النص المفهرس

صفحات 821-840

وهي ، إن وقعت بعدَ الإِيجاب أو الأمرِ، كان معناها سَلبَ الحكم عما
قبلَها، حتى كأنهُ مسكوتٌ عنه، وجعلَهُ لِمَا بعدَها، نحو: (( قام سليمٌ ، بل
خالدٌ )) ونحو: ((لِيَقُمْ عليٍّ، بل سعيدٌ)).
وإن وقعت بعد النفي أو النهي ، كان معناها إثباتَ النفي أو النّهي لِمَا
قبلها وجعلَ ضده لِمَا بعدَها، نحو: (( ما قام سعيدٌ بل خليلٌ))، ونحو: (( لا
يَذْهبْ سعيدٌ بل خليلٌ)).
فإن تلاها جملةٌ لم تكن للعطفِ ، بل تكونُ حرفَ ابتداءٍ مُفيداً
للإضراب الإيطالي أو الإضراب الانتقالي(١). فالأولُ كقولهِ تعالى: ﴿وقالوا
اتَّخِذَ الرحمنُ ولداً، سبحانَهُ، بَل عِبادٌ مُكرَمُون﴾، أي : بل هُم عبادٌ،
وقولهِ: ﴿أُو يقولونَ بِهِ جِنَّةٌ، بل جاءهم بالحق﴾. والثاني كقوله تعالى: ﴿قد
أفلحَ من تُزَكّى، وذكرَ أَسمَ رَبِهِ فَصَلَّى، بل تُؤثرونَ الحياةَ الدُّنيا﴾، وقولِهِ :
﴿ وَلَدينا كتابٌ يَنْطِقُ بالحق وهُم لا يُظلمونَ، بل قُلوبُهم في غَمرةٍ﴾.
وقد تُزادُ قبلها ((لا))، بعد إثباتٍ أو نفيٍ ، فالأولُ كقول الشاعر:
وَجْهُكِ الْبَدْرُ، لا، بل الشَّمْسُ، لَوْلَمْ
يُقْضَ لِلشَّمْسِ كَسْفَةٌ أَوَ أُفولُ
والثاني كقول الآخر :
وَمَا هَجَرْتُكِ، لا، بَلْ زَادَني شَغَفاً
هُجَرٌ وبُعْدُ تُراخٍ لا إلى أجلٍ
٨ - لكن : تكونُ للاستدراكِ، بشرطِ أن يكون معطوفُها مُفرداً ، أي
(١) يراد بالإضراب الإيطالي: العدول عن موضوع إلى موضوع، مع إبطال حكم الموضوع الأول.
ويراد بالإضراب الانتقالي: الانتقال من موضوع إلى آخر، بلا إبطال الحكم الأول .
٢٤٨
....
المعدات
.... "
....
٢٠/٠١ ٥ غف .- ٨٨٠١٨٠٠٠٠٠٠

غيرَ جُملة ، وأن تكونَ مسبوقةً بنفي أو نهي، وأن لا تقترنَ بالواو، نحو: (( ما
مررتُ برجلٍ صالحٍ ، لكنْ صالحٍ))، ونحو: ((لا يَقُمْ خليلُ، لكنْ
سعيدٌ )). فإن وقعت بعدَها جملةٌ، أو وقعت هي بعدَ الواو، فهي حرفُ
ابتداءٍ ، فالأول كقول الشاعر الأخطل :
إِنَّ أبنَ وَرْقاءَ لا تُخْشِى بَوادِرُهُ
لَكِنْ وَقائِعُهُ فِي الْحَرْبِ تُنْتَظَرُ
والثاني كقوله تعالى: ﴿ ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ، ولكن
رسولَ اللّهِ وخاتمُ النّبيِينَ﴾، أي: لكنْ كان رسولَ الله. فرسول: منصوبٌ"
لأنه خبر ((كان)) المحذوفة ، وليس معطوفاً على ((أبا)). وكذلك إن وقعت بعد
الإِيجاب، فهي حرفُ أبتداءٍ أيضاً، مثلُ: ((قامَ خليلٌ، لكنْ عليٌّ))، فعليّ
مبتدأ محذوفُ الخبر ، والتقديرُ ((لكنْ عليٌّ لم يَقُم)) .
وهي بعدَ النفي والنهي مثلُ: ((بَلْ)): معناها إثباتُ النفي أو النهي لِما
قبلَها وجعلٌ ضِدّهِ لِما بعدها .
٩ لا : تُفيدُ معَ النفي العطفَ. وهي تُفيدُ إثباتَ الحُكم لما قبلَها ونفيَهُ
عمّا بعدَها. وشرطُ معطوفها أن يكون مفرداً ، أي غيرَ جملة ، وأن يكون بعد
الإِيجاب أو الأمرِ، نحو: ((جاءَ سعيدٌ لا خالدٌ))، ونحو: ((خذِ الكتاب لا
القلم» .
وأثبتَ الكوفيُّونَ العطفَ بليس، إن وقعت موقعَ ((لا))، نحو: ((خُذ
الكتابَ ليس القلم )). وعليه قولُ الشاعر :
أينَ الْمَقَرُّ؟
وَآلْإِلَهُ الطَّالِبُ
وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ
٢٤٩
:
٨ ٠٠٠ ٠ ...
:
:

(فليس هنا: حرفٍ عطف . والغالب معطوف على المغلوب . ولو
كانت هنا فعلاً ناقصاً لنصب الغالب على أنه خبرٌ لها ) .
٣ - أحكامٌ تَتَعَلَّقُ بِعَطْفِ النَّسَقِ
١ - يُعطَفُ الظاهرُ على الظاهر، نحو: ((جاءَ زُهيرٌ وَأُسامةُ)) والمُضمَرُ
على المُضمَر؛ نحو: ((أنا وأنتَ صديقان))، ونحو: ((أكرمتُهم وإيّاكم))،
والْمُضمَرُ على الظاهر، نحو: ((جاءَني عليٍّ وَأَنتَ))، ونحو: «أكرمتُ سليماً
وإيّاك))، والظاهرُ على المُضمر، نحو: ((ما جاءَني إلا أنتَ وعلي)) ونحو: ((ما
رأيتُ إلا إياك وعليّاً)). غير أنَّ الضميرَ المتّصِل المرفوع، والضميرُ المستترَ،
لا يَحسُنُ أن يُعطّف عليهما إلا بعد توكيدهما بالضمير المنفصل، نحو: ((جئتُ
أنا وعليٌّ))، ومنه قوله تعالى: ﴿إذهب أنتَ وَرَبُّكَ﴾. ويجوزُ العطفُ عليهما
أيضاً إذا كان بينهما فاصلٌ أَيُّ فاصلٍ، كقوله تعالى: ﴿يَدخلونها ومَنْ
صَلَحَ﴾، وقولهِ: ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾، فقد عطفَ ((مَنْ))، في الآية
الأولى، على الواو في ((يدخلونها))، لوجود الفاصل، وهو ((ها)»، التي هيَ
ضميرُ المفعول به، وعطف ((آباء)»، في الآية الثانية، على ((نا))، في ((أشركنا))،
لوجود الفاصل، وهو ((لا))، وذلك جائز.
--------- ....
أمّا العطفُ على الضميرِ المجرور، فالحقُّ أنه جائزٌ(١)، ومنه قوله
تعالى: ﴿وكفرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾. وقُرىءَ في بعض القراءات السّبعِ :
« وأَتَّقُوا الله الذي تساءلونَ به والأرحامٍ﴾، بالجرِّ عطفاً على الهاء. والكثيرُ
إعادةُ الجارِّ كقوله تعالى: ﴿فقال لها وللأرض آئتِيا طَوْعاً أو كَرْهاً﴾، ونحو:
((أحسنت إليكَ وإلى عليّ))، ونحو: ((أكرمتُ غلامَكَ وغلامَ سعيدٍ)).
(١) منع الجمهور العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. والحق أنه جائز، كما حققنا ذلك
في مبحث ((المفعول معه».
٢٥٠
.....
٠٫٫٠٠ ..
.....
٠٠٠٧

٢ - يُعطَفُ الفعلُ على الفعل، بشرطِ أن يَتّحدا زماناً، سواءٌ اتحدا
نوعاً، كقوله تعالى: ﴿وإن تُؤْمنوا وتتْقوا يُؤْتِكُمُ أُجُورَكم﴾، أم اختلفا ،
نحو: ((إِن تَجيء أكرمتُك وأُعطِك ما تريد)).
٣ - يجوزُ حذفُ الواو والفاء مع معطوفهما إذا كان هناك دليلٌ ، كقوله
تعالى : ﴿ أن أضرِبْ بعصاكَ الحجَر، فانبجستْ ﴾، أي : فضرب
فانبجست ، وقول الشاعر :
فما كانَ بَيْنَ الْخَيْرِ، لَوْ جاءَ سالماً
أبو حَجَرٍ، إِلَّ لَيالٍ قَلائِلُ
أي : ((بین الخیر وبینی)).
٤ - تختصُّ ((الواوُ)) من بين سائر أخواتها بأنها تَعطفُ آسماً على آسم لا
يكتفي به الكلامُ، نحو: ((اختصمَ زيدٌ وعمرٌو . اشتركَ خالدٌ وبكرٌ. جلست
بينَ سعيدٍ وسليمٍ)) ، فإنَّ الاختصامَ والاشتراكَ والبّينيّة من المعاني التي لا تقومُ
إلا باثنينٍ فصاعداً. ولا يجوزُ أن تقعّ الفاء ولا غيرها من أحرف العطف في
مثل هذا الموقع ، فلا يقالُ: ((اختصمَ زيدٌ فعمرٌو. اشتركَ خالدٌ ثمَّ بكرٌ .
جلستُ بينَ سعیدٍ أو سلیمٍ».
٥ - كثيراً ما تقتضي الفاء مع العطف معنى السّبيّة، إن كان المعطوف
بها جملةً، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ موسى، فقضَى عليهِ﴾ .
٢٥١

. . .... .... . . . ..

الباب الثاني عشر
حروف المعَانِي
الحرفُ على ضربينٍ : حرفٍ مَبنَّى ، وحرفٍ معنَّى .
فحرفُ المبنَى : ما كان من بِنيةِ الكلمة . ولا شأنّ لنا فيه .
وحرفُ المعنى : ما كان لهُ معنّى لا يظهر إلا إذا انتظمَ في الجملة :
كحروف الجرِّ والاستفهامِ والعطفِ، وغيرها .
وهو قسمانِ : عاملٌ وعاطلٌ .
فالحرفُ العاملُ: ما يُحدِثُ إعراباً ( أي تغيُّراً) في آخر غيره من
الكلمات .
والحروفُ العاملةُ هي: حروفُ الجرّ، ونواصبُ المضارع، والأحرفُ
التي تجزمُ فعلاً واحداً، وإن وإذْ ما (اللَّتان تجزمانٍ فعلينٍ)(١)، والأحرف
المشبَّهُ بالفعل (التي تنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبر) ولا النافيةُ للجنس (التي
تعملُ عملَ ((إِنَّ))، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبر) وما ولا ولاتَ وإنْ (المُشبَّهاتُ
بلِيسَ في العمل، فترفعُ الاسمَ وتنصبُ الخبر). وقد سبق الكلام عليها.
(١) وبقية الأدوات التي تجزم فعلين أسماءً لا حروف، كَمَن وما ومهما ومتى وأخواتها.
٢٥٣

والحرف العاطلُ (ويُسمّى غيرَ العامل أيضاً): ما لا يُحدِثُ إعراباً في
آخرٍ غيرهِ من الكلمات ، كهَل وهَلََّّ ونَعَمْ ولولا، وغيرِها.
أنواع الحروف
الحروفُ بحسب معناها ، سواءٌ أكانت عاملةً أم عاطلةً ، واحد وثلاثون
نوعاً. وهي(١):
١ - أحرُفُ النّفي
وهي: ((لم ولمَّا))، اللَّتانِ تجزمانٍ فعلاً مضارعاً واحداً، و((لن))، التي
تنصب الفعل المضارع، و((ما وإن ولا ولات)).
فما وإنْ : تنفيانِ الماضي، نحو: ((ما جئتُ. إن جاءَ إلا أنا))، والحال
نحو: «ما أجلسُ. إن يجلس إلا أنا)).
وتدخلانِ على الفعل، كما رأيتَ، وعلى الاسم، نحو: ((ما هذا بشراً.
إن أحدٌ خيراً من أحدٍ إلا بالعافية)).
٠٫٠٠٫٠
و((لا)): تنفي الماضي، كقوله تعالى: ﴿فلا صدَّقَ ولا صَلَى﴾،
والمُستقبلَ كقوله: ﴿قُلْ لا أسألُكم عليهِ أجراً﴾.
و(لاتَ)): خاصَّةٌ بالدُّخولِ على ((حين)) وما أشبهَهُ من ظُروفِ الزمانِ،
نحو: ((ولاتَ حينَ مناصٍ))، وكقول الشاعر: «نَدِمَ الْبُغاةُ ولاتَ ساعةً مَندَمٍ»
وهي بمعنى ((ليسَ)).
٠٠٠١ ٠٠ ٨-٢٠٠٠/٨
......... ......... .... .
١ - تنبيه ورجاء
قد توسعنا بعض التوسع في شرح الحروف التي لا عمل لها وذكرنا لكل واحد منها مثالاً أو
أكثر. وأما الحروف العاملة فلم نذكر لها أمثلة ولم نشرحها - اعتماداً على أن الطالب قد عرفها
بأمثلتها في مواضع من هذا الكتاب. فالرجاء من الأستاذ الكريم أن يطالب الطلاب بشرحها
والإِتيان بأمثلة لها .
٢٥٤
-
٫٠٠٠٠٠٫٠٠ ٠٠٠٠٠٠
..<. "
" ... .٠٠٠

٢ - أحرُفُ الْجَواب
وهي: ((نَعَمْ وبَلَى وإي وأجل وجَيرٍ وإنَّ ولا وكلاً)).
ويُؤتى بها للدلالةِ على جملة الجواب المحذوفة ، قائمةً مَقامها . فإِن
قيلَ لكَ: ((أتذهبُ؟))، فقلتَ: (نَعَمْ))، فالمعنى: نعَمْ أَذهبُ. فَنَعَمْ سادَّةٌ مَسَدَّ
الجواب، وهو ((أَذهبُ)).
و ((أجل)): بمعنى ((نَعْم)) وهي مثلُها: تكونُ تصديقاً للمُخبر في أخبارهِ
كأن يقول قائلٌ: حضرَ الأستاذُ، فتقولُ: نَعَمْ، تُصدِّقُ كلامهُ. وتكونُ لاعلامِ
المُستخبر، كأن يُقالَ: هِلْ حضرَ الأستاذُ؟ فتقولُ: نعم. وتكونُ لُوعِدِ الطالبِ
بما يَطلُبُ، كأن يقولَ لكَ الأستاذُ: ((اجتهِدْ في دروسكَ)) فتقول: ((نَعَم))، تَعِدُهُ
بما طلبَ منك .
و((إي)): لا تُستعملُ إلا قبل القسمِ، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِي إِنَّهُ
لَحَقٌّ﴾. ((إي)): توكيد للقسم، والمعنى نعم وربي .
وبين ((بلى ونعمْ وأجل)) فرقٌ. فَبَلى. تختصُّ بوقوعها بعدَ النَفي فتجعلُهُ
إثباتاً، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الذينَ كفروا أَنْ لن يُبعَثوا، قُل بَلَى وَرَبي
لَتُبَعَثُنَّ﴾، وقولِهِ: أَلستُ بِرَبّكُم؟ قالوا: ((بَلَى))، أي: بَلى أنتَ ربُّنا. بخلاف
(نَعَمْ وأجلْ)) فإنَّ الجوابَ بهما يتبعُ ما قبلَهما في إثباتهِ ونفيهِ ، فإن قلتَ
لرجلٍ : ((أَليسَ لي عليكَ ألفُ دِرهَمٍ؟)) فإن قالَ: ((بَلَى)) لزمَهُ ذلكَ، لأنَّ
المعنى ((بَلَى لَكَ عليَّ ذلكَ)) وإن قال: ((نَعَمْ)) أو ((أَجَلْ)) لم يَلزمهُ، لأنَّ
المعنى (( نَعَمْ ليسَ لكَ عليّ ذلك)» .
و(جَيْرِ)): حرفُ جوابٍ، بمعنى: ((نَعَمْ)). وهو مبنيٌّ على الكسر. وقد
يُبنى على الفتح. والأكثرُ أن يقعَ قبلَ القَسَم، نحو: ((جيرٍ لأفعلنَّ))، أي :
٢٥٥
:

((نَعَم واللّهِ لأفعلنَّ)). ومنهم من يجعله اسماً، بمعنى: ((حقً) قال الجوهريُّ
.في صِحاحه : ((قولهم: جيرٍ لآتينَّك، بكسر الراءِ: يمينٌ للعرب)» بمعنى :
((حقاً)).
و((إنَّ)): حرفُ جوابٍ، بمعنى: ((نَعَمْ))، يقال لك: ((هل جاءَ زُهَيرٌ؟))
فتقولُ: ((إنَّهُ))، قال الشاعر:
بَكَّرَ الْعَوادِلُ
،
في
الصبو
وَأَلُومُهُنَّهْ
يَلُمْنَنُني
شَيْبُ قَدْ عَلَاً
:
ويَقُلْنَ
كَ، وَقَدْ كَبِرْتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهْ
والهاءُ ، التي تلحقه ، هي هاءُ السَّكت ، التي تُزادُ في الوقف ، لا هاءُ
الضمير ولو كانت هاء الضمير لثبتت في الوصل ، كما تثبتُ في الوقف .
وليس الأمرُ كذلك، لأنك تحذفها إن وصلتَ، يقال لك: ((هل رجعَ
أسامةُ؟)) فتقولُ: ((إنَّ)) يا هذا، أي: نعم، يا هذا قد رجع. وأيضاً قد يكون
الكلام على الخطاب أو التكلم ، والهاء هذه على حالها، نحو: ((هل
رجعتم؟))، فتقولُ: ((إنَّهُ))، وتقولُ: ((هل نمشي؟)) فتقول: {إِنَّهُ)). ولو كانت
هذه الهاء هاء الضمير ، وهي للغيبة ، لكان الكلامُ فاسداً .
و((إنَّ))، الجوابيّةُ هذه، منقولةٌ عن ((إنَّ)) المؤكدة، التي تنصبُ الاسمَ
وترفع الخبر ، لأنَّ الجوابَ تصديقٌ وتحقيق ، وهما والتأکید من باب واحد .
و((لا وكلاً)): تكونانِ لنفي الجواب. وتُفيدُ ((كُلَّا»، مع النفي، رَدَعَ
المُخاطبِ وزجرَهُ. تقولُ لِمْن يُزَيِّنُ لك السوء ويُغرِيكَ بإتيانِهِ: ((كَلَّ)»، أي،
لا أُجِيبُكَ إلى ذلك، فارتدْع عن طلبك .
٢٥٦
٣٠٠٠: ٠٠٠٠

وقد تكونُ ((كَلَّ)) بمعنى: ((حَقّاً))، كقولهِ تعالى: ﴿كلَّاَ، إِنَّ الإِنسانَ
لَيَطْغَى أَنْ رآه استغنى ﴾.
٣ - حرفا التفسير
وهُما: ((أَيْ وأنْ)). وهُما موضوعانٍ لتفسيرِ ما قبلهما، غير أنَّ ((أَيْ))
تُفسِّرُ بها المفرداتُ، نحو: ((رأيتُ ليثاً، أي: أسداً))، والجُمَلُ ، كقول
الشاعر :
وَتَرْمِينَني بِالطَّرْفِ ، أَيْ، أَنتَ مُذْنِبٌ
وَتَقْلينني، لَكِنَّ إِيَّاكِ لا أقلي
وأمّا ((أنْ)) فتختصُ بتفسير الجُمْلِ. وهي تقعُ بينَ جملتينِ ، تتضمَّنُ
الأولى منهما معنى القولِ دونَ أحرفِهِ ، كقوله تعالى: ﴿فأوحينا إليه، أن
أصنَعِ الفُلكَ﴾، ونحو: ((كتبتُ إليه، أن أحضرْ)).
٤ - أحرُفُ الشَّرْطِ
وهي: ((إنْ وإذْ ما )) الجازمتانِ، و((لَوْ ولولا ولوما وأمّا ولمَّا)).
و ((لَوْ)) على نوعين :
٠ ...
١ - أن تكونَ حرفَ شرطٍ لِمَا مضى، فَتُفيدُ أمتناعَ شيءٍ لامتناعِ
غيرهِ . وتُسمّى حرفَ أمتناع لامتناع، أو حرفاً لِما كانَ سيقعُ لوقوعٍ غيره .
فإن قلتَ: ((لو جئتَ لأكمرتُكَ))، فالمعنى : قد أمتنعَ إكرامي إياكَ لامتناع
مجيئك، لأنَّ الإِكرامَ مشروطٌ بالمجيءٍ ومُعلَّقٌ عليه. ولا يَليها إلَّ الفعلُ
الماضي صيغةً وزماناً، كقوله تعالى: ﴿ولو شاءَ رَبُّكَ لجعلَ الناس أُمَةً
واحدةً ﴾ .
٢٥٧

٢ - أن تكون حرفَ شرطٍ للمستقبل، بمعنى ((إنْ)). وهي حينئذٍ لا تُفيدُ
الامتناع، وإنما تكونُ لمجرَّد ربطِ الجوابِ بالشرط ، كإنْ ، إلاّ أنها غيرُ
جازمةٍ مثلَها ، فلا عملَ لها ، والأكثرُ أن يَليها فعلٌ مُستقبلٌ معنّى لا صيغةً ،
كقوله تعالى: ﴿ولَيَخْشَ الذينَ لو تركوا مِن خلفهم ذُرِّيَّةً ضعافاً خافوا
عليهم﴾، أي: ((إنْ يَتركوا)) وقد يَليها فعلٌ مستقبلٌ معنَّى وصيغةً: ((لو
تزورُنا لسُرِرنا بلقائكَ))، أي: ((إن تَزُرْنا)).
وتحتاجُ ((لو)) بنوعيها إلى جواب، كجميع أدواتِ الشرطِ. ويجوزُ في
جوابها أن يقترنَ باللام، كقوله تعالى: ﴿لو كانَ فيهما آلهةُ إِلَّ اللّهُ
لَفسدَتَا﴾، وأن يتجرَّدَ منها، كقوله تعالى: ﴿ولو نشاءُ جعلناهُ أُجاجاً﴾،
وقولهِ: ﴿ولو شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلوهُ﴾. إلَّ أن يكون مضارعاً منفيّاً، فلا يجوز
اقترانُهُ بها، نحو: « لو اجتهدتَ لم تَندَم)».
و(لولا ولوما))، حرفا شرطٍ يَدُلانِ على امتناعِ شيء لوُجودِ غيرِهِ. فإن
قلتَ: ((لولا رحمةُ اللّهِ لَهَلْكَ الناسُ)) و(( لَوما الكتابةُ لَضاعَ أكثرُ العلمِ»،
فالمعنى أنه أمتنعَ هَلاكُ الناسِ لوجودِ رحمةِ اللهِ تعالى، وامتنعَ ضياع أكثرٍ
العلم لوجود الكتابة .
وهما تُلْزَمانِ الدخولَ على المبتدأ والخبر، كما رأيتَ. غيرَ أَنَّ الخبرَ
بعدهما يُحذَفُ وجوباً في أكثرِ التراكيبِ. والتقديرُ: « لولا رحمةُ اللّهِ حاصلةٌ
أو موجودةٌ» و«لولا الكتابة حاصلة أو موجودة)».
وتحتاجان إلى جوابٍ، كما تحتاجُ إليه (لو)). وحكمُ جوابهما كحكم
جوابها، فيقترنُ باللام، كما رأيتَ، أو يُجرَّدُ منها، نحو: (( لولا كرمُ
أخلاقِكَ ما علَوتَ)) ، ويمتنعُ من اللام في نحو :
٢٥٨
٠ ٨٠٥ *:*** 2

(( لولا حُبُّ العلمِ لم أغتربْ)» لأنه مضارع منفيٌّ .
و((أمّا)) بالفتح والتشديدَ، حرفُ شرطٍ يكونُ للتّفصيل أو التوكيد . وهي
قائمةٌ مَقامَ أداة الشرط وفعلِ الشرط . والمذكورُ بعدَها جواب الشرط، فلذلك
تَلزَمُه فاءُ الجواب للرَّبط. فإن قلتَ: ((أَمّا أنا فلا أقولُ غيرَ الحقِّ)) فالمعنى:
«مهما يكنْ من شيءٍ فلا أقولُ غيرَ الحقِّ)».
أمّا كونُها للتفصيلِ فهو الأصلُ فيها ، كقوله تعالى: ﴿فأمّا اليتيم فلا
تقهَرْ، وأمّا السائل فلا تَنْهَرْ، وأمّا بنعمةِ ربِّكَ فحدِّثْ﴾.
وأمّا كونُها للتأكيد، فنحوُ أن تقولَ: ((خالدٌ شجاٌ))، فإن أردتَ توكيدَ
ذلكَ، وأنّهُ لا محالةَ واقعٌ، قلتَ: ((أمّا خالدٌ فشجاٌ)). والأصلُ: (( مهما
يكن من شيءٍ فخالدٌ شجاع)».
(( ولمّا): حرفُ شرطٍ ، موضوعٌ للدلالةِ على وجودِ شيءٍ لوجودِ
غيرهِ . ولذلك تُسمّى : حرفَ وُجودٍ لوجودٍ. وهي تختصُّ بالدخول على
الفعل الماضي . وتقتضي جُملتينِ، وُجِدَتْ أُخراهما عند وجود أولهما.
والأولى هي الشرطُ، والأخرى هي الجوابُ، نحو: ((لَمَّا جاءَ أكرمتُهُ)).
وتحتاج إلى جوابٍ، لأنها في معنى أدواتِ الشرط . ويكونُ جوابها فعلًا
ماضياً ، كما رأيتَ ، أو جملةً أسميّةً مقرونةً بإذا الفجائيّة ، كقوله تعالى :
﴿ فلمّا نجّاهم إلى البُرِّ إذا هم يشركونَ﴾، أو بالفاءِ، كقوله تعالى: ﴿فلما
نجاهم إلى البرِّ فمنهم مُقتصدٌ﴾.
ومن العلماءِ من يجعلها ظرفاً للزمان بمعنى ((حين))، ويضيفها إلى جُملةٍ
الشرطِ وهو المشهورُ بينَ المُعرِبينَ، والمحقَّقُونَ على أنها حرفٌ للرَّبط .
٢٥٩

٥ - أَحْرُفُ النَّحْضيضِ وَالْتَنْدِيمِ
وهي: ((هَلَّ وَأَلَّ ولوما ولولا وألا)).
والفرقُ بينَ التحضيضِ والتّندِيمِ ، أنَّ هذه الأحرفَ ، إن دخلت على
المضارع فهيَ للحضَّ على العملِ وتركِ التهاوُنِ به، نحو: (( هَلَّ يرتدعُ فلانٌ
عن غيّه. أَلَا تَتُوبُ من ذنبِك. لولا تستغفرونَ اللّهَ. لو ما تأتينا بالملائكة.
ألا تُحبُّون أن يغفرَ اللّهُ لكم)). وإن دخلت على الماضي كانت لجعلٍ
الفاعلِ يندَمُ على فواتِ الأمر وعلى التّهاون به، نحو: ((هلّ أجتهدتَ))،
تُقرِّعهُ على إهمالهِ، وتُوبِّخهُ على عدَم الاجتهاد ، فتجعلهُ يندَمُ على ما فَرَّطَ
وضيَّع. ومنهُ قولهُ تعالى: ﴿فلولا نَصَرَهُم الذين اتخذوا من دُونِ اللّهِ قُرَنَاءَ
آلهةً﴾ .
٦ - أحرُفُ الْعَرْضِ
العَرضُ : الطَّلبُ بلينٍ ورفقٍ، فهو عكسُ التّحضيض ، لأنَّ هذا هو
الطلبُ بشدّةٍ وَحثٍ وإزعاجٍ
٠
وأحرفهُ هيَ: ((ألا وأمَا ولوْ))، نحو: ((أَلا تَزُورُنا فنأنس بكَ. أما تَضِيفُنا
فتلقى فينا أهلاً. لو تُقيم بيننا فتُصِيبَ خيراً)).
وقد تكونُ ((أمَا)) تحقيقاً للكلام الذي يَتلوها، فتكونُ بمعنى ((حَقّاً))، ((أَمَا
إِنّهُ رجلٌ عاقلٌ)) تعني أنهُ عاقلّ حقاً .
٧ - أَحْرُفُ التّنبيهِ
وهي: ألا وأمَا وها ويا)) .
فـ ((ألا وأمَا)): يُستفتَحُ بهما الكلامُ، وتُفيدانِ تنبيهَ السامع إلى ما
٢٦٠

يُلقى إليه من الكلامِ. وتُفيدُ ((ألا))، معَ التنبيه، تَحقُّقَ ما بعدَها، كقوله
تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَولياءَ اللّهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾.
واعلم أَنَّ ((أَلا وأَمَا)). معناهما التنبيهُ، ومكانُهما مُفتَتَحُ الكلام.
و((ها)): حرفٌ موضوعٌ لتنبيهِ المُخاطَب. وهو يدخلُ على أربعة
أشياء :
١ - على أسماءِ الإِشارةِ الدَّالةِ على القريب، نحو: ((هذا وهذه وهذّين
وهاتّينٍ وهؤلاء))، أو على المتوسطِ، إن كان مُفرداً، نحو: ((هذاكَ)). أَمّا
على البعيدِ فلا .
ويجوزُ الفصلُ بينهما بكافِ التشبيهِ ، كقوله تعالى: ﴿فلما جاءَت قيل
أهكذا عَرَشُكِ؟﴾، وبالضميرِ المرفوعِ ، كقولهِ: ﴿ها أنتم أولاءٍ﴾، ونحو:
((ها أنا ذا. ها أنتما ذانٍ. ها أنتِ ذي)).
٢ - على ضميرِ الرفع، وإن لم يكن بعدَهُ اسمُ إشارةٍ ، كقول الشاعر :
فَها أَنا تائِبٌ مِن حُبِّ لَيْلى
فَمَا لَكَ كُلَّمَا ذُكِرَتْ تَذوبُ؟!
غيرَ أنها ، إن دخلت على ضمير الرفع ، فالأكثرُ أن يَلِيَهُ اسمُ الإِشارةِ ،
نحو: (( ها أنا ذا. ها نحنُ أُولاءٍ. ها أنتم أُولاءٍ. ها هو ذا . ها هما ذانٍ.
ها هم أولاءٍ. ها أنتماتانِ يا أمرأتان)).
٣ - على الماضي المقرون بقد، نحو: ((ها قد رجعتُ)).
٤ - على ما بعدَ ((أيٍّ)) في النداءِ، كقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الإِنسانُ ما
غَرَّكَ بربكَ الكريم. يا أيّتُها النفسُ المُطمئنَةُ أرجعي إلى ربكِ راضيةً
٢٦١

مرضيّةً﴾ وهي تلزمُ في هذا الموضع وجوباً، للتنبيهِ على أَنَّ ما بعدَها هو
المقصودُ بالنداءِ .
و((يا)) أصلُها حرفُ نداءٍ . فإن لم يكن بعدَها مُنادىٌّ ، كانت حرفاً يُقصَدُ
بهِ تنبيهُ السامع إلى ما بعدها. وقيلَ: إن جاءَ بعدها فعلُ أمرٍ فهي حرفُ
نداءٍ ، والمنادَى محذوفٌ، كقولهِ تعالى: ﴿أَلا يا آسجُدوا﴾، والتقديرُ :
(( ألا يا قومُ آسجدوا)). وإلا فهيَ حرفُ تنبيه، كقوله: ﴿يا ليتَ قومي
يعلمون﴾، وكحديث: (( يا رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةُ يوم القيامةِ)). ومنه
قول الشاعر :
يا لَعْنَةُ اللّهِ وَالأَقْوامِ كُلِّهِمِ
وَالصَّالِحِينَ عَلى سَمْعَانَ مِنْ جارٍ (١)
والحقُّ أنها حرفُ تنبيهٍ في كلِّ ذلك .
٨ - الأَحْرُفُ الْمَصْدَرِيَّةُ
وتسمّى : الموصولاتِ الحرفيّةَ أيضاً(٢) وهي التي تجعل ما بعدَها في
تأويل مصدر . وهي: ((أن وأَنَّ وكي وما ولو وهمزةُ التّسوية)»، نحو: ((سرَّني أن
تُلازِمَ الفضيلةَ. أُحِبُّ أَنكَ تجتنبُ الرَّذيلةَ. إرحمْ لكي تُرَحْمَ. أَوَذُّ لو تجتهدُ .
واللّهُ خلقكُمُ وما تعملون. سواءً عليهم أَأَنذرتهم أم لم تُنذِرهم)).
والمصدر المؤول بعدها يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، بحسب
العاملِ قبلَهُ .
(ففي المثال الأول مرفوع ، لأنه فاعل. وفي المثال الثاني منصوب ،
(١) يا: حرف تنبيه. ولعنة: مبتدأ. خبره الجار والمجرور: ((على سمعان)).
(٢) يسمى الحرف المصدري: موصولاً حرفياً، لأنه يوصل بما بعده فيجعله في تأويل مصدر .
٢٦٢
:
٠٠
:٠٫٠
..
٫٠٠٠
٠٠٠
٠٠٠ ٠ ٠٫٠٠
.. .
٠٠,٩
.. . . . " .. ........ ....... ....... ...... --. .... ....

لأنه مفعول به . وفي المثال الثالث مجرور باللام . وفي المثال الرابع منصوب
أيضاً ، لأنه مفعول به . وفي المثال الخامس منصوب أيضاً ، لأنه معطوف
على كاف الضمير في ((خلقكم)) المنصوبة محلاً، لأنها مفعول به . وفي
المثال السادس مرفوع، لأنه مبتدأ خبره مقدَّم عليه ، وهو سواء).
وتكونُ ((ما)» مصدريةٌ مجرَّدَةً عن معنى الظرفيّةِ، نحو: ((عَجِبتُ مما
تقولُ غيرَ الحقِّ))، أي: ((من قولك غيرَ الحقِّ)). وتكون مصدريةً ظرفيةٌ،
كقوله تعالى: ﴿وأوصاني بالصلاةِ والزَّكاةِ ما دُمتُ حيّاً﴾، أي: ((مُدَّةَ دَوامي
حَيّا)). فَحُذِفَ الظَّرفُ وَخَلفتهُ ((ما)) وصِلَتُها. ويكونُ المصدرُ المؤوَّلُ بعدها
منصوباً على الظرفية ، لقيامهِ مقامَ المُذَّةِ المحذوفةِ (وهوَ الأحسنُ)، أو يكون
في موضع جَرِّ بالإِضافة إلى الظّرف المحذوفِ .
وأكثرُ ما تقعُ ((لو)) بعدَ ((وَذَّ وَيَوَدُ))، كقوله تعالى: ﴿ وَدُوا لو تُدهِنُ (١)
فَيْدهنونَ. يَوَدُّ أحدُهم لو يُعمّرُ أَلْفَ سنةٍ﴾. وقد تقعُ بعد غيرهما كقول قُتَيلةً:
ما كانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنْتَ، وَرُبَّما
مَنَّ الْفَتى وهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ (٢)
أَي : ما كان ضَرَّكَ مَنُّكَ عليه بالعفو .
٩ - أحرُفُ الاسْتِقبال
وهي : ((السينُ ، وسوفَ، ونواصبُ المضارعِ ، ولامُ الأمرِ ، ولا
الناهية وإنْ، وإذْ ما الجازمتان)).
(١) أدهن يُدهنُ وداهنْ يداهنُ: نافق وراءى وصانع وخادع.
(٢) المغيظ، بفتح الميم: اسم مفعول من ((غاظه يَغيظه)).
٢٦٣

فالسينُ وسوفَ : تختصّانِ بالمضارعِ وتَمحضانِهِ الاستقبالَ(١)، بعدَ أن
كان يحتملُ الحالَ والاستقبالَ ، كما أَنَّ لامَ التأكيدِ تُخلِصُهُ للحالِ (٢) ، نحو:
((إِنَّ سعيداً لَيَكتبُ)).
والسينُ : تُسمّى حرفَ استقبال ، وحرفَ تنفيسٍ (أي: توسيعٍ) ، لأنها
تَنْقُلُ المضارعَ من الزمان الضيّقِ ، وهو الحالُ ؛ إلى الزمانِ الواسع وهو
الاستقبال . وكذلك (سوف))، إلا أنها أَطولُ زماناً من السين ، ولذلك يُسمُّونها
((حرفَ تسويفٍ)»، فتقولُ: ((سَيَشِبُّ الغلامُ، وسوفَ يَشيخُ الفتى))، لِقُربِ
زمان الشبابِ من الغلام وبُعدِ زمان الشيخوخةِ من ألفتى .
ويجبُ التصاقُهما بالفعلِ ، فلا يجوزُ أن يَفصلَ بينَهما وبينه شيءٌ .
وإذا أردتَ نفيَ الاستقبالِ أتيتَ بِلا، في مُقابلة («السين»، وبِلَنْ، في
مقابلة ((سوف))، نحو: ((لا أفعلُ))، تَنفي المستقبل القريب، ونحو: ((لن
أفعلَ )) ، تنفي المستقبلَ البعيد .
ولا يجوزُ أن يُؤتى بسوفَ و((لا)) معاً، ولا بسوفَ و(لن)) معاً، فلا يُقالُ:
((سوفَ لا أفعلُ)) ولا («سوف لن أفعلَ)) كما يقولُ كثيرٌ من الناسِ ، وبينهم
جَمَهَرةٌ من كتّابِ العصر.
١٠ - أَحْرُفُ التَّوْكِيد
وهي : ((إنَّ، وأَنَّ، ولامُ الابتداءِ ، ونونا التوكيدِ ، واللامُ التي تقع في
جواب القسم ، وقد )).
(١) أي: تجعلانه للاستقبال المحض وتخلصانه له. يقال: ((محضته النصح - من باب فتح - وأمحضته
إياه)»، أي : أخلصته له .
(٢) أي: تجعله للحال الخالص. يقال: ((أخلصته الحب وأخلصته له)).
٢٦٤

و((نونا التوكيد)): إحداهما ثقيلةٌ والأخرى خفيفةٌ . وقد اجتمعتا في قوله
تعالى: ﴿لَيُسجَنِنْ وَلَيَكُوناً(١) من الصّاغرين﴾ .
ولا يُؤكّدُ بهما إلا فعلُ الأمر، نحو: (( تَعلّمَنَّ))، والمضارعُ المُستقبلُ
الواقعُ بعدَ أداةٍ من أَدواتِ الطلب(٢)، ونحو: ((لِنجتهدَنَّ ولا نكسلَنَّ))،
والمضارع الواقعُ شرطاً بعدَ (إن)) المؤكّدةِ بما الزائدة، كقوله تعالى: ﴿فإمّا
يَنْزَغَنّكَ (٣) من الشيطانِ نزٌ فاستعِذْ بِاللّهِ﴾، والمضارعُ المنفيُّ بلا . كقوله :
﴿وَأَتَّقُوا فِتنةً لا تُصيبنَّ الذِّينَ ظَلموا منكم خاصّةً، والمُضارعُ المُثبتُ
المستقبلُ الواقِعُ جواباً لقسمٍ ﴾(٤) كقوله: ﴿تاللّهِ لأكيدَنَّ أصنامكم﴾. وتأكيدُهُ
في هذهِ الحالِ (٥) واجبٌ، وفي غيرها، ممّا تقدَّمَ ، جائزٌ .
و («لامُ القسم)): هي التي تقعُ في جواب القسمِ تأكيداً له ، كقوله
تعالى: ﴿تاللّهِ لقد آثرَك اللّهُ علينا﴾. والجملةُ بعدَها جوابُ القسم وقد يكونُ
القسمُ مُقدَّراً، كقوله سبحانه : ﴿ لقد كان لكم في رسولِ الله أُسوةٌ
حَسنةٌ ﴾.
وتختصُّ ((قد)) بالفعل الماضي والمضارع المتصرِّفينِ المُثبَتِينِ ويشترَطُ "
في المضارع أن يَتجرَّدَ من النواصب والجوازم والسينِ وسوف . ويُخطىءُ من
يقولُ: ((قد لا يذهب ، وقد لن يذهب)).
(١) يجوز أن تكتب نون التوكيد الخفيفة بالألف مع التنوين، كما رأيت. فإن وقفت عليها وقفت
بالألف. ويجوز أن تكتب بالنون ، وهو الشائع .
(٢) أدوات الطلب هي: ((لام الأمر ولا الناهية وأدوات الاستفهام والتمني والترجي والعرض
والتحضيض».
(٣) أي : تعتريك منه وسوسة تحملك على خلاف ما أنت مأمور به من كريم الأخلاق . وأصل معنى
النزغ : النخس والطعن والغرز .
(٤) فإن كان منفياً نحو: ((والله لا أفعل)) أو حالاً نحو: ((والله لتفعله الآن))، فلا يؤكد بها.
(٥) أي : تأكيد المضارع المثبت المستقبل، في حال وقوعه جواباً للقسم، واجب.
14
٢٦٥

( وقد شاع على ألسنة كثير من أدباء هذا العصر وعلمائه وأقلامهم دخول
((قد)) على ((لا)). ولم يسلم من ذلك بعض قدماء الكتاب وعلمائهم. وإنّ
((ربما) تقوم مقام ((لا)) في مثل هذا المقام، فبدل أن يقال: ((قد لا يكون))
مثلاً، يقال: ((ربما لا يكون))) .
ولا يجوزُ أن يُفضّلَ بينها وبينَ الفعل بفاصلٍ غيرِ القسم ، لأنها كالجُزءِ
منه ، أَمّا بالقسم فجائزٌ، نحو: ((قد واللّهِ فعلتُ)).
وهي ، إن دخلت على الماضي أفادت تحقيقَ معناهُ . وإن دخلت على
المضارع أفادت تقليل وقوعه ، نحو: (( قد يَصدُقُ الكذوبُ. وقد يجودُ
البخيل )) . وقد تُفيدُ التحقيق مع المضارع ، إن دلَّ عليه دليلٌ ، كقوله تعالى:
قد يَعلم اللّهُ ما أنتم عليه ﴾.
ومن معانيها التّوقُّعُ ، أَي: تَوَقُّعُ حصولٍ ما بعدها، أَي : أنتظارُ
حصولهِ، تقولُ: ((قد جاءَ الأستاذُ))، إذا كان مجيئُهُ مُنتظراً وقريباً، وإن لم
يجىء فعلاً، وتقولُ: ((قد يقدُمُ الغائبُ)). إذا كنتَ تَتَرَقّبُ قُدومَهُ وَتَتَوَقعُهُ
قريباً. ومن ذلك: ((قد قامت الصلاة))، لأنَّ الجماعة يتوقعون قيامها قريباً .
ومنها التقريبُ، أي: تقريبُ الماضي من الحالِ، تقولُ: ((قد قُمتُ
بالأمر»، لِتدُل على أنَّ قيامك بهِ ليسَ ببعيدٍ من الزمانِ الذي أنتَ فيه .
ومنها الكثيرُ ، نحو: ((قد نَرى تَقُلُّبَ وَجهِك في السماءِ)» .
وتُسمّى ((قد )) حرفَ تحقيقٍ ، أو تقليلٍ ، أو تَوقعٍ ، أو تقريب ، أو
تكثير ، حَسَبَ معناها في الجملة التي هي فيها.
١١ - حَرْفا الاستِفْهام
0
وهما: ((الهمزة وهل)).
فالهمزةُ: يُستفهَمُ بها عن المفُرَدِ وعن الجملةِ. فالأول نحو: ((أخالدٌ
٢٦٦
٠٠٫٤٥

شجاع أم سعيدٌ؟)). والثاني نحو: ((اجتهدَ خليلٌ؟))، تستفهمُ عن نسبة
الاجتهاد إليه. ويُستفهَمُ بها في الإِثباتِ، كما ذُكرَ، وفي النَّفي ، نحو:
(( ألم يسافر أخوك؟)).
و((هل)): لا يُستفهمُ بها إلا عن الجملة في الإِثبات، نحو: ((هلْ
قرأتَ النَّحوَ؟))، ولا يُقال: ((هَل لم تقرأهُ؟)). وأكثرُ ما يَليها الفعلُ، كما
ذُكرَ، وقلَّ أَن يَليها الاسمُ، نحو: ((هل عليٌّ مجتهدٌ؟)) .
وإذا دخلت على المضارع خَصَصتهُ بالاستقبال ؛ لذلك لا يُقالُ: ((هل
تسافرُ الآن؟)). ولا تدخل على جملة الشرط، وتدخلُ على جملة الجواب ،
نحو: ((إن يَقُم سعيدٌ فهل تقومُ؟)). ولا تدخلُ على ((إنَّ)) ونحوها لأنها للتوكيد
وتقرير الواقع ، والاستفهامُ ينافي ذلك .
١٢ - أحرُفُ التَّمَنِّي
وهي: ((ليتَ ولو وهل)).
فليتَ : موضوعةٌ للتّمني . وهو طلبُ ما لا طمعَ فيه ( أي المستحيل )
أو ما فيه عُسرّ ( أي ما كان عَسِرَ الحصولِ). فالأولُ نحو: ((ليت الشباب
يعودُ )) والثاني نحو: ((ليتَ الجاهلَ عالم)).
و((لو وهل)): قد تُفيدانِ التمني، لا بأصلِ الوضع، لأنَّ الأولى
شرطية والثانيةَ استفهاميةٌ. فمثالُ ((لو))، في التمني، قولهُ تعالى: ﴿لو أنَّ
تنا كَرَّةً فنكونَ من المؤمنينَ﴾ ومثالُ ((هل)) فيه قوله سبحانهُ: ﴿هل لنا من
شُفعاءَ فيشفعوا لنا﴾.
١٣ - حَرْفُ التَّرَجِّي وَالإِشْفاقِ
وهو : ((لعلَّ)). وهي موضوعةٌ للترجي والإِشفاقِ.
٢٦٧
:
.......