النص المفهرس
صفحات 761-780
١٤ -رُبَّ رُبَّ : تكونُ للتّقليلِ وللتّكثير، والقرينةُ هي التي تُعيّنُ المرادَ(١). فمن التقليل قولُ الشاعر . أَلَا رُبَّ مَوْلودٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَبِّ وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ(٢) أَبْوانٍ يُرِيدُ بالأول عيسى ، وبالثاني آدمَ، عليهما السلامُ. ومن التكثير حديثُ: ((يا رُب كاسِيةٍ في الدنيا عاريةٌ يومَ القيامةِ))، وقولُ بعضِ العرب عند أنقضاءٍ رَمضانَ: « يا رُبَّ صائمهِ لن يَصومَهُ: ويا رُبَّ قائمهِ لن يَقومُهُ» . وأعلم أنهُ يُقالُ: ((رُبَّ ورُبَّةَ ورُبّما ورُبَّتما)). والتاءُ زائدة لتأنيث الكلمة ، و((ما) زائدةٌ للتوكيد. وهي كافةٌ لها عن العمل. وقد تُخَفّفُ الباءُ، ومنه قوله تعالى: ﴿رُبَما يَوذُّ الذين كفروا لو كانوا مُسلمينَ﴾ . ولا تَجُرُّ (رُبَّ)) إلا النكرات، فلا تُباشِرُ المعارفَ. وأمّا قولهُ: ((يا رُبَّ صائمهِ، ويا رُبَّ قائمهِ)) المتقدِّمُ، فإضافة صائم وقائم إلى الضمير لم تُفدهما التعريفَ، لأنَّ إضافةً الوصف إلى معمولهِ غير محضةٍ ، فهي لا تُفيدُ تعريفَ المضاف ولا تخصيصَهُ، لأنها على نيّة الانفصال، ألا ترى أنك تقول: ((يا رُبَّ صائم فيه، ويا ربَّ قائم فيه)» . (١) وقال القوم: هي للتكثير دائماً. وقال قوم: هي للتقليل دائماً. وقال قوم: هي للتكثير كثيراً وللتقليل قليلاً. وقال قوم بالعكس. والحق ما ذكرناه. (٢) أصله: ((لم يلده)). بكسر اللام وسكون الدال. فاسكن اللام وفتح الدال اتباعاً لحركة الياء، ويجوز ضمها اتباعاً لحركة الهاء. وأجاز الصبان - في حاشيته على الأشموني - كسرها، على أصل التقاء الساكنين ، وعلى كل فهو مجزوم بسكون مقدّر منع منه حركة الاتباع للياء أو الهاء ، أو منع منه الكسرة التي جيء بها للتخلص من اجتماع الساكنين ، على رأي الصبان . ١٨٨ ٠١٠٠.٠٠٠٠ .... .... .... . ' ... . ... . : والأكثر أن تكون هذه النكرة موصوفة بمفردٍ أو جملة. فالأول نحو: (رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيته)). والثاني نحو: ((رُبَّ رجلٍ يفعل الخيرَ أكرمته)). وقد تكونُ غيرَ موصوفة، نحو: ((رُبَّ کریم جبانٌ)». وقد تَجُرُّ ضميراً مُنكَّراً(١) مُميّزاً بنكرةٍ. ولا يكونُ هذا الضميرُ إلَّا مُفرداً مُذَكَّراً. أما مُميّزُهُ فيكونُ على حسب مُراد المتكلم : مفرداً أو مُثَنِّى أو جمعاً أو مذكراً أو مؤنثاً، تقول: «رُبّهُ رجلًا. رُبّهُ رَجَلَينِ. رُبَّهُ رجالاً. رُبَّهُ أمرأةً. رُبّهُ آمرأتينٍ. رُبّهُ نساءً». قال الشاعر: رُبَّهُ فِتْيَةً دَعَوْتُ إلى ما يُورِثُ الْحَمَدَ دائباً، فأَجابُوا وسيأتي الكلامُ على محل مجرور ((رُبَّ)) من الإِعراب، في الكلام على موضع المجرور بحرف الجر. ١٥ و١٦ و١٧ - خَلا وَعَدا وحاشا خَلا وعدا وحاشا : تكون أحرف جرّ للاستثناء ، إذا لم يتقدَّمهنَّ ((ما)). وقد سبق الكلام عليهنَّ في مبحث الاستثناء . فراجعه . ١٨ - كَيْ كي: حرفُ جرّ للتعليل بمعنى اللام. وإنما تَجُرُّ ((ما ) الاستفهامية ، نحو: ((كَيْمَهْ؟))، نقولُ: ((كيمَ فعلت هذا؟))، كما تقولُ: «لمَ فعلته؟)). والأكثرُ استعمالُ ((لمهْ؟)) وتُحذَفُ أَلِفُ ((ما)) بعدَها كما تُحذَفُ بعدَ كلِّ جارٍ ، نحو: ((مِمَّهُ وعَلامِهْ وإلامَهْ)). وإذا وقَفُوا ألحقوا بها هاء (١) أي فيه معنى النكرة، وإن كان ضميراً. ويسميه الكوفيون ((الضمير المجهول))، لكونه لا يعود إلى شيءٍ مذكور قبله . ١٨٩ السكت ، كما رأيتَ . وإذا وصلوا حذفوها ، لعدم الحاجة إليها في الوصل . وقد تَجِرُّ المصدرَ المؤوّلَ بما المصدرية كقول الشاعر : إذا أَنتَ لَم تَنْفَعْ فَضُرَّ، فَإِنَّمَا يُرادُ الْفَتّى كَيْما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ ( فكي : حرف جر. وما : مصدرية، فما بعدها في تأويل مصدر مجرور بكي . أي : يراد الفتى للضر والنفع. ويجوز أن تكون ((كي)» هنا هي المصدرية الناصبة للمضارع. فما . بعدها . زائدة كافةً لها عن العمل). ١٩ - مَتى مَتِى : تكونُ حرفَ جرِّ - بمعنى : ((مِنْ)) - في لُغةِ ((هُذَيلٍ))، ومنهُ قولهُ: شَرِبْنَ بماء الْبَحْزِ، ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى نُجَجِ خُضْرٍ لَهُنَّ نئيجُ(١) ٢٠ - لَعَلَّ لَعَلَّ: تكونُ حرفَ جرِّ في لغة ((عُقَيلٍ)) وهي مبنيّةٌ على الفتح أو الكسر ، قال الشاعر: فَقُلْتُ آدْعُ أُخرَى وأرفَعِ الصَّوْتَ جَهْرَةً لَعَلَّ أَبِي الْمِغْوَارِ مِنْكَ قَرِيبُ وقد يُقال فيها ((عَلَّ)) بحذف لامِها الأولى. وهي حرفُ جرّ شبيهٌ بالزائد ، فلا تتعلَّقُ بشيءٍ . ومجرورها في موضع (١) شرين: الضمير يعود على السّحب. والباءِ في ((بماء)) بمعنى من. وقوله: متى لجج، أي: شربنا من ماءِ البحر من لحج، فالجارّ والمجرور بيان لماء البحر، وهو في موضع البدل منه واللجج جمع لجة، وهي معظم الماء. والنتيج: الصوت العالي. ١٩٠ ٠٠ ٠ .. ....... . .. رفعٍ على أنه مبتدأ . خبرهُ ما بعده . وهي عندَ غير ((عُقَيل)) ناصبةٌ للاسم رافعةٌ للخبر ، كما تقدَّم . ٢ - مَا الزَّائدَةُ بَعْدَ الجارِّ قد تُزادُ ((ما)) بعدَ ((من وعن والباء))، فلا تَكفِّهنَّ عن العمل، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطيئاتهم أُغرِقوا﴾، وقولهِ: ﴿عَمّا قَليلٍ ليُصبحنِّ نادمينَ ﴾، وقولهِ : ﴿ فَبما رَحمةٍ من الله لِنتَ لَّهُم ﴾ . . : وقد تُزادُ بعدَ ((رُبَّ والكافٍ)) فيبقى ما بعدَهما مجروراً، وذلك قليلٌ، كقول الشاعر : رُبَّما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقيلِ بَيْنَ بُصْرَى وَطَعْنَةٍ نَجْلاءٍ(١) وقول غيره : وَنَنْصُرُ موْلانا، وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا النَّاسِ، مَجْرومٌ عَلَيْهِ وجارٍمُ (٢) (١) الصقيل: المصقول، أي: المجلوّ. وقوله: بين بصري، أي بين جهاتها أو نواحيها. و((بين)) لا تضاف إلا إلى متعدد أو ما هو في حكمه . وهنا قد أضيفت إلى ما هو في حكمه . وطعنة : مجرور بالعطف على ضربة ، والنجلاء: الواسعة البينة الاتساع. وبصرى: بلدة بالشام كانت كرسيّ حوران، وكان يقام فيها سوق في الجاهلية. وهي التي قدمها النبي، 18 ، مرتين : مرة مع عمه أبي طالب، ومرة بتجارة لخديجة بنت خويلد، رضي الله عنهما ، قبل أن يتزوجها . (٢) المولى: ابن العم. و((ما)) في ((كما الناس))، زائدة غير كافة هنا، والناس مجرور بالكاف، والجار والمجرور خبر ((أن))، وهو خبر أول. ومجروم: خبر ثان. وجارم: معطوف عليه. ومجروم وجارم: من الجُرم، بضم الجيم، وهو الذنب والجناية، يقال: جرم على أهله. أي: جنى عليهم . والمعنى: هو كالناس. يُجنى عليه وتجني ، أي: يُذَنَب إليه ويُذنب وليست الواو هنا بمعنى: ((أو)) كما زعم العيني في شرح الشواهد، بل هي على معناها، كما رأيت. ١٩١ .... " ..... " .. " وإنما وجبَ أن تكونا هنا عاملتينٍ، غيرَ مكفوفتينٍ، لأنهما لم تُباشِرا الجملة، وإنما باشرتا الاسم . والأكثرُ أن تَكفّهما ((ما)) عن العمل، فيدخلانِ حينئذٍ على الجُمْلِ الاسميّة والفعليّة كقول الشاعر: أَخْ ماجِدٌ لَمْ يُخْزِني يَومَ مَشْهَدٍ كَمَا سَيْفُ عَمْرٍ وَلَمْ تَخُنْهُ مَضارِبُهُ (١) وقول الآخر : رُبَّما أَوْفَيْتُ فِي عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثَوْبِي شَمَالاتُ(٢) والغالب على ((رُبَّ)) المكفوفةِ أن تدخلَ على فعل ماضٍ ، كهذا البيت . وقد تدخلُ على فعل مضارع، بشرط أن يكونَ مُتَحقّقَ الوقوع ، فُيُنزّلُ منزلة الماضي للقطع بحصولهِ، كقولهِ تعالى: ﴿رُبّما يَودُّ الذين كفروا لو كانوا مُسلمينَ ﴾. ونَدَرَ دخولها على الجملة الاسميّة، كقول الشاعر: رُبَّما الْجَامِلُ الْمُؤَبَّلُ فِيهِمْ وَعناجيجُ بَيْنَهُنَّ الْمِهَارُ(٣ ٣ - واوُ رُبَّ وفاؤها قد تُحذَف ((ربَّ))، ويبقى عملُها بعد الواو كثيراً، وبعد الفاء قليلاً كقول الشاعر وهو امرىء القيس : (١) عمرو : هو عمرو بن معديكرب الزبيدي. وسيفه، هو الصمصامة المشهور. والمضارب : جمعُ مَضرب ، بكسر الراءِ وفتحها ، وهو حد السيف. (٢) أوفيت: نزلت. وأصله من أوفيتَ على الشيءِ: إذا أشرفتَ عليه. والعلم: الجبل . والنون في ترفعن: نون التوكيد الخفيفة. والشمالات، بفتح الشين : جمع شمال ، وهي الريح التي تهب من ناحية القطب . (٣) الجامل: القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه . والمؤبل من الإِبل، المتخذ للقنية . والعناجيج : الخيل الطوال الأعناق . والواحد عُنجوج ، بضم العين . والمهار : جمع مهر ، والأنثى مهرة . ١٩٢ . . .. ... وَلَيْلٍ كُمَوْجٍ الْبَحْرٍ، أَرْخِى سُدُولَهُ عَلَيِّ، بِأَنْواعِ الْهُمومِ، لِيَبتّلي وقولهِ : فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحْوِلٍ (١) ٤ - حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ قِياساً يُحذَفُ حرفُ الجرِّ قياساً في ستّة مواضع : ١ - قبلَ أنْ، كقوله تعالى: ﴿وَعَجِبوا أن جاءَهم مُنذَرٌ منهم﴾ ، أي : لإِنْ جاءهم ، وقولهِ : ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءكم ذِكرٌ من ربكم على رجلٍ منكم﴾ ، وقولِ الشاعر : اللّهُ يَعلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ وَلَ نَلَومُكُمُ أن لا تُحِبُّونا أي : على أن لا تُحبُّونا . ٢ - قبلَ أنَّ، كقولهِ تعالى: ﴿شهِدَ اللّهُ أَنهُ لا إله إلَّ هو﴾، أي : شَهِدَ بأنهُ . وأعلم أنهُ إنما يجوزُ حذفُ الجارِّ قبلَ ((أن وأنَّ))، إن يُؤْمَنِ اللَّسُ بحذفِهِ . فإن لم يُؤمَن لم يَجز حذفهُ، فلا يقالُ: ((رغِبتُ أن أفعلَ))، (١) طرقت: أتيت ليلاً. والتمائم: جمع تميمة، وهي التعاويذ التي يعلقونها على الصغار مخافة العين. والمحول: الذي أتى عليه الحول . ١٩٣ لإِشكالِ المراد بعدَ الحذفِ ، فلا يفهمُ السامعُ ماذا أردتَ: أَرَغبتك في الفعلِ ، أم رغبتّكَ عنه؟ فيجبُ ذكرُ الحرف ليتعيّن المرادُ ، إلَّ إذا كان الإِبهامُ مقصوداً من السامع . ٣ - قبلَ ((كي)) الناصبةِ للمضارع، كقولهِ تعالى: ﴿فَرددناهُ إلى أمهِ كي تَقرَّ عينُها﴾، أي : لكي تَقرَّ . وأعلم أن المصدرَ المؤوَّل بعد ((أنْ وأنَّ وكيْ)) في موضع جرَّ بالحرف المحذوف ، على الأصحِّ . وقال بعض العلماءِ : هو في موضعِ النصب بنزعِ الخافض . ٤ - قبلَ لفظ الجلالة في القسم، نحو: (( اللّهِ لأخدمنَّ الأمةٌ خدمةٌ صادقةً )) أي : والله . ٥ - قبلَ مُميّز ((كم)) الاستفهامية، إذا دخل عليها حرفُ الجرِّ ، نحو: (بكم درهم اشتريتَ هذا الكتاب؟))، أي: بكم من درهم؟ والفصيحُ نصبُهُ، كما تقدَّم في باب التمييز، نحو: ((بكم درهماً اشتريته؟))(١). ٦ - بعدَ كلامٍ مُشتملٍ على حرف جرّ مثله ، وذلك في خمس صُور: الأولى: بعد جوابٍ استفهامٍ، تقول: ((مِمَّنْ أخذتَ الكتاب؟))، فيقالُ لك: ((خالدٍ)) ، أي : من خالد . الثانية: بعد همزةِ الاستفهام، تقولُ: ((مررتُ بخالدٍ))، فيقالُ: ((أخالدٍ ابنٍ سعيدٍ؟)) أي : أبخالدِ بنِ سعيد؟. الثالثة: بعدَ ((إن)) الشرطيّةِ، تقولُ: ((إذهبْ بِمِنْ شئتَ، إنْ خليلِ : (١) أما إذا لم يسبقها حرف جر، فنصبه واجب البتة، نحو: ((كم درهماً عندك؟))، كما عرفت ذلك في باب التمييز. ١٩٤ وإنْ حَسَنٍ )) أي: إن بخليلٍ ، وإن بحسنٍ . الرابعةُ: بعدَ ((هَلَّ))، تقولُ: ((تصدَّقتُ بدرهم))، فيقالُ: ((هَلَّا دينار))، أي : هلّ تَصدَّقتَ بدينار . الخامسة : بعد حرف عطفٍ مَتْلُوّ بِما يصحُ أن يكونَ جملةٌ ، لو ذُكرَ الحرفُ المحذوفُ، كقولك: ((لخالدٍ دارٌ، وسعيدٍ بُستانٌ))، أي: ولسعيد بستانٌ ، وقولِ الشاعر : ما لِمُحبِّ جَلَدٍ أَنْ يَهْجُرا حَبيبِ رَأْفةٌ فَيَجْبُرًا(١) وَلاَ وقول الآخر : أَخْلِقْ بِذي الصَّبْرِ أَنْ يَخْظى بِحاجتِهِ ومُدْمِنِ الْقُرْعِ لِلأبوابِ أَنْ يَلِجا أي : وبِمُدمنِ القرع. ومنهُ قوله تعالى: ﴿وفي خلقكم وما يَبُثُ من دابّةٍ آياتٌ لقومٍ يُوقنونَ، واختلافِ(٢) الليل والنهار وما أنزلَ اللَّهُ من السماءِ من رزقٍ ، فأحيا به الأرضَ بعد موتها ، وتصريفِ الرِّياح، آياتٌ لقومٍ يعقلون ﴾ . ٥ - حَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ سَماعاً قد يُحذَفُ الجارُّ سَماعاً، فينتصبُ المجرورُ بعدَ حذفهِ تشبيهاً لهُ بالمفعول به . ويُسمى أيضاً المنصوب على نزعِ الخافض ، أي: الاسمَ : (١) يجبر : منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالنفي. أي: فيجبر محبّة بالعطف عليه. (٢) أي: وفي اختلاف. فالجارّ المحذوف والمجرور المذكور في محل رفع خبر مقدم، وآيات بعده مبتدأ مؤخر. ١٩٥ ٠٠ ٠ ٠٫٠٠٠ الذي نُصب بسبب حذفِ حرفِ الجرِّ ، كقولهِ تعالى: ﴿ألا إنَّ ثمودَ كفروا ربِّهم﴾، أي: بربهم ، وقوله: ﴿وأختارَ موسى قومَهُ أربعينَ رجلاً ﴾ أي : من قومه ، وقولِ الشاعر : تَمُرُونَ الدِّيارَ وَلَمْ تَعُوجُوا عَلَيّ كَلَامُكُمُ حَرامُ إذاً ء أي : تَمُرُونَ بالديار ، وقول الآخر : أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ، فأفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذا مَالٍ وَذَا نَشَبٍ أي : أمرتُك بالخير ، وقول غيره : أَسْتَغْفِرُ اللّهَ ذَنبأَ لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ الْعِبادِ، إِلَيهِ الْوَجْهُ والعَمَلُ . أي : أستغفرُ اللّهَ من ذنب. ويُسمّى هذا الصنيعُ بالحذف والإِيصال، أي : حذفِ الجارِّ وإيصالٍ الفعل إلى المفعول بنفسهِ بلا واسطة . وقال قومٌ : إنهُ قياسي . والجمهورُ على أنهُ سماعيَّ . ونَذَرَ بقاءُ الاسمِ مجروراً بعد حذف الجارِّ ، في غير مواضع حذفهٍ قياساً. ومن ذلك قول بعضِ العربِ، وقد سُئلَ: ((كيف أصبحتَ؟)) فقال : (خيرٍ، إن شاءَ اللّهُ))، أي: ((على خير))، وقولُ الشاعر: إذا قيلَ: أيُّ النَّاسِ شرٌّ قَبِيلَةٌ أَشارَتْ كُلَيْبٍ بِالْأَكُفِّ الْأَصابِعُ أي : إلى كليب. ومثلُ هذا شُذوذٌ لا يُلتفتُ إليه . ١٩٦ : ٦ - أقسامُ حَرفِ الْجَرِّ حرفُ الجرِّ على ثلاثة أقسام : أصليّ وزائدٍ وشبيه بالزائد . فالأصليُّ: ما يحتاجُ إلى مُتَعلّق . وهو لا يُستغنى عنه معنَّى ولا إعراباً، نحو: (( كتبتُ بالقلم )». والزائدُ: ما يُستغنى عنه إعراباً، ولا يحتاجُ إلى مُتَعلَّق . ولا يُستغنى عنه معنَّى، لأنهُ إنما جيء به لتوكيد مضمونٍ الكلام، نحو: (( ما جاءنا من أحدٍ » ونحو: « ليس سعيدٌ بمسافرٍ )». والشَّبِيهُ بالزائدِ : ما لا يُمكن الاستغناءُ عنهُ لفظاً ولا معنى، غير أنهُ لا يحتاجُ إلى مُتعلّق . وهو خمسةُ أحرفٍ: ((رُبَّ وخَلاَ وعدا وحاشا ولَعَلَّ)). ( وسمي شبيهاً بالزائد لأنه لا يحتاج إلى متعلق. وهو أيضاً شبيه بالأصلي من حيث أنه لا يستغنى عنه لفظاً ولا معنى. والقول بالزائد هو من باب الاكتفاء، على حد قوله تعالى: ﴿ سرابيل تقيكم الحرّ﴾، أي : وتقيكم البرد أيضاً) . ٧ - مَواضِعُ زِيادَةِ الجارِّ ---- لا يُزادُ من حروفِ الجرّ إلا «من والبَاءُ والكافُ واللام)». وزيادتها إنما هي في الإِعراب ، وليستْ في المعنى، لأنها إنما يُؤتى بها للتّوكيدِ . أمّا الكافُ ، فزيادتها قليلةٌ جداً. وقد سُمعت زيادتها في خبر ((ليس))، كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيءٌ﴾، أي: ((ليس مثلَه ١٩٧ شيءٌ))، وفي المبتدأ، كقول الراجل: (لَواحِقِ الأقرابِ فيها كالْمَقَوْ))(١). وزيادتها سماعيّة . وأمّا اللامُ فتُزادُ سماعاً بينَ الفعل ومفعوله . وزيادتها في ذلك رديئةٌ . قال الشاعر : ومَلَكْتَ مَا بَيْنَ الْعِراقِ وَيَثْرِبِ مُلْكاً أَجارَ لِمُسْلِمٍ وَمُعاهِدٍ أي : أجار مسلماً ومعاهداً . وتُزادُ قياساً في مفعولٍ تأخّرَ عنه فِعلُهُ تقويةً للفعل المتأخر لضَعفهِ بالتأخّر، كقولهِ تعالى: ﴿الذينَ هم لربهم يَرهبون﴾، أي : ربهم يرهبون، وفي مفعول المشتقِّ من الفعل تقويةً لهُ أيضاً ، لأنَّ عملَهُ فَرعٌ عن عملٍ فعلهِ المشتقُّ هو منه، كقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهم﴾، أي : مصدقاً ما معهم، وقولهِ: ﴿ فَعّالُ لما يُريد﴾، أي : فَعّالٌ ما يريد وقد سبق الكلام عليها . وأمّا ((مِن)) فلا تُزادُ إلا في الفاعل والمفعول به والمبتدأ ، بشرط أن تُسَبَقّ بنفيٍ أو نهي أو استفهام بهل، وأن يكون مجرورها نكرةً . وزيادتها فيهنَّ قياسيّةٌ . ولم يشترط الأخفش تَقدُّمَ نفي أو شبههِ ، وجعل من ذلك قولهُ تعالى: ﴿ويكفّر عنكم من سيئاتكم﴾، وقولهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمسكنَ عليكم﴾. و(من)) في هاتين الآيتين تحتملُ معنى التبعيض أيضاً. وبذلك قال جمهور النَّحاة. وأقوى من هذا الاستشهاد الاستدلالُ بقوله تعالى: (١) اللواحق: الضوامر. والأقراب: الخواصر. والمفرد قُرب، بضمتين، وبضم فسكون، والمقق، بفتح الميم والقاف: الطول. والكاف زائدة، أي: فيها مققٌ، أي: طول . وهو يصف خيلاً. ١٩٨ ويُنَزِّلُ من السماءِ، من جبال فيها، من بَرَدٍ ﴾. فمن في قوله: (( من برد)» لا ريب في زيادتها، وإن قالوا: إنها تحتمل غيرَ ذلك، لأنَّ المعنى: أن يُنزِّلَ بَرَداً من جبالٍ في السماءِ(١). فزيادتها في الفاعل، كقوله تعالى: ﴿ما جاءَنا من بشير﴾. وزيادتها في المفعول ، كقوله : ﴿ تَحِسُّ منهم من أحد ﴾ . وزيادتها في المبتدأ ، كقوله : ﴿هل من خالقٍ غيرُ اللّهِ يَرْزُقُكم! ﴾ وأما الباءُ فهي أكثر أخواتها زيادةً . وهي تزادُ في الإِثباتِ والنفي . وتزاد في خمسةِ مواضعَ : ١ - في فاعل ((كفى))، كقوله تعالى: ﴿وكفى بالله وليّاً، وكفى بالله نصيراً ﴾ . ٢ - في المفعول به، سماعاً نحو: ((أخذتُ بزمامِ الفَرَس))، ومنه قولهُ تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التّهلُكةِ﴾، وقوله: ﴿وَهُزِّي إليكِ بِجِدعِ النَّخلة﴾، وقوله : ﴿ومَنْ يُرِدْ فيه بإلحادٍ ﴾، وقولهُ: ﴿فَطِفِقْ مَسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ ﴾. ومنهُ زيادتُها في مفعولِ ((كفى)) المُتعدِّيةِ إلى واحدٍ ، كحديثٍ : (((كفى بالمرءِ إثماً أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ )) . وتُزادُ في مفعولِ ((عَرَف وعَلِمَ - التي بمعناها - وَذَرَى وَجَهِلَ وسَمِعَ وأحسَّ)). (١) المراد بالسماء في الآية جهة العلو. والمراد بالجبال قطع السحاب العظيمة، كما في البيضاوي وغيره. و((من السماء)) للابتداء. و(من)) في قوله: ((من جبال)» للبيان، وموضع الجار والمجرور البدلية من الجار والمجرور قبله . فهو بدل بعض من كل . ١٩٩ ومعنى زيادتها في المفعول به سَماعاً أنها لا ؟تزادُ إلا في مفعول الأفعال التي سُمعت زيادتها في مفاعيلها ، فلا يُقاسُ عليها غيرها من الأفعال . وأمّا ما وَرَد ، فلك أن تَزِيدَ الباءَ في مفعوله في كل تركيب . ٣ - في المبتدأ، إذا كان لفظَ ((حَسْب)) نحو: ((بِحَسْبِكَ درهمٌ))، أو كان بعدَ لفظِ ((ناهيكَ))، نحو: ((ناهيكَ بخالدٍ شجاعاً))، أو كان بعدَ ((إذا)» الفُجائيّةِ، نحو: ((خرجتُ فإذا بالأستاذِ))، أو بعدَ ((كيف))، نحو: ((كيفَ بِكَ، أو بخليل، إذا كان كذا وكذا؟)). ٤ - في الحال المنفيِّ عاملُها. وزيادتها فيها سَماعيّةٌ، كقول الشاعر : فَما رجعَتْ بِخائِبَةٍ رِكابٌ حَكِيمُ بْنُ المسيِّبِ مُنْتَهاها وقول الآخر : كَائِنْ دُعيتُ إلى بَأْساءَ داهِمَةٍ فَما أَنبَعَنْتُ بِمَزءُودٍ وَلاَ وَكُلٍ (١) وجعلَ بعضهُم زيادَتها فيها مَقيسةٌ ، والذوقُ العربيُّ لا يأبى زيادَتها فيها . ٥ - في خبر ((ليسَ وما)) كثيراً، وزيادتها هنا قياسيّةٌ . فالأولُ كقوله تعالى: ﴿أَليسَ اللّهُ بِكافٍ عبدَه﴾، وقولهِ: ﴿أليسَ اللّهُ بأحكمٍ الحاكمين﴾. والثاني كقوله سبحانه: ﴿وما رَبُّكَ بِظلّامٍ للعبيد﴾، وقولهِ: وما اللّهُ بغافلٍ عمّا تعملونَ ﴾. -٠٠ .٠٠٠٠ وإنما دخلت الباءُ في خبر ((إنَّ)) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّ اللّهَ (١) المزؤُود: المذعور. زاده: أخافه وأذعره. والوكل، بفتحتين: العاجز الضعيف. ٢٠٠ الذي خَلَقَ السّمواتِ والأرضَ ، ولم يَعيَ بخلقهنَّ ، بقادرٍ على أنْ يُحِيَ المَوتى، بَلَى، إنّهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ﴾، لأنه في معنى ((أَوَلَيْسَ)) بدليلٍ أنهُ مُصَرِحٌ بهِ في قولِهِ عز وجلَّ: ﴿أَولَيس الذي خلقَ السمواتِ والأرضَ بقادٍ على أن يَخلُقَ مِثْلَهم، بَلَى، وهو الخلّاقُ العليمَ﴾. فائدتان ١ - قد يتوهّم الشاعر أنه زاد الباء في خبر ((ليس)) أو خبرِ ((ما)) العاملةِ عملها، فيعطف عليه بالجرِّ تَوَهُّماً ، وحقُّه أن ينصبَهُ، كقوله : بَدا لِيَ أَني لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى وَلَا سابقِ شَيْئاً، إذا كانَ جَائِيا وقول الآخر : أَحْقًّا، عِبادَ اللّهِ، أَنْ لَسْتُ صاعِداً عَلَيَّ رَقِيبُ وَلا هابطاً إِلَّ ولا سالِكٍ وَحدي، ولاَ في جَماعَةٍ مِنْ النَّاسِ، إِلَّ قيلَ: أَنتَ مُرِيبُ(١)! وقول غيره : مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةٌ وَلَا ناعِبٍ إِلَّ بِبَيْنٍ غُرابُها فالخفضُ في ((سابق وسالك وناعب)) على تَوهم وجود الباءِ في ((مدرك (١) مريب، بضم الميم: اسم فاعل من ((أراب الرجلُ يُريب)»: إذا أتى ما يوجب الريب فيه. وليس بفتح الميم ، اسم مفعول من ((رابني الأمرُ يَريبني)»: إذا جعلني في ريب ، كما توهم ذلك الصبان ، رحمه الله، في حاشيته على الأشموني . ٢٠١ وصاعد ومصلحين)). والجرُّ على التوهم سماعي لا يُقاس عليه . ٢ - وقد يُجرُّ ما حقهُ الرفعُ أو النصبُ، لمجاورتِهِ المجرورَ ، كقولهم : ((هذا جُحْرُ ضَبٍ خَرِبٍ))(١)، ومنه قولُ آمرىء القيس : كَأَنَّ ثَبيراً، في عَرانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلٍ (٢) ويُسمّى الجرَّ بالمُجاورة . وهو سَماعيٌّ أيضاً . ٨ - مُتَعَلَّقُ حَرْفِ الْجَرِّ الأَصْلِيِّ مُتَعلَّقُ حرفِ الجرِّ الأصليِّ: هو ما كانَ مُرتبطاً به من فعلٍ أو شَبهِ أو معناهُ. فالفعلُ نحو : ((وقفتُ على المِنبرِ)». وشِبهُ الفعلِ، نحو: ((أَنا كاتبٌ بالقلم)). ومعنى الفعل نحو: ((أُفٍّ للكُسالى)). ٠٠٠٠ وقد يتعلَّقُ باسمٍ مُؤوَّلٍ بما يُشبهُ الفعلَ، كقولهِ تعالى: ﴿وهو اللّهُ في السّموات وفي الأرض﴾، فحرفُ الجرِّ متعلقٌ بلفظ الجلالة لأنه مُؤْوَّلٌ بالمعبود ، أي : وهو المعبودُ في السموات وفي الأرض ، أو : وهو المُسمّى بهذا الاسم فيهما. ومثلُ ذلك أَن تقولَ: ((أنتَ عبدُ اللّهِ في كلِّ مكان))(٣) و((خالدٌّ لَيثٌ في كل موقعةٍ)» (٤). ومن ذلك قول الشاعر : (١) خرب: صفة لجحر. فحقه الرفع، لكنه جرّه لمجاورته لضب. (٢) ثبير: اسم جبل. والعرانين: جمع عرنين، وهو من كل شيءٍ أوله. والوبل: المطر القوي. والبجاد: الكساء المخطّط. ومزمل: مدثر ملفوف. وهو نعت لكبير، فحقه الرفع لكنه جرَّه لمجاورته لبجاد. (٣) أي: أنت المعروف أو المسمى بهذا الاسم. فحرف الجر متعلق بعبد الله . (٤) أي: هو شجاع في كل موقعة. فحرف الجر متعلق بليث . ٢٠٢ .... . وَإِن لِساني شُهْدَةٌ(١) يُشْفى بِها وَهُوَّ(٢) على مَنْ صَبَّهُ آللّهُ عَلْقَمُ(٣) فحرفُ الجرّ: ((على)) متعلق بعلقم، لأنه بمعنى «مُرّ))، وأراد به أنه صعب أو شديد. وقولُ الآخر : ما أُمُّكَ أَجتاحَت(٤) الْمَنايا فُؤَادٍ ◌ُلُّ عَلَيْكَ فحرف الجر متعلق بأم ، لأنها بمعنى ((مُشفِقٍ)). وقد يَتعلقُ بما يُشيرُ إلى معنى الفعلِ ، كأداةِ النفي، كقوله تعالى: ﴿ما أنتَ بنعمةِ ربكَ بمجنونٍ﴾. فحرفُ الجر في ((بنعمة)) مُتعلقٌ بما، لأنهُ بمعنى ((أنتفى)). وقد يُحذَفُ المتعلَّقُ. وذلك على ضربين : جائزٍ وواجبٍ . فالجائزُ أن يكون كوناً خاصاً ، بشرطِ أن لا يضيعَ الفهم بحذفه ، نحو : ((باللّه))، جواباً لمن قال لك: ((بِمَن تَستعينُ؟)). والواجبُ أن يكون كوناً عاماً، نحو: ((العلمُ في الصُّدور. الكتابُ الخليلٍ . نظرتُ نورَ القمر في الماءِ. مررت برجلٍ في الطريق)). ..... ....... (١) الشهدة، بضم الشين: العسل في شهده. ومثله ((الشهد)) بالفتح. (٢) هوَّ، بفتح الواو مشددة. وهي لغة همدان. وكذلك يفعلون في ((هي)) فيقولون: ((هيَّ))، كما قال الشاعر: والنفس - ما أمرت بالعنف - بية وهي، إن أمرت باللطف تأتمر (٣) العلقم: شجر مرّ. ويقال للحنظل ولكل شيءٍ مرّ. «علقم)). (٤) اجتاحت : أهلكت . ٢٠٣ . . ... ... .. . . ........ ................. ... . ....... ... ..... ...... ٩ - مَحِلُّ الْمَجْرُورِ مِنَ الإِعرابِ حكمُ المجرور بحرف جرّ زائدٍ أنهُ مرفوع المحلِّ أو منصوبهُ، حَسبَ ما يَطلبهُ العامِلُ قبلهُ. ( فيكون مرفوع الموضع على أنه فاعل في نحو: (( ما جاءنا من أحد )»، والأصل: ما جاءنا أحدٌ، وعلى أنه نائب فاعل في نحو: ((ما قيل من شيء)). والأصل: ما قيل شيءٌ. وعلى أنه مبتدأ في نحو: (( بحسبك الله))؛ والأصل : حسبُك الله، ويكون منصوب الموضع على أنه مفعول به في نحو: (( ما رأيت من أحد))، والأصل: ما رأيت أحداً. وعلى أنه مفعول مطلق في نحو: (( ما سعى فلان من سعي يُحمد عليه))، والأصل : ما سعى سعياً يُحمد عليه. وعلى أنه خبر ((ليس)) في نحو: (( أليس الله بأحكم الحاكمين))، والأصل : أليس الله أحكم الحاكمين ) . أمَّا المجرور بحرفِ جرّ شبيهٍ بالزائد، فإن كان الجارُّ ((خَلا وعَد! وحاشا))، فهو منصوب محلاً على الاستثناءِ . وإن كان الجارُّ ((ربَّ)) فهوَ مرفوع محلاً على الابتداءِ، نحو: ((رُبَّ غَنِيّ اليومَ فقيرُ غداً. رُبَّ رجلٍ كريمٍ أكرمتُهُ)). إلا إذا كان بعدها فعلٌ مُتعدٍّ لم يَأخذ مفعولهُ، فهو منصوبٌ محلاً على أنهُ مفعولٌ به للفعل بعدَهُ ، نحو: ((ربَّ رجلٍ كريمٍ أكرمتُ)). فإن كان بعدَها فعلٌ لازم ، أو فعلٌ متعدّ ناصبٌ للضمير العائد على مجرورها فهو مبتدأ ، والجملةُ بعدَهُ خبرهُ ، نحو: ((رُبَّ عاملٍ مجتهدٍ نَجَحَ. ربَّ تِلميذٍ مجتهدٍ أكرمتُهُ)). وأمّا المجرورُ بحرفِ جَرّ أصليّ فهو مرفوعٌ محلاً ، إن ناب عن الفاعل بعد حذفهِ، نحو: (( يؤخذُ بِيَدِ العاثرِ. جيءَ بالمُجرمِ الغارِّ))، أو كان في موضع خبر المبتدأ، أو خبرِ (( إنّ)) أو إحدى أخواتها، أو خبر ((لا)) النافية ٢٠٤ : للجنسِ، نحو: ((العلمُ كالنور. إن الفَلَاحَ في العمل الصالحِ - لا حَسَبَ كُسنِ الخُلْقِ )). وهو منصوب محلاً على أنهُ مفعولٌ فيه، إن كان ظرفاً، نحو (( جلستُ في الدار. سرتُ في الليل)) . وعلى أنه مفعولٌ لأجله غيرُ صريحٍ ، إن كان الجارّ حرفاً يُفيد التّعليلَ والسبيّة، نحو: (« سافرتُ للعلم، ونَصِبتُ من أَجلِهِ، وأَغتربتُ فيه)) . وعلى أنه مفعولُ مُطلَق، إن ناب عن المصدر، نحو: ((جرى الفرسُ كالرِّيح))(١). وعلى أنه خبرٌ للفعل الناقص ، إن كان في موضع خبره. نحو: (( كنت في دِمَشقَ )). وإن وقعَ تابعاً لِمَا قبلهُ كان محلُّهُ من الإِعراب على حسَب متبوعهِ ، نحو: ((هذا عالمٌ من أَهلِ مِصرَ. رأيتُ عالماً من أَهل مِصر. أخذت عن عالمٍ من أهل مِصر)). فإن لم يكن ، أي المجرور ، شيئاً ممّا تقدَّمَ كان في محلِّ نصبٍ على أنهُ مفعولٌ به غيرُ صريحٍ، نحو: ((مررتُ بالقومِ ، وَقفتُ على المِنبر . سافرتُ من بيروت إلى دمشقَ )). ٢ - الإِضافة الإِضافةُ : نِسبةٌ بينَ آسمين ، على تقديرِ حرفِ الجر، توجِبُ جرَّ الثاني أبداً، نحو: ((هذا كتابُ التلميذِ(٢). لَبِستُ خاتمَ فِضَّةِ(٣). لا يُقبلُ صِيامُ النهارِ ولا قيامُ اللَّيلِ (٤) إلا من المُخلِصينَ)). (١) أي جرى جرياً كجري الريح. فلما حُذف المصدر نابت عنه صفته . (٢) والتقدير: كتاب للتلميذ . (٣) والتقدير: خاتماً من فضة. (٤) والتقدير: الصيام في النهار والقيام في الليل. ٢٠٥ ويُسمّى الأوَّلُ مضافاً ، والثاني مضافاً إليهِ. فالمضافُ والمضافُ إليه : أسمانِ بينهما حرفُ جَرّ مُقدَّرٌ . وعاملُ الجرِّ في المضاف إليه هو المضافُ، لا حرفُ الجرّ المقدَّرُ بينهما على الصحيح . وفي هذا المبحث سبعةُ مَباحثَ : ١ - أنواعُ الإِضافةِ الإِضافةُ أربعةُ أنواع: لاميّةٌ وبَيانيّةٌ وظرفيةٌ وتشبيهيّةٌ . فاللاميّةُ: ما كانت على تقدير ((اللام)). وتُفيدُ المِلكَ أَو الاختصاصَ. فالأولُ نحو: ((هذا حصان عليّ)). والثاني نحو: ((أخذتُ بلجامِ الفرس )). والبيانيّة: ما كانت على تقدير (( مِن)). وضابطُها أن يكون المضاف إليه جنساً للمضاف ، بحيثُ يكونُ المضافُ بعضاً من المضافِ إليه ، نحو : (( هذا بابُ خشبِ . ذاك سِوارُ ذَهبِ. هذه أثوابُ صوفٍ)). ( فجنس الباب هو الخشب . وجنس السوار هو الذهب . وجنس الأثواب هو الصوف . والباب بعض من الخشب . والسوار بعض من الذهب . والأثواب بعض من الصوف . والخشبُ بَّن جنس الباب . والذهب بيّن جنس السوار. والصوف بَيَّن جنس الأثواب . والإِضافة البيانية يصح فيها الإِخبار بالمضاف إليه عن المضاف. ألا ترى أنك إن قلت: ((هذا البابُ خشبٌ، وهذا السوارُ ذهبٌ، وهذه الأثوابُ صوفٌ)) صح). والظّرفيةُ: ما كانت على تقدير ((في)). وضابطُها أن يكون المضاف إليه ٢٠٦ ...... .... : ظرفاً للمضاف . وتفيدُ زمانَ المضافِ أو مكانَه ، نحو: (( سَهَرُ الليلِ مُضنٍ : وقُعودُ الدارِ مُخْمِلٌ))(١). ومن ذلك أَن تقول: ((كان فلانٌ رفيقَ المدرسةِ، وإلفَ الصّبا ، وصديقَ الأيام الغابرة)). قال تعالى: ﴿يا صاحبَي السّجنِ﴾. والتشبيهيَةُ (٢): ما كانت على تقدير ((كاف التَّشبيهِ)). وضابطُها أن يُضافَ المُشبَّهُ بهِ إلى المشبَّه، نحو: ((أنتثرَ لُؤْلُؤُ الدمعِ علَى وَردِ الخُدودِ ))(٣) ومنه قول الشاعر ابن خفاجة : وَالرِّيحُ تَعَبَثُ بِالْغُصُونِ، وَقَدْ جَرَى ذَهَبُ الأصيلِ عَلى نُجَيْنِ الْمَاءِ (٤) ٢ - الإِضافةُ الْمَعنَويَّةُ وَالإِضافةُ اللَّفْظِيَّة تنقسمُ الإِضافة أيضاً إلى معنويةٍ ولفظية . فالمعنويّةُ : ما تُفيدُ تَعريفَ المضافِ أو تخصيصهُ . وضابطُها أن يكون المضافُ غيرَ وَصفٍ مُضافٍ إلى معمولِهِ . بأن يكون غيرَ وصف أصلاً: كمفتاحِ الدَّارِ ، أو يكونَ وصفاً مضافاً إلى غير معمولهِ : ككاتبِ القاضي ، ومأكولِ الناس ، ومشربهم وملبوسهم . وتفيدُ تعريفَ المضافِ إن كان المضافُ إليهِ معرفةً، نحو: ((هذا كتابُ سعيدٍ))(٥)، وتخصيصَهُ، إن كان نكرةً، نحو: ((هذا كتابُ رجلٍ))(٦). إلّ (١) أي السهر في الليل والقعود في الدار . (٢) لم نّر من النحاة من تعرّض لهذا النوع من الإضافة اللامية. غير أن جَعْلُهُ قسماً برأسه، كما فعلنا، أولى وأوضح . (٣) أي الدمع الذي کاللؤلؤ على الخدود التي كالورد. (٤) أي: الأصيل الذي كالذهب على الماء الذي كاللجين. والأصيل : الوقت بعد العصر حين تصفرّ الشمس ، فيشبه لون أشعتها لون الذهب . واللجين: الفضة . (٥) كتاب: اسم نكرة. فلما أضيف إلى المعرفة، وهو ((سعيد))، تعرّف. (٦) كتاب: اسم نكرة يصلح لأن يراد به كتاب رجل أو امرأة أو غلام أو غلامة. فلما أضيف إلى = ٢٠٧