النص المفهرس
صفحات 661-680
والأصلُ في صاحبها أن يكون معرفةً ، كما رأيتَ . وقد يكونُ نكرةً ، بأحدٍ أربعة شروطٍ : ١٠ - أن يتأخرَ عنها، نحو: ((جاءني مُسرعاً مُستنجدٌ فأنجدتهُ))، ومنه قولُ الشاعر: ((لِمَّةَ مُوحِشَاً طَلَلُ))(١). وقول الآخر : وفي الجِسْم مِنّي بَيِّناً، لَوْ عَلِمْتِهِ، شُحُوبٌ. وإِنْ تَسْتَشْهِدِي الْعَيْنَ تَشْهَدِ(٢) وقولُ غيره : ومَا لاَمَ نَفْسِي مِثْلَها ليَ لائِمُ ولا سَدَّ فَقْرِي مِثْلُ مَا مَلَكَتْ يَدِي(٣) ٢ - أن يسبقه نفيّ أو نهيٌ أو استفهامٌ فالأولُ نحو: (( ما في المدرسة من تلميذٍ كسولاً. وما جاءني أحدٌ إِلَّ راكباً))، ومنه قوله تعالى: ﴿ وما أهلكنا من قريةٍ إلَّ لها مُنذِرونَ﴾. والثاني نحو: (( لا يُبغِ أمروءٌ على أمرىء مُستسهلاً بَغْيَهُ))، ومنه قولُ الشاعر : لاَ يَرْكَنَنْ أَحدٌ إلى الإِحجامِ يَوْمَ الْوَغَى مُتَخَوِّفاً لِحمامِ (٤) الثالثُ، نحو: ((أَجاءَكَ أحدٌ راكباً))، ومنه قولُ الشاعر : (١) الطلل: ما شخص من آثار الدار. و(موحشاً): حال من طلل مقدمة عليه . (٢) بينا: حال مقدمة على صاحبها، وهو شحوب. (٣) مثلها: حال من لائم مقدمة عليه . (٤) الإحجام : التأخر، والحمام : الموت. ٨٨ يَا صَاحٍ ، هَلْ حُمَّ عَيْشٌ باقِياً؟ فَتْرَى لِنَفْسِكَ الْعُذْرَ في إسعادِهَا الأَمْلا (١) ٣ - أن يَتْخصَّصَ بوصفٍ أو إضافةٍ، فالأولُ نحو: (( جاءني صديقٌ حميمٌ طالباً مَعونتي ))، ومنهُ قوله تعالى: ﴿ فيها يُفرَقُ كلُّ أمر حكيمٍ ، أمراً من عندنا﴾، وقول الشاعر: يا رَبِّ نَجَّيْتَ نُوحاً واستجَبْتَ لَهُ في فُلُكٍ ماخِرٍ في أَلْيَمِّ مَشْحُونَا والثاني، نحو : (( مَرَّت علينا سنةُ أيامٍ شديدةً))، ومنه قوله تعالى : في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين ﴾ . ٤ - أن تكون الحالُ بعدَهُ جملةٌ مقرونةً بالواو ، كقوله تعالى : ﴿ أو كالذي مَرَّ على قريةٍ ، وهيَ خاويةٌ على عُرُوشها ﴾ . وقد يكونُ صاحبُ الحالِ نكرةً بلا مُسَوِّغٍ ، وقو قليلٌ ، كقولهم : ((عليه مِئَةٌ بيضاً))، وفي الحديث: ((صلَّى رسولُ اللّهِ، صلَّى اللّه عليه وسلَّم ، قاعداً وصلَّى وراءهُ رجالٌ قِياماً )». ٤ - تَقَدُّمُ الحالِ على صاحِبِها وَتَأْخُّرُها عنه الأصلُ في الحالِ أن تتأخرَ عن صاحبها . وقد تتقدَّمُ عليه جوازاً ، نحو : ((جاء راكباً سعيدٌ )) ، ومنه قول الشاعر : فَسَقَى دِيارَكِ، غَيْرَ مُفْسِدِها، صَوْبُ الرَّبيعِ وديمة تَهْمِي وقد تتقدَّمُ عليه وُجوباً. وقد تَتأخرُ عنهُ وجوباً . (١) حُمَ عيش: هُِىءَ وقُذِّرَ ، بالبناء للمجهول . ٨٩ فتتقدّمُ عليه وُجوباً في موضعينٍ : ١ - أن يكونَ صاحبُها نكرةً غير مستوفيةٍ للشُّروط، نحو: ((الخليلٍ مُهذَّباً غلامٌ))، ومنه قولُ الشاعر : وهَلَّ أَعْدُّوني لِمثلي، تَفَاقَدُوا، وَفِي الأَرْضِ مَبْثُوثاً شُجاعٌ وَعَقْرَبُ(١) ٢ - أن يكونَ محصوراً(٢)، نحو: ((ما جاء ناجحاً إلَّ خالدٌ وإنما جاء ناجحاً خالدٌ)). تقولُ ذلك إذا أردتَ أن تَحصُرَ المجيء بحالة النجاح في خالد . وتتأخرُ عنه وجوباً في ثلاثة مواضع : ١ - أن تكونَ هي المحصورة(٣)، نحو: (( ما جاء خالدٌ إلَّ ناجحاً. وإنما جاء خالدٌ ناجحاً)). تقول ذلك إذا أردت أن تحصُرَ مجيء خالدٍ في حالة النجاح . ومنه قوله تعالى: ﴿وما نُرسِلُ المُرسلين إلَّ مبشّرِينَ ومنذِرِينَ ﴾. ٢ - أن يكون صاحبُها مجروراً بالإِضافة، نحو: ((يُعجبني وُقوفُ عليّ خطيباً. وسرّني عملُك مخلصاً)) . أما المجرور بحرف جرِّ أصلي ، فقد منعَ الجمهورُ تقدُّمَ الحال عليه . فلا يقالُ: ((مررتُ راكبةٌ بسعادَ وأخذتُ عائراً بيدٍ خليلٍ )) . بل يجب تأخيرُ الحال . وأجاز تقدُّمَهُ ابنُ مالك وغيرهُ . وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ وما (١) أي: هلا جعلوني عُدّة لرجل مثلي. (تفاقدوا): دعاء عليهم بأن يفقد بعضهم بعضاً. و(الشجاع): الخبيث من الحيات. وأراد بالشجاع والعقرب من يشبههما طباعاً من الناس. (٢) أي : محصوراً في الحال . (٣) محصوراً فيها صاحبها . ٩٠ wan أرسلناكَ إلَّ كافَّةً للناس ﴾ (١). وجعلَ بعضُهم جوازٌ تَقدُّمها عليه مخصوصاً بالشعر ، كقول الشاعر : إذا المرءُ أَعيَنْهُ المُرُوءَةُ ناشئاً فَمَطْلِبُها كَهْلاً عَلَيْهِ عَِيرُ (٢) وقول الآخر : تَسَلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بُعْدَ بَيْنِكُمْ بِذِكْراكُمْ، حَتَّى كَأَنَّكُمٍ عِنْدِي (٣) وقول غيره : لَئِنْ كانَ بَرْدُ الْمَاءِ هَيْمانَ صادِياً إِلىَّ حَبِيباً، إِنَّها لْحَبيبُ (٤) وقولُ الآخر : غافلاً تَعْرِضُ الْمَنِيَّةُ لِلْمَرْ ءٍ فَيُدْعَى، ولاتَ حِينَ نِداءِ (٥) (١) فكافة على قولهم ، حال من الناس مقدمة، فهي بمعنى ((جميعاً)). وقال المانعون: انّ كافة هنا وصفٌ من الكف بمعنى المنع ، لحقته التاء التي تلحق الصفات للمبالغة لا للتأنيث ، كرجل راوية وباقعة وداهية ، وجعلوه حالاً من الكاف في أرسلناك . وقولهم هذا أقرب إلى الحق. وقد جعل الزمخشري ((كافة)) صفة لمصدر محذوف أي: ((إرسالة كافة للناس)). (٢) كهلا: حال من الهاء في ((عليه)) كما قالوا. والأقرب أن يكون حالاً من الضمير المستتر في (مطلب)) العائد على المرء، لأنه مصدر متعد يطلب فاعلاً ومفعولاً به ، ومفعوله الضمير المضاف إليه . من اضافة المصدر إلى مفعوله . وحينئذ لا تكون الحال مقدمة على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي . (٣) طرأُ : حال من الكاف في عنكم . (٤) هيمان وصادياً : حالان من ياء الضمير في إليَّ . والهيمان والصادي بمعنى العطشان . (٥) غافلاً : حال من المرء . ٩١ ٠٠ أمّا المجرور بحرفِ جرّ زائد ، فلا خلافَ في جواز تقدُّمِ الحالِ عليه ، لأن حرفَ الجرِّ الزائد كالسّاقطِ فلا يُعتدُّ به، نحو: (( ما جاء راكباً من أحدٍ . وكفى صديقاً بِكَ))(١). ٣ - أن تكون الحالُ جملةً مقترنةً بالواو، نحو: ((جاء عليٌّ والشمسُ طالعة)) . فإن كانت غيرَ مُقترنة بها جاز تأخيرُها وتقديمها، فالأولُ نحو : ((جاء خليلٌ يَحمِلُ كتابهُ))، والثاني نحو: (( جاء يحملُ كتابَهُ خليلٌ )). وأجاز قومٌ تقديمَها وهي مُصَدَّرةٌ بالواو . والأصح ما ذكرناه . ٥ - تَقَدُّمُ الحالِ على عاملِها وتأَخِّرُها عَنه الأصلُ في الحال أن تَتأخَرَ عن عاملها . وقد تتقدَّمُ عليه جوازاً، بشرطِ أن يكون فعلاً مُتَصرفاً، نحو: ((راكباً جاء علي)) أو صفةً تُشبهُ الفعلَ المتصرفَ - كاسمِ الفاعلِ وأسمِ المفعولِ والصفة المشبهَةِ - نحو: ((مُسرعاً خالدٌ مُنطلقٌ)). ومن الفعل المتصرف قوله تعالى: ﴿خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجونَ﴾، وقولهم: ((شتّى تؤوبُ الحَلَبَةُ))(٢)، أي مُتَفرِّقين يرجعون. ( فإن كان العامل في الحال فعلاً جامداً، أو صفة تشبهه - وهي اسم التفضيل - أو معنى الفعل دون أحرفه ، فلا يجوز تقديم الحال عليه ، فالأول نحو: (( ما أجملَ البدرَ طالعاً!)). والثاني: ((عليّ أفصح الناس خطيباً)). والثالث نحو : ((كأنّ علياً مُقدماً أسدٌ))، فلا يقال: (( طالعاً ما أجمل البدر. ولا علي خطيباً أفصحُ الناس . ولا مقدماً كأن علياً أسدٌ)) ويستثنى من ذلك (١) صديقاً: حال من الكاف في ((بك)). وبك، الباء: حرف جر زائد. والكاف، لها موضعان من الإعراب : موضع قريب وهو الجر بالباء الزائدة ، وموضع بعيد وهو الرفع على أنها فاعل لكفى . (٢) شتى: جمع شتيت بمعنى متفرق. وتؤوب: ترجع. والحلبة: جمع حالب. ٩٢ اسم التفضيل في نحو، قولك: (( سعيد خطيباً أفصح منه كاتباً . وإبراهيمُ كاتباً أفصح من خليل شاعراً)) ففي هذه الصورة يجب تقديم الحال ، كما ستعلم . واعلم أن اسم التفضيل صفة تشبه الفعل الجامد ، من حيث أنه لا يتصرف بالتثنية والجمع والتأنيث ، كما تتصرف الصفات المشتقة ، كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة . فهو لا يتصرف تصرّفها إلَّ في بعض الأحوال ، وذلك إن اقترن بأل أو أضيف إلى معرفة ، فيصرف حينئذ أفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً . كما عرفت في الجزء الأول من هذا الكتاب ) . متى تتقدم الحال على عاملها وجوباً؟ تتقدمُ الحالُ على عاملها وجوباً في ثلاثٍ صُوَرٍ : ١ - أن يكون لها صدرُ الكلامِ، نحو: ((كيفَ رجعَ سليمٌ؟))(١)، فإن أسماء الاستفهام لها صدرُ جملتها . ٢ - أن يكون العاملُ فيها اسمَ تفضيلٍ، عاملاً في حالين، فُضْلَ صاحبُ إحداهما على صاحبِ الأخرى، نحو: (( خالدٌ فقيراً ، أكرمُ من خليلٍ غنّاً))، أو كان صاحبُها واحداً في المعنى، مُفضّلًا على نفسه في حالةٍ دونَ أُخرى، نحو: (( سعيدٌ، ساكتاً، خيرٌ منه متكلماً))، فيجبُ والحالةُ هذهٍ ، تقديمُ الحال التي للمُفضّل، بحيثُ يتوسطُ اسمُ التفضيلِ بينهما ، كما رأيتَ . ٣ - أن يكون العاملُ فيها معنى التّشبيه، دونَ أحرُفهِ ، عاملاً في حالینِ (١) كيف: اسم استفهام مبني على الفتح ، وهو في محل نصب على الحال من سليم ، أي : على أية حال جاء؟. ٩٣ يرادُ بهما تشبيهُ صاحبٍ الأولى بصاحبِ الأخرى، نحو: ((أنا، فقيراً، كخليلٍ غنّاً))، ومنه قولُ الشاعر : أَنَّنا تُعَيِّرُنا عالةٌ ونحنُ، صَعاليكَ، أَنْتُمْ مُلوكا(١) أو تشبيهُ صاحبهما الواحد في حالةٍ ، بنفسه في حالةٍ أُخرى ، نحو : ((خالدٌ، سعيداً، مِثْلُهُ بائساً)). فيجبُ، إذ ذاك، تقديمُ الحالِ التي للمُشبّهِ على الحالِ التي للمُشبّهِ به، كما رأيت. إلَّ إن كانت أداةُ التّشبيه ((كأنَّ))، فلا يجوزُ تقديمُ الحال عليها مُطلقاً، نحو: ((كأنَّ خالداً، مُهرولاً، سعيدٌ بطيئاً )». ( فإن كان التشبيه العامل في الحالين ، فعلاً أو صفة مشتقة منه ، جاز تقديم حال المفضل عليه وتأخيرها عنه ، فالأول نحو: (( خالد ماشياً يشبه سعيداً راكباً))، والثاني نحو: (( يشبه خالد ماشياً سعيداً راكباً)) ) . متى تتأخر الحال عن عاملها وجوباً؟ تتأخرُ الحال عن عاملها وجوباً في أحدَ عشرَ موضعاً: ١ - أن يكونَ العاملُ فيها فعلاً جامداً، نحو: ((نَعْمَ المهذارُ ساكتاً . ما أحسنَ الحكيمَ متكلِّماً. بئس المرءُ منافقاً. أحسِنْ بالرَّجلِ صادقاً)). (١) أي: ((نحن، في حال صعلكتنا مثلكم، في حال ملككم)). والعالة: جمع عائل، وهو الفقير. من عال الرجل: إذا افتقر . ومنه الحديث: ((ما عال مقتصد ولا يعيل))، وهو من اليائي. وأما ((عال الرجل أهله يعولهم فهو عائل))، إذا قام بما يحتاجون إليه، فهو من الواوي والصعلكة: الفقر. والصعاليك : الفقراء، وأحدهم صُعلوك. وبهم لُقبَ عُروة بن الورد ، فقيل له : ((عُروة الصعاليك)) لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرته في رزقهم مما يغنمه . وتصعلك : افتقر . وصعاليك العرب : لصوصهم وذؤ بانهم ، الذين يسلبون وينهبون ويغتالون، فِعل الذئاب في الفوات . ٩٤ ٢ - أن يكونَ أَسمَ فعلٍ، نحو: ((نَزالِ مسرعاً)). ٣ - أن يكونَ مصدراً يَصِحُّ تقديرُهُ بالفعلِ والحرفِ المصدري ، نحو : (( سرَّني أو يُسرُّني، اغترابُك طالباً للعلم)). ( إذ يصح أن تقول: (( يسرني أن تغترب طالباً للعلم)). فإن كان يصح تقديره بالفعل والحرف المصدري. نحو: ((سمعاً كلامَ اللّهِ متلوّاً))، جاز تقديمه عليه نحو: ((متلوّاً سمعاً كلام الله )). ٤ - أن يكون صِلةٌ لألْ، نحو: ((خالدٌ هو العاملُ مجتهداً)) . ٥ - أن يكون صِلةً لحرفٍ مصدريٍّ، نحو: (( يَسرُّني أن تعمل مجتهداً. سَرَّني أن عملتُ مُخلِصاً . يَسرُني ما تجتهدُ دائباً(١). سرَّني ما سَعَيتَ صابراً))(٢). ٦ - أن يكونَ مقروناً بلامِ الابتداءِ، نحو: ((لأصبِرُ مُعتمِلاً)). ٧ - أن يكون مقروناً بلامِ القسم، نحو: ((لأثابرَنَّ مجتهداً)». ٨ - أن يكونَ كلمةً فيها معنى الفعل دون أَحرفِهِ، نحو: ((هذا عليٌّ مقبلاً(٣). ليت سعيداً، غنّاً، كريمٌ (٤). كأنَّ خالداً، فقيراً، غنيٌّ)) (٥). ٩ - أن يكون اسمَ تفضيلٍ، نحو: ((عليَّ أفصحُ القومِ خطيباً))، إلَّا إذا كان عاملاً في حالين، نحو: ((العصفورُ، مغرداً خيرٌ منه ساكتاً))، فيجبُ تقديمُ حال المفضّل على عامله ، كما تقدَّم . (١) ما : مصدرية؛ وليست اسم موصول. والتأويل: يسرني اجتهادك دائباً. (٢) ما : هنا أيضاً مصدرية. والتأويل: ((سرني سعيك صابراً)). (٣) معنى الفعل هنا: التنبيه أو الإِشارة . (٤) معنى الفعل هنا : التمني المفهوم من ليت . (٥) معنى الفعل هنا : التشبيه المفهوم من كأنّ . ٩٥ ١٠ - أن تكونَ الحال مُؤكدةً لعاملها، نحو: ((ولّى العدوُّ مدبراً، فَتَبسم الصديقُ ضاحكاً )). ١١ - أن تكونَ جملةً مقترنة بالواو، على الأصحِّ، نحو: (( جئتُ والشمسُ طالعةٌ )). ( فإن كانت غير مقترنة بالواو جاز تقديمها على عاملها، نحو: (( يركب فرسه جاء خالد)) وأجاز قوم تقديمها على عاملها وهي مصدرة بالواو ، فأجازوا أن يقال: ((والشمس طالعة جئت)) والأصح ما قدّمناه. وقد سبق أنه لا يجوز تقديم الجملة المصدرة بالواو على صاحبها أيضاً ؛ وان قوماً أجازوه ) . ٦ - حَذْفُ الْحَالِ وَحَذْفُ صاحِبها الأصلُ في الحفل أنه يجوز ذكرها ويحذفُها، لأنها فضلةٌ . وإن حذفت فإنما تُحذَفُ لقرينة. وأكثرُ ما يكونُ ذلك إذا كانت الحالُ قولاً أغنى عنه ذكرُ العَقول، كقولهِ تعالى: ﴿والملائكةُ يَدخلونَ عليهم من كل باب سلامٌ عليكم﴾، أي: ((يدخلون قائلين: سلامٌ عليكم))، وقوله: ﴿وإذْ يُرفعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربّنا تَقبّلْ منا﴾، أي: (( يَرفعانِ القواعدَ قائلَينِ : ربّنا تقبّلْ منّا )). وقد يُحذَفُ صاحبُها لقرينةٍ ، كقولهِ تعالى: ﴿ أهذا الذي بَعثَ اللّه رسولاً ﴾، أي: «بعثهُ)». وقد يَعرِضُ للحال ما يَمنعُ حذفَها ، وذلك في أربعِ صورٍ : ١ - أن تكونَ جواباً، كقولك: ((ماشياً)» في جواب من قال ((كيف جئت؟ )). ٩٦ ٠ ١٨٫٠٠ * .. ٠٫٠٠٠لميشك-12 - ٠٥. ٠٠٠٨٠٠٠١ ٢ - أن تكونَ سادَّةً مسَدَّ خبرِ المبتدأَ(١)، نحو: ((أَفضلُ صدَقةِ الرجلِ مُستتراً)). ٣ - أن تكونَ بَدلا من التلفُّظِ بفعلها، نحو: ((هنيئاً لكَ))(٢). ٤ - أن يكونَ الكلامُ مَبنيًَّ عليها - بحيثُ يَفسُدُ بحذفها - كقوله تعالى: ﴿ يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تقربُوا الصلاةَ، وأنتم سكارى ، حتى تَعلموا ما تقولون﴾، وقوله: ﴿ولا تَمشٍ في الأرضِ مَرَحاً﴾ ومن هذا أن تكون محصورة في صاحبها، أَو محصوراً فيها صاحبُها، فالأولُ نحو: (( ما جاءً راكباً إِلَّ علي))، والآخرُ نحو: ((ما جاءَ عليٍّ إلَّ راكباً)). ٧ - حذفُ عاملِ الحالِ يحذَفُ العاملُ في الحال. وذلك على قسمين: جائز وواجب . فالجائزُ كقولك لقاصد السفر: ((راشداً))(٣)، وللقادم من الحجِّ: (مأجوراً))(٤)، ولمن يحدِّثُكَ: ((صادقاً))(٥)، ونحو: ((راكباً))(٦) لمن قال لكَ: ((كيف جئتَ؟))، وبَلى مسرعاً))(٧) في جواب من قال لكَ: ((إِنَّكَ لم تَنطلق)). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَيَحسَبُ الإِنسانُ أَن لن نجمعَ عِظَامَهُ ؟ بَلى، قادرينَ على أن نُسوِّي بَنانَهُ﴾(٨)، وقولُهُ: ﴿حافظوا على الصّلواتِ (١) راجع الكلام على أحكام خبر المبتدأ في الجزء الثاني من هذا الكتاب . (٢) أي: ثبت لك الشيء هنيئاً. ومعنى أنها بدل من التلفظ بفعلها أنها نائبة منابه ، لأن الأصل أن يقال: ((هنأك الشيء، أو يهنئك الشيء)». (٣) أي : تسافر راشدا . (٤) أي : رجعت مأجوراً . (٥) أي: تقول أو تتكلم أو تحدّث صادقاً. (٦) أي : جئت راكباً . (٧) أي: بلى انطلقت مسرعاً . (٨) أي : بلى نجمعها قادرين . ٩٧ والصلاة الوسطى ﴾، إلى قوله: ﴿فإن خفتم فَرحالاً أَو ركباناً ﴾(١). والواجبُ في خمس صوَر : ١ - أَن يُبَيِّن بالحالِ ازديادٌ أو نقصٌ بتدريجٍ، نحو : ( تَصدَّق بدرهمٍ فصاعداً، أو فأكثرَ )، ونحو : ( اشترِ الثّوبَ بدينار فنازلاً، أو فأقلَّ ، أو فَسافِلاً )(٢). وشرطُ هذه الحال أن تكون مصحوبة بالفاءِ ، كما رأيت، أَو بِثُمَ ، والفاءُ أكثرُ. ٢ - أن تُذكرَ للتوبيخِ، نحو: (أقاعداً عن العمل، وقد قام الناس؟)، ونحو: (أَمْتَوَانياً، وقد جَدَّ قُرَناؤْكَ؟). ومنه قولهم : ( أَتَميميّاً مَرَةً، وَقيسيّاً أُخرى؟) (٣). ٣ - أَنْ تكونَ مُؤكدةً لمضمون الجملةِ، نحو: ( أنت أخي مواسياً)(٤). ٤ - أن تسُدّ مَسَدّ خبر المبتدأ، نحو: ( تأديبي الغلامَ مُسيئاً)(٥). ٥ - أن يكون حذفُهُ (أي حذفُ العامل) سَماعاً، نحو: (هنيئاً لك)(٦). ٨ - أَقسامُ الحال تنقسم الحال - باعتبارات مختلفة - إلى مؤسسة ومؤكدة ؛ وإلى (١) أي: فصلوا رجالاً أو ركباناً. والرجال هنا: جمع راجل ؛ وهو من يمشي على رجليه . والركبان : جمع راكب . (٢) أي : ذهب العدد صاعداً أو نازلاً، والفاء زائدة لتزيين اللفظ. (٣) أي : أتوجد تميماً مرة ، وتتحوّل قيسياً مرة أخرى؟ تقول ذلك للمتلوّن المنافق الذي لا يثبت على حال . (٤) أي : أعرفك مواسياً (٥) أي : تأديبي إياه حاصل إذ يوجد مسيئاً . (٦) أي : ثبت لك الشيء هنيئاً . ٩٨ ٦٠٫٫٠٠٠٩ مقصودة لذاتها وموطئة ، وإلى حقيقية وسببية . وإلى مفردة وجملة وشبه جملة . فالمجموع تسعة أنواع . وسيأتيك بيانها : الحال المؤسسة ، والحال المؤكدة الحالُ ، إِمَّا مؤسسةٌ ، وإمَّا مؤكدةٌ . فالمؤسسةُ (وتُسمّى المبنيّة أيضاً، لأنها تُذكرُ للتّبيين والتوضيح ) : هي التي لا يُستفادُ معناها بدونها ، نحو: ( جاءَ خالدٌ راكباً). وأكثر ما تأتي الحالُ من هذا النوع، ومنه قوله تعالى: ﴿وما نُرسِلُ المرسلين إلَّ مَشَّرِينَ ومُنذِرِينَ ﴾ . والمؤكدةُ : هي التي يُستفادُ معناها بدونها ، وإنما يُؤتى بها للتوكيد . وهي ثلاثةُ أَنواع : ١ - ما يؤتى بها لتوكيدٍ عاملها، وهي التي تُوافقه معنى فقط، أو معنى ولفظاً. فالأول نحو: ( تَبسّم ضاحكاً)، ومنهُ قوله تعالى: ﴿وَلا تَعثوا في الأرضِ مُفسدِين ﴾، وقولُهُ: ﴿ثمَّ تَوَليتم مدبرين﴾، والثاني كقوله تعالى : ﴿ وَأَرسلناكَ للناس رسولاً ﴾، وقول الشاعر: أَصِحْ مُصيحاً لِمَنْ أَبْدَى نَصيحَتَهُ وألزَمْ تَوَقِّيَ خَلْطِ الجِدِّ باللَّعِبِ ٢ - ما يؤتى بها لتوكيدٍ صاحبِها، نحو: (جاءَ التلاميذُ كلُّهم جميعاً ) . قال تعالى: ﴿ولو شاءَ رَبُّكَ لَآَمنَ مَن في الأرض كلُّهم جميعاً، أفأنتَ تُكرِهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمِنِينَ ؟ ﴾ . ٣ - ما يؤتى بها لتوكيدٍ مضمون جملة معقودة من اسمينٍ معرفتينٍ ٩٩ جامدينٍ، نحو: ((هو الحقُّ بَيْناً، أو صريحاً))، ونحو: ((نحنُ الأخوةُ مُتعاونينَ ))، ومنهُ قولُ الشاعر : أَنا أبنُ دَارَةً(١)، مَعْروفاً بها نَسَبي وَهَلْ بِدَارَةً، يا للنَّاسِ مِنْ عارٍ الحال المقصودة لذاتها ، والحال الموطئة الحالُ، إمَّا مقصودة لذاتها (وهو الغالبُ) نحو: ((سافرتُ منفرداً»، وإمَّا مُوطِئة ، وهيَ الجامدةُ الموصوفةَ ، فتُذكرُ تَوطئةً لما بعدها ، كقولهِ تعالى: ﴿فَتَمَثّلَ لها بَشراً سوياً﴾، ونحو: ((لقيتُ خالداً رجلاً مُحسناً)). الحال الحقيقية ، والحال السببية الحالُ، إمَّا حقيقيةٌ ، وهي التي تُبيّنُ هيئةَ صاحبها ( وهو الغالبُ) نحو: ( جئتُ فَرِحاً)، وإمَّا سَبيّة، وهي ما تُبَيّنُ هيئةَ ما يَحملُ ضميراً يعودُ إلى صاحبها، نحو: (ركبتُ الفرسَ غائباً صاحبُهُ)، ونحو: ( كلّمتُ هنداً حاضراً أبوها ) . الحال الجملة الحالُ الجملة . هو أَن تقعَ الجملةُ الفعليةُ ، أو الجملةُ الاسميّة ، مَوقَعَ الحال ، وحينئذٍ تكونُ مؤوَّلة بمفرد، نحو: ((جاء سعيدٌ يركُضُ)) ونحو: ((ذهبَ خالِدٌ دَمعُهُ مُتحدِّرٌ)). والتأويلُ: ((جاء راكضاً. وذهب مُتحدِّراً دَمعُهُ)). ويُشترطُ في الجملة الحاليّة ثلاثةُ شروطٍ : (١) دارة : اسم أمه . ١٠٠ ٠ ٠٠٠ ١ - أن تكون جملةً خبريّةً، لا طلبيةً ولا تَعَجُبيةٌ . ٢ - أن تكون غيرَ مُصدّرةٍ بعلامةِ استقبالٍ. ٣ - أن تشتملَ على رابط يربطُها بصاحب الحال . والرابطُ إِمَّ الضميرُ وحدَهُ، كقوله تعالى: ﴿وجاءُوا أَباهم عِشاءً يبكونَ﴾. وإمّا الواوُ فقط، كقوله سبحانه: ﴿لَئِنْ أَكلَّهُ الذئبُ ونحنُ عُصبةٌ ﴾ وإمَّ الواوُ والضميرُ معاً، كقوله تعالى: ﴿خرجوا من ديارهم وهم أُلُوفٌ ﴾ . الحال شبه الجملة الحالُ شِبهُ الجملة : هو أن يقعَ الظرف أو الجارُّ والمجرورُ في موقعٍ الحال. وهما يتعلقانِ بمحذوفٍ وجوباً تقديرُهُ ((مستقرًّا)) أو ((أستقرَّ )). والمُتعلّقُ المحذوفُ، في الحقيقة هو الحال، نحو: ((رَأَيْتُ الهلالَ بينَ السحابِ))، ونحو: ((نظرتُ العُصفورَ على الغصنِ)). ومنه قوله تعالى: ﴿ فخرجَ على قومهِ في زينتِهِ ﴾. فائدة جليلة إذا ذكر مع المبتدأ اسمٌ وظرفٌ أو مجرورٌ بحرف جرّ، وكلاهما صالحانٍ للخبريَّة والحاليّة ، فإن تَصدَّرَ الجملةَ الظرفُ أَو المجرورُ ، فالمُختارُ نصبُ الاسم على الحاليّة وجعلُ الظرفِ أو المجرور خبراً مقدّماً، نحو : ((عندك، أَو في الدار، سعيدٌ نائماً))، ونحو: ((عندَك، أو في الدار، نائماً سعيدٌ ))، لأنه بتقديمه يكون قد تَهيّأ للخبرية ، ففي صرفه عنها إجحافٌ . ويجوز العكس . ..... . . ١٠١ وإن تَصدَّرَها الاسمُ ، وجب رفعُهُ وجعلُ الظرفِ أو المجرور حالاً ، نحو: ((نائمُ عندَكَ، أو في الدار، سعيدٌ ))، ونحو: (( نائمٌ سعيدٌ عندَكَ ، أو في الدار)). وإن تَصدَّرَها المبتدأ ، فإن تقدَّمَ الظرفُ أو المجرور على الاسم ، جاز جعلُ كلّ منهما حالاً والآخر خبراً، نحو: ((سعيدٌ عندَكَ ، أو في داره ( نائماً))، أو تقولُ: ((نائمٌ))(١). وإن تَقدَّمَ الاسم على الظرف أو المجرور ، فالمختارُ رفعُ الاسم، وجعلُ الظرفِ أو المجرور حالاً، نحو : (( سعيدٌ نائمٌ عندَك، أو في داره))(٢)، ويجوز العكسُ (وهو قليل في كلامهم)، فتقولُ: ((سعيدٌ نائماً عندَكَ ، أو في داره)). ومنعَ الجمهورُ نصبَ الاسم ، في هذه الصورة . وأجازهُ آبن مالك . مُستندَأَ إلى قراءة الحسن البصريّ. ((والأرضُ جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة . والسمواتُ، مَطْوياتٍ، بِيَمينهِ)) بنصبِ ((مطوياتٍ)) على الحال ، وجعل ((بيمينهِ)) خبراً عن ((السّموات))، وإلى قراءة من قرأَ، وقالوا: (( ما في بُطُونٍ هذه الأنعامِ، خالصةً لذكورنا))، بنصب ((خالصةً)) على الحال ، وجعلِ (الذكورنا)» خبراً عن «ما الموصوليّة)). والقراءتان شاذّتانٍ. لكن فيهما دليلاً على الجواز . لأنه ليس معنى شذوذِ القراءة أنها غيرُ صالحةٍ للاحتجاج بها عَربيّةً . فإن لم يَصلُحِ الظرفُ أو المجرورُ بالحرف للخبريّة (بحيثُ لا يكون مستغنّى عن الاسم ، لأنه لا يَحسُنُ السكوتُ عليه) تَعَيّنتْ خبريةُ الاسم (١) أن نصبت ((نائماً)) جعلته حالاً. فكان الظرف أو المجرور خبراً. وان رفعته كان خبراً؛ وجعلت الظرف أو المجرور حالاً . (٢) ولك في هذه الحالة أيضاً أن تعلق الظرف وحرف الجر بالخبر. وهو هنا ((نائم)). ١٠٢ وحاليّةُ الظرف أو المجرور، نحو: ((فيكَ إبراهيمُ راغبٌ))، ونحو: ((إبراهيمُ فيكَ راغبٌ)). إذ لا يصحُّ أن تستغنيَ هنا عن الاسم، فتقولُ: (( إبراهيم فيك )). الحال المفردة الحالُ المُفرَدَةُ: ما ليست جملةً ولا شِبهَها(١)، نحو: ((قرأتُ الدرسَ مجتهداً. وكتباهُ مُجَتهدّينِ ، وتَعلمناهُ مجتهدِينَ )). ٩ - واوُ الحال وأحكامها واوُ الحالِ: ما يصحُ وقوع ((إِذ)) الظرفيّةِ موقعَها، فإذا قلتَ: ((جئتُ والشمسُ تغيبُ ))، صحَّ أن تقول: (( جئتُ إذِ الشمسُ تغيب)). ولا تدخلُ إلَّ على الجملة ، كما رأَيتَ ، فلا تدخلُ على حال مُفردة ، ولا على حالٍ شِبهِ جملةٍ . وأصلُ الرَّبطِ أن يكونَ بضمير صاحب الحال . وحيثُ لا ضميرَ وجبتٍ الواو ، لأنّ الجملةَ الحاليّةَ لا تخلو من أحدهما أو منهما معاً. فإن كانت الواو مع الضمير كان الرَّبطُ أشدَّ وأحكم . وواو الحالِ ، من حيثُ اقترانُ الجملة الحاليّة بها وعدمُهُ ، على ثلاثة أضرُبٍ : واجبٍ وجائزٍ ومُمتنع . متى تجب واو الحال؟ تجبُ وأو الحال في ثلاثٍ صُوَرٍ : (١) ليس المراد بالمفرد - في باب الحال - ما يقابل المثنى والجمع، بل المراد ما يقابل الجملة وشبهها . ١٠٣ ٤ ٠٠٠ ١ - الأولى أن تكون جملةُ الحالِ اسميَّةً مجرَّدَةً من ضمير يَربِطُها بصاحبها ، نحو: ((جئتُ والناس نائمون))، ومنه قوله تعالى: ﴿ كما أخرجكَ ربُّك من بيتكَ بالحق ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهونَ ﴾، وقولهُ: أيأكلُهُ الذئبُ، ونحنُ عُصبةٌ﴾، وتقول: ((جئتُ وما الشمسُ طالعةٌ)). ٢ - أن تكون مُصدَّرَةً بضمير صاحبها، نحو: ((جاء سعيدٌ وهو راكبٌ ))، ومنه قولهُ تعالى: ﴿ لا تَقَرَبوا الصلاة وأنتم سُكَارَى﴾. ٣ - أن تكون ماضيّة غيرَ مُشتملةٍ على ضمير صاحبها، مُثبتةً كانت أو مَنفيَّةً، غير أنه تجب ((قَدْ)) معَ الواوٍ في المثبتةِ، نحو: (( جئتُ وقد طلعت الشمسُ))، ولا تجوز مع المنفيّةِ، نحو: ((جئتُ وما طلعتِ الشمسُ)). متى تمنع واو الحال؟ تمتنعُ واوُ الحال من الجملة في سبعٍ مَسائلَ : ١ - أن تقعَ بعد عاطفٍ، كقوله تعالى: ﴿وكم من قريةٍ أهلكناها، فجاءَها بأسنا بياتاً، أو هم قائلونَ ﴾(١). ٢ - أن تكونَ مُؤكدةً لمضمون الجملةِ قبلَها، كقولهِ سبحانه: ﴿ذلكَ الكتابُ ، لا ريبَ فيه ﴾ . ٣ - أن تكونَ ماضِيَّةً بعد ((إِلَّ))، فتمتنعُ حينئذٍ من ((الواو)) و((قدْ)) (١) قوله تعالى: ﴿أهلكناها﴾ أي أهلكنا أهلها. وقوله: ﴿فجاءها﴾ أي: فجاء أهلها. فالكلام على حذف مضاف. و(البأس): العذاب. وبياتاً : مصدر وضع موضع الحال ، وهو مصدر بات يبات بياتاً ، بمعنى بات يبيت بيتاً وبيتوتة . يقال: بات الرجل: إذا أدركه الليل. و(قائلون): أي نائمون وقت الظهيرة، من القيلولة. وهي الاستراحة نصف النهار سواءٌ أكان معها نوم أم لا . يقال : قال الرجل يقيل قيلولة ومفيلا . والقائلة : الظهيرة . والمعنى : جاء أهلَها عذابُنا بائتين أو قائلين . ١٠٤ مجتمعتين، ومُنفردتينِ، وتُربطُ بالضميرِ وحدَهُ (١)، كقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من رسول إِلَّ كانوا بهِ يستهزئون﴾. ولا عبرةَ بِشْذوذٍ من ذهب إلى جواز اقترانها بالواو ، تمسُّكاً بقولِ الشاعر : نِعْمَ آمرَءًا هَرِمٌ، لم تَعْرُ نَائِبَةٌ إِلَّ وكانَ لِمُرْتاعٍ بها وَزّرا أو إلى جواز اقترانها بِقَدْ، تمسكاً بقولِ الآخر : مَتَى يَأْتِ هَذا الْمَوْتُ لَمْ يُلْفِ حَاجَةً لِنَفْسِيَ، إِلَّ قَدْ قَضَيْتُ قَضَاءَها لأنَّ ذلك شاذ مخالفٌ للقاعدةِ ، وللكثيرِ المسموعِ في فصيح الكلام ، منثورهِ ومنظومه . ٤ - أَن تكون ماضيّةً قبلَ ((أو))، كقول الشاعر : كُنْ لِدَخَليلِ نَصيراً، جارَ أَوْ عَدَلَا وَلَ تَشُحَّ عَلَيْهِ. جادَ أَوْ بَخِلاَ ٥ - أن تكونَ مُضارعيّةً مُثبَتَةً غيرَ مُقترنةٍ بِقَدْ وحينئذٍ تُربطُ بالضمير وحدَهُ، كقولهِ تعالى: ﴿وَلا تَمِنُنْ تَستكثرُ﴾، ونحو: (( جاء خالدٌ يحملُ كتابهُ )). فإن اقترنت بقدْ، وجبتِ الواوُ مَعَها، كقولهِ تعالى: ﴿لِمَ تُؤذونني؟ وقد تَعلمونَ أني رسولُ اللّهِ إِليكم﴾. ولا يجوزُ الواوُ وحدَها ولا قَد وَحدَها . بل يجبُ تجريدُها منهما معاً ، أو اقترانها بهما معاً ، كما رأيت . (١) فإن لم يكن ضمير يربط الحال بصاحبها امتنعت المسألة، فلا يقال: ((ما جئت إلا طلعت الشمس)) لخلو الجملة حينئذ من رابط . فإن أردت هذا المعنى قلت: ((ما جئت إلا والشمس قد طلعت))، فتكون الحال جملة اسمية. قال ابن الناظم في شرح ألفية أبيه: ((وإن كانت (أي الجملة الحالية) مصدرة بفعل ماض، فإن كان بعد ((إلا)) أو قبل ((أو)» لزم الضمير وترك ((الواو)) اهـ. ١٠٥ ٦ - أن تكونَ مُضارعِيّةً منفيّةً بِـ ((ما))، فتمنعُ حينئذٍ من الواو وقد، مُجتمعتينٍ ومُنفردتينٍ ، وتُربَطُ بالضميرٍ وحدَهُ كقول الشاعر : عَهِدْتُكَ ما تَصْبُو، وفيكَ شَبِيبةٌ فَمَا لَكَ بَعْدَ الشَّيْبِ صَبَّا مُتَبَّما؟ وقول الآخر : كأَنَّها - يومَ صَدَّتْ مَا تُكَلِّمُنا - ظَبْيٌ بِعُسْفَانَ سَاجِي الْطَّرْفِ مَطْرُوفُ (وأجاز بعض العلماء اقترانها بالواو ، نحو: ((حضر خليل وما يركب)). وليس ذلك بالمختار عند الجمهور . والذوق اللغوي لا يأباه . قال السيوطي في (همع الهوامع): والمنفيّ بما فيه الوجهان أيضاً، نحو: ((جاءً زيد وما يضحك؛ أو ما يضحك))). ٠٠٠٧HAY ٧ - أن تكونَ مُضارعيّةً مَنفيّةً بـ((لا))، فتمنع أيضاً من ((الواو)) و((قَدْ)) مُجتمعتينٍ ومُنفردتينٍ، كقوله تعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ باللّهِ﴾، وقولِهِ: ﴿ ما لي لا أُرَى الهُدهُد ﴾ وقولِ الشاعر : لَوْ أَنَّ قَوْماً - لارْتِفاعِ قَبِيلَةٍ دَخَلُوا السَّماء - دَخَلْتُها لَ أُحِجَبُ ( وأجاز قوم اقترانها بالواو ، لكنه بعيد من الذوق اللغوي . قال ابن الناظم: (( وقد يجيء ( أي المضارع المنفي بلا) بالضمير والواو))) . فإن كانت مَنفيّةً بِلَمْ، جاز أن تُربَطَ بالواوِ والضميرِ معاً ، كقولهِ تعالى: ﴿ أَو قالَ: أُوحِيَ، إِليَّ ولم يُوحَ إليهِ شيءٌ﴾، وقولِ النابغة الذبياني الشاعرِ النابغة : ١٠٦ سَقَطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ فَتَنَاوَلَتْهُ، وَأَتَّقّتْنَا بِالْيَدِ (١). وجاز أن تُربَطَ بالضمير وحدَهُ، كقوله تعالى: ﴿فانقلُوا بِنعمةٍ من اللّهِ وفضلٍ لم يَمسْهُمْ سُوءٌ﴾، وقولِ الشاعر زهير : كَأَنَّ فُتاتَ العِهْنٍ - في كُلِّ مَنْزِلٍ نَزَلْنَ بِهِ - حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ (٢) فإن خلت من الضميرِ، وجبَ رَبِطُها بالواو، نحو: (( جئت ولم تطلُعٍ الشمسُ)) ولا يجوزُ تركها ، ومنه قول الشاعر عنترة : وَلَقْدْ خَشِيتُ بِأَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَدُرْ لِلْحَرْبِ دَائِرَةٌ عَلى أَبنَيْ ضَمْضَمٍ. وإن كانت منفيّة بلمًا ، فالمختارُ ربطها بالواو على كل حال ، كقوله تعالى: ﴿أَم حَسِبْتُمْ أن تدخلُوا الجنّةَ ولمّا يَعلمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهدوا منكم ويَعلَمِ الصّابِرِينَ ﴾(٣) وقول الشاعر: أَشْقاً وَلَمَّا يَمضٍ لي غَيْرُ لَيْلَةٍ؟ فَكَيْفَ إذا خَبَّ الْمَطِيُّ بِنَا عَشْرا؟ وقول غيره : (١) النصيف: خمار تختمر به المرأة. (٢) العهن: الصوف المصبوغ. والفنا - بفتح الفاء، ويكتب بالألف والياء - عنب الثعلب، وهو شجر له حب أحمر ، كان النساء يتخذن منه القلائد . وقد شبه الشاعر ما يتساقط من العهن - من هوادجهن - بهذا الحب الأحمر الذي لم يتحطم . وإنما قيده بعدم التحطم لأنه إنما يكون أحمر إن كان صحيحاً ؛ فإذا تكسر لم يبق إحمراره . (٣) يعلم . منصوب بأن مضمرة بعد الواو . ١٠٧