النص المفهرس

صفحات 641-660

٢٠ - لمَّا: ظرفٌ للزمانِ الماضي، بمعنى ((حينٍ)) أو ((إذْ)). وهي
تقتضي جملتينِ فعلاهما ماضيانِ . ومحلها النصبُ على الظرفية لجوابها .
وهي مضافة إلى جملة فعلها الأول والمُحقِّقون من العلماءِ يَرَوْنَ أنها حرفٌ
لربطٍ جُملتيها. وسمّوها حرفَ وُجودٍ لوجودِ. أي: هو للدَّلالة على وجودٍ
شيءٍ لوجودٍ غيرِهِ . وسترى توضيحَ ذلك في كتاب الحروف . إن شاءَ الله .
٢١ - مُذْ ومُنذُ: ظرفانٍ للزّمان. و((مذْ)) مُخفَّفةٌ من ((منذُ)). و((منذُ))
أصلُها ((من)) الجارَّةُ و((إذ)) الظرفيّةُ، لذلك كُسرت مِيمُها في بعض اللُّغاتِ
باعتبار الأصلِ .
وإن وَلِيهما جملةٌ فعليّةٌ، أو آسميّةٌ ، كانا مُضافينٍ إليها ، وكانت
الجملةُ بعدَهما في موضعَ جَرّ بالإِضافةِ إليهما، نحو : (( ما تركتُ خدمةً الأمةِ
مُنْذُ نَشأتُ . وما زلتُ طَلاباً للمجد مُذْ أنا يافِعٌ )).
وإن وَلِيَهما مُفردُ جاز رفعُهُ على أنهُ فاعلٌ لفعلٍ محذوف ، نحو : ((ما
رأيتك منذ يومُ الخميس، أو مُذْ يومانٍ)). والتقديرُ : منذ كان أو مضى يوم
الخميس ، أو يومان. فالجملةُ المركبةُ من الفعل المحذوف والفاعل المذكور
في محل جر بالإضافة إلى مذ أو منذُ . ولكَ أن تَجُرَّهُ على أنهما حرفا جرٍ
شبيهانِ بالزائدِ ، نحو : ((ما رأيتك مذْ يومٍ أو منذُ يومينٍ)».
٢٢ - عَلُ: ظرفٌ للمكان بمعنى ((فَوقُ)). ولا يستعملُ إلَّ بمن ولا
يضافُ لفظاً على الصّحيح، فلا يُقالُ: ((أخذتُهُ من عَلِ الخزانة))، كما
يقال: ((أخذتهُ من عُلوها ومن فوقها)) . وأجاز قومٌ إضافتهُ .
١ ٨٩٫٥٣٥٧٠ ٤٨٠٠ ٠٠١٤٠٠٠ HCO
وله حالتانٍ ، الأولى : البناءُ على الضم، إن نُوَيتَ المضاف إليه ،
نحو: ((نَزَلتُ من عَلُ))، تُريدُ من فوقٍ شيءٍ مُعَيَّنٍ مخصوصٍ ، قال
الشاعر :
٦٨
--------- 9159 1IVAP
7.1M

وَلَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكَ كُلَّ ثَنِيَّةٍ (١)
وَأَتَيْتُ نَحْوَ بَني كِلاَبٍ مِنْ عَلُ
والحالة الثانية: جرُّهُ لفظاً بمن، على أنهُ مُعرَبٌ، وذلك إن أردتَ
التفكيرَ، فحذفتَ المضافَ إليه وجعلتّه نَسياً مَنسيّاً، نحو: ((نزلتُ من
عَلٍ ))، تريدُ من مكانٍ عالٍ ، لا من فوقٍ شيءٍ مُعيّن . ومنه قول الشاعر
يصف فرسهُ :
مِكْرٌّ مِفَرٍّ، مُقْبِلٌ مُدِرٌ مَعاً
كَجُلْمُودٍ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
أراد تشبيهَ الفرس في سرعته بِجُلمودٍ أنحطّ من مكانٍ عالٍ ، لا من
عُلْوِ مخصوصٍ .
٢٣ - أسماءُ الزمان، المُضافةُ إلى الجملِ، يجوزُ بناؤها ، ويجوز
إعرابها . ويرَجّحُ بناءُ ما أضيفَ منها إلى جملةٍ صَدرُها مبنيٌّ ، كقول الشاعر
امرىء القيس :
عَلى حِينَ(٢) عَاتَبتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبا
فَقُلْتُ أَلَّما تَصْحُ؟ والشَّيْبُ وازِعُ
وقول غيره :
لأَجتَذِبْنَ مِنْهُنَّ قَلْبِي تَحَلُّماً
عَلَى حَينَ (٣) يَستصْبِينَ كُلِّ حَليم
......
۔۔۔
(١) الثنية : العقبة وطريقها. والعقبة: مرقى صعبٌ في الجبال، أو هي طريق في أعلاها.
(٢) يروى ((حين)) بالفتح على البناء، وبالجر على الإعراب ، والبناء أولى هنا لإضافته إلى جملة
مبنية الصدر.
(٣) بالفتح على البناء ، وبالجر على الإِعراب ، والبناءُ أفضل، لأن المضارع هنا مبني ، لاتصاله
بنون جماعة المؤنث .
٦٩

وإن كانت مُصدَّرةً بمُعرَبٍ فالرَّاجحُ والأولى إعرابُ الظرفِ ، كقولهِ
تعالى: ﴿ هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ صِدقُهُم﴾. وقد يُبنى، ومنه قراءَةُ نافعٍ :
((هذا يومَ ينفعُ))، ببناء (( يومَ)) على الفتح. ومن هذا الباب قولُ الشاعر:
أَلَمْ تَعْلّمي، يا عَمْرَكِ اللّهُ، أَنني
كَرِيمٌ عَلَى حِينٍ(١) الكرامُ قَلِيلُ
وقول الآخر :
تَذَكَّرَ ما تَذَكَّرَ مِنْ سُلَيْمَى
عَلى حِينٍ(٢) التَّواصُلُ غَيْرُ دانٍ
٢٤ - يجري مَجَرَى ((قبل وبعد))، من حيث الإِعرابُ تارة والبناءُ تارة
أُخرَى، الجهاتُ الستُّ: ((أمام وقُدّام وخَلف ووراءَ ويمين وشمال ويَسار
وفوق وتحت)) . فإن أُضيفت، أو قُطعت عن الإِضافة لفظاً ومعنى، كانت
مُعرِبَةٌ، نحو: (( جلستُ أمامَ الصفِّ، وسرتُ يميناً. وأمشٍ من وراءٍ
الشّجرة )) وإن قُطعت عن الإِضافةِ لفظاً لا معنَّى، بُنيتْ على الضمِّ، نحو :
((اقعُدْ وراءُ، أو أمامُ، أو يمينُ، أو خَلفُ، أو فوقُ، أو تحتُ))، ونحو :
(( نزلتُ من فوقُ. ونظرتُ من تحتُ، وأتيتُ من يَسارُ)). وتقولُ: ((جاءَ
القوم، وخالدٌ خلفُ، أو أمامُ)) تُريدُ خلفَهم أو أَمامَهم، فحذفتَ المضافَ إليه
ونوَيت معناهُ . قال الشاعر :
(١) بالجر على الإعراب وهو الأولى هنا، لأنّ الجملة بعده معربة الصدر، وبالفتح على البناء
وقوله: ((يا عمرك الله)) يا حرف تنبيه، وليست للنداء، أو للنداء والمنادى محذوف. وعمر:
مفعول به لفعل محذوف تقديره: ((أطال)). والله: فاعل لهذا الفعل المحذوف. والتقدير: أطال
الله عمرك، ويجوز نصب الاسمين فيكون التقدير: ((أسأل الله أن يطيل عمرك)).
(٢) بالجر، على الإعراب ، وبالفتح على البناء . والجر هنا أولى كما تقدم .
٧٠
١١٠٧٨٩ مساء

٠٠٠
لَعَنَ الإِلهُ تَعِلَّةَ بنْ مُسافِرٍ
لَعْناً يُشَنُّ عَلَيْهِ مِنْ قُدَّامُ
أي : (( من قُدّامه )).
( إذا أردت جهة معينة، فإنما تعينها بالإِضافة، نحو: ((سر يمين
الصف))، أو بحذف المضاف إليه وبناء الظرف على الضم، نحو ((سر
يمينُ ))، تعني يمين شيءٍ معين معروف عنده . فالظرف هنا ، وإن قطع عن
الإضافة لفظاً. لم يقطع عنها معنى لأنه في نية الإضافة .
وإن أردت يميناً غير معين، قلت: ((سر يميناً))، تقطعه عن الإِضافة
لفظاً ومعنى ، قصداً إلى التنكير والإِبهام ).
%٠
.......
وفي حُكمها (( أولُ وأسفلَ ودُونُ ))، تقول: ((قِفْ أَوَّل الصفِّ)) وقِفْ
أوَّلَ. ولَقيْتُهُ عامَ أوَّلَ. وقِفْ أَوَّلُ. وسِر من أَوّل. وتقولُ: ((اقعُدْ أسفلَ
الصفِّ. وأقعد أَسفلَ، وقم من أسفلَ، وأَقعُد أَسفلُ. وسِرْ من أَسفلُ)).
وقد تقدم الكلامُ علی ((دون» . .
وأوَّلُ وأَسفلُ ممنوعانٍ من الصرف للوصفيّةِ ووزنِ (( أفعلَ)»، ولذا لم
ينَوَّنا في قولكَ: قُم من أسفلَ، ولقيتُهُ عَامَ أَوَّلَ))(١).
فائــة
اعلم أن لفظ ((أول)) له استعمالان. أحدهما أن يراد به الوصف، فيكون
بمعنى ((أسبق)»، فيعطى حكم اسم التفضيل: فيمتنع من الصرف ولا يؤنث
(١) عام: منصوب على الظرفية. وهو مضاف ، وأول : مضاف إليه ، مجرور بالفتحة لأنه اسم لا
ينصرف الوصفية ووزن أفعل. ومثله ((أسفل)) في قولك: ((قم من أسفل)).
٧١

بالتاء، نحو: ((لقيتك عامَ أوّلَ))، ويستعمل بمن، نحو: ((هذا أوَّلُ من
هذين ، وجئت أولَ من أمس)). وثانيهما أن لا يراد به الوصف ، فيكون اسماً
متصرفاً نحو: ((لقيته عاماً أولاً))، تريد عاماً قديماً. ومنه قولهم ((ما له أولٌ
ولا آخرٌ. وما رأيت لهذا الأمر أولًا ولا آخراً))، بالتنوين . تعني بالأول والآخر
المبدأ والنهاية . قال أبو حيان : وفي محفوظي أن هذا ما يؤنث بالتاء ويصرف
أيضاً. فيقال: (( أولةٌ وآخرةٌ)) أو قلت: والعامة عندنا تقول: ((هذا الشيء ما
له أولٌ ولا آخرةٌ »، وتقول: ((والذي ما له أولةٌ ما له آخرةٌ )) بالتأنيث .
٥ - المفعول معه
المفعولُ مَعَهُ: اسمٌ فضلةٌ وقعَ بعد واوٍ، بمعنى ((مع» مسبوقةٌ
بجملةٍ ، ليدُلَّ على شيءٍ حصلَ الفعلُ بمُصاحبتِه ( أي: معهُ) ، بلا قصدٍ
إلى إشراكِهِ في حكم ما قبلهُ، نحو: ((مَشيتُ والنّهرَ ))(١).
وفي هذا المبحث ثلاثة مباحثَ :
١ - شُرُوطُ النصْبِ عَلى المعِيَّة
يشترط : في نصبٍ ما بعد الواو، على أنه مفعولٌ معهُ ، ثلاثةُ شُرُوط :
١ - أَن يكون فضلةً (أيْ: بحيثُ يصحُّ انعقادُ الجملةِ بدونه).
(فإن كان الاسم التالي للواو عمدة، نحو: ((اشترك سعيدٌ وخليلٌ))، لم
يجز نصبه على المعية، بل يجب عطفه على ما قبله، فتكون الواو عاطفة.
وإنما كان ((خليل)) هنا عمدة، لوجوب عطفه على ((سعيد)) الذي هو عمدة.
(١) أي: كنت مصاحباً له في مشي ومقارناً له .
٧٢
--------- A4 \h
٠٨٠٧٠٠٩٠٧٩٨٧

والمعطوف له حكم المعطوف عليه. وإنما وجب عطفه لأنّ فعل الاشتراك لا
يقع إلّ من متعدد. فبالعطف يكون الاشتراك مسنداً إليهما معاً . فلو نصبته
لكان فضلة، ولم يكن له حظّ في الاشتراك حاصلاً من واحد ، وهذا
ممتنع ).
٢ - أن يكونَ ما قبلَهُ جملةً :
(فإن سبقه مفرد ، نحو: (( كلّ امرىء وشأنهُ))، كان معطوفاً على ما
قبله ، وكل : مبتدأ . وامرىء : مضاف إليه . وشأنه : معطوف على كل ،
والخبر محذوف وجوباً. كما تقدم نظيره في باب (المبتدأ والخبر)). والتقدير:
كل امرىء وشأنهُ مُقترنانٍ. ولك أن تنصب ((كل))، على أنه مفعول به لفعل
محذوف تقديره: ((دع أو اترك))، فتعطف ((شأنه)) حينئذ عليه منصوباً ).
٣ - أن تكونَ الواوُ، التي تسبقهُ، بمعنى ((مَعَ)).
( فإن تعين أن تكون الواو للعطف ، لعدم صحة المعية ، نحو : (( جاء
خالدٌ وسعيد قبله ، أو بعده))، لم يكن ما بعدها مفعولاً معه ، لأن الواو هنا
ليست بمعنى ((مع))، إذ لو قلت: (( وحده خالد مع سعيد قبله، أو بعده ))
كان الكلام ظاهر الفساد .
وإن تعين أن تكون واو الحال فكذلك، نحو: ((جاء علي والشمسُ
طالعة )) ) .
ومثالُ ما اجتمعت فيه الشُّروطُ : (( سار علي والجبلَ . وما لكَ
وسعيداً(١)؟ وما أنت وسليماً (٢))).
(١) ما : اسم استفهام في محل رفع مبتدأ. ولك: متعلق بالخبر المحذوف. والتقدير: ما حاصل
لك ، و((سعيداً)) : مفعول معه .
(٢) ما: استفهامية في محل رفع خبر مقدم، و((أنت)): مبتدأ مؤخر. ((سليماً)): مفعول معه.
٧٣

٢ - أحكامُ ما بعدَ الواوِ
للاسمِ الواقعِ بعد الواو أربعةُ أحكام : وجوبُ النّصبِ على المعيّةِ ،
ووجوبُ العطفِ، ورُجحانُ النصبِ، ورجحانُ العطف .
فيجب النصبُ على المعيّةِ (بمعنى أنه لا يجوزُ العطف) إذا لزمَ من
العطف فسادٌ في المعنى، نحو: (( سافرَ خليلُ والليلَ، ورجعَ سعيدٌ
والشمسَ)) ومنه قوله تعالى: ﴿فأجمِعُوا أمرَكم وشُرَكَاءَكم﴾، وقولهُ :
﴿ والذين تَبَوَّؤُا الدارَ والإِيمانَ ﴾.
٠٠
۔۔
( وإنما امتنع العطف، لأنه يلزم منه عطف الليل على خليل ، وعطف
الشمس على سعيد ، فيكونان مسنداً إليهما ، لأن العطف على نية تكرير
العامل ، والمعطوف في حكم المعطوف عليه لفظاً ومعنى ، كما لا يخفى ،
فيكون المعنى: (( سافر خليل وسافر الليل ، ورجع سعيد ورجعت الشمس))
وهذا ظاهر الفساد .
ولو عطفتَ ((شركاءكم))، في الآية الأولى، على ((أمركم)) لم يجز،
لأنه يقال: ((اجمع أمره وعلى أمره))، كما يقال: ((عزمه وعزم عليه))، كلاهما
بمعنى واحد. ولا يقال: ((أجمع الشركاء أو عزم عليهم)). بل يقال:
((جمعهم)). فلو عطفت كان المعنى: ((اعزموا على أمركم واعزموا على
شركائكم)) ... وذلك واضح البطلان .
+++
ولو عطفت الإِيمان على الدار، في الآية الأخرى، لفسد المعنى، لأن
الدار. أن تُتَبَوَّأ - أي تُسكن - فالإِيمان لا يُتَبوأ. فما بعد الواو، في الآيتين ،
منصوب على أنه مفعول معه . فالواو واو المعية .
ويجوز أن تكون الواو في الآيتين ، عاطفة وما بعدها مفعول به لفعل
٧٤

محذوف تقديره في الآية الأولى: ((ادعوا واجمعوا)) - فعل أمر من الجمع -
وفي الثانية : ((أخلصوا)) - فعل ماض من الإِخلاص - فيكون الكلام من عطف
جملة على جملة ، لا من عطف مفرد على مفرد.
ويجوز أن يكون شركاءكم معطوفاً على (أمركم) على تضمين ((أجمعوا))
معنى ((هيئوا)). وأن يكون الإِيمان معطوفاً على تضمين ((تبوؤ!)) معنى «لزموا)).
والتضمين في العربية باب واسع).
ويجبُ العَطْفُ (بمعنى أنه يمتنعُ النصبُ على المعيّة) إذا لم يستكمل
شروطَ نصبهِ الثلاثةَ المتقدمةٌ .
ويرَجّحُ النصبُ على المعيّة ، معَ جواز العطفِ، على ضَعفٍ ، في
موضعين :
١ - أن يلزمَ من العطف ضعفٌ في التركيب، كأن يلزمَ منه العطفُ
على الضمير المُتّصلِ المرفوعِ البارز، أو المستتر ، من غير فصلٍ بالضمير
المنفصل، أو بفاصلٍ ، أيِّ فاصلٍ، نحو: ((جئتُ وخالداً. وأذهبْ
وسليماً)). ويَضعُفُ أن يُقالَ: ((جئتُ وخالدٌ. وأذهبْ وسليم)).
( أي بعطف ((خالد)) على التاء في ((جئت))، وعطف ((سليم)) على
الضمير المستتر في ((اذهب)). والضعف إنما هو من جهة الصناعة النحوية
الثابتة أصولها باستقراء كلام العرب . وذلك أن العرب لا تعطف على الضمير
المرفوع المتصل البارز أو المستتر ، إلَّ أن يفصل بينهما بفاصل أيّ فاصل.
نحو: (( جئت اليوم وخالدٌ وأذهب غداً وسعيدٌ)). والأفضل أن يكون الفاصل
ضميراً منفصلاً يؤكد به الضميرُ المتصل أو المستتر، نحو: ((جئت أنا
وخالد . وأذهب أنت وسعيد)) ) .
٧٥

. أما العطفُ على الضمير المنصوب المتّصل، فجائزٌ بلا خلافٍ ،
نحو: ((أكرمتكَ وزُهيراً)) .
" وأما العطفُ على الضمير المجرور ، من غير إعادة الجارّ ، فقد منعه
جمهور النّحاةِ، فلا يقالُ على رأيهم: ((أحسنت إليك وأبيك))، بل :
أحسنتُ إليك وأباك))، بالنصب على المَعِيّة. فإن أعدتَ الجار جاز ، نحو :
((أحسنتُ إليك وإلى أبيك)). والحقُّ أنه جائز. وعلى ذلك الكسائيُّ وآبنُ
مالكٍ وغيرُهما . وجعلوا منه قولهُ تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بهِ والمسجدِ الحرام ﴾ وقد
قرىءَ في السبعِ: ﴿واتقوا اللّهَ الذي تساءلونَ بهِ والأرحامٍ﴾، بجرِّ
((الأرحامِ)) عطفاً على الهاء في (( به))، قرأ ذلك حمزةُ، أحدُ القُرَّاءِ
السبعة . لكنَّ الأكثرَ والأفصحَ إعادةُ الجارّ ، إذا أُريد العطفُ. كما تقدم .
٢ - أن تكونَ المعيّةُ مقصودةً من المتكلم ، فَتَفوتُ بالعطف ، نحو :
(( لا يَغُرَّكَ الغِنِى والْبَطَرَ. ولا يعجِبْكَ الأكل والشّبَعَ. ولا تهوَ رَغَدَ العيشِ
والذُّلَّ))، فإن المعنى المراد ، كما ترى، ليسَ النهي عن الأمرين. وإنما هو
الأول مجتمعاً مع الآخر . ومنه قول الشاعر :
فَكونوا أَنتُمُ وبَنِي أبيكمُ مَكَان الْكِلْيَتَيْنِ مِنَ الطَّحالِ
( فليس مراده : كونوا أنتم وليكن بنو أبيكم ، وإنما يريد : كونوا أنتم مع بني
أبيكم . فالنصب على المعية فيما تقدم راجح قوي لتعيينه المعنى المراد ،
وفي العطف ضعف من جهة المعنى ) .
والمحقّقُون يوجبون ، في مثل ذلك النصبَ على المعيّة ، ولا يُجوّزون
العطف . وهو الحقُّ ، لأنَّ العطفَ يفيدُ التشريكَ في الحكم . والتشريكُ هنا
غير مقصود .
٧٦

ويرَجِّحُ العطفُ متى أمكنَ بغيرِ ضعفٍ من جهة التركيب ، ولا من جهة
المعنى، نحو: (( سار الأميرُ والجيشُ. وسرتُ أَنا وخالدٌ. وما أنتْ
وسعيدٌ؟))(١)، قال تعالى: ﴿يا آدمُ أسكن أنتَ وزوجُكَ الجنة﴾.
ومتى ترجحَ العطفُ ضَعُفَ النصبُ على المعيّة ، ومتى ترجحَ النصبُ
على المعيّة ضعُفَ العطفُ .
خلاصة وتحقيق
(وخلاصة البحث: أن ما بعد الواو، تارة لا يصح تشريكه في حكم ما
قبله، نحو: ((سار علي والجبل)) فيجب نصبه على المعية. وتارة يصح تشريكه
فيمنع من العطف مانع، نحو: ((جئت وسعيداً)، فيترجح نصبه على المعية .
وتارة يجب تشريكه، نحو: ((تصالح سعيد وخالد)» فيجب العطف. وتارة يجوز
تشريكه بلا مانع، نحو: «سافرت أنا وخليل»، فيختار فيه العطف على نصبه
على المعية، وتارة لا يكون التشريك مقصوداً، وإنما يكون المقصود هو
المعية، فيكون الكلام على نية الإعراض عن تشريك ما بعد الواو في حكم ما
قبلها إلى مجرّد معنى المصاحبة. فيرجح النصب على المعية على العطف ،
نحو: ((لا تسافر أنت وخالداً))، إذا أردت نهيه عن السفر مع خالد ، لا نهيه
ونهيَ خالدٍ عن السفر . وقد ذكرنا آنفاً بضعة أمثلة على ذلك . فإن قصدت
إلى نهيهما كليهما عن السفر، ترجح العطف. نحو: ((لا تسافر أنت
وخالد )).
.. ... ...
والنفس تواقة إلى إيجاب النصب على المعية فيما لم يُقصد به إلى
التشريك في الحكم ، وإلى إيجاب العطف فيما يقصد به إلى التشريك فيه ،
مراعاة لجانب المعنى الذي يريده المتكلم . ونرى أن إجازتهم العطف في
(١) سعيد: معطوف على أنت. وأنت: مبتدأ خبره ((ما) الاستفهامية.
٧٧
.

الصورة الأولى ، والنصب على المعية في الصورة الثانية (على ضعف فيهما)
إنما هي من حيث الصناعة اللفظية ، بمعنى أنه لا يمنع من ذلك مانع من
حيث القواعد النحوية . وأنت خبير بما في ذلك من التهويش على السامع
والتلبيس عليه . فاحفظ هذا التحقيق واعمل به ) .
٣ - العاملُ فِي المَفْعُولِ مَعَهُ
يَنصبُ المفعولَ معهُ ما تقدَّمَ عليه من فعلٍ أو أسمٍ يُشبهُ الفعلَ .
فالفعلُ نحو: ((سرتُ والليلَ))، والاسمُ الذي يُشبهُهُ، نحو: ((أنا ذاهبٌ
وخالداً)). ((وحسبُكَ وسعيداً ما فعلتُما)).
وقد يكونُ العاملُ مقدّراً، وذلكَ بعدَ ((ما وكيفَ)) الاستفهاميتينِ، نحو:
((ما أنتَ وخالداً. وما لك وسعيداً. وكيفَ أنتَ والسفرَ غداً. والتقدير: ((ما
تكون وخالداً؟ وما حاصل لك وسعيداً؟ وكيف تكونُ والسفرَ غداً)) .
وأعلم أنه لا يجوزُ أن يتقدّمَ المفعولُ معهُ على عاملهِ ، ولا على
مُصاحبهِ ، فلا يقال: ((والجبلَ سارَ عليٍّ)) ولا ((سارَ والجبلَ عليٍّ)).
٦ - الحال
الحالُ : وصفٌ فضلةٌ يُذكرُ لبيانٍ هيئَةِ الاسمِ الذي يكونُ الوصفُ له ،
نحو: ((رجعَ الجندُ ظافراً. وأَدِّبْ ولدَكَ صغيراً. ومررتُ بهند راكبةٌ . وهذا
خالدٌ مُقبلاً )) .
( ولا فرق بين أن يكون الوصف مشتقاً من الفعل ، نحو: ((طلعت
الشمس صافية)»، أو اسماً جامداً في معنى الوصف المشتق ، نحو: ((عدا
٧٨

خليل غزالاً )) أي مسرعاً كالغزال .
ومعنى كونه فضلة : أنه ليس مسنداً ولا مسنداً إليه . وليس معنى ذلك
أنه يصح الاستغناء عنه إذ قد تجيء الحال غير مستغنى عنها كقوله تعالى :
﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ وقوله : ﴿لا تقربوا الصلاة
وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ ؛ وقول الشاعر :
إنما الميتُ من يعيشُ كئيباً
كاسفاً بالُهُ، قليلَ الرّجاء
وقد تشتبه الحال بالتمييز في نحو: ((للِّ دَرّهُ فارساً أو عالماً أو خطيباً )).
فهذا ونحوه تمييزٌ لأنه لم يقصد به تمييز الهيئة . وإنما ذكر لبيان جنس
المتعجب منه، والهيئة مفهومة ضمناً. ولو قلت: ((للّهِ دَرّهُ من فارس)).
لصحَّ. ولا يصحّ هذا في الحال. فلا يقال: ((جاء خالد من راكب)) وليس
مثل ما تقدم هو التمييز حقيقة . وإنما هو صفته نابت عنه بعد حذفه . والأصل
((للّه دَرّهُ رجلاً فارساً ».
وربما اشتبهت الحال بالنعت. نحو: ((مررت برجل راكب)).
فراكب : نعت . لأنه ذكر لتخصيص الرجل لا لبيان هيئته ) .
وأعلم أنّ الحالَ منصوبةٌ دائماً. وقد تُجرُّ لفظاً بالباءِ الزائدة بعد
النفي ، كقول الشاعر :
فما رَجَعَتْ بِخَائِبةٍ رِكابٌ
حَكيمُ بنُ المُسَيَّب مُنْتَهاها
وفي هذا الباب تسعةُ مَباحثَ :
٧٩

١ - الاسمُ الَّذِي تَكون لَهُ الحالُ
تجي ءُ الحال من الفاعل، نحو: ((رجع الغائبُ سالماً)). ومن نائب
الفاعل، نحو: ((تؤكلُ الفاكهةُ ناضجة)). ومن الخبر، نحو: ((هذا الهلالُ
طالعاً)). ومن المبتدأ(١) (كما هو مذهبُ سيبويه ومن تابعهُ. وهو الحقُّ )،
نحو : ((أنتَ مجتهداً أخي)) ونحو: ((الماءُ صرفاً شرابي)). ومن المفاعيل
كلها على الأصحّ ، لا من المفعول به وحدَهُ . فمجيئُها من المفعول به نحو :
(( لا تأكل الفاكهة فِجّةً)) ومن المفعول المطلق نحو: (( سرتُ سيري حثيشاً،
فتعبتُ التعب شديداً))، ومن المفعول فيه نحو: ((سريتُ الليلَ مظلماً.
وصُمتُ الشهرَ كاملاً))، ومن المفعول لأجلهِ نحو: «افعلِ الخيرَ محبةَ الخيرِ
مجرَّدةً عن الرياء))، ومن المفعولِ معهُ نحو: ((سِرْ والجبلَ عن يمينك))
ونحو: ((لا تَسرِ والليلَ داجياً)).
ولا فرق بينّ أن يكون المفعولُ صريحاً، كما رأيتَ ، أو مجروراً
بالحرف، نحو : ((انهضْ بالكريمِ عائراً)) ونحو: ((لا تَسرِ في الليل مُظلِماً»
ونحو: «اسعَ للخير وحدَهُ)) .
وقد تأتي الحال من المضاف إليه بشرط أن يكون في المعنى، أو في
التقدير، فاعلا أو مفعولاً، وذلك في صورتين .
١ - أن يكونَ المضافُ مصدراً أو وصفاً مضافين إلى فاعلهما أو نائب
فاعلهما أو مفعولِهما .
(١) وكذا مما أصله المبتدأ نحو: ((تكون مجتهداً أخي))، فمجتهداً: حال من الضمير المستتر في
تكون الذي أصله مبتدأ. وأخي: خبر تكون، ونحو: ((إنك مجتهداً أخي)»، فمجتهداً: حال من
الكاف التي أصلها مبتدأ. وأخي: خبر أنّ.
٨٠

فالمصدرُ المضافُ إلى فاعلهِ، نحو : سَرَّني قدومكَ سالماً(١)، ومنه
قوله تعالى: ﴿إليه مرجعُكُم جميعاً﴾(٢)، وقولُ الشاعر مالك بن الديب
تَقُولُ ابْنَتي: إنَّ انطلاقَكَ واحداً،
إلى الروعِ يَوْماً، تاركي لا أَبالِيًا(٣)
والوصفُ المضافُ إلى فاعله نحو: ((أنتَ حَسَنُ الفَرَسِ مُسرَجاً))(٤).
والوصفُ المضافُ إلى نائب فاعله نحو: ((خالدٌ مغمض العينِ
دامعةً»(٥).
والمصدرُ المضافُ إلى مفعولهِ، نحو: (( يعجبني تأديبُ الغلام مُذنباً ،
وتهذيبُهُ صغيراً))(٦).
والوصفُ المضافُ إلى مفعولهِ نحو: (( أنتَ واردُ العيشِ صافياً ،
ومسهّلُ الأمرِ صعباً) (٧)، ونحو: ((خالدٌ ساري الليل مظلماً))(٨).
وبذلك تكونُ الحالُ قد جاءت من الفاعل أو نائبه أو من المفعولِ ، كما
هو شرطها .
(١) قدوم مضاف إلى الكاف، من إضافة المصدر إلى فاعله . وسالماً: حال من الكاف التي هي
فاعل في المعنى ، وإن كانت في اللفظ مضافة إلى المصدر.
(٢) جميعاً : حال من الكاف في مرجعكم ، التي هي فاعل في المعنى .
(٣) واحداً: حال من الكاف في ((انطلاقك)) التي هي فاعل في المعنى، وتاركي: خبر أن.
(٤) حسن : صفة مشبهة مضافة إلى فاعلها ، وهو الفرس، ومسرجاً : حال من الفرس.
(٥) مغمض : اسم مفعول مضاف إلى نائب فاعله . ودامعة حال من العين .
(٦) تأديب : مصدر مضاف إلى مفعوله . ومذنباً حال من الغلام. وكذا تهذيب : مضاف إلى
الضمير ، من إضافة المصدر إلى مفعوله . وصغيراً : حال من الضمير .
(٧) وارد : اسم فاعل مضاف إلى مفعوله وكذا مسهل : اسم فاعل مضاف إلى مفعوله وصافياً :
حال من العيش. وصعباً : حال من الأمر .
(٨) ساري: اسم فاعل مضاف إلى الظرف وهو الليل، فهو مضاف إلى المفعول فيه .
٨١

٢ - أن يَصِحَّ إقامةُ المضافِ إليه مقامَ المضاف، بحيثُ لو حذف
المضافُ لاستقامَ المعنى. وذلكَ بأن يكونَ المضافُ جُزْءاً من المضاف إليه
حقيقةً، كقولهِ تعالى: ﴿ أَيُحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه مَيتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾،
وقوله: ﴿ وَنَزَعنا ما في صُدورهم من غِلّ إخواناً ﴾، ونحو: ((أمسكتُ بيدكَ
عائراً))(١). أو يكونَ كجزءٍ منه، نحو : «تَسرُّني طباع خالدٍ راضياً، وتسوءُني
أخلاقُهُ غضبان)»(٢). ومنه قوله تعالى: ﴿أَنِ أَتَّعْ مَّةَ إبراهيم حنيفاً﴾ (٢) .
( وبذلك تكون الحال أيضاً قد جاءت من الفاعل أو المفعول تقديراً ،
لأنه يصح الاستغناء عن المضاف . فإذا سقط ارتفع ما بعده على الفاعلية أو
انتصب على المفعولية . وإذا علمت ذلك عرفت أنه لا يصحّ أن يقال :
((مررت بغلام سعاد جالسة))، لعدم صحة الاستغناء عن المضاف ؛ لأنه ليس
جزءاً من المضاف إليه ، ولا كالجزء منه. فلو أسقطت الغلام ، فقلت :
((مررت بهند جالسة)) لم يستقم المعنى المقصود، لأن القصد هو المرور
بغلامها لا بها ) .
٢ - شروطُ الحال
يشترطُ في الحال أربعةُ شروطٍ :
١ - أن تكونَ صفةً مُتنقلةً، لا ثابتةً (وهو الأصلُ فيها) ، نحو :
((طلعت الشمسُ صافيةً)).
******-* .
(١) اليد جزءٌ حقيقي من المضاف إليه، وهو ضمير المخاطب. وعاشراً: حال من الكاف وكذا
اللحم جزء من الأخ. والصدور جزء مما أضيف إليه .
(٢) الطباع والأخلاق ليست جزءاً من خالد، لكنها كالجزء منه، لاشتماله عليها. وراضياً: حال
من خالد. وغضبان حال من ضميره .
(٣) ملة الإنسان ومذهبه كالجزء منه .
٨٢

وقد تكونُ صفةً ثابتةً ، نحو : ((هذا أبوكَ رحيماً * يومَ أُبعثُ حيّاً »
خُلِقَ الإِنسانُ ضعيفاً * خَلَقَ اللّهُ الزَّرافةَ يَدَيها أطولَ من رِجَلَيْها (١) * أَنزِلَ
إليكم الكتابَ مفصّلاً)) . وقال الشاعر :
فَجَاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ، كَأَنما
عِمامتُهُ بَيْنَ الرِّجالِ لِواءُ(٢)
٢ - أن تكونَ نكرةً، لا معرفةً .
وقد تكون معرفةً إذا صحّ تأويلُها بنكرةٍ، نحو: (( آمنتُ بالله
وحدهُ))(٣). أَي: منفرداً، ونحو : ((رجعَ المسافرُ عودَهُ على بَدئهِ))، أي :
عائداً في طريقه، والمعنى أنه رجعَ في الحال. ونحو: ((أُدخلُوا الأولّ
فالأولَ)) أي مترتَبينَ، ونحو: ((جاءُوا الجَمّاءَ الغَفيرَ))(٤)، أي جميعاً.
ونحو: ((إفعلْ هذا جُهدَكَ وطاقتك))، أي: جاهداً جادًّا. ونحو: ((جاءً
القومُ قَضَّهُم ، بقَضيضهم))، أي جاءُوا جميعاً أو قاطبةً .
(١) يديها: بدل من الزرافة، بدل البعض من الكل، وأطول حال من الزرافة.
(٢) سبط العظام: مستوي القوام. وأصل ذلك في الشعر، يقال: شعر سبط أي ليس بجعد. ومنه
يقال: ((فلان سبط الكف، وسبط البنان)) أي كريم، و((فلان جعد الكف)) أي بخيل، لأنه يقبض
كفَّه دون الجود، يصف الشاعر بهذا البيت ابناً له بحسن القد وطول القامة واعتدائها .
(٣) اعلم أن (وحده)) لم يستعمل إلا منصوباً؛ الا ما ورد من ذلك شاذاً، كقولهم: ((هو نسيج
وحدِهِ. وعُيَير وحدِهِ، وجُحَيِشُ وحِدِهِ)» باضافته إلى ما قبله. فأما ((نسيج وحده)) فهو مدحٌ:
وأصله أن الثوب إذا كان غالياً رفيعاً فلا يُنسج على منواله معه غيره. وجُحيش وحده)» فهذا ذمٌ.
وهو يقال للرجل المعجب برأيه لا يخالط أحداً في رأي، ولا يدخل في معونة أحد. ومعناه أنه
يتفرد بخدمة نفسه. وهما تصغير غير وجَحش .
(٤) الجماء: الجماعة الكثيرة. وأصلها من الجموم بمعنى الكثرة، وعددٌ جمٌ: كثير. والغفير: من
الغفر وهو الستر والتغطية، والمعنى جاءوا جماعة كثيرة قد غطت وجه الأرض وسترتها
لكثرتها. والغفير: فعيل بمعنى ((فاعل)) وحقه أن يؤنث تبعاً لموصوفه. وذكر حملاً له على
(فعيل)) بمعنى (مفعول))، الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث، أو على معنى الجمع في
الجماء أي جاءوا جمعاً غفيراً، فقد يذكر المؤنث إذا حمل على معنى المذكر.
٨٣

٣ - أن تكونَ نَفْسَ صاحبِها في المعنى، نحو : ((جاءَ سعيدٌ راكباً)).
( فإن الراكب هو نفس سعيد. ولا يجوز أن يقال: ((جاء سعيد
ركوباً))، لأن الركوب فعل الراكب وليس هو نفسه ) .
٤ - أن تكون مشتقّةً ، لا جامدةً .
وقد تكون جامدةٌ مُؤَوَّلةٌ بوصفٍ مشتقٍّ ، وذلك في ثلاث حالات :
الأولى: أن تدُلَّ على تشبيهٍ، نحو: ((كرَّ عليٌّ أسداً))، أي: شُجاعاً
كالأسد، ونحو: ((وضَحَ الحقُّ شمساً))، أي: مضيئاً، أو منيراً
كالشَّمس، ومنه قولهم : ((وقعَ المصطَرعانِ عِدْلِيْ عَيرٍ))(١) . أي مصطَحِبَينٍ
كاصطحابٍ عدليْ حمارٍ حينَ سقوطهما .
الثانيةُ: أن تَدُلَّ على مُفاعلةٍ ، نحو: (( بِعتُكَ الفَرَسَ يداً بيدٍ))، أي :
متقابضينٍ ، ونحو : (( كلّمتُه فاهُ إلى فيَّ))، أي : مُتَشافهينٍ .
الثالثةُ: أن تدلَّ على ترتيبٍ ، نحو: ((دخلَ القومُ رجلا رجلاً))، أي :
مُتْرَتّبينَ، ونحو : (( قرأتُ الكتابَ باباً باباً))، أي: مُترَتّباً.
وقد تكونُ جامدةً ، غيرَ مُؤْ وَّلةٍ بوصفٍ مُشتق ، وذلك في سبع حالات :
الأولى : أن تكونَ موصوفةً ، كقوله تعالى: ﴿ إنّ أنزلناه قرآناً عربياً ﴾
وقولهِ : ﴿فَتَمثَّلَ لها بَشراً سوياً ﴾ .
الثانيةُ: أن تدلَّ على تسعيرِ، نحو: (( بعتُ القمحَ مُدًّا بِعشرةِ قُروشٍ .
وآشتریتُ الثوب ذِراعاً بدینارٍ )).
(١) العير، بفتح العين: الحمار، أهلياً كان أو وحشياً .
٨٤

الثالثةُ: أن تدُلُّ على عددٍ، كقوله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبكَ أربعينَ
ليلةً ﴾ .
الرابعةُ: أن تَدُلَّ على طَورٍ ، أي حالٍ ، واقعٍ فيه تفضيلٌ ، نحو :
((خالدٌ غلاماً أحسنُ منهُ رجلاً »، ونحو : ((العِنَب زبيباً أطيبُ منه دِبساً ».
الخامسةُ: أن تكون نوعاً لصاحبها، نحو: ((هذا مالُكَ ذهباً)».
السادسةُ: أن تكونَ فرعاً لصاحبها، نحو: ((هذا ذَهَبُكَ خاتماً)، ومنه
قولهُ تعالى: ﴿وتنحتونَ الجبالَ بُيوناً ﴾.
السابعةُ: أن تكون أصلًا لصاحبها، نحو: ((هذا خاتمُكَ ذَهباً. وهذا
ثوبُك كتّاناً))، ومنه قوله تعالى: ﴿أَأَسجُدُ لِمِن خَلقتَ طيناً ؟ ﴾
فوائد
١ - سمع بعض المصادر مما يدل على نوع عامله منصوباً. فقال
جمهور البصريين : أنه منصوب على الحال ، وهو مؤول بوصف مشتق ،
نحو: ((جاء ركضاً. قتله صبراً(١). طلع علينا فجأة أو بغتة. لقيته كفاحاً (٢)
أو عياناً. كلمته مشافهة. أخذت الدرس عن الأستاذ سماعاً)) ونحو ذلك
وجعلُ هذه المصادر حالاً، كما قالوا ، جائز. والأولى أن يجعل ذلك مفعولاً
مطلقاً مبيناً للنوع . فهو منصوبٌ على المصدرية لا على الحالية ، لأن المعنى
على ذلك ، فلا حاجة إلى التأويل .
٢ - جعلوا أيضاً المصدر المنصوب بعد (أل)) الكمالية (أي: الدالة
(١) أي: حبسه حتى مات .
(٢) الكفاح - بكسر الكاف - والمكافحة: المواجهة. والمكافحة في الحرب: أن يلقى القوم العدوّ
بوجوههم ليس دونها وقاية من ترس ونحوه ، وفلان يكافح الأمور أي يباشرها بنفسه .
٨٥

على معنى الكمال في مصحوبها ) منصوباً على الحال ( بعد تأويله بوصف
مشتق). نحو: ((أنت الرجل فهماً)) والحق أنه منصوب على التمييز، ولا
معنى للحال هنا .
٣ - جعلوا من المنصوب على الحال (بعد تأويله بوصف مشتق)
المصدرَ المنصوب بعد خبر مُشبهٍ به مبتدؤه، نحو: «أنتَ زهيرٌ شعراً،
وسحبانُ فصاحةٌ، وحاتم جوداً، والأحنفُ حلماً، وإياسٌ ذكاءً)). وهو
منصوب على التمييز لا محالة ، ولا معنى للحال هنا .
٤ - جعلوا أيضاً المنصوب بعد ((أمّا)) في مثل قولك: ((أمّاً علماً.
فعالمٌ)) حالاً، بعد تأويله بوصف مشتق ، وهو منصوب على أنه مفعول به
لفعل محذوف . والتقدير: ((إن ذكرت العلم فهو عالم)). ولا معنى لنصبه
على الحال .
٣ - عاملُ الحالِ وصاحبُها
تحتاج الحالُ إلى عاملٍ وصاحبٍ .
فعاملُها : ما تَقدَّم عليها من فعلٍ ، أو شبههِ ، أو مَعناهُ .
فالفعلُ، نحو : ((طلعت الشمسُ صافيةٌ)).
والمرادُ بشبهِ الفعلِ : الصفاتُ المشتقّةُ من الفعلِ، نحو: (( ما مسافرٌ
خليلٌ ماشياً)».
والمراد بمعنى الفعل تسعةُ أشياء :
١ - اسمُ الفعلِ، نحو: ((صَهْ ساكتاً. ونَزَالٍ مُسرعاً)).
٢ - اسمُ الإِشارةِ، نحو: ((هذا خالدٌ مُقبلاً))، ومنه قوله تعالى:
٨٦

﴿ وهذا بَعلي شيخاً﴾، وقولهُ: ﴿فَتلكَ بُيوتُهُم خاويةً بما ظلموا ﴾،
وقولُهُ : ﴿ إِنَّ هذه أُمَّتُكم أُمَّةٌ واحدةً ﴾ .
٣ - أدواتُ التّشبيهِ، نحو: ((كأنَّ خالداً، مقبلاً، أسدٌ))، قال الشاعر
امرىء القيس :
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ، رَطْباً وَيابساً
لَدَى وَكْرِها، العُنَّابُ والحَشَّفُ البالي(١)
٤ - أدواتُ التّمني والتّرجّي، نحو: ((ليتَ السرورَ، دائماً، عندنا))،
ونحو: (لَعَلَّك، مدَّعياً، على حقٍّ».
٥ - أدوات الاستفهام، نحو: ((ما شأنُكَ واقفاً(٢)؟ * ما لَكَ مُنطلقاً؟ *
كيفَ أنتَ قائماً؟ * كيفَ بزُهيرِ رئيساً؟))(٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فما
لهم عن التّذكرةِ مُعرضِينَ ؟ ﴾ .
٦ - حرفُ التنبيهِ، نحو: ((ها هُوَذا البدرُ طالعاً)).
٧ - الجارُّ والمجرورُ، نحو: ((الفَرَسُ لكَ وحدَك)).
٨ - الظرفُ، نحو: ((لَدَينا الحقُّ خَفّاقاً لواؤُهُ)).
٩ - حرفُ النداء، كقوله: (( يا أيها الرَّبعُ مبكّاً بساحتهِ)).
وصاحبُ الحالِ : ما كانت الحالُ وصفاً له في المعنى . فإذا قلتَ :
(( رجعَ الجندُ ظافراً))، فصاحبُ الحال هو «الجُندُ)) وعاملُها هو ((رجعَ)).
(١) الحشف: أردأ التمر، أو اليابس الفاسد منه .
(٢) ما : اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم. وشأنك: مبتدأ مؤخر. ويجوز أن تكون ((ما))
مبتدأ، وشأنك خبراً. (واقفاً): حال من ضمير المخاطب.
(٣) كيف: اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم. والباء، في ((بزهير)) حرف جر زائد و(زهير):
مجرور لفظاً بالباء الزائدة، مرفوع محلاً على أنه مبتدأ مؤخر .
٨٧
.