النص المفهرس

صفحات 701-720

على تخصيص عمومها وشُمولها بواسطة أداةٍ من أدوات الاستثناء.
فإذا علمتَ هذا، علمتَ أن الاستثناء من الجنس ، هو الاستثناءُ
الحقيقيُّ، لأنه يُفيدُ التخصيص بَعدَ التّعميم ، ويُزيلُ ما يُظَنُّ من عموم
الحكم . وأما الاستثناء من غير الجنس فهو استثناءً لا معنى له إلّ الاستدراكُ،
فهو لا يُفيدُ تخصيصاً ، لأن الشيءَ إنما يُخصّصُ جِنسَهُ. فإذا قلتَ: ((جاءَ
المسافرون إلا أمتعتُهُم))، فلفظ ((المسافرين)) لا يتناول الأمتعةُ، ولا يدلُّ
عليها . وما لا يَتناولهُ اللفظُ فلا يحتاجُ إلى ما يخرجُهُ منهُ. لكنْ إنما استثنيتَ
هُنا استدراكاً كيلا يُتَوهم أن أَمتعتَهُم جاءت معهم أيضاً، عادةً المسافرين.
فالاستثناءُ المَتَّصلُ يُفيدُ التَّخصيصُ بعدَ التعميم، لأنهُ استثناءٌ من
الجنس . والاستثناءُ المُنقطعُ يُفيدُ الاستدراك لا التّخصيصَ ، لأنه استثناءٌ من
غير الجنس ."
٣ - لا يستثنى إِلَّ من معرفةٌ أو نكرةٍ مُفيدةٍ، فلا يقالُ ((جاءَ قومٌ إلَّ
رجلاً منهم))، ولا ((جاءَ رجالٌ إلَّا خالداً)). فإن أفادت النكرةُ جاز الاستثناء
منها، نحو: ((جاءَني رجالٌ كانوا عندك إلَّ رجلًا منهم)) ونحو: ((ما جاءً
أحدٌ إلا سعيداً)) ، قال تعالى: ﴿ فَلَبِثَ في قومِهِ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عاماً﴾ .
وتكون النكرةُ مفيده إذا أُضيفتْ، أو وصفت، أو وقعت في سياقِ النفي
أو النَّهي أو الاستفهام .
وكذا لا يُستثنى من المعرفة نكرةٌ لم تخصَّص، فلا يقالُ: ((جاء القومُ إلّ
رجلاً)). فإن تُخصّصَت جاز، نحو: ((جاء القومُ إلا رجلاً منهم، أو إلا رجلاً
مريضاً، أو إلا رجلَ سُوءٍ)).
٤ - الناصبُ للمستثنى بإلا هَوَ ((إلّا)) نفسُها، على المُعتمَدِ. وقيلَ: هو
ما تَقدّمها من فعلٍ أو شِبهِهِ.
١٢٨
.. ... ..
... ... .
. ... . .. ..
-.. .
:
......
. ... . .
.. .. . .......
. .. .
. .....

٩
٥ - يصح استثناء قليلٍ من كثير. وكثيرٍ من أكثر منه. وقد يُستثنى من
الشيء نصفُهُ ، تقول: ((لهُ عليَّ عشرةٌ إلا خمسةً))، قال تعالى: ﴿ يا أيُّها
المُزَّمِّلُ، قُمِ الليلَ إلّ قليلاً، نصفَهُ(١)، أو أَنقُصْ منهُ قليلاً، أو زِدْ عليه﴾.
فَقَد سمّى النصفَ قليلاً واستثناهُ من الأصل . وقال قومٌ: لا يستثنى من الشيء
إلا ما كان دونَ نصفهِ. وهو مردودٌ بهذه الآية .
٦ - استثناءُ الشيء من غيرِ جنسهِ لا معنى له . وما ورد من ذلك فليست
فيه ((إِلَّ)) للاستثناء على سبيل الأصل. وإنما هي بمعنى((لكنْ))، وهو ما
يُسمونهُ: ((الاستثناء المُنقَطِع)). ومعَ ذلك فلا بدَّ من الارتباط بين المستثنى منه
والمستثنى ، كما ستعلم ذلك ... ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ ما أنزلنا عليك
القرآنَ لِتشقى، إلا تَذُكرَةً(٢) لِمن يخشى﴾، أي: لكن أنزلناهُ تذكرةً، وقولهُ:
﴿ فَذَكّر، إنما أنتَ مُذكّرُ، لستَ عليهم بِمُسَيطٍ، إلَّ مَنْ (٣) تَوَلِى وكفرَ فَيُعذبهُ
اللّهُ العذابَ الأكبرَ﴾، أي: لكنْ مَنْ تَوّلی وكفرَ.
٢ - حُكْمُ المُسْتَثْنِى بإلاَّ الْمُتَّصِلِ
إن كان المستثنى بالا مُتصلاً، فلهُ ثلاثُ أحوال: وجوب النصبِ بالا
وجوازُ الْنّصبِ والبدلّةِ، ووجوبُ أن يكون على حسب العوامل قبله .
متى يجب نصب المستثنى بالا؟
يجبُ نصبُ المستثنى بالّ في حالتين :
(١) الراجح من أقوال المفسرين أن ((قليلاً)): مستثنى من الليل، و((نصفه)): بدلاً من قليلاً، وقلته
بالنسبة إلى الكل .
(٢) تذكرة: مستثنى من المصدر المؤول من ((تشقى)) بأن المقدرة، والتقدير ما أنزلنا عليك القرآن
لشقائك .
(٣) من: مستثنى من الضمير في ((عليهم)).
١٢٩

١ - أن يقعَ في كلامٍ تام موجّبٍ، سواءٌ أتأخرَ عن المستثنى منهُ أم
تقدَّمَ عليه. فالأولُ نحو: ((ينجحُ التلاميذُ إلَّ الكسولَ))، والثاني نحو:
((ينجح إلّ الكسولَ التلاميذُ )».
والمُرادُ بالكلامِ التام أن يكونَ المُستثنى منه مذكوراً في الكلام،
وبالموجّب أن يكونَ الكلامُ مُثبتاً، غير منفي. وفي حكم النفي النهيُ
والاستفهامُ الإِنكاري. ولا فرقَ بين أن يكون النفيُ معنَى أو بالأداةِ، كما
ستعلم .
٢ - أن يقع في كلامٍ تام منفي، أو شبهِ منفي، ويتقدّمَ على المستثنى
منه ، نحو: ((ما جاء إلَّ سليماً أحدٌ)) ومنه قولُ الشاعر :
وَمَا لِيَ إِلَّ آلَ أَحمدَ شِيعَةٌ
وما لِيَ إِلَّ مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ
فإن تقدّمَ المستثنى على صفة المستثنى منه ، جاز نصبُ المستثنى
بإلا، وجاز جعلهُ بدلاً من المستثنى منه، نحو: ((ما في المدرسة أحد إلا
أخاك ، أو إلّ أخوكَ، كَولٌ)).
متى يجوز في المستثنى بإلّ الوجهان
يجوز في المستثنى بإلّ الوجهان - جَعلُهُ بدلاً من المستثنى منه. ونصبهُ
بإلّاً - إن وقعَ بعدَ المستثنى منه في كلامٍ تام منفيٍّ أو شِبهِ منفيّ، نحو : ((ما
جاءَ القومُ إلّ علي، وإلا علياً)). وتقولُ في شِبه النفي: ((لا يَقُمْ أحدٌ إلّ
سعيدٌ، وإلا سعيداً. وهل فعلَ هذا أحدٌ إلا أنت، وإلا إياك!)) والاتباع على
البدلّة أولى. والنصبُ عربي جَيِّدٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يَلتفتْ منكم أحدٌ
إلا أمرأتَكَ﴾. ((وقُرىءَ إلَّ آمرأْتُكَ))، بالرفع على البدلية .
١٣٠

ومن أمثلة البدليةِ، والكلامُ منفيٌّ، قولهُ تعالى: ﴿ما فعلوهُ إِلَّ قليلٌ
منهم﴾، وقرىءَ ((إلَّا قليلاً)) بالنصب بالآ، وقوله: ﴿لا إله إلَّ اللّهُ﴾(١)،
وقوله : ﴿ ما من إله إلَّ إِلَهٌ واحدٌ ﴾(٢)، وقوله: ﴿ ما من إلَهٍ إلَّ اللّهُ﴾.
ومن أمثلتها ، والكلامُ شِبهُ منفي، لأنهُ استفهامٌ إنكاري ، قوله تعالى :
﴿وَمَن يغفرُ الذُّنوبَ إِلَّ اللّهُ!﴾، وقولهُ: ﴿وَمَن يقنَطُ من رحمةٍ ربهِ إلَّ
الضّالون؟!﴾.
وقد يكون النفي معنوياً، لا بالأداة، فيجوزُ فيما بعد ((إلَّ)» الوجهانِ
أيضاً - البدليّةُ والنصبُ بإلّ، والبدلّةَ أولى - نحو: (( تَبدَّلت أخلاقُ القوم إلّا
خالدٌ، وإلاّ خالداً))، لأن المعنى: لم تَبقَ أخلاقُهم على ما كانت عليه، ومنه
قول الشاعر :
وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ
غَافٍ، تَغَيَّرَ، إِلَّ النُّؤْيُ وَالْوَتِدُ (٣)
.. "
فمعنى تغيّرَ: لم يبقَ على حاله .
( وإنما جاز الوجهان في مثل ما تقدم، لأنك ان راعيت جانب اللفظ
نصبت ما بعد (إلا)، لأن الجملة قد استوفت جزءيها - المسند والمسند إليه -
فيكون ما بعد (إلَّ) فضلة، والفضلة منصوبة. وإن راعيت جانب المعنى رفعت
ما بعدها، لأن المسند إليه في الحقيقة هو ما بعد (إلا). لذلك يصح تفريغ
(١) الله اما بدل من الضمير المستتر في خبر (لا) المحذوف، وهو موجود واما بدل من محل (لا)
واسمها، لأن محلهما الرفع بالابتداء. كما تقدم في مبحث لا النافية للجنس.
(٢) من: حرف جر زائد. وإله: مجرور لفظاً بمن الزائدة ، مرفوع محلاً لأنه مبتدأ . وخبره محذوف
تقديره : موجود إله . إما بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وإما بدل من محل إله
الأول ، لأن محله الرفع على الابتداء ، كما ذكرنا .
(٣) الصريمة : موضع، وأصلها : قطعة من الرمل ضخمة تنصرم - أي تنقطع - عن سائر الرمال.
والخلق : البالي، ومثله العافي. والنّزي: حفير حول الخيمة يمنع السيل.
١٣١

العامل الذي قبلها له وتسليطه عليه. فان قلت: ((ما جاء القوم الا خالد. أو
خالداً))، صحّ أن تقول: ((ما جاء الا خالد)»، فنصبه باعتبار أنه عمدة في
المعنى، فهو بدل مما قبله، والمبدل منه في حكم المطروح. ألا ترى أنك ان
قلت: ((أكرمت خالداً أباك))، صحّ أن تقول: ((أكرمت أباك))).
ثلاث فوائد
١ - يجوز، في نحو: ((ما أحدٌ يقولُ ذلك إلّ خالدٌ))، رَفعُ ما بعد ((إلَّ))
على البدلّةِ من أحدٌ (وهو الأولى)، أو على البدلّة من ضمير (يقولُ)). ويجوزُ
نصبهُ على الاستثناء. ويجوز في نحو: ((ما رأيتُ أحداً يقولُ ذلك إلّ خالداً))،
نصبُ ما بعد ((إلا)) على البدلّة من ((أحداً)) (وهو الأوْلِى)، ونصبهُ ((بإلا)) ويجوز
رفعه على أنه بدلٌ من ضمير ((يقولُ)) ومن مجيئهِ مرفوعاً على البدلية من ضمير
الفعلِ المستتر قولُ الشاعر :
فِي لَيْلَةٍ لا نَرَى بها أَحداً
يَحْكِي عَلَيْنَا إِلَّ كَواكِبُها
٢ - تقولُ: ((ما جاءَني من أحدٍ إلا خالداً، أو إلَّ خالدٌ)). فالنصب على
الاستثناء، والرفعُ على البدلية من محل ((أحد))، لأن محله الرفع على
الفاعليّة، ومن: حرف جر زائد. ولا يجوزُ فيه الجرُّ على البدليّة من لفظ
المجرور .
(لأن البدل على نية تكرار العامل. وهنا لا يجوز أن تكرره ، فلا يجوز
أن تقول : ((ما جاءني من أحد إلا من خالد)). وذلك لأن ((من)) زائدة لتأكيد
النفي، وما بعد (إلا)) مثبت، لأنه مستثنى من منفي، فلا تدخل عليه ((من))
هذه. لكن إن قلت: ((ما أخذت الكتاب من أحد إلا خالد)) جاز الجر على
١٣٢
٠٫٠٠

البدلية من اللفظ، لأن ((من)) هنا ليست زائدة. فلو كررت العامل، فقلت: ((ما
أخذت الكتاب من أحد إلا من خالد))، لجاز).
وكذلك تقولُ: ((ليس فلانٌ بشيءٍ إلاّ شيئاً لا يُعبَأ به))، بالنصب فقط،
إما على الاستثناءِ، وإما على البدلية من موضع ((شيءٍ)) المجرور بحرف الجرّ
الزائد، لأنَّ موضعَهُ النصب على أنه خبرُ ((ليسَ)). ولا تجوز البدلية بالجر.
( لأن الباء هنا زائدة لتأكيد النفي، وما بعد ((إلَّ)) مثبت ، فلو كررت
الباء مع البدل، فقلت: ((ليس فلان بشيء إلّ بشيء لا يعبأ به))، لم
يجز ) .
ومن ذلك قول الشاعر :
أَبَنِي لُبَيْنَى، لَسْتُمُ بِيْدٍ
إلَّ يَدَأَ لَيْسَتْ لَها عَضُدُ(١)
( لكن، إن قلت: (( ما مررت بأحد إلَّ خالد))، جاز الجرّ على البدلية
من اللفظ، لأن الباء هنا أصلية، فإن قلت : (( ما مررت بأحد إلا
بخالد )»، بتكريرها ، جاز ) .
٣ - علمتَ أنّهُ إذا تقدَّمَ المستثنى على المستثنى منه - في الكلام التام
المنفيّ - فليس فيه إلا النصبُ على الاستثناء، نحو: ((ما جاء إلا خالداً
أحدٌ))، غير أنَّ الكوفيينَ والبغداديين يجيزونَ جَعلَهُ معمولاً للعامل السابق،
وجعلَ المستثنى منه المتأخر تابعاً له في إعرابه، على أنهُ بدلٌ منه، فيجوّزون
أن يقال: ((ما جاءَ إلَّ خالدٌ أحدٌ))، فخالدٌ: فاعلٌ لجاءَ، وأحدٌ : بدلٌ من
(١) العضد: ما بين المرفق إلى الكتف. ويجوز فيها إسكان الضاد وضمها. وهي تؤنث وتذكر .
وقال اللحياني : العضد مؤنثة لا غير. وهما عضدان. والجمع أعضاد، لا تُكسَّر على غير
ذلك. وتكون العضد مجازاً بمعنى الناصر والقوة . ومعنى البيت: أنتم - في الضعف وقلة
الانتفاع - كيدٍ لا عضد لها: فلا غناء بها ولا نفع .
١٣٣
٩ ٠

4
خالدٌ. ومن ذلك ما حكاهُ سيبويهِ عن يُونسَ: أنه سمع قوماً يُوثَقُ بعربيّتهم،
يقولون: ((ما لي إلا أبوك ناصرٌ))، وعليه قولُ الشاعر:
لِإِنَّهُمُ يَرْجُونَ مِنْكَ شَفاعةً
إذا لم يكنْ إلَّ النَّبِيُّونَ شافعُ
وهذا من البدل المقلوب .
(لأنك ترى أن التابع هنا - وهو البدل: ناصر وشافع - قد كان متبوعاً .
أي مبدلاً منه - ، وأنّ المتبوع - وهو المبدل منه : أبوك والنبيون - قد كان
تابعاً - أي بدلاً - لأنّ الأصل: (( ما لي ناصر إلَّ أبوك، وإذا لم يكن شافع إلا
النبيون)» .
ونظيره في القلب - أي : جعلِ التابع متبوعاً والمتبوع تابعاً - قولك ،
((ما مررت بمثلك أحد)»: ((فأحد بدل من مثلك مجرور مثله . وقد
كان ((مثلك)) صفة له مؤخرة عنه، لأن الأصل ((ما مررت بأحد
مثلك )) ) .
متى يجب أن يكون المستثنى بإلا على حسب العوامل .
يجبُ أن يكون المستثنى بإلا على حسب ما يطلبهُ العاملُ قبلُهُ ، متى
حُذِفَ المستثنى منه من الكلام، فيتفرّغُ ما قبل ((إلا)) للعملِ فيما بعدَها،
كما لو كانت ((إلا)) غيرَ موجودةٍ. ويجبُ حينئذٍ أن يكون الكلامُ منفيّاً أو شِبهَ
منفيَ، نحو: (( ما جاءَ إلا عليٍّ، ما رأيتُ إلا عليّاً، ما مررتُ إلا بعليّ))
ومنه في النهي قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على اللّه إلا الحقّ﴾، وقولهُ: ﴿ولا
تُجادلوا أهلَ الكتابِ إلَّا بالَّتي هي أحسن﴾. ومنه في الاستفهامِ قولُه
سبحانهُ : ﴿فَهَلْ يَهلِكُ إلا القومُ الفاسقون ﴾ .
١٣٤
. ...... . .. .......
.. .... ... .. ..
... .. ..
:

وقد يكونُ النفيُ معنويّاً، كقولهِ تعالى: ﴿ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ
نورَهُ﴾، لأنَّ معنى يأبى : لا يريدُ .
فائــة
إذا تَكرَّرت ((إلا)) للتوكيد - بحيث يصحُّ حذفُها، وذلك إذا تَلَتْ واو
العطف ، أو تلاها بَدَل ممّا قبلَها - كانت زائدةً لتوكيد الاستثناء ، غيرَ مُؤثرة
فيما بعدَها، فالأولُ نحو: (( ما جاءَ إلَّا زهيرٌ وإلَّا أُسامةُ)) (١)، والثاني، نحو:
(( ما جاءَ إلَّ أبوكَ إلَّ خالدٌ))(٢). وقد اجتمع البدل والعطف في قوله :
مَا لَكَ مِنْ شَيْخِكَ إِلَّ عَمَلُهُ
وإِلَّ رَمَلُهُ (٣)
إِلَّ رَسِيمُهُ
وإن تكررت لغير التوكيد - بحيث لا يصحُّ حذفُها - فالكلام على ثلاثةِ
أوجُهٍ :
١ - أن يحذَف المستثنى منه، فتجعل واحداً من المستثنيات معمولا
للعامل وتَنصب ما عداه. تقولُ: ((ما جاءَ، إِلَّ سعيدٌ، إِلَّ خالداً، إِلَّ
إبراهيم )). والأوْلى تسليطُ العامل على الأول ونصبُ ما عداهُ، كما تَرى .
ولك أن تَنصبَ الأولَ وترفعَ واحداً مما بعدَهُ .
٢ - أن يُذكرَ المستثنى منهُ، والكلامُ مثبتٌ، فتنصبُ الجمع على
الاستثناء نحو: ((جاء القومُ إلَّ سعيداً، إلَّ خالداً، إلَّ إبراهيم)).
٣ - أن يُذكر المستثنى منه، والكلامُ منفي، فإن تقدمت المستثنياتُ،
(١) الواو: عاطفة، وإلا: زائدة للتوكيد، وأسامة: معطوف على زهير.
(٢) إلا : زائدة، وخالد: بدل من أبوك، لأن الأب هو خالد.
(٣) رسيمه: بدل من عمله. ورمله: معطوف على رسيمه. وإلا - في الموضعين - زائدة. والرسيم
والرمل : نوعان من السير.
١٣٥

وجب نصبُها كلُّها، نحو: (( ما جاءَ إلَّ خالداً، إلَّ سعيداً، إلَّ إبراهيم
أحدٌ)). وإن تأخرت، أبدلتَ واحداً من المستثنى منه ، ونصبتَ الباقي على
الاستثناء. والأوْلى إبدالُ الأول ونصبُ الباقي، نحو: (( ما جاءَ القومُ إلّ
خالداً ، إلَّ إبراهيم)).
٣ - حُكُمُ الْمُستَثْنِى بِإِلاَّ الْمُنْقَطِعِ
إن كان المستثنى بإلا منقطعاً، فليس فيه إلا النصبُ بإلا، سواءٌ أتقدَّمَ
على المستثنى منه أم تأخر عنه ، وسواءٌ أكان الكلام مُوجَباً أم منفياً، نحو :
((جاءَ المسافرونَ إلا أمتعتهم. جاءَ إلَّ أمتعتَهُم المسافرون. ما جاءً
المسافرون إلا أمتعتهم )) .
ومن الاستثناء المُنقطع قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علمٍ ، إلّ أتباع
الظّنّ﴾(١)، وقوله ﴿ وما لأحدٍ عندَهُ من نِعمةٍ تُجزى، إِلَّ ابتغاءَ وجهِ ربهِ
الأعلى ﴾(٢).
ولا تجوز البدليةُ في الكلام المنفيّ ، هنا، كما جازت في المستثنى
المُتَّصل، إذ لا معنى لإِبدال الشيءٍ من غير جنسه .
وبَنو تميمٍ يُجيزون البدلية فيه، إن صحَّ تَفرُّغ العاملِ قبلَه له وتَسلُّطْهُ
عليه. فيجيزون أن يقالَ: ((ما جاءَ المسافرونَ إلَّا أمتعتُهم))، لأنك لو
قلتَ : (( ما جاءَ إلَّ أمتعةُ المسافرين))، لَصَحَ، وعليه قولُ الشاعر:
لَيْسَ بِها أَنيسُ
وَبَلْدةٍ
إِلَّ الْيَعافِيرُ، وإِلَّ العِيسُ (٣)
٠.٠٠
(١) اتباع الظن غير العلم ، فأحدهما ليس من جنس الآخر .
(٢) ابتغاء وجه الله غير النعمة، فهو ليس من جنسها. لذلك كان الاستثناء في الآيتين منقطعاً.
(٣) اليعافير: جمع يعفور، بفتح الياء وضمها ، وهو الظبي ، وولد البقرة الوحشية. والعيس:
الابل البيض يخالط بياضها شقرة أو سواد خفي، والذكر أعيس والأنثى عيساء.
١٣٦

وقول الآخر :
عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّواحُ مَكانَها
ولا النَّبْلُ، إِلَّ الْمَشْرِفِيُّ الْمُصَمِّمُ (١)
وقول غيره :
وَبِنتَ كِرامٍ قَدْ نَكحْنا، ولم يَكُنْ
لسنا خاطِبٌ إلَّ السِّنانُ وعامِلُهُ (٢)
فائـة
اعلم أنه لا يكون الاستثناء المنقطع إلاّ إذا كان للمستثنى علاقة
بالمستثنى منه ، فيتوهم بذكر المستثنى منه دخولُ المستثنى معه في الحكم ،
فتقول : ((جاء السادة إلا خدمهم))، إذا كان من العادة أنهم يجيئون معهم ،
فإن لم يكن من العادة ذلك فلا معنى لهذا الاستثناء . وتقول : ((رجع
المسافرون إلّ أثقالهم. أو إلا دوابهم))، لأنّ الإِخبار برجوعهم يتوهم منه
رجوع أثقالهم أو دوابهم معهم . وقد تكون العلاقة بينهما ، لكنه لا يُتوهم
دخولُ المستثنى في حكم المستثنى منه ، وإنما يذكر لتمكين المعنى في نفس
السامع والتهويل به، كأن تقول: ((لا يخطب في الحرب خطيبٌ إلَّ السن
النيران)). وقد صح الاستثناء مع عدم التوهم لمكان المناسبة بين صوت النار
وصوت الخطيب المتأجج حماسة ، وللتهويل بشدة الحال . وكذا إن قلت :
(( سلكتُ فلاةً ليس فيها أنيس إلا الذئاب، أو إلا وحوشها)»، فلمناسبة التضاد
(١) المشرفي: السيف، والمصمم : القاطع الماضي في الصميم ، وهو العظم الذي به قوام
العضو. يقال: صمّم السيف: إذا مضى في الصميم وقطعه . فإذا قطع المفصل قيل: طبّق
تطبيقاً .
(٢) عامل الرمح : صدره .
١٣٧

بين الأنيس والذئاب ، ولتمثيل هول الموقف . لهذا لم يتعدَّ الصواب من أجاز
من العرب البدلية في الكلام التام المنفي ، من هذا الاستثناء ، لأنه في حكم
المتصل معنى ، ألا ترى أنك إن حذفت المستثنى منه وسلطت العامل فيه
على المستثنى صح اللفظ والمعنى. فتقول: ((لا يتكلم في الحرب إلا ألسنُ
النيران))، وتقول: ((مررت بفلاة ليس فيها إلَّ الذئاب))، من غير أن ينقص
من المعنى شيءٌ إلا ما كنت تريده من إعظام الأمر وتهويله . ويجري هذا
المجرى الأبيات الثلاثة التي مرت بك آنفاً . هذا هو الحق فاعتصم به .
وبما قدمناه تعلم أنّ في إطلاق النحاة الكلام ، في الاستثناء المنقطع ،
تساهلاً لا ترضاه أساليب البيان العربي. وتمثيلهم له بقولهم: ((جاء القوم إلا
حماراً)) شيءٌ يأباه كلام العرب. نعم يصح أن تقول: ((جاء القوم إلاّ
الحمار ، أو إلَّ حماراً لهم ، أو إلا حمارهم))، إن كان من العادة أن يكون
معهم. أما ((جاء القوم إلا حماراً)) فلا يجوز ، وإن كان من العادة مجيءُ
حمار معهم ، لأنه لا يجوز استثناء النكرة غير المفيدة ( أي التي لم تخصص )
من المعرفة . كما قدمنا .
٤ - (إلَّ)) بِمَعْنى ((غَيْرِ))
الأصلُ في ((إلّا)) أن تكونَ للاستثناء، وفي ((غير)) أن تكون وصفاً. ثمَّ
قد تُحملُ إحداهما على الأخرى ، فَيَوصَفُ بإلّاً ، ويُستثنى بغير .
فإن كانت (إلا)) بمعنى ((غير))، وقعت هي وما بعدَها صفةً لما قبلها ،
( وذلك حيثُ لا يُرادُ بها الاستثناءُ ، وإنما يُرادُ بها وصفُ ما قبلَها بما يُغاير ما
بعدَها) ، ومن ذلك حديثُ : ((الناسُ هَلكَى إلا العالِمونَ، والعالِمُونَ هَلَّكى
إلّ العامِلونَ، والعاملونَ هلكى إلّ المخلصون))، أي: ((الناسُ غيرُ العالمينَ
هَلكى، والعالمونَ غيرُ العاملين هلكى، والعاملونَ غيرُ المخلصينَ هَلكى)»
١٣٨
۔

ولو أراد الاستثناءَ لنصبَ ما بعدَ ((إلَّ)» لأنهُ في كلام تامٍّ مُوجَبٍ .
وقد يصحُّ الاستثناءُ كهذا الحديث ، وقد لا يصحُّ ، فيتعيّن أن تكونَ
((إلا)) بمعنى ((غير))، كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهةٌ إلَّ اللّهُ
لفسدتا﴾. فإلا وما بعدَها صفةٌ لِإِلهَة، لأنَّ المُرادَ من الآية نفيُ الآلهةِ
المُتعدِّدةِ وإثبات الإِلْهِ الواحد الفرد . ولا يصحُّ الاستثناءُ بالنصب ، لأنّ
المعنى حينئذٍ يكون: ((لو كان فيهما آلهةٌ، ليس فيهمُ اللّهُ لفسدتا)). وذلك
يقتضي أنه لو كان فيهما آلهةٌ، فيهمُ الله، لم تَفسُدا. وهذا ظاهرُ الفسادِ (١).
وهذا كما تقولُ: ((لو جاءَ القوم إلَّ خالداً لأخفقوا)) أي: لو جاءُوا مُستثنّى
منهم خالدٌ - بمعنى أنه ليس بينهم - لأخفقوا . فهم لم يُخفقوا لأنَّ بينهم
خالداً. ونظيرُ الآية - في عدم جواز الاستثناءِ - أن تقول : ((لو كان معي
دراهمُ، إلا هذا الدرهم))(٢). فإن قلتَ: ((إلَّ هذا الدرهم))، بالنصب كان
المعنى : لو كان معي دراهمُ ليس فيها هذا الدرهمُ لبذلتُها ، فُيُنتجُ أَنكَ لم
تبذُلها لوجودِ هذا الدرهمِ بينَها . وهذا غير المراد .
ولا يَصِحُّ أيضاً أن يُعرَب لفظ الجلالةِ بدلاً من آلهة، ولا ((هذا الدرهم)»
بدلاً من دراهمَ، لأنهُ حيثُ لا يَصِحُّ الاستثناءُ لا تصحُّ البدليةُ . ثم إنَّ الكلامَ
مُثبتٌ، فلا تجوزُ البدليةُ، ولو صحَّ الاستثناءُ، لما علمتَ من أنَّ النصبَ واجبٌ
في الكلام التامَ المُوجَبِ(٣). وأيضاً: لو جعلتَهُ بدلًا لكان التقديرُ: ((لو كان
(١) ورحم الله (ابن يعيش) فقد أجاز سهواً - في شرح المفصل - النصب على الاستثناء في الآية
الكريمة ، غير مُقدَّرٍ ما ينتجه معنى النصب من الفساد. ولكل جواد كبوة .
(٢) برفع الدرهم .
(٣) فإن قيل: إن ((لو)) للامتناع. ((وامتناع الشيء انتقاؤه)) فيكون الكلام منفياً، فنقول: إن العرب لا
تعتبر مثل هذا النفي، لأنه نفي بالتأويل. بدليل أنهم لا يقولون: ((لو كان فيها ديّار لأكرمته)).
ولا ((لو جاءني من أحد لأحسنت إليه)). ولو كانت ((لو) بمنزلة حرف النفي لجاز ذلك، كما
يجوز: ((ما فيها ديار. وما جاءني من أحد)) وذلك لأنّ (ديارا)) لا يقع إلا بعد نفي، وكذا ((من)»
الزائدة لتأكيد النفي .
١٣٩

فيهما إلَّ اللّهُ لفسدتا))، لأنَّ البدلَ على نِيَّةٍ طرحِ المُبدل منه، كما هو
معلومٌ. ولعدَم صحَّةِ الاستثناءِ هنا وعَدَمِ جَوازٍ البدليّة تَعَيَّن أن تكون ((إلا ))
بمعنى (( غير)».
وممّا جاءَت فيه ((إلَّ)) بمعنى ((غير))، مَعَ عدم تَعذُّرِ الاستثناءِ معنَى،
قول الشاعر :
أخوهُ
مُفَارِقُهُ
أخٍ
وكُ
لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّ الْفَرْقَدَانِ (١)
أي: كلُّ أخٍ، غيرُ الفرقدينِ، مفارقُهُ أخوه. ولو قال: (( كل أخٍ
مُفارقُهُ أخوهُ إلا الفَرقِدِينِ)) لَصَحَّ .
وأعلم أنَّ الوصفَ هو (( إلا)) وما بعدَها معاً، لا (( إلّ)) وحدَها، ولا ما
بعدَها وحدَه ، مع بقائها على حرفيتها ، كما يُوصف بالجارّ والمجرورِ مع بقاءٍ
حرف الجرّ على حرفيته. والإِعرابُ يكون لِما بعدَها . ومن العلماءِ من
يجعلُها اسماً مبنياً بمعنى ((غير)) ويَجعلُ إعرابها المحلّي ظاهراً فيما بعدَها .
والجمهور على الأول وهوَ الأولى .
٥ - حُكُمُ المُستَثْنِى بِغَيْرٍ وَسِوَّى
غيرُ : نكرة مُتوغلةٌ في الابهام والتَّنكير ، فلا تُفيدُها إضافتها إلى المعرفة
تعريفاً، ولهذا تُوصَفُ بها النكرةُ مع إضافتها إلى معرفةٍ، نحو: (( جاءَني رجلٌ
(١) إلا وما بعدها: صفة المضاف، وهو ((كل))، لا صفة لأخ، لذلك رفع ما بعد )(إلاَّه والمشهور
الشائع في كلامهم في مثل ((كل وبعض)) ونحوهما أن يكون الوصف لما أضيفا إليه ، لا لهما ،
لأنه إن أسقط المضاف إليه نابت صفته منابه ، فإن قلت : ((كل رجل كريم محبوب))، ثم
اسقطت رجلًا، قلت: ((كل كريم محبوب)). ويجوز على قلة إجراء الصفة على كل وبعض
المضافين دون المضاف إليه كما ترى في هذا البيت .
١٤٠

غيرُكَ، أو غيرُ خالٍ)). فلذا لا يُوصَفُ بها إلا نكرةٌ، كما رأيتَ، أو شبهُ
النكرةِ مِمّا لا يفيدُ تعريفاً في المعنى ، كالمُعرَّفِ بألِ الجنسية، فإنَّ المعرَّفَ
بها ، وإن كان معرفة لفظاً ، فهو في حكم النكرةِ معنَّى، لأنه لا يدُلُّ على
مُعَيَّنٍ. فإن قلتَ: ((الرجالُ غيرُك كثيرٌ ))، فليس المرادُ رجالاً مُعيَّنِينَ (١).
ومثلُها في تنكيرها ، وتَوَغُّلها في الإِبهام ، ووصفِ النكرةِ أو شبهها
بها، وعدم تعرُّفها بالإِضافةِ ((مِثلٌ وسِوَّى وشِبْهٌ ونظيرٌ)). تقول: ((جاءَني
رجلٌ مِثْلُك، أو سِواكَ، أو شِبهُكَ، أو نظيرُكَ )).
وقد تُحَمَلُ ((غير)) على ((إلا)) فُيُستثنى بها، كما يستثنى بإلا ، كما
حُملتْ ((إلا )) على ((غير)) فَوُصِفَ بها. والمستثنى بها مجرورٌ أبداً بالإِضافة
إليها، نحو: ((جاءَ القوم غيرَ عليّ)).
وقد تُحَمَلُ ((سِوى)) على ((إلا))، كما حُمِلت ((غيرٌ))، لأنها بمعناها،
فَيُستثنى بها أيضاً. والمُستثنى بها مجرور بالإِضافة إليها .
وحكمُ ((غيرٍ وسِوَّى)) في الإِعراب كحكمِ الاسم الواقع بعدَ ((إلا)):
فتقول: ((جاءَ القومُ غيرَ خالدٍ))، بالنصب، لأنَّ الكلام تامٌ مُوجَبٌ.
وتقول: ((ما جاءَ غيرَ خالدٍ أحدٌ))، بالنصب أيضاً، وإن كان الكلامُ
منفيّاً، لأنها تقدَّمت على المستثنى منه .
وتقول : ((ما احترقتِ الدارُ غيرَ الكتبِ»، بالنصب، وإن كان الكلام
منفيّاً، ولم يتقدم فيه المستثنى على المستثنى منه، لأنها وقعت في استثناء
مُنقطع .
وتقول: ((ما جاءَ القومُ غيرُ خالٍ، أو غيرَ خالد)»، بالرفع على أنها بدلٌ
(١) راجع مبحث ((أل)) الجنسية في الجزء الأول من هذا الكتاب.
١٤١
:
:
...***
....

من القوم، وبالنصب على الاستثناء، لأنَّ الكلامَ تامٌّ منفي. قال تعالى: ﴿لا
يَستوي القاعدون من المؤمنينَ ، غيرُ أولي الضّرر، والمجاهدون في سبيل
اللّهِ بأموالهم وأنفُسهم﴾. قُرىءَ ((غير)) بالرفع ، صفةً للقاعدون ، وبالجر ،
صفةً للمؤمنين ، وبالنصب على الاستثناءِ .
وتقول: (( ما جاءَ غيرُ خالِدٍ)) بالرفع ، لأنها فاعل، و« ما رأيتُ غيرَ
خالد)) بالنصب، لأنها مفعولٌ به، و((مررتُ بغير خالدٍ))، بجرها بحرف
الجر. وإنما لم تُنصَب ((غير)) هنا على الاستثناء لأن المستثنى منه غيرُ مذكورٍ
في الكلام ، فتفرَّغَ ما كان يعملُ فيه للعمل فيها .
وأعلم أنه يجوز في ((سوى)) ثلاثُ لغاتٍ: (( سِوى)) بكسر السين ،
و ((سُوى)) بضمها، و((سَواء)) بفتحها معَ المدّ .
٦ - حُكمُ المُستشْنی بِخَلا وعَدَا وحاشا
خلا وعدا وحاشا : أفعال ماضيةٌ، ضُمّنت معنى ((إلَّ)) الاستثنائية،
فاستثنيَ بها ، كما يُستثنى بإلّاً.
وحكمُ المستثنى بها جوازُ نصبهِ وجرّهِ . فالنصبُ على أنها أفعالٌ
ماضية ، وما بعدَها مفعولٌ به . والجرُّ على أنها أحرفُ جرّ شبيهةٌ بالزائدِ ،
نحو: ((جاءَ القومُ خَلا عليّاً، أو عليّ)).
والنصبُ بخلا وعدا كثيرٌ، والجرُّ بهما قليلٌ. والجرُّ بحاشا كثيرٌ،
والنصبُ بها قليلٌ .
... ....
وإذا جررتَ بهن كان الاسمُ بعدَهنَّ مجروراً لفظاً ، منصوباً محلاً على
الاستثناءِ .
فإن جُعلت أفعالاً كان فاعلها ضميراً مستتراً يعودُ على المُستثنى
١٤٢
-
٠٠٠ ٠ ٠٫
٠," ..

منه(١) . والتّزِمَ إفرادهُ وتذكيرهُ، لوقوعِ هذه الأفعالِ موقعَ الحرف ، لأنها قد
تضمّنت معنى)(إلا))، فأشبهتها في الجمودِ وعَدَمِ التَّصرُّفِ والاستثناءِ بها .
والجملةُ إما حالٌ من المستثنى منه ، وإما استئنافية .
ومن العلماءِ من جعلها أفعالاً لا فاعلَ لها ولا مفعولَ ، لأنها محمولةٌ
على معنى ((إلا))، فهي واقعةٌ موقعَ الحرفِ ، والحرفُ لا يحتاج إلى شيءٍ
من ذلك . فما بعدَها منصوبٌ على الاستثناء ، حملاً لهذه الأفعال على
(( إلا)». وهو قولٌ في نهاية الحِذقِ والتَّدقيق .
( قال العلامة الاشموني في شرح الألفية: ((ذهب الفراء إلى أن
(حاشا) فعل، لكن لا فاعل له . والنصب بعده إنما هو بالحمل على (إلا ) .
ولم ينقل عنه ذلك في ( خلا وعدا ) . على أنه يمكن أن يقول فيهما مثل
ذلك)). قال الصبان في حاشيته عليه: «قوله لا فاعل له ، أي ولا مفعول ،
كما قاله بعضهم. وقوله بالحمل على ((إلا)) أي . فيكون منصوباً على
الاستثناء ومقتضى حمله على ((إلا)) أنه العامل للنصب فيما بعده)) ا. هـ.
والحق الذي ترتاح إليه النفس أن تُجعل هذه الأدوات: (( خلا وعدا
وحاشا))، في حالة نصبها ما بعدها - إما أفعالاً لا فاعل لها ولا مفعول ، لأنها
واقعة موقع الحرف ، وإما أحرفاً للاستثناء منقولة عن الفعلية إلى الحرفية ،
لتضمنها معنى حرف الاستثناء كما جعلوها ـ وهي جارّةٌ أحرفَ جر ، وأصلها
الأفعال ) .
وإذا اقترنت بخلا وعدا ((ما)) المصدريةُ، نحو: ((جاءَ القوم ما خلا
(١) قال قوم: يعود على البعض المفهوم من الاسم السابق. والتقدير: جاء القوم خلا البعض علياً.
وقال قوم: يعود على اسم الفاعل المفهوم من الاسم السابق والتقدير: جاءوا خلا الجائي عليّاً.
وقال آخرون: يعود على مصدر الفعل المتقدم. والتقدير: جاءوا خلا المجيء عليّاً. وما ذكرناه
هو أقرب إلى الحق والصواب .
١٤٣
٠٠٠٠ ٠

خالداً)) وجبَ نصبُ ما بعدَهما، ويجوزُ جره، لأنهما حينئذٍ فعلانٍ. و((ما))
المصدريّة لا تَسبقُ الحروفَ . والمصدر المؤوَّل منصوبٌ على الحال بعد
تقديره باسم الفاعل ، والتقديرُ : جاءَ القومُ خالينَ من خالدٍ .
( هكذا قال النحاة . وأنت ترى ما فيه من التكلف والبعد بالكلام عن
أسلوب الاستثناء. والذي تطمئن إليه النفس أن ((ما)) هذه ليست مصدرية .
وإنما هي زائدة لتوكيد الاستثناء ، بدليل أن وجودها وعدمه ، في إفادة
المعنى ، سواء على أن من العلماء من أجاز أن تكون زائدة ، كما في شرح
الشيخ خالد الأزهري لتوضيح ابن هشام ) .
أما حاشا فلا تَسبقُها (( ما)) إلَّ نادراً. وهي تُستعملُ للاستثناءِ فيما ينزَّه
فيه المستثنى عن مشاركة المستثنى منه، تقول: ((أهملَ التلاميذُ حاشاً
سليمٍ ))، ولا تقولُ: ((صلَّى القومُ حاشا خالدٍ)) لأنه لا يتنزَّه عن مشاركة
القوم في الصّلاة . وأما سليم - في المثال الأول ، فقد يتنزَّه عن مشاركة غيرهِ
في الإِهمال .
وقد تكون للتَّزيه دون الاستثناء ، فيُجرُّ ما بعدها إما باللام ، نحو :
((حاشَ للَّهِ))، وإما بالإِضافة إليها، نحو: ((حاشَ اللّهِ)). ويجوز حذفُ
ألفها، كما رأيتَ، ويجوز إثباتها، نحو: ((حاشا لله)) و((حاشا اللّهِ)).
ومتى أستُعملت للتّنزيهِ المجرَّدٍ كانت أسماً مُرادِفاً للتنزيهِ ، منصوباً على
المفعوليّة المُطلَقةِ أنتصابَ المصدرِ الواقع بدلًا من التلفّظ بفعله . وهي ، إن
لم تُضَف ولم تُنَوَّن كانت مبنيّةً ، لشبهها بحاشا الحرفية لفظاً ومعنى . وإن
أُضيفت أو نُوّنت كانت مُعرَبَةً، لِيُعدِها بالإِضافة والتنوينِ من شَبَهِ الحرف ،
لأنَّ الحروفَ لا تُضاف ولا تنوَّنُ،: ((حاشَ اللّهِ، وحاشا للّهِ)).
وقد تكونُ فعلًا متعدِّياً مُتصرفاً، مثل: ((حاشيتهُ أُحاشيهِ)) ، بمعنى:
١٤٤
......
......... .. ...
:
:
٠٠ -٠

استثنيتُهُ أستثنيهِ. فإن سبقتها (( ما)» كانت حينئذٍ نافيةً. وفي الحديث : أن
مَّ، قال: ((أُسامة أحبُّ الناسِ إليَّ))، وقال راويهِ: (( ما حاشى فاطمةً ولا
غيرها )).
وتأتي فعلاً مضارعاً، تقول: ((خالدٌ أفضلُ أقرانهِ، ولا أُحاشي أحداً)»،
أي : لا استثني، ومنه قول الشاعر النابغة :
ولا أَرَى فاعلا في النَّاسِ يُشْبِهُهُ
وَلا أُحَاشِي مِنَ الأقوامِ مِنْ أحدٍ
وإن قلت : ((حاشاك أن تكذب، وحاشى زهيراً أن يُهملَ))(١)،
فحاشى : فعلٌ ماضٍ بمعنى: ((جانبَ)) وتقولُ أيضاً: ((حاشى لك أن
تهملَ )) ، فتكون اللام حرفَ جرّ زائداً في المفعول به للتقوية .
وإن قلتَ: ((أُحاشيك أن تقول غير الحقِّ))، فالمعنى أُنزِّهُك.
٧ - حُكْمُ المُستَثْنِى بِلَيْسَ ولا يَكُون
ليس ولا يكونُ : من الأفعال الناقصةِ الرَّافعة للاسم الناصبةِ للخبر .
وقد يكونان بمعنى ((إلا)) الاستثنائية؛ فَيستثنى بهما، كما يُستثنى بها .
والمستثنى بعدَهما واجبُ النصبِ، لأنه خبرٌ لهما، نحو: (( جاءَ القومُ ليس
خالداً، أو لا يكون خالداً)). والمعنى: جاءُّوا إلا خالداً. واسمُهما ضميرٌ
مستتر يعود على المستثنى منه . والخلاف في مرجع الضمير فيهما كالخلاف
في مرجعه في ((خلا وعدا وحاشا)» فراجِعهُ.
(هكذا قال النحاة . أما ما تطمئن إليه النفس فإن يجعلا فعلين لا مرفوع
(١) الكاف ـ في المثال الأول - وزهيراً - في المثال الثاني - مفعولان لحاشى. والمصدر المؤول
بأن في موضع الفاعل. والتقدير: جانبك الكذب، وجانب زهيراً الإهمال .
١٤٥

الخطاب.
لهما ولا منصوب، لتضمنهما معنى ((إلا)» أو يجعلا حرفين للاستثناء ، نقلاً
لهما عن الفعلية إلى الحرفية ، لتضمنهما معنى ((إلا)) كما جعل الكوفيون
((ليس)) حرف عطف إذا وقعت موقع ((لا)) النافية العاطفة، نحو: ((خذ الكتاب
ليس القلم))، وكما قال الشاعر: ((والاشرمُ المطلوبُ ليس الطالبُ))، برفع
((الطالب)) عطفاً بليس على ((المطلوب)) أي: (الأشرمُ الطالب لا المطلوب).
٨ - شِبْهُ الاستِثناء
شبهُ الاستثناء يكون بكلمتين: ((لا سِيّما)) و((بيدَ)):
فلا سِيّما : كلمةٌ مُركَّبةٌ من ((سيَ)) بمعنى مثلٍ، ومُثناها سِيّانِ، ومن
((لا)) النافية للجنس. وتُستعمل لترجيح ما بعدَها على ما قبلها . فإذا قلتَ :
((اجتهدَ التلاميذُ، ولا سِيّما خالدٍ))، فقد رَجَحْتَ آجتهادَ خالدٍ على غيرهِ من
التلاميذ .
وتشديد بائها وسَبقُها بالواوِ و(لا))، كلُّ ذلك واجب . وقد تُخفف
ياؤها . وقد تُحذَف الواو قبلها نادراً. وقد تُحذفُ (ما) بعدَها قليلاً. أما
حذفُ (لا) فلم يرد في. كلام من يُحتج بكلامهِ .
والمُستثنى بها ، إن كان نكرةً جازَ جَرُّهُ وَرَفَعُهُ ونَصبهُ. تقول: (( كلُّ
مجتهدٍ يُحَبُّ، ولا سيّما تِلميذٍ مِثلكَ)) أو ((ولا سيّما تلميذٌ مِثلُك))، أو (( ولا
سِيْما تلميذاً مثلَك)). وجُّهُ أَولى وأكثرُ وأشهرُ.
( فالجر بالإضافة إلى ((سيّ)) وما : زائدة . والرفع على أنه خبر لمبتدأ
محذوف تقديره هو. وتكون ((ما)): اسم موصول محلها الجر بالإِضافة إلى
(سي). وجملة المبتدأ والخبر : صلة الموصول . ويكون تقدير الكلام :
((يحب كل مجتهد لا مثل محبة الذي هو تلميذٌ مثلك، لأنك مُفضَّلُ على كل
تلميذ)) والنصب على التمييز سي ، وما : زائدة ) .
١٤٦
٠٠٠١٣٫٦٠٠٢٥٨٠٠١٤٠

وإن كان المُستثنى بها معرفةً جازْ جَرُّهُ، وهو الأولى، وجاز رفعهُ ،
نحو: ((نجحَ التلاميذُ ولا سِيّما خليلٍ)) أو (( ولا سِيّما خليلٌ)). ولا يجوزُ
نصبُهُ ، لأن شرطَ الْتّمييز أن يكون نكرةً .
وحكمُ ((سِيّ)) أنها، إن أُضيفت ( كما في صورَتي جرِّ الاسم ورفعه
بعدَها ) فهي مُعرَبَةٌ منصوبةٌ بلا النافية للجنس ، كما يعرَبُ اسم (لا) في
نحو: ((لا رجلَ سوءٍ في الدار )). وإن لم تُضَف فهي مبنيّةٌ على الفتح كما
يُبنى آسم (لا) في نحو: ((لا رجلَ في الدار)).
٠٩٠٠,
وقد تستعمل ((لا سِيّما)) بمعنى ((خصوصاً))، فيُؤتى بعدَها بحالٍ
مُفردَةٍ ، أو بحالٍ جُملةٍ ، أو بالجملة الشرطية واقعةً موقعَ الحال . فالأول
نحو: ((أُحِبُّ المطالعةَ، ولا سِيّما منفرداً)). والثاني نحو: ((أُحبُّها، ولا
سِيّما وأنا منفردٌ)). والثالثُ نحو: ((أُحبُّها، ولا سِيّما إن كنتُ منفرداً)).
وقد يَليها الظَّرِفُ، نحو: ((أُحبُّ الجلوسَ بين الغِياضِ ، ولا سِيّما عند
الماءِ الجاري))، ونحو: (( يَطيبُ ليَ الاشتغالُ بالعلم، ولا سِيّما ليلاً))، أو
(( ولا سِيّما إذا أَوَى الناسُ إلى مضاجعهم)).
أمّا (بَيدَ فهو اسمُ ملازمٌ للنّصب على الاستثناءِ)). ولا يكون إلَّ في
استثناءٍ منقطع. وهو يَلَزَمُ الإِضافةً إلى المصدر المؤوَّلِ بأنَّ التي تنصبُ
الاسمَ وترفعُ الخبرَ، نحو: ((إِنهُ لكثيرُ المال، بيدَ أنه بخيل)». ومنه
حديثُ : (( أنا أفصَحُ من نطقَ بالضادِ ، بَيدَ أني من قُرَيشٍ ، واستُرضِعتُ في
بني سعدِ بنِ بَکٍ )».
٩ - المنادي
المنادَى : اسمٌ وقعَ بعدَ حرفٍ من أحرف النداءِ، نحو: ((يا عبدَ الله)).
وفي هذا البحث أربعةَ عشرَ مبحثاً :
١٤٧