النص المفهرس
صفحات 741-760
وأعلم أنَّ من حروفِ الجرِّ ما لفظُهُ مُشترَكٌ بينَ الحرفيّةِ والاسميّة ، وهو خمسةٌ: (( الكافُ وعن وعلى ومُذْ ومُنذُ)). ومنها ما لفظُهُ مُشتركٌ بينَ الحرفيّة والفعليّةِ، وهو: ((خلا وعدا وحاشا)). ومنها ما هو ملازم للحرفيّة، وهو ما بقي ، وسيأتي بَيانُ ذلك في مواضعِهِ . وسُمّيت حروف الجرّ، لأنها تَجرُّ معنى الفعل قبلَها إلى الاسم بعدها ، أو لأنها تجرُّ ما بعدَها من الأسماءِ، أي: تُخفِضُهُ. وتسمّى ((حروفَ الخفض)) أيضاً، لذلك. وتُسمّى أيضاً ((حروف الإِضافة ((، لأنها تُضيفُ معاني الأفعال قبلها إلى الأسماء بعدها :. وذلك أنّ من الأفعال ما لا يَقَوَى على الوصول إلى المفعول به ، فَقوَّوه بهذه الحروف، نحو: ((عجبتُ من خالدٍ، ومررتُ بسعيدٍ )). ولو قلتَ: ((عجبتُ خالداً. ومررتُ سعيداً))، لم يَجُز، لضعف الفعل اللازم وقُصورهِ عن الوصول إلى المفعول به ، إلاّ أن يَستعينَ بحروف الإِضافة . وفي هذا المبحث تسعةُ مَباحث . ١ - شرْحُ حُرُوفِ الجَرِّ ١ - الباءُ الباءُ: لها ثلاثةَ عشرَ معنّى : ١ - الإِلصاقُ: وهو المعنى الأصليُّ لها. وهذا المعنى لا يُفارُقها في جميع معانيها . ولهذا أقتصرَ عليه سيبويهِ . والإِلصاقُ إمّا حقيقيّ، نحو: ((أمسكتُ بِيدِكَ. ومسحتُ رأسي بيدي))، وإمّا مجازيٌّ، نحو: ((مررتُ بدارِكَ، أو بكَ))، أي : بمكانٍ يَقْرُبُ منها أو منكَ . ١٦٨ : . ... +ط.واے ٢ - الاستعانةُ، وهي الداخلةُ على المستعانِ به - أي الواسطة التي بها حصلَ الفعلُ - نحو: ((كتبتُ بالقلم، وبَرَيتُ القَلَمُ بالسكينِ)). ونحو: ( بدأتُ عملي باسمِ اللّه، فنجحتُ بتوفيقهِ)). ٣ - السّبيةُ والتَّعليلُ، وهي الداخلةُ على سبب الفعل وعلَّته التي من أجلها حصلَ، نحو: ((ماتَ بالجوعِ))، ونحو: ((عُرِفنا بفلانٍ)). ومنه قولهُ تعالى: ﴿فَكُلَا أَخَذْنا بذنبه ﴾، وقولهُ: ﴿فِما نقضِهم ميثاقَهِمْ لَعنّاهم ﴾. ٤ - التّعديةُ، وتُسمّى باءَ النّقلِ ، فهي كالهمزة في تصييرها الفعل اللازم متعدياً، فيصيرُ بذلك الفاعلُ مفعولاً، كقوله تعالى: ﴿ذهبَ اللّه بِنُورهم﴾، أي: أذهبهُ، وقولهُ: ﴿وآتيناهُ من الكُنوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَشُوءُ بالعُصبة أولي القوّة﴾، أي: لَتْنيءُ العُصبةَ وتُثقلُها. وهذا كما تقول: ((ناءً به الحملُ، بمعنى أثقلهُ)). ومن باءِ التّعدية قولهُ تعالى: ﴿ سُبحانَ الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾. أي سيّرهُ ليلاً (١). (١) السرى والإسراء: سير الليل. يقال منه: ((سرى يسري سرى - بضم ففتح - ومسرى - بفتح فسكون - سُرية - بضم فيكون - وسراية - بكسر السين - )). وسرى وأسرى بمعنى واحد. : والأخرى لغة الحجاز. وقد جاء بهما القرآن الكريم. وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: سرى ، لأول الليل، وأسرى لآخره. أما قوله تعالى: ﴿ سنحان الذي أسرى بعبده ليلاً ﴾ فذكر القبل، مع أنّ الإسراء لا يكون إلا ليلا، للتأكيد. وقال السعدوي في تفسيره : إنما قال (ليلا، والإسراء لا يكون إلا بالليل، لأن المدة التي أسري به فيها لا تُقطع في أقل من أربعين يوما، فقطعت في ليل واحد. وإنما عدل عن ((ليلة)) إلى ليل. لانهم إذا قاقوا ( سرى ليلة كان ذلك في الغالب لاستيعاب الليلة بالسرى، فقيل : « لا»، أي : " في ليل)). وقال الزمخشري في تفسيره: ((أراد بقوله: ((ليلا) بلفظ التفكير. تقليل مدة الإسراء وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام (وبيت المقدس من الشاه ) مسيرة أربعين ليلة . وذلك لأن التنكير قد دل على معنى البعضية . وقال نحو ذلك البيضاوي في تفسيره. والسرى يؤنث ويذكر . ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث - كما في لسان العرب - كانهم جعلوه جمع (( سُرْية))، بضم فسكون. وعلى تأنيثها شواهد من الشعر مذكورة في كتب اللغة . .٠ ١٦٩ ٥ - القسمُ، وهي أصلُ أحرُفهِ ، ويجوز ذكرُ فعلِ القسمِ معها ؛ نحو: ((أُقسم بالله)). ويجوزُ حذفُهُ، نحو: ((باللّهِ لأجتهدنَّ)). وتدخلُ على الظاهرِ، كما رأيتَ، وعنى المُضمر، نحو: ((بكَ لأفعلنَّ)). ٦ - العِوَضُ، وتسمى باء المقابلةِ أيضاً، وهي التي تَدُلُّ على تعويض شيءٍ من شيءٍ في مُقابلةِ شيءٍ آخرَ، نحو: (( بِعتُكَ هذا بهذا. وخُذِ الدار بالفرسٍ ». ٧ - البدَلُ، وهي التي تدلَّ على اختيار أحدِ الشيئينِ على الآخرِ ، بلا عِوَضٍ ولا مقابلةٍ، كحديث: ((ما يَسْرُني بها حُمْرُ النّعم))(١)، وقولِ بعضهم: (( ما يَسُرُّني أني شَهِدتُ بَدْراً بالعقبة)»(٢) أي: بَدَلها، وقول الشاعر : فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْماً إذا رَكِبُوا شَنُّوا الإِغارةَ فُرْساناً وَرُكْباناً ٨ - الظرفيّةُ - أي: معنى (في) - كقوله تعالى: ﴿لَقْد نَصَرَكُمْ اللّهُ بِيَدْرٍ . وما كنتَ بجانبِ الغربي. نجّيناهم بِسَحر . وإنّكم لتَمُرون عليهم مصبِحينَ وباللّيلِ ﴾ . ٩ - المصاحبةُ، أي: معنى ((مع)). نحو: ((بعتُكَ الفَرَسَ بسرجهِ، (١) الحمر: بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر وحمراء. و((النعم))، بفتح النون والعين الإِبل، يؤنث ويذكر والجمع ((أنعام)). ويجمع أيضاً على ((نعمان))، بضم فيكون، كحمَل وحُملان. والجمال الحمر هي أشرف الأموال عندهم . (٢) بدر: اسم ماءٍ، أو اسم بئر. وكان عندها واقعة بدر المشهورة . وأراد ببدر الواقعة نفسها، من اضلاق المكان وارادة ما حصل فيه مجازاً. والعقبة ، هنا : منزل في طريق مكة بين واقصة والقاع. وعندها كانت المبايعة المشهورة ببيعة العقبة. بايع الرسول * عندها جماعة من أهل المدينة قبل هجرته إليها. وهي غير عقبة ((ايلة)) التي على ساحل البحر الأحمر. وأصل معنى العقبة : المرتقى الصعب في الجبل . ١٧٠ والدارَ بأثاثها))، ومنه قوله تعالى: ﴿ إهبِطْ بسلام﴾. ١٠ - معنى (( مِن)) التَّبعيضيّةِ، كقولهِ تعالى: ﴿ عيناً يشربُ بها عبادُ اللّهِ﴾، أي: منها . ١١ - معنى ((عن))، كقوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيراً ﴾ ، أي : عنهُ، وقولِهِ : ﴿ سألَ سائلٌ بعذابٍ واقعٍ﴾، وقوله: ﴿يَسعى نورُهم بين أيديهم وبأيمانِهم ﴾ . ١٢ - الاستعلاءُ، أي معنى ((على)) كقوله تعالى: ﴿ومن أهلِ الكتابِ مَن إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطارٍ يُؤدِّهِ إليكَ﴾، أي: على قنطار ، وقولِ الشاعر : أَرَبَّ يَبُولُ الشُّعلُبانُ بِرَأْسِهِ لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بالتْ عَلَيْهِ الشَّعالِبُ (١) ١٣ - التأكيدُ، وهي الزائدةُ لفظاً، أي: في الإِعراب ، نحو: ((بِحَسِبِكَ ما فعلتَ))، أي: حَسْبُك ما فعلتَ. ومنه قوله تعالى: ﴿وكفى باللّهِ شهيداً﴾، وقولهُ: ﴿أَلم يعلم بأنَّ اللّهَ يرى﴾، وقوله: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التّهلُكة﴾، وقوله: ﴿أَليس الله بأحكم الحاكمين؟﴾. وسيأتي لهذه الباء فضلُ شرح . ٢ - مِنْ مِنْ : لها ثمانيةُ مَعانٍ : ١ - الابتداءُ، أي: ابتداءُ الغايةِ المكانّةِ أو الزمانيّةِ . فالأول كقولهِ (١) الثُعْلُبان، بضم الثاء وسكون العين وضم اللام: ذكر الثعلب، كالأفعوان لذكر الأفاعي ، والعقربان لذكر العقارب. والثعلب يطلق على الذكر والأنثى ، ويقال للأنثى أيضاً : ثعلبة. والأفعى للذكر والأنثى. والعقرب كذلك ، إلاّ أن الغالب عليها التأنيث. ١٧١ : تعالى: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ . والثاني كقوله: ﴿ لَمَسجِدٌ أُسسَ على التقوى من أَوَّلِ يومِ أَحَقُّ أَن تقومَ فيهِ﴾. وتَرِدُ أَيضاً لابتداء الغاية في الأحداث والأشخاص . فالأول كقولك: ((عجبتُ من إقدامك على هذا العمل))، والثاني كقولك: ((رأيتُ من زهير ما أُحبُّ)). ٢ - التّبعيضُ، أي: معنى (( بعض))، كقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البرَّ حتى تُنفقوا ممّا تُحِبُّونَ﴾ أي: بعضَهُ، وقولِهِ : ﴿ منهم من كلّمَ اللّهَ ﴾، أَي بعضُهم. وعلامتُها أَن يَخلُفَها لفظُ ((بعضٍ )). ٣ - البيانُ، أي: بيانُ الجنس، كقوله تعالى: ﴿واجتنبوا الرجس من الأوثانِ ﴾. وقوله: ﴿ يُحَلَّونَ فيها من أَساورَ من ذهبٍ ﴾. وغلامتُها أَن يصحّ الإِخبارُ بما بعدَها عمّا قبلها ، فتقول : الرجس هي الأوثانُ، والأساورُ هي ذهب . وأعلم أن ((من)) البيانيّةَ ومجرورَها في موضعِ الحال مما قبلَها ، إن كان معرفةً ، كالآية الأولى ، وفي موضع النّعتِ له إن كان نكرة ، كالآية الثانية، وكثيراً ما تَقَعُ ((من البيانيّةُ)) هذهِ بعد ((ما ومهما))، كقوله تعالى: ﴿ما يَفتَحِ اللَّهُ للناسِ من رحمةٍ فلا مُمسِكَ لها﴾، وقوله: ﴿ ما نْسَخْ من آيةٍ ﴾ ، وقوله : ﴿ مهما تأتِنا به من آية﴾. ٤ - التأكيدُ ، وهي الزائدة لفظاً ، أي : في الإِعراب ، كقوله تعالى : ﴿ ما جاءنا من بشيرٍ ﴾، وقوله: ﴿هل تُحسُّ منهم من أحدٍ ﴾، وقوله : ﴿هل من خالقٍ غيرُ اللّهِ﴾. وسيأتي لِمَنْ هذه فضلُ شرح. ٥ - البَدَلُ، كقولهِ تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياةِ الدُّنْيا من الآخرة﴾، أي ١٧٢ " ٥.٨٨٠ بَدلها، وقولهِ: ﴿لَجَعَلَ منكم ملائكةٌ في الأرضِ يَخَلُفون ﴾ أي : (( بَذَلكم))، وقولهِ: ﴿لن تُغني عنهم أموالُهم ولا أولادُهم من الله شيئاً﴾، أي : بَذَلَ اللّه، والمعنى: بَدَلَ طاعتِهِ أو رحمتهِ. وقد تقدَّم معنى البدل في الكلام على الباء .. ٦ - الظَّرفيّة، أي: معنى ( في )، كقوله سبحانه: ﴿ماذا خلقوا من الأرض ﴾، أي: فيها (١)، وقوله: ﴿إذا نُودي للصلاة من يوم الجمعة﴾، أي : في يومها . ٧ - السّبيّةُ والتعليلُ، كقوله تعالى: ﴿مِمّا خطيئاتِهم أُغرِقوا ﴾، قال الشاعر : يُغْضِي حَياءً، وبُغْضَى مِنْ مَهابَتْهِ فَما يُكَلَّمَ إِلَّ حِينَ يُبْتَبِـ ٨ - معنى ((عن))، كقولهِ تعالى: ﴿ فَوَيلٌ للقاسيةِ قُلوبُهم من ذِكر اللّه!﴾، وقولهِ: ﴿يا وَيلَنا! لَقَدْ كُنّا في غفلةٍ من هذا ﴾. ٣ - إلى إلى : لها ثلاثة معانٍ : ١ - الانتهاءُ، أي: أنتهاءُ الغايةِ الزمانيّة أو المكانيّة. فالأولُ كقولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصيامَ إلى الليل ﴾، والثاني كقولهِ: ﴿ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ﴾ . وترِدُ أيضاً لانتهاء الغاية في الأشخاص والأحداث . فالأولُ نحو: (١) ويجوز أن تكون ((من)) هنا لبيان الجنس، مثلها في قوله تعالى: ﴿ما تنمخ من أية﴾ وقوله: ﴿مهم) تأتنا به من آية﴾ . ١٧٣ ((جئت إليك))، والثاني نحو: ((صِلْ بالتّقوى إلى رضا الله)). ومعنى كونها للانتهاء أنها تكونُ منتهَى لابتداء الغاية . أما ما بعدَها فجائزٌ أن يكون داخلاً جُزءٌ منه أو كلُّهُ فيما قبلَها، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ داخل. فإذا قلتَ: (( سرتُ من بيروتَ إلى دمَشقَ))، فجائزٌ أن تكون قد دخلتَها، وجائزٌ أنك لم تدخلها ، لأنَّ النهايةَ تشملُ أولَ الحدّ وآخرَهُ. وإنما تمتنعُ مجاوزتُهُ . ومن دخول ما بعدَها فيما قبلَها قوله تعالى : ﴿إذا قُمْتُم إلى الصّلاة فاغسِلُوا وُجوهكمُ وأَيدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾. فالمَرافق داخلةٌ في مفهوم الغسل . ومن عدم دُخولِهِ قولُهُ عَزَّ وجلّ : ﴿ ثمَّ أَتِمُوا الصيامَ إلى الليل ﴾. فالجزءُ من الليل غيرُ داخلٍ في مفهوم الصيام. وقالت الشيعةُ الجعفريةُ: إنه داخل . والآية - بظاهرها - مُحتملة للأمرينِ . فإن كان هناك قرينةٌ تدلُّ على دخول ما بعدَها فيما قبلَها ، دخل ، أو على عدم دخوله لم يدخل . فإن لم تكن قرينةٌ تدلُّ على دخوله أو خروجهِ ، فإن كان من جنس ما قبلها جاز أن يدخل وأن لا يدخل ، نحو: (( سرتُ في النهار إلى العصر)) وإلا فالكثير الغالبُ أنه لا يدخل. نحو: ((سرتُ في النهار إلى الليل)). وقال قوم: يدخل مطلقاً، سواءٌ أكان من الجنس أم لا . وقال قومٌ : لا يدخل مطلقاً . والحقّ ما ذكرناه . ٢ - المصاحبةُ، أي: معنى ((معَ)) كقوله تعالى: ﴿قال: مَن أنصاري إلى الله؟ ﴾ أي: معهُ، وقولهُ: ﴿ولا تأكلوا أموالَهم إلى أموالكم﴾، ومنهُ قولهم : (( الدَّوَّدُ إلى الذَّودِ إبلٌ))(١)، وتقولُ: ((فلانٌ حليمٌ إلى أدبٍ وعلمٍ)). ٣ - معنى (عند)»، وتُسَمّى المُبَيَّة، لأنها تُبِينُ أن مصحوبها فاعلٌ لما (١) الذود : عدد من الإِبل من الثلاث إلى العشر. وهي مؤنثة. والمعنى: القليل مع القليل كثير، أي: إذا جمع القليل إلى مثله صار كثيراً . ١٧٤ .... قبلها . وهي التي تقعُ بعدَما يفيدُ حُباً أو بُغضاً من فعل تعجّبٍ أو أسمِ تفضيلٍ ، كقوله تعالى: ﴿قال: رب السّجنُ أَحَب إليَّ مِمّا يدعونني إليه﴾، أي: أحبُّ عندي. فالمُتكلم هو المُحِبُّ. وقولِ الشاعر : أَمْ لا سَبيلَ إلى الشَّباب، وذِكْرُهُ أشهى إِلَيَّ مِنَ الرَّحيقِ السَّلْسَل (١) ٤ - حَتّى حتى: للانتهاء كإلى، كقوله تعالى: ﴿سلامٌ هي حتى مَطلَعٍ الفجر﴾. وقد يدخلُ ما بعدَها فيما قبلها، نحو: (( بَذَلتُ مالي في سبيل أُمَّتي، حتى آخر دِرهمٍ عندي)). وقد يكون غير داخلٍ ، كقوله تعالى : ﴿كلوا واشربوا حتى يَتَبَيّن لكمُ الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود من الفجر﴾، فالصائم لا يُباحُ له الأكلُ متى بدا الفجر . ويَزِعُمُ بعضُ النحاةِ أنّ ما بعدَ ((حتى)» داخلٌ فيما قبلها على كل حال . ويَزْعُمُ بعضهم أنه ليس بداخلٍ على كل حال. والحقُّ أنه يدخلُ، إن كان جزءًا مما قبلها ، نحو: ((سِرتُ هذا النهارَ حتى العصرِ))، ومنه قولهم: ((أكلتُ السمكة حتى رأسِها)). وإن لم يكن جزءًا ممّا قبلها لم يدخلْ، نحو: «قرأتُ الليلةَ حتى الصَّباحِ)) ومنه قولهُ تعالى ﴿سلامٌ هي حتى مَطْلَعِ الفجر﴾. وأعلم أن هذا الخلاف إنما هو في ((حتى)) الخافضة. وأما ((حتى)) العاطفة ، فلا خلاف في أن ما بعدَها يجبُ أن يدخلَ في حكم ما قبلها ، كما ستعلم ذلك في مبحث أحرف العطف . والفرق بين إلى وحتى أنَّ ((إلى)) تجرُّ ما كان آخراً لِما قبله، أو مُنّصلاً (١) الرحيق السلسل : الخمر، وأراد بها السهلة المساغ. ١٧٥ بآخره، وما لم يكن آخراً ولا متصلاً به. فالأولُ نحو: (( سرتُ ليلةً أمسٍ إلى آخرها )) والثاني نحو: ((سهرتُ الليلةَ إلى الفجر))، والثالثُ نحو: ((سرتُ ـنهار إلى العصر)). ولا تجرُّ ((حتى)) إلَّ ما كان آخراً لِما قبله، أو متّصلاً بآخره، فالأول نحو: ((سرتُ ليلةَ أمس حتى آخرِها )»، والثاني كقوله تعالى: ﴿سلامٌ هي حتى مَطْلَع الفجر﴾. ولا تجرُّ، ما لم يكن آخراً ولا متصلاً به ، فلا يقال : (« سرتُ الليلةَ حتى نصفها )». وقد تكونُ حتى للتّعليل بمعنى السلام، نحو: (( إنَّقِ اللَّهَ حتى تفوز برضاهُ))، أي : لتفوز . ٥ - عَنْ عن : لها ستة معانٍ : ١ - المجاورة والبُعدُ، وهذا أصلُها، نحو: ((سرتُ عن البلد. رغِبْتُ عن الأمر . زمبت السهم عن القوس !». ٢ - معنى ((بعد)»، نحو: ((عن قريب أزُ ورُكَ))، قال تعالى: ﴿عمَّا قليلٍ لَيُصبحُنَّ نَادمين﴾، وقال: ﴿ لَتَرِكُنَّ طَقاً عن طبقٍ﴾، أي: حالاً بعدَ حال ٣ - معنى «على كفوله تعالى: ﴿ومن يبخلْ فإنما يبخلُ عن نفسه ﴾ ، أي عليها ، ومنه قول الشاعر : لَّهِ أَبنُ عَمِّكَ! لَ أُفْضِلْتَ فِي حَسـ عَنِّيٍ. وَلاَ أَنْتَ دَيَّاني فَتَخْزُوني (١) (١) لاه: أي الله. حذف لام نجر واللام الأولى من لفظ الجلالة شذوذاً. وأراد بابن العم نفسه؛ لأن الشاعر هو ابن العم المخاطب. أي: لم تفضل في الحسب عليَّ، ولا أنت ديّاني - أي مالكي الذي .. ١٧٦ الاسم: ١٠١٠٠٠٠ ٤ - التَّعليلُ، كقوله سبحانه: ﴿وما نحنُ بتاركي آلهتنا عن قولك))، أي : من أجل قولك، وقولهِ: ﴿وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلَّ عن مَوْعِدةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾. ٥ - معنى ((مِن)) كقوله سبحانه: ﴿وهو الذي يَقبَلُ التَّوبةَ عن عبادهِ﴾، وقولهِ : ﴿أولئكَ الذين يَتقبّلُ عنهم أحسنَ ما عَمِلوا﴾، أي : منهم. ٦ - معنى الْبَدَل كقولهِ تعالى: ﴿وَأَتَّقوا يوماً لا تجزي نَفسُ عن نَفْسٍ شيئاً ﴾، أي: بَدل نفس، وكحديثٍ: ((صومي عن أُمك))، وتقولُ: (( قُمْ عني بهذا الأمر )) ، أَي : بَدَلي . واعلم أنَّ ((عن)) قد تكونُ إسماً بمعنى ((جانِبٍ))، وذلك إذا سُبقتْ بِمن، كقول الشاعر: فَلَقَدْ أراني لِلِّماحِ دَرِيئَةً(١) مِنْ عَنْ يَميني تارَةً وشِمالي وقول الآخر : وقُلْتُ: أَجعَلي ضَوْءَ الفَراقِدِ كُلِّها يَمِيناً. وَمَهْوَى النَّجْمِ مِنْ عَنْ شِمالِكِ ٦ - عَلَى على : لها ثمانيةُ معانٍ : ١ - الاستعلاءُ، حقيقةً كان، كقوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفُلكِ يديني ويجازيني - فتخزوني. أي: فتسوسني. يقال: خزاه يخزوه خزواً، أي : ساسه: وقهره، = وملكه، وكفّهُ عن هواه . وخزا الدابة يخزوها : راضها . وأما الخزي - بالياء ، وماضيه خَزِيَ ، بكسر الزاي ؛ ومضارعه يخزي ، بفتحها فمعناه الذل والهوان . (١) الدريئة: الحلقة يتعلم عليها الطعن، أي أراني مثل الدريئة ، وهي أيضاً: ما يستتر به الصائد ، حتى إذا أمكنه الرمي رمى . ١٧٧ تُحْمَلُونَ ﴾، أو مجازاً، كقولهِ : ﴿وفضّلنا بعضهم على بعض ﴾ ، ونحو : (( لفلانٍ عليَّ دَينٌ)). والاستعلاءُ أصلُ معناها. ٢ - معنى: ((في))، كقوله تعالى: ﴿ودخلَ المدينةَ على حين غفلةٍ من أهلها ﴾ أي : في حين غفلة . ٣ - معنى ((عن))، كقول الشاعر: رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ إذا لَعَمْرُ اللّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاها أي : إذا رضِيت عني . ٤ - معنى اللام، التي للتعليل، كقوله تعالى: ﴿وَلَتُكَبّرُوا اللَّهَ على ما هداكم﴾، أي ((لِهِدايتهِ إِيّاكم))، وقولِ الشاعر: عَلَمَ تَقولُ: الرُّمْحُ يُثْقِلُ عاتِقي إذا أَنا لَمْ أَطِعنْ، إذا الخَيْلُ كَرَّتِ أي : لِمَ تقول؟ ٥ - معنى «مَعَ»، كقولهِ تعالى: ﴿وَآتَى المالَ على حُبّهِ ﴾، أي : مع حُبهِ، وقولهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغفرةٍ للناسِ على ظُلمهم ﴾، معَ ظُلمهم . ٦ - معنى ((من)، كقولهِ سبحانَهُ: ﴿إذا أكتالوا على الناسِ يَستَوفُونَ﴾ أي : آكتالوا منهم . ---------- ٧ - معنى الباءِ، كقولهِ تعالى: ﴿حَقِيقٌ عليَّ أن لا أقولَ إلَّ الحق﴾، أي : حقيقٌ بي، ونحو: ((رمَيتُ على القوس))، أي : رميتُ مستعيناً بها ، ونحو: ((اركبْ على آسمِ الله))، أي : مستعيناً به .. ١٧٨ ... ٨ - الاستدراكُ، كقولك: ((فلانٌ لا يدخلُ الجنةَ لِسوءٍ صنيعهِ ، على أنّهُ لا لا يَأْسُ من رحمة اللّهِ)»، أي: لكنَّهُ لا ييأسُ. ومنه قولُ الشاعر: بِكُلُّ تَدَاوَينا. فَلَمْ يَشْفٍ (١) ما بِنا عَلى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنْ الْبُعْدِ عَلى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنافعٍ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ وقولُ الآخر : فَوَاللّهِ لا أَنِى قَتيلاَ رُزِئتُهُ بِجانِبِ قَوْسى ما بقيتُ عَلى الأرضِ (٢) عَلى أَنَّها تَعْفو الْكُلومُ، وإنَّما نُوَكَّلُ بالأَدنى، وإِنْ جَلَّ ما يُمْضِي(٣) وإذا كانت للاستدراك، كانت كحرف الجر الشبيه بالزائد، غير متعلقة بشيءٍ، على ما جنحَ إليه بعضُ المحقّقينَ. وأعلم أنَّ ((على)) قد تكونُ اسماً للاستعلاء بمعنى ((فَوْق))، وذلك إذا سُبِقتْ بِمِنْ كقوله : (١) يصح أن يكون الفعل معلوماً؛ ففاعله ضمير يعود إلى مصدر الفعل قبله، أي فلم يشفٍ التداوي ما بنا ، ويصح أن يكون مجهولاً ، فما الموصولية بعده نائب فاعله . (٢) رزئته : أصبت به. وقوسى: بفتح القاف وسكون الواو ، بعدها سين بعدها ألف مقصورة: موضع ببلاد السَّراة . وضُبط في شرح الحماسة للتبريزي بضم القاف، وهو خطأ من الضابط. والذي في معجم البلدان والقاموس ما ذكرناه . (٣) تعفو الكلوم : تندمل. والكلوم: الجراحات، واحدها ((كلم)) بفتح فسكون. وقوله نوكل بالأدنى، أراد أن الإنسان إنما يهتم بالمصيبة القريبة الحاضرة، فينسى لها المصيبة الذاهبة وأن جلّت، ورواه في معجم البلدان: ((بلى إنها)). وقال السيوطي في شرح شواهد المغني: والذي أورده العسكري في اشعار هذيل: «بلى إنها». وعليه فلا شاهد فيه . ١٧٩ ((غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَما تَمَّ ظِمْؤُها)) أي من فوقه، وتقولُ: ((سقطَ من على الجبل)). ٧ - في في : لها سبعةُ مَعانٍ : ١ - الظرفيّةُ: حقيقيّةً كانت، نحو: ((الماءُ في الكوز. سرتُ في النّهار)). وقد اجتمعت الظرفيّتانِ: الزمانّة والمكانيّةُ في قولهِ تعالى: ﴿غُلبتِ الرُّومُ في أَدنى الأرض . وهم مِنْ بَعْدٍ غَلَبِهِم سَيَغْلِبونَ في بِضِعٍ سِنِينَ ﴾ ، أو مجازيَّةً، كقوله سبحانه: ﴿وَكُم في رسول اللّهِ أُسوةٌ حسنٌ ﴾، وقولهِ : ﴿ وَلَكُم في القصاصِ حياةٌ ﴾ . ٢ - السبيّة: والتَّعليلُ، كقولهِ تعالى: ﴿لَمُسّكم فيما أفضتُم فيه عذابٌ عظيم﴾ أي: بسبب ما أفضتم فيه. ومنه الحديثُ: ((دخلتِ أمرأَةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَستها)) أي: بسبب هِرَّةٍ. ٣ - معنى ((معَ)) كقولهِ تعالى: ﴿قال: أدخلوا في امَمٍ قد خَلَت من قبلكم﴾ أي : معهم. ٤ - الاستعلاءُ - بمعنى: ((عَلى)) - كقولهِ تعالى: ﴿الأصلبنّكُم في جُذُوعِ الْنّخلِ﴾، أي: عليها. ٥ - المقايسةُ - وهيَ الواقعةُ بينَ مفضولٍ سابقٍ وفاضلٍ لاحقٍ، كقولهِ تعالى: ﴿ فما متاع الدنيا في الآخرةِ إلَّا قَليلٌ﴾، أي: بالقياس على الآخرة والنسبة إليها . ٦ - معنى الباءِ ، التي للالصاقِ ، كقول الشاعر : ١٨٠ وَيَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ مِنَّا فَوارِسٌ بَصيرُونَ في طَعْنِ آلاَّ بَاهِرٍ وَالْكُلى(١) أي : بصيرونَ بطعنِ الأباهر . ٧ - معنى ((إلى)) كقولهِ تعالى: ﴿فَرَدُّوا أيديهم في أفواههم﴾. ٨ - الكاف الكافُ : لها أَربعةُ معانٍ : ١ - التشبيهُ، وهو الأصلُ فيها، نحو: ((عليٌّ كالأسد)). ٢ - التعليلُ، كقوله تعالى: ﴿واذكرُوهُ كما هداكم﴾، أي : لهدايتهِ إيّكم. وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وَيْ كأنّهُ لا يُفلِحُ الكافرون! ﴾. أَي : أعجبُ أو تَعجّبْ لعَدم فلاحهم . فالكافُ : حرف جر بمعنى اللام، وأنَّ : هي الناصبةُ الرافعة . ٣ - معنى ((على)) نحو: ((كُنْ كما أَنتَ))، أي: كُن ثابتاً على ما أَنت عليه . ٤ - التّوكيدُ - وهي الزائدةُ في الإِعراب - كقولهِ تعالى: ﴿ليس كمِثلِهِ شيءٌ﴾، أي: ليس مِثلُهُ شيءٌ، وقولِ الرَّاجز يصفُ خيلاً ضوامرَ : ((لَواحِقُ الأقرابِ، فيها كالمقَقِ)) (٢). وأعلم أنَّ الكاف قد تأتي أسماً بمعنى ((مِثلٍ))، كقول الشاعر : (١) الأباهر : جمع أبهر: وهو عرقّ إذا انقطع مات صاحبه . وهما أبهران يخرجان من القلب ثم يتشعب منهما سائر الشرايين . والكلى جمع كلية، فإن كتبتها بالألف فهي جمع كلوة . وكلاهما بمعنى واحد . (٢) الأقراب: الخواصر. مفردها: ((قُرْبْ))، بضمتين فسكون. والمقق، بفتح الميم والقاف: الطول الفاحش مع رقة . ١٨١ أَتَنتَهِونَ؟ وَلَنْ يَنْهِى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ(١) يَذْهَبُ فيهِ الزَّيتُ والفُتُلُ وقول الراجز : ((يَضْحَكْنَ عَنْ أسنان كالبَرَدِ الْمُنْهَمِّ» (٢) ومنهُ قول المُتنبي : وَمَا قَتَلَ الأحرارَ كالْعَفْوِ (٣) عَنْهُمُ وَمَنْ لَكَ بِآلحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ أَلْيَدا ومن العلماءِ من خصَّ ورودَها اسماً بضرورة الشعر . ومنهم من أجازه في الشعر والنثرٍ ، كالأخفش وأبي علي الفارسي وابن مالكٍ وغيرهم . ويشهدُ لهم قوله تعالى، عن لسان المسيح ، عليه السلام ، في سورة آل عمران: ﴿ أني أخلُقُ لُكم من الطَّين كهيئةِ الطير، فأنفُخُ فيه فيكونُ طيراً بإذن اللّهِ ﴾ أي : مثلَ هيئةِ الطير. فالكاف: آسمٌ بمعنى ((مثل)»، وهي في محلّ نصبٍ على أنها مفعولٌ به لأخلُقُ . والضميرُ في ((فيه)) يعود على هذه الكاف الاسميّة، لأنَّ مدلولها مُذكَّرٌ وهو ((مثل)). ولو لم تُجعل الكاف هنا بمعنى ((مِثل)» لبقي الضميرُ بلا مرجع، لأنه لا يجوز أن يعود إلى ((الطير)»، لأن النفخ ليس في الطير نفسه ، وإنما هو فيما يُشبهُهُ، ولا على هيئة، لأنها مؤنثة. وقد (١) الكاف: اسم بمعنى مثل، وهو في موضع الرفع على أنه فاعل (ينهى)). والطعن: مضاف إلى الكاف الاسمية. والفتل: جمع فتيلة . (٢) الْبَرَدُ حبّ الغمام ، وهو ما ينعقد من مائه لشدة البرد. وتُشبّه به الأسنان الشديدة البياض. أي يضحكن عن أسنان كالبَردِ نَقاءً وشدَّةً بياض. والمنهم: الذائب. وفعله: ((أنهم ينهمّ انهماماً، بوزن: («انفعلَ ينفعلُ انفعالاً)». يقال: ((انهم الثلجُ والشحمُ)) اذا ذابا. ومجرده: وهم يَهُمّ همّا) بمعنى: أذابَ. يقال: ((همّ فلانٌ الشحمَ)) أي: أذابه. و«هَمَت الشمسُ الثلجَّ)) أي أذابته. ومهمٌ المرض جسمه)) أي: أذابه. ومنه: ((همّه الأمرُ) أي: لاقلقه وأحزنه، لأن الهم يذيب المهموم. (٣) الكاف: في محل رفع فاعل ((قتل)). والعفو: مضاف إلى الكاف. ١٨٢ أعاد الضمير على الهيئة، في سورة المائدة، وهو قولهُ تعالى: ﴿وإذْ تَخلُقُ من الطين كهيئة الطير بإذني ، فتنفخُ فيها فتكونُ طيراً بإذني﴾ . ٩ - السلام اللامُ : لها خمسةً عشرَ معنى : ١ - الملِكُ - وهي الداخلة بين ذاتينٍ، ومصحوبُها يَملِكُ - كقوله تعالى: ﴿اللّهِ ما في السَّمواتِ والأرضِ﴾، ونحو: )» الدارُ لسعيدٍ)). ٢ - الاختصاصُ، وتُسمّى: لامَ الاختصاصِ، ولامَ الاستحقاقِ - وهي الداخلة بين معنَّى وذات - نحو: ((الحمدُ للهِ)) والنجاحُ للعاملين . ومنه قولهم: ((الفصاحةُ لِقُرَيشٍ، والصّاحةُ لِبَنِي هاشمٍ )). ٣ - شِبهُ المِلك. وتُسمّى: لامَ النسبة - وهي الدَّاخلة بينَ ذاتينِ ، ومصحوبُها لا يملكُ - نحو: ((اللجامُ للفرَس )». ٤ - التّبيينُ، وتُسمّى: ((اللَّمَ المُبيّنة))، لأنها تُبيِّنُ ((أن مصحوبَها مفعولٌ لما قبلَها))، من فعل تَعجّبِ أو آسمِ تفضيل، نحو: ((خالدٌ أحب لي من سعيدٍ . ما أحبّني للعلم !. ما أحملَ عليًّ للمصائب! )). فما بعدَ اللام هو المفعول به . وإنما تقول: ((خالدٌ أحب لي من سعيد))، إذا كان هو المُحبَّ وأنت المحبوب . فإذا أردت العكسَ قلت : ((خالدٌ أحبُّ إليَّ من سعيد))، كما قال تعالى: ﴿ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ﴾ وقد سبقَ هذا في ((إلى)). ٥ - التّعليلُ والسبيَّةُ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أنزلنا إليكَ الكتابَ بالحقِّ لتحكُمَ بينَ الناسِ بما أراكَ اللّهُ﴾، وقول الشاعر : وإِنِّي لَتَعْروني لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ كما أُنْتَفَضَ الْعُصْفورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ ١٨٣ ٠ ٠٠ : ومنه اللامُ الثانيةُ في قولكَ: (( يا لَلنَّاسِ للمظلوم ! ». ٦ - التوكيدُ - وهي الزائدة في الإِعراب لمُجرَّد توكيد الكلام - كقول الشاعر : ومَلَكْتَ مَا بَيْنَ الْعِراقِ وَيَثْرِبٍ مُلْكاً أَجارَ لِمُسْلِمٍ ومُعاهِدٍ ونحو: ((يا بُؤْسَ لِلحرب!»(١). ومنهُ لامُ المُستغاث، نحو: ((يا لَلفضيلة!)) وهي لا تَتعلَّق بشيءٍ، لأنَّ زيادتها لمجرَّد التوكيد . ٧ - التّقويةُ - وهيَ التي يُجاءُ بها زائدةً لتقويةِ عاملٍ ضَعُف بالتأخيرِ ، بكونه غيرَ فعلٍ . فالأول كقولهِ تعالى: ﴿الذينَ هم لربهم يَرَهُبُون ﴾ وقوله : ﴿إن كنتم للرُؤْ يا تَعْبُرُونَ﴾. والثاني كقوله سبحانه: ﴿مُصَدَّقَاً لِمَا مَعَهِمْ﴾ وقولهِ : ﴿فَعّالُ لِما يُرِيدُ﴾. وهي - معَ كونها زائدةً - مُتعلّقةٌ بالعامل الذي قوّتَهُ، لأنها - مع زيادتها - أفادته التقوية، فليست زائدةً محضة. وقيل: هي كالزائدة المحضة ، فلا تتعلق بشيء . ٨ - انتهاءُ الغاية - أي: معنى ((إلى)) - كقوله سبحانه: ﴿ كلُّ يجري لأجل مُسمَّى﴾، أي: إليه ، وقولهِ: ﴿ولو رُدُوا لعادوا لِمَا نُهُوا عنه ﴾، وقولهِ : ﴿ بأنّ ربكَ أوحى لها ﴾ . ٩ - الاستغاثةُ: وتُستعمَلُ مفتوحةً معَ المستغاث ، ومكسورةً معَ المُستغاثِ لهُ، نحو: ﴿يالخَالِدٍ لِبكر!)). ١٠ - التعجبُ: وتُستعملُ مفتوحةً بعد ((يا)) في نداءِ المُتعجّب منه، (١) اللام: حرف جر زائد. والحرب: اما مجرور بالإضافة إلى ((بؤس)). وإما باللام الزائدة، لأنها حالت دون الإضافة باللفظ، وإن كان المعنى على الإضافة . ١٨٤ :٠ ٧ ٠ ....... نحو: (يَا لَلفَرَحِ!))، ومنهُ قول الشاعر وهو امرىء القيس : فَيا لَكَ مِنْ لَيْلِ! كأَنَّ نُجُومَهُ بِكُلِّ مُغَارِ الْفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلٍ (١) وتُستعملُ في غير النداءِ مكسورةً، نحو: ((للهِ دَرُّهُ رجلًاً!))، ونحو: ((لِلّهِ ما يفعلُ الجهلُ بالأممِ !)). ١١ - الصّيرورةُ (وتُسمّى لامَ العاقبةِ ولامَ المآلِ أيضاً) وهي التي تدلُّ على أنَّ ما بعدَها يكونُ عاقبةً لِمَا قبلها ونتيجةً له ، عِلَّةً في حصوله . وتخالفُ لامَ التَّعليل في أنّ ما قبلها لم يكن لأجل ما بعدها ، ومنه قوله تعالى: (( فالتقطهُ آلُ فِرِعونَ ليكونَ لهم عدواً وحَزَناً﴾. فَهُم لم يلتقطوهُ لذلك، وإنما التقطؤُ فكانتِ العاقبةُ ذلك. قال الشاعر : لِدُوا لِلْمَوْتٍ، وَآبْنُوا لِلْخرابِ فَكُلُّكُمْ يَصيرُ إلى الذَّهابِ فالإِنسان لا يَلِدُ للموت، ولا يبني للخراب، وإنما تكونُ العاقبةُ كذلك . ١٢ - الاستعلاءُ - أي: معنى ((على)) - إما حقيقةً كقوله تعالى : ﴿يَخِرُّونَ للأذقانِ(٢) سُجَّداً﴾ ، وقولِ الشاعر: ضَمَمْتُ إليهِ بالسِّنانِ قميصَهُ فَخَرَّ صَرِيعاً لِلْيَدَيْنِ ولِلفَم بعد (١) مغار الفتل: مُحكمه، أي بكل حبل مُحكم الفتل. يقال: أغار الحبل إذا أحكمّ فتله. ويذبل: اسم جبل . (٢) الأذقان: جمع ((ذَفَن))، بفتحتين، وهو مجتمع اللحيين من أسفلهما. والمعنى يسقطون على وجوههم، وإنما ذكر الذقن لأنها أقرب ما يكون من الوجه إلى الأرض عند الهويّ للسجود . ١٨٥ وإمّا مجازاً كقوله تعالى: ﴿إن أسأْتُم فَلَها﴾، أي: فعليها إِساءتُها، كما قال في آية أخرى: ﴿وإن أسأتُم فعليها ﴾ . ١٣ - الوقتُ (وتُسمّى: لامَ الوقت ولامَ التاريخ) نحو: «هذا الغلامُ لسنةٍ)، أي: مرَّت عليه سَنةٌ . وهي عندَ الإِطلاق تدلُّ على الوقت الحاضر، نحو: (( كتبتُهُ لِغُرَّةِ شهر كذا )»، أي : عند غُرَّتِهِ، أو في غُرَّتِهِ . وعندَ القرينة تدلُّ على المُضيِّ أو الاستقبال، فتكونُ بمعنى ((قَبلِ) أو ((بَعدٍ))، فالأولُ كقولك: ((كتبتُهُ لستٍ بَقينَ من شهر كذا))، أي قبلها، والثاني كقولك: ((كتبتُهُ لخمسٍ خَلَوْن من شهر كذا)»، أي: بعدها. ومنهُ قوله تعالى: ﴿أقمِ الصّلاةَ لِدلوكِ (١) الشمس﴾، أي: بعدَ دُلوكها. ومنه حديثُ: ((صُوموا لِرُؤيتهِ وأفطروا لرؤيته))، أي : بعد رؤيته . ١٤ - معنى ((مع)»، كقول الشاعر: فَلَّمَّا تَفَرَّقْنا كَأَنِّي ومالِكاً - لِسطولِ اجتماعٍ - لم نَبِتْ لَيْلَةُّمَعا ١٥ - معنى ((في))، كقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ الموازينَ القسط ليومٍ القِيامة﴾، أي: فيها، وقولهِ: ﴿لا يُجلّيها لوقتها إلَّ هُو﴾، أي : في وقتها. ومنه قولهم: ((مضى لسبيله))، أي : في سبيلهِ . ١٠ و١١ - الواوُ والتَّاءُ والواوُ والتاءُ : تكونان للقسم ، كقوله تعالى: ﴿والفجرِ وليالٍ عَشرٍ ﴾، وقولِهِ ﴿تاللّهِ لأكيدَنَّ أصنامَكم﴾. والتاءُ لا تدخُلُ إلا على لفظ الجلالة . والواوُ تدخلُ على كل مقسم به . (١) دلوك الشمس: ميلها عن كبد السماء. وذلك وقت الزوال . ١٨٦ ١٢ و١٣ - مُذ ومُنْذُ مُذْ ومُنذُ: تكونان حرفيْ جَرّ بمعنى ((منْ))، لابتداءِ الغاية ، إن كان الزمانُ ماضياً، نحو: (( ما رأيتكَ مُذْ أو منذُ يوم الجمعة))، وبمعنى ((في))، التي للظرفيّة، إن كان الزمان حاضراً، نحو: (( ما رأيتهُ مُنذُ يومنا أو شهرِنا)» أي: فيهما. وحينئذٍ تُفيدان استغراقَ المدَّة، وبمعنى (( من وإلى)) معاً، إذا كان مجرورهما نكرةً معدودةً لفظاً أو معنى. فالأول نحو: (( ما رأيتكَ مُذ ثلاثةِ أيام))، أي: من بَدئها إلى نهايتها. والثاني نحو: (( ما رأيتكَ مذ أمدٍ ، أو مُنْذُ دَهرٍ )) . فالأمدُ والدهرُ كِلاهما مُتعدِّدٌ معنَّى، لأنه يقالُ لكل جزءٍ منها أمدٌ ودهرٌ. لهذا لا يقالُ: (( ما رأيتُهُ مُنذ يومٍ أو شهرٍ))، بمعنى: ما رأيتُهُ من بدئهما إلى نهايتهما ، لأنهما نكرتانٍ غيرَ معدودتينٍ ، لأنهُ لا يقالُ لجزءِ اليومِ يومٌ ، ولا لجزءِ الشهر شهرٌ . وأعلم أنهُ يشترطُ في مجرورهما أن يكون ماضياً أو حاضراً ، كما رأيتَ. ويشترطُ في الفعل قبلَهما أن يكون ماضياً منفيّاً، فلا يقالُ: ((رأيتُهُ منذُ يومِ الخميس))، أو ماضياً فيه معنى النَّطاوُلِ والامتداد، نحو: (( سرتُ مُذْ طلوعِ الشمسِ)). وتكونُ ((مُذ ومُنْذُ )) ظرفينٍ منصوبينِ مَحلًا، فَيُرفعُ ما بعدَهما . ويُشترَطُ فيهما أيضاً ما اشتُرطَ فيهما وهما حرفان . وقد سبقَ الكلامُ عليهما في المفعول فيهِ ، عندَ الكلامِ على شرحِ الظروف المبنية فراجعه . ومذ : أصلُها ((منذُ))، فَخُفّفت، بدليل رجوعهم إلى ضم الذَّال عند ملاقاتها ساكناً، نحو: ((انتظرتكَ مذُ الصباح))، ومُنذُ: أصلُها ((من)) الجارَّةُ و((إذ)) الظرفيّة، فَجُعلتا كلمةً واحدةً ، ولذا كسر مِيمُها - في بعض اللُّغات - باعتبار الأصل . ١٨٧