النص المفهرس

صفحات 541-560

ولا فرقَ بينَ أن يكون المضارع المستقبلُ مسبوقاً بأداةٍ تَمحَضُه
الاستقبالِ كالسين وسوفَ وأدواتِ الشرطِ الجازمة وغيرها ، أو غير مسبوقٍ
بها، وإنما القرينةُ تدلُّ على استقباله، نحو: ((إنه يجيءُ غداً)). وأما قوله
تعالى: ﴿إِنَّ ربكَ ليحكُمُ بِينَهم يوم القيامة﴾، فإنما جازَ دخولُ اللام لأنَّ
المستقبل هنا مُنَزَّلُ مَنزلةً الحاضر لِتحقُّق وقوعِهِ ، لأنَّ الحكمَ بينهم واقعٌ لا
محالةَ . فكأنهُ حاضر ، وكذا قولهُ تعالى: ﴿وَلَسوفَ يُعطيكَ ربُّكَ فترضى﴾،
فإِنَّ الإِعطاءَ مُحقَّقٌ، فكأنه واقعٌ حالاً. وأما قوله عزَّ وجلَّ على لسان
يعقوبَ: ﴿إِنَّهُ ليحزُنُني أن تذهبوا به﴾، فإنَّ الذهابَ، وإن كان مُستقبلاً
فإن أثرَهُ، وهو الحزنُ ، حاضرٌ ، فإنهُ حَزِنَ مُجرَّد علمهِ أنهم ذاهبُون به ، فلم
يخرُج المضارع هنا ، وهو ( يحزنني ) ، عن كونهِ للحال.
ويرى بعض العلماء (وهمُ الكوفيُّون ) أنها لا تمحَضُ المضارع الحالَ ،
بل يجوز أن تدخل عَليه وهو مُستقبل ، بالأداة أو بِدونها ، وجعلوا الاستقبالَ
في الآياتِ على حقيقته .
(٨) ((ما)) الكافَّةُ بعدَ هذهِ الأحرف
إذا لحقت (ما) الزائدةُ الأحرفَ المُشبّهةَ بالفعل، كفّتها عن العمل ،
فيرجعُ ما بعدها مبتدأً وخبراً. وتُسمّى (ما) هذه (ما الكافةَ) لأنها تَكُفُّ ما
تلحقُهُ عن العمل، كقوله تعالى: ﴿إنَّما إلَهَكُم إلّهٌ واحدٌ ﴾،
........ .
٩٠٫٠٧٠ -٠٠.٠٠
ونحو : ( كأنما العلمُ نورٌ)، و(لَعَلَّما اللّهُ يرحمُنا).
۔
٠ ٠٠٠٠٠٠٠٠
غير أنَّ (ليتَ) يجوزُ فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، بعدَ أن تلحقُها (ما) هذه،
تقولُ: (ليتما الشبابَ يعودُ) و(ليتما الشبابُ يعودُ). وأعمالُها حينئذ أحسنُ من
إهمالها . وقد رُوِيَ بالوجهينِ ، نصبٍ ما بعدَ (ليتما) ورفعه ، قولُ الشاعر
النابغة :
٣٠٨
:

قالتْ: أَلا لَينَما هذا الحمامَ لنا
إلى حَمامَتِنا، أو نِصْفَهُ فَقَدٍ
(فالنصب على أن (ليتما) عاملة، و(ذا) اسمها، و((الحمام)) بدل منه.
والرفع على أنها مهملة مكفوفة بما، و(ذا) مبتدأ، و((الحمام)) بدل منه. وكذا
((نصفه)) إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته، لأنه معطوف عليه).
ومتى لحقت (ما الكافَّةُ) هذه الأحرفَ زالَ اختصاصُها بالأسماء. فَلِذا
أُهملت، وجازّ دخولُها على الجملة الفعليّة، كما تدخلُ على الجملة
الاسميَّةِ، إِلَّ (ليتَ). فمن دخولها على الجملةِ الفعلية قوله تعالى: ﴿كأنما
يُساقونَ إلى الموت ﴾ وقول الشاعر:
أَعِدْ نَظَرَأَ يَا عَبْدَ قَيْسٍ، لَعَلَّما
أَضَاءَتْ لكَ النَّارُ الْحِمَارَ الْمُقْيَّدا
ومن دخولها على الجملة الاسميَّة قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشرٌ
مِثْلُكُم يُوحى إليَّ إنما إِلَهكم إلّهٌ واحدٌ ﴾، وقولهُ: ﴿إنما اللّهُ إلّهٌ واحدٌ﴾.
وأما ( ليت) فإنها باقيةٌ على اختصاصها بالأسماءِ، بعدَ أن تلحقها (ما
الكافةُ) فلا تدخلُ في الجُملِ الفعليةً، لذلك يُرَجِّحُ أن تبقى على عملها : من
نصب الاسم ورفعِ الخبر ، كما تقدَّم .
فائدة وتنبيه
(إن كانت (ما) اللاحقة لهذه الأحرف اسماً موصولاً، أو حرفاً
مصدرياً ، فلا تكفها عن العمل ، بل تبقى ناصبة للاسم : رافعة للخبر . فإن
لحقتها (ما الموصولة) كانت (ما) اسمها منصوبة محلاً ، كقوله تعالى: ﴿إِن ما
عندكم ينفذ﴾، أي: إن الذي عندكم ينفد. وإن لحقتها (ما المصدرية) كان
٣٠٩

ما بعدها في تأويل مصدر منصوب، على أنه اسم ((إن)) نحو ((إن ما تستقيم
حسن))، أي: ان استقامتك حسنة. وحينئذ تكتب (ما) منفصلة. كما رأيت.
بخلاف (ما الكافة)، فإنها تكتب متصلة كما عرفت فيما سلف. وقد اجتمعت
((ما)) المصدرية و((ما)) الكافة في قول امرئ القيس :
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة
كفاني ولم أطلب، قليل من المال (١)
ولكنما أسعى لمجد مؤثل
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي (٢)
فما في البيت الأول مصدرية . والتقدير: لو أن سعبي . وفي البيت
الآخر زائدة كافة، أي: ولكني أسعى لمجد مؤثل).
(٩) العَطْفُ على أسماءِ هذهِ الأُحرُف
إذا عطفتَ على أسماءِ الأحرف المشبَّهة بالفعل ، عطفت بالنصب ،
سواءٌ أوقعَ المعطوفُ قبلَ الخبر أم بعدَهُ، فالأولُ نحو: (إِنَّ سعيداً وخالداً
مسافرانٍ)، والثاني نحو: (إن سعيداً مُسافرٌ وخالداً).
وقد يُرفعُ ما بعدَ حرف العطف ، بعدَ استكمالِ الخبر، على أنهُ مبتدأٌ
محذوفُ الخبر ، وذلك بعد (إنَّ وأَنَّ ولكنَّ) فقطْ ، فمثالُ (إنَّ): ((إنَّ سعيداً
مسافرٌ وخالدٌ)(٣) ومنهُ قول الشاعر :
(١) قليل: فاعل ((كفاني))، وجملة ((ولم أطلب)) اعتراضية. والمعنى لو كنت أسعى لحياة ساذجة، لكفاني
قليل المال، ولم أطلب ما فوق ذلك من عز ومجد، يعني ملك أبيه الذي كان يسعى له .
(٢) المؤثل: المؤصل الثابت .
(٣) خالد: مبتدأ، وخبره محذوف. والتقدير. ((وخالد مسافر أيضاً)).
٣١٠
..

فَمَنْ يَكُ لم يُنْجِبْ أَبُوهُ وَأُمُّهُ
فَإِنَّ لَنا آلأُمَّ النَّجيبةَ، والأَبُّ (١)
وقول الآخر :
ء
إِنْ
الخلافة
والمُروءَةَ فيهمُ
أطهارُ(٢)
والمَكْرُماتُ وسادةٌ
ومثالُ (أَنَّ) قوله تعالى: ﴿وآذانٌ من الله ورسولهِ إلى الناسِ يومَ الحجّ.
الأكبرِ أنَّ اللّهَ بريءٌ من المشركينَ، ورسولُهُ﴾ (٣).
ومثالُ (لكنَّ ) قولُ الشاعر :
وما زِلتُ سَبَّاقاً إلى كُلِّ غايةٍ
بها يُبْتَغَى فِي النَّاسِ مَجِدٌ وإجلالُ
وما قَصَّرَتْ بِي فِي التَّسامي خُؤُولةٌ
ولكنَّ عمّي الطَّيِّبُ الأَصلِ والخالُ(٤)
(١) الأب: مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: ((ولنا الأب النجيب أيضاً».
(٢) أي: وفيهم المكرمات وسادة أُطهار.
(٣) أي: ورسوله بريء منهم أيضاً .
(٤) أي: والخال هو الطيب الأصل أيضاً و((الخز ولة)) جمع خال، كالعمومة جمع عم أو هي على معنى
المصدر للخال. يقال: بيني وبينه خؤولة، كما يقال: بيني وبينه عمومة، (لكن)) هنا ليست
للاستدراك، إذ لا معنى له هنا، وإنما هي لمجرد التوكيد. ((والطيب)»: خبر عن اسم لكن، اي:
لكن عمي هو الطيب الأصل، والخال كذلك. والمعنى لم تقصر بي عن نيل المجد خؤولة ولا
عمومة، فإن أعمامي وأخواني ذوو نسب رفيع ، ولكني افتخر بنفسي وما أكسبه من الفضائل.
يريد أنه قد حصل له السؤدد من ناحيتين : الأولى من نفسه ، وهي أنه ما زال كثير السبق إلى
جميع الغايات التي يطلب بها الشرف في الناس. وأشار اليها بقوله: ((ما زلت سباقً). والثانية من
ناحية نسبه من جهتي أبيه وأمه. وأشار إليها بقوله: ((وما قصرت بي في التسامي خؤولة)» أي: ولا
عمومة. ففي الشطر الأول من البيت حذف يدل عليه الشطر الثاني منه . وهذا من إيجاز
العرب .
٣١١

وقد يُرفعُ ما بعدَ العاطف قبل استكمالِ الخبر ، لغرضٍ معنوي ، على
أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر ((فتكونُ جُملتُهُ مُعترِضةٌ بينَ اسمِ (إِنَّ) وخبرِها ،
كقول الشاعر :
فَمَنْ يَكُ أَمسَى بالمدينةِ رَحْنُهُ
فإِنِّي، وَقَيَّارٌ، بِها لَغَرِيبُ
(غريب: خبر عن اسم، ((إن))، وقيار: مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير:
وقيار غريب بها أيضاً. وقيار اسم فرسه أو جمله. وإنما قدمه واعترض بجملته
بين اسم إن وخبرها لغرض أن هذا الفرس أو الجمل استوحش في هذا
البلد ، وهو حيوان ، فما بالك بي ، فلو نصب بالعطف على اسم ((ان)) فقال:
((فإني وقياراً بها لغريبان))، لم يكن من ورائه شدة تصويره الاستيحاش الذي
يعطيه الرفع في هذا المقام ).
ومنهُ قولهُ تعالى: ﴿(إنَّ) الذين آمنوا والذينَ هادُّوا، والصابئون،
والنصارى، مَن آمنَ منهم باللّهِ واليومِ الآخرِ وعمل صالحاً ، فلا خوفٌ عليهم
ولا هم يحزنون ﴾.
فالصابئون : مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: والصابئون كذلك، أي :
لهم حكم الذين آمنوا والنصارى واليهود. والجملة معترضة بين اسم ((أن))
وخبرها ، وخبر (إن): هو جملة الجواب والشرط، والغرض من رفع
((الصابئون)) وجعله مبتدأ محذوف الخبر أنه لما كان الصابئون، مع ظهور
ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها ، يتاب عليهم ان صح منهم الايمان ،
واعتصموا بالعمل الصالح، فغيرهم ممن هو على دين سماوي وكتاب منزل،
أولى بذلك).
٣١٢
......

(١٠) إِنَّ المكسورةُ، وأَنَّ المفتوحة
يجبُ أن تُكسرَ همزةُ (إنَّ) حيث لا يصحُّ أن يقومَ مقامَها ومقام معموليها
مصدرٌ .
ويجبُ فتحُها حيثُ يجبُ أن يقوم مصدرٌ مقامَها ومقامَ معموليها .
ويجوزُ الأمرانِ : الفتحُ والكسرُ، حيثُ يَصحُّ الاعتبارانِ .
(فإن وجب أن يؤول ما بعدها بمصدر مرفوع أو منصوب أو مجرور
(بحيث تضطر إلى تغيير تركيب الجملة)، فهمزتها مفتوحة وجوباً ، نحو :
((يعجبني أنك مجتهد))، والتأويل: ((يعجبني اجتهادك)) ونحو: ((علمت أن
اللّه رحيم))، والتأويل: ((علمت رحمة الله))، ونحو: ((شعرت بأنك
قادم))، والتأويل ((شعرت بقدومك)). وإنما وجب تأويل ما بعد ((أن)) هنا
بمصدر لأننا لو لم نؤوله، لكانت ((يعجبني)) بلا فاعل، ((وعلمت)) بلا
مفعول، و((الباء)» بلا مجرور فالمصدر المؤول : فاعل في المثال الأول ،
ومفعول في المثال الثاني ، ومجرور بالباء في المثال الثالث .
وإن كان لا يصح أن يؤول ما بعدها بمصدر (بمعنى أنه لا يصح تغيير
التركيب الذي هي فيه) وجب كسر همزتها على أنها هي وما بعدها جملة ،
نحو: ((إن الله رحيم)). وإنما لم يصح التأويل بالمصدر هنا لأنك لو قلت:
(رحمة الله)) لكان المعنى ناقصاً.
وإن جاز تأويل ما بعدها بمصدر ، وجاز ترك تأويله به ، جاز الأمران :
فتحها وكسرها نحو: ((أحسن إليّ علي، أنه كريم))، فالكسر هنا على أنها مع
ما بعدها جملة تعليلية ، والفتح على تقدير لام الجر، فما بعدها مؤول
بمصدر. والتأويل: ((أحسن إليه لكرمه)).
٣١٣

وحيث جاز الأمران فالكسر أولى وأكثر لأنه الأصل ، ولأنه لا يحتاج معه
إلى تكلف التأويل ) .
(١١) مَواضعُ ((إِنَّ)) المكسورة الهمزة وجوباً
تُكسرُ همزةُ (إنَّ) وجوباً حيثُ لا يصحُ أن يُؤَوّلَ ما بعدَها بمصدر ،
وذلك في اثنيْ عشَر موضعاً :
(١) أن تقعَ في ابتداءِ الكلام، إِمَّا حقيقةً، كقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناهُ
في ليلة القَدْرِ﴾، أو حُكماً، كقوله عزَّ وجلّ: ﴿أَلا إِنَّ أولياءَ اللّهِ لا خوفٌ
عليهم ولا هم يحزنون ﴾.
وإن وقعتْ بعدَ حرف تنبيه ، كألا، أو استفتاحٍ ، كألا وأَما ، أو
تحضيضٍ كهَلًا، أو رَدْعٍ ، كَكَلَّاً، أو جوابٍ ، كَنْعَمْ ولا ، فهي مكسورةٌ
الهمزةُ ، لأنها في حكم الواقعة في الإِبتداء .
وكذا إن وقعت بعدَ (حتّى) الإِبتدائية، نحو : ((مَرِضَ زيدُ ، حتى إنهم
لا يَرجونه، وقَلَّ مالهُ، حتى إنهم لا يُكلّمونه ». والجملة بعدَها لا محلّ لها
من الإِعراب لأنها ابتدائيةٌ ، او استئنافية .
(٢) أن تقعَ بعد (حيث) نحو: ((اجلِسْ حيث إنّ العلم موجود)».
(٣) أن تقعَ بعد (إذْ) نحو: ((جئتُكَ إذْ إنَّ الشمسَ تَطلُعُ)).
٠٢٣٨٠٠
(٤) أن تقعَ صدرَ الجملةِ الواقعةِ صِلَّةً للموصول، نحو : ((جاء الذي
إنه مجتهدٌ ))، ومنهُ قوله تعالى: ﴿وآتيناهُ من الكنوزِ ما إن مَفاتحَهُ لَتَنوء
بالعُصبِ أولي القَوَةِ﴾.
(٥) أن تقعَ ما بعدَها جواباً للقسَم، نحو: واللّهِ، ((إنَّ العلمَ نورٌ))،
٣١٤
٠ ٠

ومنه قولهُ تعالى: ﴿والقُرْآنِ الحكيمِ ، إنكَ لَمِنْ المُرسلينَ ﴾
(٦) أن تقعَ بعد القولِ الذي لا يَتَضمَّنُ معنى الظنِّ ، كقوله تعالى :
﴿ قال إني عبدُ اللّهِ﴾، فإن تَضَمَّن مَعناهُ فُتحت بعدهُ، لأنَّ ما بعدَها مَؤْوَّلٌ
حينئذٍ بالمفعول به، نحو: ((أتقولُ أن عبد اللّه يَفعلُ هذا؟))، أي: «أتظنَّ
أنهُ يَفعلُه ؟)).
(٧) أن تقعَ معَ ما بعدها حالاً، نحو: ((جئتُ وإِنَّ الشمس تَغْرُبُ))،
ومنه قولهُ تعالى: ﴿ كما أخرجَكَ رَبُّكَ من بيتكَ بالحقُّ ، وإنّ فريقاً منَ
المُؤمنين لكارهون ﴾ .
(٨) أن تقعّ معَ ما بعدها صفةً لما قبلها، نحو: ((جاءَ رجلٌ إنه
فاضل)).
(٩) أن تقعَ صدرَ جملةٍ استئنافية، نحو: (( يَزْعُمُ فلانٌ أني أسأتُ
إليه، إنه لكاذبٌ)). وهذه من الواقعة ابتداءً.
(١٠) أن تقعّ في خبرِها لامُ الإِبتداء نحو: ((علمتُ إنكَ لمجتهدٌ)).
ومنه قوله تعالى: ﴿واللّهُ يَعلمُ إنك لَرسولُه، واللّهُ يشهدُ إِنَّ المُنافقينَ
لكاذبون ﴾ .
(١١) أن تقعَ مع ما بعدَها خبراً عن اسم عين(١)، نحو: ((خليلٌ إنه
كريمٌ)) ومنه قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصّابِئينَ
والنَّصارى والمجُوسَ والذينَ اشركوا، إِنَّ اللّهَ يَفصِلُ بينهم يومَ القيامة))(٢).
(١) اسم العين: هو ما دل على ذات، أي شيء قائم بنفسه. ويقابله اسم المعنى، وهو ما دل على
شيء قائم بغيره: كالعلم والشجاعة ونحوهما .
(٢) جملة ((إن الله يفصل بينهم)). خبر عن ((أن الذين آمنوا)» وما عطف عليه.
٣١٥

(١٢) مَواضعُ ((أَنَّ)) المفتوحةِ الهمزة وجوباً
تُفتحُ همزةُ ((أنّ)) وجوباً حيثُ يجبُ أن يؤوَّلَ ما بعدَها بمصدرٍ مرفوعٍ
أو منصوبٍ أو مجرور . وذلك في أحد عشر موضعاً :
"٠
فيؤْوَّل ما بعدها بمصدرٍ مرفوعٍ في خمسة مواضع :
(١) أن تكون وما بعدها في موضع الفاعل، نحو: ((بلغني أنك
مجتهدٌ))(١) ومنه قولهُ تعالى: ﴿أَوَلمْ يَكْفِهِم أنا أنزلنا عليكَ الكتاب﴾.
ومن ذلك أن تقع بعد ((لَوْ))، نحو: ((لو أنك اجتهدَتَ لكان خيراً
لك)) (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا وأتقَوْا لَمثوبة(٣) من الله
خيرٌ ﴾ .
ومن ذلك أن تقع بعد ((ما)) المصدريّة الظّرفيّة، نحو: (لا أُكلمك ما أنك
كُولٌ) (٤)، ومنه قولُهُمْ: (لا أُكلِّمهُ ما أنَّ حراءٌ (٥) مكانَه) أو (ما أَنَّ في السماءِ
نجماً).
(٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ نائب الفاعل، نحو: ((عُلمَ أنك
منصرفٌ)) (٦)، ومنهُ قولهُ تعالى: ﴿قُل: أُوحِيَ إليَّ أنه استمعَ نَفَرٌ من
الجن ﴾.
(٣) أن تكونَ هي وما بعدها في موضع المبتدأ، نحو: (( حَسّنَ أنك
(١) والتقدير بلغني اجتهادك .
(٢) والتقدير: ((لو ثبت اجتهادك))، فما بعد ((إن)) في تأويل مصدر مرفوع فاعل لفعل محذوف، تقديره:
اثبت،».
(٣) اللام في ((لمثوبة)) لام الجواب، فالجملة بعدها جواب (لو)).
(٤) والتأويل: ((ما ثبت كسلك)»، فما بعد ((ان)) في تأويل مصدر مرفوع فاعل لفعل محذوف. تقديره :
((ثبت)».
(٥) جراء: جبل بمكة .
(٦) والتأويل: علم انصرافك.
٣١٦

مجتهدٌ))(١)، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن آياته أنك تَرى الأرضَ خاشعةً﴾ (٢).
(٤) أن تكون هي وما بعدها في موضع الخبر عن أسم معنىً واقعٍ
مبتدأ أو آسماً لأنَّ، نحو: ((حَسبُكَ أنكَ كريمٌ))(٣)، ونحو: ((إن ظني أنك
فاضلٌ)) (٤). فإن كان المخبرُ عنهُ آسمَ عينٍ وجب كسرُها ، كما تقدَّمَ ، لأنك
لو قلت: ((خليلُ أنّهُ كريمٌ))، بفتحها، لكانَ التأويلُ: ((خليلُ كرَمُهُ)))
فيكونُ المعنى ناقصاً .
(٥) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ تابعٍ لمرفوع ، على أنه
معطوفٌ عليهِ أو بَدَلُ منه، فالأولُ نحو: (( بلغني اجتهادُكَ وأنكَ حَسَنُ
الخُلُقِ))(٥)، والثاني نحو: (( يُعجبني سعيدٌ أنهُ مجتهدٌ )) (٦).
وتُؤَوَّلُ بمصدرٍ منصوبٍ في ثلاثةِ مواضعَ :
(١) أن تكون هي وما بعدها في موضع المفعولِ به، نحو: ((علمتُ
أنكَ مجتهدٌ » (٧)، ومهُ قوله تعالى: ﴿ولا تخافون أنكم أشركتم باللّهِ ﴾. ومن
ذلك أن تقع بعد القول المتّضمّنِ معنى الظنِّ ، كما سبق .
(٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعٍ خبرٍ لكانَ أو إحدى أخواتها ،
بشرطِ أن يكون اسمُها آَسمَ معنىٍّ، نحو: ((كانَ عِلمي ، أو يَقيني ، أنك
تَبْعُ الحقَّ))(٨).
(١) والتأويل: حسن اجتهادك، فحسن خبر مقدم، واجتهادك مبتدأ مؤخر.
(٢) من آياته ، الجار والمجرور : خبر مقدم ، وما بعد أن في تأويل مصدر مرفوع مبتدأ مؤخر.
(٣) أي: حسبك كرمك .
(٤) أي: أن ظني فضلك .
(٥) والتأويل: ((بلغني اجتهادك وحسن خلقك)).
(٦) والتأويل: ((يعجبني سعيد اجتهاده))، فالمصدر المؤول: بدل اشتمال من سعيد .
(٧) والتأويل: علمت اجتهادك.
(٨) والتقدير: كان علمي اتباعك الحق .
٣١٧

(٣) أن تكون هي وما بعدها في موضعٍ تابعٍ لمنصوب ، بالعطف أو
الْبَدَليّةِ فالأوَّلُ نحو: ((علمتُ مجيئَكَ وأنكَ مُنصرفٌ))(١) ومنهُ قولُهُ تعالى:
﴿ اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم، وإني فَضَّلتكم على العالمين﴾(٢)،
والثاني نحو: (( احترمتُ خالداً أنه حَسَنُ الخُلقِ))(٣) ومنه قوله تعالى: وإذْ
يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين أنها لَكُم﴾ (٤).
وتؤَوَّلُ بمصدرٍ مجرورٍ في ثلاثة مواضعَ أيضاً :
(١) أن تقعَ بعد حرف الجر، فما بعدَها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ به ،
نحو: ((عجبتُ من أنكَ مُهملٌ)) (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿ذلكَ بأن اللّهَ هَوَ
الحقُّ ﴾.
(٢) أن تقعَ مع ما بعدها في موضعِ المضاف إليه، نحو: (( جئتُ قبلَ
أن الشمسَ تَطَلُعُ)) (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿وإنه لَحقٌّ مثلما أنكمُ تُنطقون ﴾.
(٣) أن تقع هي وما بعدها في موضع تابعٍ لمجرورٍ ، بالعطف أو
الْبَدَليةِ، فالأولَ نحو: (( سُررتُ من أَدَبِ خليلٍ وإنه عاقلٌ)) (٧)، والثاني
نحو: ((عَجبتُ منهُ إنهُ مُهملٌ))(٨) .
(١) والتأويل: علمت مجيئك وانصرافك
(٢) والتقدير: اذكروا نعمتي عليكم وتفضيلي إياكم.
(٣) والتأويل: احترمت خالداً حُسْنَ خلقه، فالمصدر المؤول بدل اشتمال من خالداً.
(٤) والتقدير: بعدكم إحدى الطائفتين كونها لكم، فما بعد أن: في تأويل مصدر منصوب بدل اشتمال
من إحدى.
(٥) والتأويل عجبت من اهمالك .
(٦) والتقدير: جئت قبل طلوعها.
(٧) والتقدير: سررت من أدب خليل وعقله .
(٨) والتأويل: عجبت منه إهماله، والمعنى: عجبت من إهماله. فما بعد ((ان)): في تأويل مصدر مجرور
بدل اشتمال من الهاء .
٣١٨
٠٠٠

(١٣) المَوْاضِعُ التي تَجوزُ فيها ((إِنَّ وأَنَّ))
يجوزُ الأمرانِ، كسر همزة ((إنَّ)) وفتحُها، حيثُ يَصح الإِعتبارنِ : تأويلُ
ما بعدها بمصدرٍ ، وعدمُ تأويلِهِ . وذلك في أربعة مواضع :
(١) بعد ((إذا)) الفُجائيّةِ، نحو: ((خرجتُ فإذا إنَّ سعيداً واقفٌ)).
(فالكسر هو الأصل، وهو على معنى ((فإذا سعيد واقف» والفتح على
تأويل ما بعدها بمصدر مبتدأ محذوف الخبر ، والتأويل ((فإذا وقوفه حاصل»).
وقد رُوي بالوجهينِ قولُ الشاعر :
وكُنْتُ أَرَى زَيْداً، كما قيلَ، سَيِّداً
إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ الْقَفا واللَّهَازِمِ (١)
(فالكسر على معنى:))فإذا هو عبد القفا)). والفتح على معنى ((فإذا
عبوديته حاصلة)) .
(٢) أن تقعَ بعدَ فاءِ الجزاءِ، نحو : ((أن تجتهدْ فإنكَ تُكرمُ)). وقد
قُرِيءَ بالوجهين قولهُ تعالى: ﴿ مَنْ يُحادِد اللّهَ ورسولَهُ فإنَّ لهُ نَارَ جهنمَ﴾.
وقولهُ: ﴿ مَن عملَ منكم سُوءًا بِجهالةٍ ، ثمَّ تابَ من بعدهِ وأصلحَ ، فإنَّهُ
غفورٌ رَحِيمٌ ﴾.
(فالكسر على جعلها جملة الجواب . والفتح على أن ما بعدها مؤول
بمصدر مرفوع مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير في المثال: ((إن تجتهد فإكرامك
حاصل)). والتقدير في الآية الأولى ((فكون نار جهنم له حق أو ثابت أو حاصل))
والتقدير في الآية الأخرى: ((فمغفرة الله حاصلة له)). وتكون جملة المبتدأ
(١) اللهازم جمع لهزمة، (بكسر فسكون). واللهزمتان: عظمان ناتئان تحت الأذنين. يريد أنه ليس
سيداً ، وكنى عن ذلك بأنه يضرب على قفاه ولهزمتيه .
٣١٩

المؤول وخبره المحذوف جواب الشرط).
(٣) أن تقعَ مع ما بعدها في موضعِ التَّعليلِ، نحو: أكرِمْهُ، أَنّهُ
مُستحِقُّ الإِكرامِ ))، وقد قُرِيءَ بالوجهينِ قولهُ تعالى: ﴿صَلِّ عليهم، إنَّ
صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم ﴾ .
(فالكسر على أنها جملة تعليلية . والفتح على تقدير لام التعليل الجارة
أي : لأنه ولأن صلاتك . والتأويل في المثال: ((أكرمه لاستحقاقه
الإِكرام، وفي الآية: ((صل عليهم لتسكين صلاتك إياهم))، والسكن
( بالتحريك ) ما يسكن إليه ، ويفسر أيضاً بالرحمة والبركة ) .
(٤) أن تقعّ بعدَ ((لا جَرَمَ)) نحو: (( لا جَرَمَ أَنكَ على حَقِّ)). والفتح
هو الكثيرُ الغالبُ. قال تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللّهَ يَعلَمُ ما يُسِرُونَ﴾.
(ووجه الفتح أن تجعل ما بعد ((أن)» مؤولاً بمصدر مرفوع فاعل لجرم .
وجرم : معناه حقّ وثبتَ . وأصل الجرم القطع ، وعلمُ اللّه بالأشياء مقطوع به
لأنه حق ثابت .
و((لا)) حرف نفي للجواب، يرد به كلام سابق. فكأنه قال: ((لا))، أي:
ليس الأمر كما زعموا، ثم قال: (جرم أن الله يعلم) أي: (حق وثبت علمه).
وقال الفراء : لا جرم بمعنى (لا بد)، لكن كثر في الكلام ، فصار بمنزلة
اليمين ، لذلك فسرها المفسرون: حقاً: وأصله من جرمت: بمعنى
كسبتُ(١). فتكون (لا) على رأيه نافية للجنس. و(جرم) اسمها مبني على
الفتح ، وما بعد (أن) مؤول بمصدر على تقدير (من)، أي: لا جرم من أن
الله يعلم ، أي : لا بد من علمه .
(١) راجع كتاب (المعجم في بقية الأشياء) لأبي هلال العسكري (ص ٦٧).
٣٢٠

ووجه الكسر: أن من العرب من يجعل (لا جرم) بمنزلة القسم
واليمين ، نحو: ( لا جرم لآتينك ، ولا جرم لقد أحسنت) . فمن جعلها
يميناً كسر همزة (ان) بعدها نحو: (لا جرم إنك على حق) ، وجعل جملة
(ان) المكسورة واسمها وخبرها ، جواب القسم . وعلى من جعلها يميناً
فاعرابها كاعراب (لا بد) وقد أغنى جواب القسم عن خبرها .
وقد علمت أنه حيث جاز فتح (أن) وكسرها ، فالكسر أولى وأكثر ، لأنه
الأصل ، ولأنه لا تكلف فيه ، إلَّ إذا وقعت بعد (لا جرم) فالفتح هو الغالب
الكثير ، وإن نزّلتها منزلة اليمين ، لأنها في الأصل فعل).
(١٤) تخفيفُ ((إِنَّ وأَنَّ وكأَنَّ ولكنَّ))
يجوزُ أن تُخفّفَ ((إِنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ)) بحذف النون الثانية، فيقال: ((إِنْ
وأَنْ وكَأَنْ ولكنْ)).
(١٥) ((إنْ)) المخففة المكسورة
إذا خُفّفت ((إِنَّ)) أُهمِلتْ وجوباً، إن وَلِيَها فعلٌ، كقوله تعالى: ﴿وإن
نَظْنَكَ لَمِنَ الكاذبين﴾. فإن ولِيَها آسمٌ فالكثيرُ الغالبُ إهمالها، نحو: (( إن
أنتَ لَصادقٌ))، ويَقِلُّ إعمالها، نحو: ((إنْ زيداً مُنطلِقٌ))، ومنهُ قوله تعالى :
﴿وإنْ كُلاَ لَما (١) لِيوَفِيَنَّهم ربكَ أعمالهم﴾، في قراءة من قرأ: ((إنْ وَلَمَا))
مخفّفتينِ .
ومتى خُففت وأُهمِلَت لزمتها اللامُ المفتوحةُ وجوباً، نحو: ((إنْ سعيدٌ
(١) لما: اللام هي لام الابتداء، و(ما) زائدة للتوكيد، واللام في (ليوفينهم): هي اللام الموطئة
للقسم، دخلت على جوابه ، وجملة الجواب سادة مسد الخبر .
٣٢١

المجتهد )) تَفرقةٌ بينها وبين ((إنَّ)) النافية، كيلا يقع اللبسُ. وتُسمّى ((اللامَ
الفارقةً )). فإن أُمِنَ اللَّبس جاز تركُها ، كقوله :
أَنَا أبنُ أُباةِ الضَّيْمِ مِنْ آلِ مالِكِ
وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ الْمَعادِنِ(١)
لأن المقامَ هنا مَقامُ مَدح، فيمنعُ أن تكونَ ((إِنْ نافيةً، وإِلَّ أَنقلبَ
المدحُ ذَماً» .
وإذا خُففت لم يَلِها من الأفعال إلا الأفعالُ الناسخةُ لحكم المبتدأ
والخبر (أي التي تَنسخُ حُكمهما من حيثُ الإِعرابُ. وهي كانَ وأخواتُها ،
وكادَّ وأخواتُها ، وظنَّ وأخواتُها). وحينئذٍ تدخلُ اللامُ الفارقةُ على الجزء
الذي كان خبراً .
والأكثر أن يكونَ الفعلُ الناسخُ الذي يليها ماضياً ، كقوله تعالى: ﴿وإنْ
كانت لكبيرةٌ إِلَّ على الذينَ هدى اللّهُ﴾، وقولِهِ: ﴿قال تاللّهِ إِن كِدتْ
لَتُردِينٍ﴾، وقوله : ﴿وإن وجدنا أكثرَهم لَفاسقينَ ﴾. وقد يكونُ مضارعاً ،
كقوله سبحانه : ﴿وإن نظنكَ لَّمِنَ الكاذبين﴾.
ودخولُ ((إنْ)) المخفّفَة على غير ناسخٍ من الأفعال شاذ نادرٌ ، فما وردَ
منه لا يُقاسُ عليه، كقولهم : ((إِنْ يَزِينُكَ لَنَفْسُكَ، وإنْ يشينُكَ لَهِيَهْ)).
(١٦) ((أنْ) المُخَفَّفَةُ المفتوحة
إذا خُفّفت ((أن)) المفتوحةُ، فمذهبُ سيبويه والكوفيين أنها مُهمَلَةٌ لا
تعمل شيئاً ، لا في ظاهر ولا مُضمر ، فهي حرف مصدري كسائر الأحرف
(١) المعادن : الأصول .
٣٢٢

المصدرية ، وتدخلُ حينئذٍ على الجملِ الإِسميّة والفعلية . وهذا ما يظهرُ أنه
الحقُّ. وهو مذهبٌ لا تكَلُّفَ فيه (١) . وأما قولُ جَنوبَ الكاهليّة(٢):
لَقَدْ عَلِمَ الضيفُ والْمُرْمِلونَ
إذا أَغْبرَّ أُفْقٌ وَهَبَّتْ شَمالا(٣)
بأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثُ مَرِيعٌ
وَأَنْكَ هُناكَ تكونُ الشَّمالا(٤)
وقولُ الآخر :
فلَوْ أَنْكِ فِي يَوْمِ الرِّخاءِ سَأَلتني
طلاقَكِ لم أبخلْ وَأَنتِ صَديقُ(٥)
فَضَرورَةٌ شعريَّةٌ لا يُقاسُ عليها .
واعلم أنَّ ((أنّ)) المخفّفةَ، إن سبقها فعل ، فلا بُدَّ أن يكونَ من أفعال
اليقينِ أو ما يُنَزَّلُ منزَلتها ، من كل فعل قلبيّ يُرادُ به الظنُّ الغالبُ الراجح.
(١) والجمهور يرون أنها عاملة كالمشددة، غير أن اسمها يجب ان يكون ضميراً محذوفاً ، ولا يجوز
إظهاره إلا في الضرورة ، وفي قولهم ما فيه من التكلف. ويرى بعض النحاة أنها تعمل في الظاهر
والمضمر ، فيجوزون أن يقال: ((علمت أن زيداً قائم، وأنك قاعد)» وهو قول ضعيف لا يلتفت
إليه ، وإن جاء اسمها ضميراً بارزاً جاز أن يكون خبرها عند الجمهور مفرداً وإن كان ضميراً
محذوفاً وجب أن يكون الخبر جملة .
(٢) هي جنوب أخت عمرو ذي الكلب بن العجلان الكاهلي. وقد رثت أخاها عمراً ذا الكلب
بقصيدة منها هذان البيتان . وقيل : ان القصيدة لأختها عمرة .
(٣) الضيف يطلق على الواحد والجمع، وأرادت به هنا الجمع، كما قال تعالى: ((هؤلاء ضيفي)).
(والمرملون)، الذين فقدوا زادهم. و((الشمال)) ربح تهب من ناحية القطب. ونصبت على الحال أو
التمييز. وفاعل ((هبت)) ضمير يعود الى الريح المعلومة من المقام والمفسرة بالشمال.
(٤) الغيث: المطر، وأرادت به ما ينبت من العشب والكلأ بالمطر. و(مريع): خصيب. و(الثمال)
الذخر والغياث، يقال: فلان ثمال قومه، أي: هو غياث لهم يقوم بأمرهم ويلجئون إليه في
مهمات أمورهم . والمثمل : الملجأ .
(٥) الصديق، يكون للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث. ويقال أيضاً: هي صديقة بالتاء أيضاً.
٣٢٣

فالأولُ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سيكونُ منكم مَرْضى﴾، ومنه قول الشاعر
وهو أبو محجن الثقفي :
إذا مِتُّ فآدفنِّي إلى جَنْبِ كرْمةٍ
تُرَوِّي عظامي بعد مَوتي عُروقُها
ولا تَدِفِئَنِّي في الْفَلاةِ، فإِنَّني
أخافُ إذا ما مِتُّ لا أَذُوقُها
فخوفُه أن لا يذوقها بعدَ مماته يقينُ عنده ، مُتحققٌ لديهِ . والثاني كقوله
تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجأ من اللّهِ إِلَّ إليه) وقوله: ﴿أيحسَبُ أن لم يَرَهُ
أحدٌ ﴾ .
:
:
فائـة
(إذا وقعت ((أن)) الساكنة بعد فعل يفيد العلم واليقين ، وجب أن تكون
مخففة من ((أن)) المشددة ، وأن يكون المضارع مرفوعاً ، كما رأيت . ولا
يجوز أن تكون ((أن)) الناصبة للمضارع. وإن وقعت بعد فعل يدل على الظن
الراجح ، جاز أن تكون مخففة من (أن) المشددة فالمضارع بعدها مرفوع،
وجاز أن تكون (أن) الناصبة للمضارع، فهو بعدها منصوب . وقد قريء
بالوجهين قوله تعالى: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ بنصب (تكون) على أن
(أن) هي الناصبة للمضارع، ورفعه على أنها هي مخففة من (أن) المشددة.
وذلك لأن (أن) الناصبة للفعل المضارع تستعمل في مقام الرجاء والطمع فيما
بعدها ، فلا يناسبها اليقين ، وإنما يناسبها الظن ، فلم يجز أن تقع بعدما يفيد
اليقين . و(أن) المخففة هي للتأكيد، فيناسبها اليقين. ولما كان الرجاء
والطمع يناسبهما الظن ، جاز أن تقع بعده (أن) الناصبة للمضارع المفيدة
للرجاء والطمع . وإنما جاز أن تقع (أن) المخففة المفيدة للتأكيد ، إذا كان
٣٢٤
٠

ظناً راجحاً، لأن الظن الراجح يقرب من اليقين فينزل منزلته).
واعلم أنَّ ((أن)) المخفّفَة لا تدخل إلا على الجمل ، عند من يُهملُها
وعند من يُعمِلُها في الضمير المحذوف ، إلَّ ما شذ من دخولها على الضمير
البارز في الشعر للضرورة ، وقد علمت أنه نادر مخالفٌ للكثير المسموع من
كلام العرب .
والجملةُ بعدها إمَّا اسميَّةٌ ، وإما فعليَّة .
فإن كانت جملةً اسميَّة أو فعليّة فعلُها جامدٌ ، لم تحتجْ إلى فاصل بينها
وبين (أنْ)) فالإِسميَّةُ كقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دعواهُم أن الحمدُ للهِ ربِّ
العالمين)). وكقول الشاعر:
في فِتْيَةٍ ، كسُيوفِ الْهِنْدِ، قَدْ عَلِمُوا
أنْ هالِكٌ كلُّ مِنْ يَحْفِى وَيَنْتَعِلُ (١)
والفعليَّةُ، التي فعلها جامدٌ، كقوله سبحانهُ: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما
سعى﴾، وقوله: ﴿وان عسى أن يكونَ قد اقترَبَ أَجَلُهم﴾.
وإن كانت الجملةُ بعدها فعليّةً، فعلُها مُتصرّفٌ ، فالأحسن والأكثر أن
يُفصلَ بينَ ((أنْ)) والفعل بأحدٍ خمسة أشياءً:
(١) قد، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمْ (٢) أَن قد صدقتنا﴾، وقول الشاعر :
شَهدْتُ بأَنْ قَدْ خُطَّ ما هُوَ كائنٌ
وَأَنَّكِ تَمحو ما تَشاءُ وتُثْبِتُ
(١) هالك : خبر مقدم . وكل : مبتدأ مؤخر .
(٢) نعلم : معطوف على المنصوب قبله. والآية هي: (قالوا نريد أن نأكل منها، وتطمئن قلوبنا،
ونعلم أن صدقتنا، وتكون عليها من الشاهدين).
٣٢٥

(٢) حرف التّنفيسِ: ((السينُ أو سوف)) فالسينُ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ
أَنْ سيكونُ منكم مَرضى ، وقولِ الشاعر :
زَعَمَ الْفَرِزْدَقُ أَنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعاً
أَبْشِرْ بطولٍ سَلَامَةٍ يا مِرْبَعُ(١)
وسوف ، كقول الآخر :
وأعلمْ،، فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ،
أَنْ سَوْفَ يأْتِي كُلُّ ما قُدِرا
(٣) النفي بِلَنْ أو لم أو لا، كقوله تعالى: ﴿أيحسَبُ الإِنسانُ أَنْ لِنْ
نَجَمَعَ عظامَهُ﴾ وقوله: ﴿أيحسَبُ أَنْ لم يَرَهُ أَحَدٌ ﴾، وقولِهِ: ﴿أَفلا يُرَوْنَ
أَنْ لا يرجِعُ إليهم قَوْلاً ﴾.
(٤) أداةُ الشرطِ، كقوله تعالى: ﴿وقد نَزَّلَ عليكم في الكتاب أن إذا
سمعتُم آيَاتِ اللّهِ يُكفَرُ بها ويُسْتهزأ بها ، فلا تَقعُدوا مَعَهم حتى يخوضوا في
حديثٍ غيرِهِ)) وقوله: ﴿وَأَنْ لوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهُم ماءً غَدَقاً ﴾.
(٥) رُبَّ ، كقول الشاعر :
تَيَقُّنْتُ أَنْ رُبَّ أمريءٍ، خِيلَ خائناً
أمينٌ، وخَوَّانٍ يُخالُ أَمِينَا (٢)
(١) البيت لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق. و(مربع) لقب وعوعة بن سعيد راوية جرير، وكان
الفرزدق قد توعده بالقتل لروايته هجاء جرير إياه . والمربع في الأصل ، ومثله المربعة : العصا
التي يأخذ الرجلان بطرفيها ليحملا الحمل على الدابة .
(٢) أمرىء: مجرور برب، وهو في محل رفع مبتدأ، و(خيل) مجهول خال: ونائب فاعله مفعوله الأول.
و(خائناً) مفعوله الثاني. والجملة صفة لامرىء. و(امين) خبره ، أي: رب امرىء يظن خائناً وهو
أمين ، ورب خائن يظن أميناً.
.. **: .
٣٢٦

وإنما يُؤتى بالفاصل لبيانٍ أَنَّ ((أنْ)) هذه مخفَّفةٌ من ((أنَّ) لا أنها ((أن))
الناصبةُ للمضارع .
ويجوزُ أن لا يُفصَلِ بينَ ((أنْ)) والفعلِ بفاصل، إنْ كان ممَّا يدلُّ على
العلم اليقينيّ ، كقول الشاعر :
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُونَ، فجادُوا
قَبلَ أَنْ يُسأَلُوا بِأَعظمِ سُؤْلٍ
(وذلك أنه لما وجب أن يعتبر (أن) الساكنة مخففة من (أن) المشددة،
إذا وقعت بعد فعل يقيني ، ولم يجز أن تكون هي الناصبة للمضارع، كما
علمت ، سهل ترك الفصل بينها وبينه ، لأن الفاصل إنما يكون لتمييز أحداهما
عن الأخرى ، للإِيذان من أول الأمر بأنها ليست الناصبة للمضارع، وإنما هي
المخففة) .
(١٧) كَأَنْ المُخَفّفةِ
إذا خفّفت ((كأن)»، فالحقُّ (على ما نرى) أنها مُهمَلةٌ، لا عمل لها.
وعلى هذا الكوفيون(١). وهو قولُ لا تكلفَ فيه .
وعلى كلّ حالٍ فيجبُ أن يكون ما بعدها جملةً، فإن كانت اسميّةً لم
تحتج إلى فاصل بينها وبين ((كأن)) كقوله :
وَصَدْرٍ مُشْرِقِ اللَّوْنِ كَأَنْ ثَدْيَهُ حُقّان(٢)
(١) والجمهور يرون أنها عاملة في المضمر المحذوف. وقد تعمل عندهم في الظاهر نادراً ، وخبرها
عندهم يكون مفرداً، إن عملت في المظهر، نحو: (كأن زيداً أسد). ويكون جملة إن عملت في
المضمر، نحو: (كأن علي خلقه المسك) وهذا هو الكثير المشهور. ولا يخفى ما في هذا القول من
التكلف .
(٢) ويروى. وصدر مشرق النحر. والواو: واو رب، وصدر مجرور بها، ومحله الرفع على أنه مبتدأ،
والجملة بعده خبره. (والحقان) مثنى حق، وهو وعاء ينحت من خشب أو عاج أو غيرهما .
٣٢٧
٧-٠٩٠ ٧%