، والضمير اسمه، ((سيوف)) خبر كأن، والجملة من كأن واسمه وخبره لا محل لها من الإعراب صلة الألاء، ((أجاد)) فعل ماض ((القين)) فاعل أجاد، ((يومًا)) ظرف زمان منصوب بأجاد، ((صقالها)) صقال: مفعول به لأجاد، وهو مضاف والضمير مضاف إليه، والجملة من أجاد وفاعله ومفعوله في محل رفع صفة لسيوف. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((الألاء)) فإنه اسم موصول بمعنى الذين، وهو مبني على الكسر والدليل على أنه استعمله بمعنى الذين شيئان: أولهما أن الموصوف به جمع تكسير لمذكر وهو الشم؛ لأنه جمع أشم، والثاني تعبيره في الصلة بضمير المذكرين وذلك في قوله ((كأنهم سيوف)) وأنت تعرف أن الضمير العائد من جملة الصلة يجب أن يطابق الموصول الموضوع لمعنى هو نص فيه: في تذكيره وتأنيثه، وفي إفراده و تثنيته وجمعه. ١٥٨ المبني على شيء غير معين ثم استثنيت من أسماءِ الإِشارة والأسماء الموصولةِ ذَيْنٍ وَثَيْنِ واللذَيْنِ وَاللَّيْنِ ؛ فذكرت أَنهما كالمثنى، وأَعني بذلك أَنهما معربان: بالألف رفعًا ، وبالياء المفتوح ما قبلها جرًّا ونصبًا، كما أَن الزّيْدَيْنِ والرَّجُلَيْنِ كذلك، وِفُهم من قولي ((كالمثنى)) أنهما ليسا مثنيين حقيقة، وهو كذلك؛ وذلك لأنه لا يجوز أن يثنى من المعارف إلا ما يقبل التنكير كزيدٍ وعمرو، ألا ترى أَنهما لما اعتُقِدَ فيهما الشياعُ والتنكيرُ جازت تثنيتهما ، ولهذا قلت: ((الزيدان، والعَمْران)) فأدخلْتُ عليهما حرفَ التعريف، ولو كانا باقيين عَلَى تعريفِ العلمية لم يجز دخول حرف التعريف عليهما، وذا والذي لا يقبلان التنكير؛ لأَن تعريف ذا بالإِشارة، وتعريف ((الذي)) بالصِّلَةِ، وهما ملازمان لذا والذي؛ فَدَلَّ ذلك عَلَى أَن ذَيْنٍ واللّذَيْنِ ونحوهما أَسماء تثنية، بمنزلة قولك هما وأنتما ، وليسا بتثنية حقيقية، ولهذا لم يصح في ذين أَن تدخل عليها أَل كما لا يصح ذلك في هما وأَنتما . فإن قلت: فهلًا استثنيت من الموصولات ((أيًّا)) أيضًا فإنها معربة إلا إذا أضيفت وكان صَدْرُ صلتها ضميرًا محذوفًا ؟ . قلت : قد علم مما قدمْتُ أن ((أيًّا)) مبنية في هذه الحالة، معربة فيما عداها ؛ فلم أحتج إلى إعادته . ١ ومثالُ المبني من أَسِماء الشرط والاستفهام عَلَى السكون : مَنْ، وما ، ومثالُ المبني منهما عَلَى الفتح: أَيْنَ ، وأَيَّانَ ، وليس فيهما ما بني عَلَى كسرٍ ولا ضمّ فأذكرَه. فإن قلت: فإن من أسماء الشرط ((حَيْثُمَا)) وهي مبنية على الضم. قلت : المبني على الضم حيثُ ، واسم الشرط إنما هو حيثما ، فما اتصلت بحيث وصارت جزءًا منها ؛ فالضم فى حَشْو الكلمة ، لا في آخرها . واستثنيت من أَسماء الشرط، وأَسماءِ الاستفهام ((أَيّا)) فإِنها معربة فيهما مطلقًا بإجماع، مثالُ الاستفهامية في الرفع قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا﴾ [النمل، ٣٨] أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَا﴾ [التوبة، ١٢٤] ومثالُها في النصب ﴿ فَأَىَّ ءَايَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافِ، ٨١] ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْاْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء، ٢٢٧] فأيكم فيهما مبتداً، وأَيَّ من قوله: ﴿ فَأَىَّ ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِّرُونَ﴾ مفعول به لتنكرون ، وأي ١٥٩ المبني على شيء غير معين من قوله تعالى: ﴿ أَنَّ مُنقَلَبٍ﴾ مفعول مطلق لينقلبون ، وليست مفعولا به لسيعلم؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، ومثالها في الخفض: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ﴾ [القلم، الآيتان: ٦،٥]، وأي في هذه الآية مخفوضة لفظًا مرفوعة محلا؛ لأنها مبتدأ، والباء زائدة، والأصل أَيْكم المفتون(١)، والجملة نصب بتبصر أَو يبصرون؛ لأَنهما تَنَازَعَاهَا ، وهما مُعَلَّقَانٍ عن العمل بالاستفهام، وفي الآية مباحث أخر. ومثالُ الظرف المبني عَلَى السكون ((إذْ)) وهو ظرف لِما مضى من الزمان ، ويُضَافُ لكل من الجملتين، نحو: ﴿ وَأَذْكُرُوْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال، ٢٦] ﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف، ٨٦] [﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ﴾] [الزخرف، ٣٩] وتأتي [غافر، ٧٠، ٧١] ، ظرفًا لما يستقبل نحو: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغَْلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة، الآية ٤] بعد قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة، ١]، وتأتي للتعليل، نحو: ﴿وَإِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأَؤُواْ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف، ١٦] أي: ولأجل اعتزالكم إياهم، والاستثناء في الآية متصل إِن كَانَ هؤلاء القوم يعبدون الله وغيره، ومنقطع إن كانوا يَخُصُّونَ غيرَ الله سبحانه بالعبادة، وكذلك البحث في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفََّيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِ إِلَّا رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء، ٧٥ - ٧٧] وتأتي للمفاجأة کقوله : (١) هذا الإعراب الذي ذكره المؤلف هو إعراب سيبويه شيخ النحاة لهذه الآية الكريمة، وعليه يكون (المفتون) اسم مفعول كما هو الظاهر، ويكون الاستفهام عمن وقعت عليه الفتنة؛ فكأن بعضهم يقول لبعض : أي امرئ منكم أثرت فيه دعاية هذا المدعي للنبوة فجعلته يترك دين آبائه إلى دينه ؟ وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الباء أصلية وأي: مجرور بها لفظًا، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والمفتون: مبتدأ مؤخر، ثم اختلف النقل عنه في معنى الباء؛ فنقل عنه قوم أنه يقول: إن معنى الباء السببية، وعلى هذا يكون المفتون مصدرًا بمعنى الفتنة، وكأن بعض هؤلاء يقول لبعض: بسبب أيكم وقعت الفتنة ؟ ومجيء المصدر على زنة مفعول مما أثبته الأخفش، ومثل لما جاء منه بالميسور والمعسور والمجلود والمحلوف والمعقول: بمعنى اليسر والعسر والجلد والحلف والعقل (انظر شرح الشاهد رقم ٦٠ الآتي) نقل عنه قوم آخرون: أن الباء بمعنى في التي للظرفية، وعلى هذا يكون المفتون اسم مفعول كما ذهب إليه سيبويه؛ وكأن بعض هؤلاء يقول لبعض: في أي طائفة من طوائفكم هذا الذي وقعت الفتنة عليه ؟ ١٦٠ المبني على شيء غير معين ٦٠ - اسْتَقْدِرِ اللهَ خَيْرًا وَارْضَيَنَّ بِهِ فَبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ ومثالُ المبنيّ منها عَلَى الفتح ((الآنَ)) وهو اسمٌ لزمنٍ حَضَرَ جميعهُ أَو بعضُه؛ فالأَول نحو قوله تعالى: ﴿اَلْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة، ٧١] وفي هذه الآية حَذْفُ الصفةِ، أَي بالحق الواضح، ولولا أَن المعنى عَلَى هذا لكفروا لمَفهوم هذه المقالة(١)، والثاني نحوُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ﴾ [الجن، ٩]، وقد تُغْرَب ، كقوله: ٦٠ - هذا بيت من البسيط، وقد نسبوه إلى عنبر بن لبيد العذري. اللُّغَرِ: ((مياسير)) جمع ميسور بمعنى اليسر، بدليل مقابلته بالعسر، وفي هذا اللفظ فائدتان؛ الأولى أنه يدل لما ذهب إليه أبو الحسن الأخفش من مجيء المصدر على زنة اسم المفعول كما جاء على زنة اسم الفاعل كالعافية، والثانية أنه يدل على جواز جمع المصدر، ألا ترى أنه جمع ميسورًا على مياسير كما يجمع مجنون على مجانين (انظر الهامش فى الصفحة السابقة). الإعْراب: ((استقدر)) فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ((الله)) منصوب على التعظيم، ((خيرًا)) منصوب على نزع الخافض، ((وارضين)) الواو عاطفة، ارض: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت، ونون التوكيد حرف لا محل له من الإِعراب، (به)) جار ومجرور متعلق بارض، ((فبينما)) الفاء للتعليل، بين: ظرف مكان منصوب على الظرفية، والعامل فيه محذوف، وما: زائدة، ((العسر)) مبتدأ، وخبره محذوف، وتقدير الكلام: فبينما العسر حاصل، مثلًا، ((إذ)) كلمة دالة على المفاجأة، وقد اختلف فيها، فقيل: هي ظرف مكان، وقيل: هي ظرف زمان، وعلى القول بأنها ظرف زمان قيل: هي بدل من بين، وقيل: متعلق بما بعده؛ لأنه غير مضاف إليه، ((دارت)) دار: فعل ماضٍ، والتاء علامة التأنيث ((مياسير)) فاعل دارت. الثَّاهِدُ فِيه: قوله ((إذ)) فإنها كلمة دالة على المفاجأة، ألا ترى أن معنى البيت فبين الأوقات التي (١) منطوق هذه العبارة - بدون تقدير وصف محذوف - أن موسى عليه السلام قد جاءهم في وقت التكلم بالحق الذي يجب الإيمان به، ويدل هذا بالمفهوم على أن ما كان قد جاءهم به قبل ذلك ليس بحق، وهذا كفر لا شبهة فيه؛ لأنه يجب الإيمان بأن الرسول ◌َ ليل لا يأتي في وقت من الأوقات إلا بالحق الذي يجب الإيمان به، فإن قدرنا الوصف الذي قدره المؤلف كان المفهوم من العبارة أنه قبل وقت التكلم كان آتيًا بالحق أيضًا، لكن هذا الحق الذي كان يأتي به لم يكن واضحًا ظاهر المعنى لعقولهم، وهذا لا كفر فيه؛ لأن نقصه ليس راجعًا إلى ما جاء به الرسول ، وإنما نقصه راجع إلى عقولهم . هذا كله عند من يعتبر المفهوم اعتبار المنطوق، فأما من لا يرون اعتبار المفهوم فلا يلتزمون هذا التقدير، والمسألة خلافية بين علماء الأصول، وهذه العجالة لا تتسع لذكر مقالتهم وأدلتها .