النص المفهرس
صفحات 521-540
(٣) يُشترطُ في خبر ((حَرَى واخلولقَ)) ان يقترنَ بِ ((انْ)). (٣) الخَبَرُ الْمُفْترِنُ بأن ((كادَ واخواتُها)) من حيثُ اقترانُ خبرِها بأنْ وعدَمُه على ثلاثة أقسام : (١) ما يجب أن يقترن خبرُه بها، وهما: ((حَرَى واخلولقٌ))، من أفعالِ الرّجاءِ . (٢) ما يجبُ أن يتجرَّدَ منها، وهي أفعالُ الشروع. (وإنما لم يجز اقترانها بأن ، لأن المقصود من هذه الأفعال وقوع الخبر في الحال، و((أن)) للاستقبال، فيحصل التناقض باقتران خبرها بها) . (٣) ما يجوزُ فيه الوجهانِ: اقترانُ خبرهٍ بأنْ، وتَجردُهُ منها، وهي أفعالُ المقارَبة، و((عسى)) من أفعال الرَّجاءِ. غير أنَّ الأكثرَ في ((عسى وأوشكَ)) أن يقترنَ خبرُهما بها، قال تعالى: ﴿عسى رَبُّكم أن يرحمَكم﴾، وقال الشاعر : وَلَوْ سُئِلَ النّاسُ التُّرابَ لَأَوشَكوا إذا قِيلَ: هاتوا، أَنْ يَمَلّوا ويمنعُوا وتجريدُه منها قليلٌ، ومنه قول الشاعر : عَسى أَلْكَرْبُ، الَّذِيْ أَمَسَبْتُ فِيهِ، قَریبُ فرجٌ وَرَاءَهُ يَكُونُ وقول الآخر : يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مُنِيَّتِهِ غِرَّاتهِ يُوافقُها في بَعْضٍ ٢٨٨ ..-. ...... ... والأكثرُ في ((كادَ وكَرَبَ)) أن يتجردّ خبرُهما منها، قال تعالى : ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون)، وقال الشاعر : كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَواهُ يَذوبُ حينَ قالَ الْوُشاةُ: هِنْدٌ غَضُوبُ واقترانُهُ بها قليلٌ، ومنه الحديثُ : ((كادَ الفقرُ أن يكون كفراً)) وقولُ الشاعر : سَقاها ذَوُو الأحلامِ سَجْلًا (١) على الظَّما وقَدْ كَرَبت أعناقُها أَنْ تُقَطّعا (٥) حكمُ الْخَبَرِ الْمُقْتَرِنِ بأَنْ والمُجَرَّدِ مِنْها إن كان الخبرُ مُقترناً بأن، مثلُ: ((أوشكتِ السماءُ أن تُمِطِرَ . وعسى الصديقُ أن يحضُرَ))، فليس المضارع نفسهُ هو الخبرَ، وإنما الخبرُ مصدرُهُ المؤَوَّلُ بأن، ويكونُ التقديرُ: ((أوشكت السماءُ ذا مطرٍ . وعسى الصديقُ ذا حضور)) غير أنه لا يجوزُ التصريح بهذا الخبر المؤَوَّل، لأنَّ خبرَها لا يكونُ في اللفظ اسماً . وإن كان غيرَ مُقترٍ بها، نحو: ((أوشكتِ السماءُ تمطِر))، فيكونُ الخبرُ نفسَ الجملة ، وتكونُ منصوبةً محلًا على أنها خبرٌ . (٥) المُتَصَرِّفُ من هذهِ الأفعال وغيرُ الْمُتَصَرِّف منها هذه الأفعالُ كلُّها مُلازمة صيغة الماضي، إلَّ ((أوشكَ وكادَ))، من أفعال المقاربة ، فقد وردّ منهما المضارع . (١) السجل: الدلو العظيمة التي فيها ماء، قل أو كثر، وهو مذكر. فإن كانت الدلو فارغة فلا يقال لها سجل . ٢٨٩ والمضارع من «كادَ) كثيرٌ شائعٌ، ومن ((أوشكَ)) أكثرُ من الماضي ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يكادُ زَيْتُهَا يُضيءُ ولو لم تمسَسْهُ نارٌ﴾، والحديثُ : ((يُوشِكُ أن يَنْزِلَ فيكم عيسى بنُ مريمَ حَكَماً عدلاً)). (٦) خَصَائِصُ عَسَى وآخلَوْلَقَ وأَوْشَكَ تختصُّ ((عسى واخلولقَ وأوشك))، من بين أفعال هذا الباب ، بأنهن قد يَكُنَّ تاماتٍ، فلا يَحتجنَ إلى الخبر، وذلك إذا وَلِيَهنَّ ((أنْ والفعلُ))، فُيُسنَدْنَ إلى مصدره المؤَوَّل بأنْ، على أنه فاعلٌ لهنَّ، نحو: ((عسى أن تقومَ. واخلولقَ أن تُسافروا. وأوشكَ أن نَرحلَ))، ومنه قوله تعالى: ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم. وعسى أن تُحبُّوا شيئاً، وهو شرَّ لكم﴾ وقولُهُ: ﴿عسى أن يُهديَني ربي﴾، وقوله: ﴿عسى أن يَبعثَكَ ربُّك مقاماً محموداً ﴾. هذا إذا لم يتقدّم عليهنَّ اسمُ هو المُسنَدُ إليه في المعنى (كما رأيت ) ، فإن تقدّم عليهنَّ اسمُ يَصحُّ إسنادُهنَّ إلى ضميره ، فأنت بالخيار، إن شئتَ جعلتهنَّ تامّاتٍ ( وهو الأفصح )، فيكونُ المصدرُ المؤوَّلُ فاعلاً لهنَّ، نحو: «علي عسى أن يذهب، وهندٌ عسى أن تذهب . والرجلان عسى أن يذهبا . والمرأتان عسى أن تذهبا . والمسافرون عسى أن يحضروا . والمسافرات عسى أن يحضُرْن)) بتجريد (عسى) من الضمير. وإن شئت جعلتهنَّ ناقصاتٍ، فيكونُ اسمُهنَّ ضميراً. وحينئذ يتحملنَ ضميراً مستتراً ، أو ضميراً بارزاً مطابقاً لِما قبلَهنَّ، إفراداً أو تثنية أو جمعاً، وتذكيراً أو تأنيثاً ، فتقول فيما تقدَّمَ من الأمثلة: ((عليٌّ عسى أن يذهبَ. وهندٌ عَسَتْ أن تذهبَ . والرجلان عَسَيا أن يذهبا، والمرأتانِ عَسَتا أن تذهبا . والمسافرونَ ؛ ۔۔ ٢٩٠ ..... عَسَوْا أن يحضُروا. والمسافراتُ عسَيْنَ أن يَحضُرنَ)). والأولى أن يُجعلنَ في مثل ذلك تامّاتٍ، وأن يُجرَّدْنَ من الضمير، فَبَقَيْنَ بصيغة المفرد المذكر، وأن يُسنَدْنَ إلى المصدر المؤوَّل من الفعل بأن على أنهُ فاعلٌ لهنَّ، وهذه لغة الحجاز، التي نزل بها القرآنُ الكريمُ ، وهي الأفصحُ والأشهرُ ، وقال تعالى: ﴿لا يَسخَرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساءً من نساءٍ ، عسى أن يَكُنّ خيراً منهنَّ﴾ ولو كانت ناقصةٌ لقال: ﴿عَسَوْا وَعَسَيْنِ﴾، بضمير جماعة الذكور العائد إلى (قوم) وضميرٍ جماعةِ الإِناث العائد إلى (نساء). واللغةُ الأخرى لغةُ تميم . وتختصُّ (عسى) وحدَها بأمرين : (١) جوازُ كسر سينها وفتحها، إذا أسندت إلى تاءِ الضمير، أو نون النسوةِ، أو (نا)، والفتحُ أولى لأنه الأصل. وقد قرأ عاصمٌ: ﴿فهلْ عَسيْتُمْ إِن تَولِيتم ﴾، بكسر السين ، وقرأ الباقونَ : ( عَسَيتم ) ، بفتحها . (٢) أنها قد تكنُ حرفاً، بمعنى (لعلَّ)، فَتَعملُ عملها ، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبرَ ، وذلك إذا اتصلت بضمير النصب (وهو قليل ) ، كقول الشاعر : فَقُلْتُ: عساها نارُ كَأْسٍ (١)، وَعَلَّها تَشَكَّى، فآتِي نَحْوَها فَأَعُودُها فَتَسْمَعُ قَوْلِي قَبْلَ حَتَفٍ يُصِيبُني تُسْرُّ بهِ، أو قبْلَ حَتْفٍ يَصيدُها (١) كأس : اسم امرأة . ٢٩١ ....... . .... . . . ٥ - أحرف ليس أَوِ الأَحْرُفُ المُشَبَّهَةِ بِلَيْسَ فِي الْعَمَلِ أحرفُ (ليسَ) هي : أحرُفُ نفيٍ تعملُ عملَها، وَتُؤَدي معناها وهي أربعةٌ (ما ولا ولاتَ وإنْ) (ما) المشبهة بليس تعملُ (ما) عملَ (ليس) بأربعة شروطٍ : (١) أن لا يَتَقدَّم خبرُها على اسمها، فإن تقدَّمَ بَطل عملُها، كقولهم : .( ما مُسيءٌ مَنْ أَعتَب ) . (٢) أن لا يتقدَّمَ معمولُ خبرِها على اسمها ، فإن تقدَّمَ بطلَ عملُها ، نحو : ( ما أمرّ اللّهِ أنا عَاصٍ )، إلَّا أن يكون معمولُ الخبر ظرفاً أو مجروراً بحرف جرّ، فيجوز، نحو : ( ما عندي أنت مُقيماً) و( ما بكَ أنا مُنتصراً) . أما تقديمُ معمولِ الخبر على الخبر نفسهِ ، دُونَ الاسمِ بحيث يتوَسَّطُ بينهما ، فلا يُبطلَ عملها، وإن كان غيرّ ظرفٍ أو جار ومجرور، نحو : ( ما أنا أمَرَكَ عاصياً ) . (٣) أن لا تُزادَ بعدها (إنْ). فإن زيدَت بعدَها بطلَ عملُها ، كقول الشاعر : بَني غُدَانَةً، ما إنْ أَنتُمُ ذَهَبٌ ولا صَرِيفٌ، ولكنْ أَنتمُ الخَزَفُ (١) (٤) أن لا ينتقضَ نفيُّها بـ (إلّ). فإن انتقض بها بطلَ عملُها ، كقوله (١) الصريف: الفضة الخالصة. و((الخزف)): الفخار. ٢٩٢ - . ٠٠ ٠ تعالى: ﴿وما أمرُنا إِلَّ واحدةٌ﴾، وقوله: ﴿وما محمدٌ إلَّ رسولٌ﴾، وذلك لأنها لا تعملُ في مُثبتٍ . فإن فُقدَ شرطٌ من الشروط بطلّ عملُها ، وكان ما بعدها مبتدأ وخبراً ، كما رأيت . ويجوز أن يكون اسمُها معرفةً كما تقدّمَ ، وأن يكون نكرةً ، نحو: ( ما أحدٌ أفضلَ من المُخلصِ في عمله ) . وإذْ كانت (ما) لا تعملُ فِي مُوجَبٍ ، ولا تعملُ إلا في منفي ، وجبَ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ)، في نحو قولك: (ما سعيد كسولاً، بل مجتهدٌ وما خليلٌ مسافراً، ولكن مقيمٌ )، على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرهُ : ( هو)، أي : بل هو مجتهدٌ ، ولكن هو مقيمٌ . وتكونُ (بلْ ولكنْ ) حرفي ابتداء لا عاطفتينٍ ، إذْ لو عَطَفتَا لاقتضى أن تعمل (ما) فيما بعدَ (بل ولكنْ )، وهو غيرُ منفيّ ، بل هو مُثبتٌ ، لأنهما تقتضيانِ الإِيجابَ بعد النفي . فإذا كان العاطفُ غيرَ مُقتضٍ ، للإِيجاب كالواو ونحوها ، جاز نصبُ ما بعدَهُ بالعطف على الخبر (وهو الأجودُ) نحو: (ما سعيدٌ كسولاً ولا مُهملاً) وجازَ رفعُهُ على أنهُ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، نحو: (ما سعيدٌ كسولاً ولا مُهملٌ)، أي: ولا هوَ مُهمل . وهكذا الشأن في (ليسَ)، فيجبُ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ) في نحو : (ليس خالدٌ شاعراً، بل كاتبٌ ) . ويجوز النصبُ والرفعُ بعدَ الواوِ ونحوها مثلُ (ليسَ خالدٌ شاعراً ولا كاتباً) أو (ولا كاتبٌ). والنصبُ أولى. واعلم أنَّ (ما) هذه لا تعملُ عملَ (ليس) إلَّ في لغة أهل الحجاز (الذين جاء القرآنُ الكريمُ بلغتهم ) ، وبلغةِ أهلِ تِهامةَ ونجدٍ . ولذلك تُسمى (ما النافية الحجازية ) . ٢٩٣ وهي نافيةٌ مُهملةٌ في لغة تميمٍ على كل حال ، فما بعدَها مبتدأ وخبر . (لا) المشبهة بليس (لا)، المشبهةُ بليس، مُهملة عندَ جميع العرب وقد يُعمِلُها الحجازيُّون إعمالَ (ليسَ)، بالشروط التي تقدّمت لِما ، ويُزاد على ذلك أن يكونَ اسمُها وخبرُها نكرتينٍ . وندَرَ أن يكون اسمُها معرفةً ، كقول الشاعر : وَحَلَّتْ سَوادَ الْقُلْبِ، لا أَنا باغياً سِواها، ولا في حُبُّها مُتراخِبا وقد جاء مثل ذلك للمتنبي في قوله : إذا الجُودُ لم يُرْزَقْ خَلاصاً من الأذى فلا الْحَمْدُ مَكْسُوباً، ولا المالُ باقِيا وقد أجازّ ذلك بعضُ علماء العربية الفُضلاءُ. والغالبُ على خبرٍ (لا) هذه أن يكون محذوفاً كقوله : عَنْ صَدَّ مَنْ نيرانها بَمراحُ لا آُبنُ قَیْسٍ ، فَأَنَا أي : لا بَراحٌ لي . ويجوزُ ذكرهُ، كقول الآخر : تَعَزَّ، فلا شيءٌ على الأرْضِ باقيا ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضِى آللّهُ واقِيا واعلم أنَّ (لا) المذكورةَ، يجوزُ أن يُرادَ بها نفيُ الواحدِ، وأن يرادَ بها نفيُ الجميع .. فهي محتملةٌ لنفي الوحدة ولنفي الجنس ، والقرينةُ تُغَيّنُ أحدهما : ٢٩٤ ٠٠٧/٦٣٧ ٠٠١١٥٠ (فإن قلت: ((لا رجل حاضر))، صح أن يكون المراد : ليس أحد من جنس الرجال حاضراً، وأن يكون المراد: ((ليس رجل واحد حاضراً))، فيحتمل أن يكون هناك رجلان أو أكثر. ولذلك صح أن تقول : ((لا رجل حاضراً، بل رجلان))، أو رجال. أما ((لا)) العاملة عمل ((أنّ))، فلا معنى لها إلَّ نفي الجنس نفياً عاماً، فإن قلت: ((لا رجل حاضر)) كان المعنى: ((ليس أحد من جنس الرجال حاضراً))، لذا لا يجوز أن تقول بعد ذلك ((بل رجلان، أو رجال))، لأنها لنفي الجميع ) . ... . ........ واعلم أن الأولى في (لا) هذه أن تُهمَلَ ويُجعلَ ما بعدَها مبتدأً وخبراً . وإذا أُهملت، فالأحسنُ حينئذٍ أن تُكَرِّرَ، كقوله تعالى: ﴿لا خوفٌ عليهم ، ولا هُمْ يَحزنونَ ﴾ . (لات) المشبهة بليس تَعملُ (لاتَ) عَمِلَ (ليسَ) بشرطين : (١) أن يكون اسمُها وخبرها من أسماءِ الزمانِ، كالحينِ والساعةِ والأوانٍ ونحوها. (٢) أن يكون أحدُهما محذوفاً. والغالبُ أن يكونَ المحذوفُ هو اسمَها ، كقوله تعالى: ﴿ولاتَ حينَ مَناصٍ ﴾، ومنه قول الشاعر : ندِمَ الْبُغاةُ، ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وخِيمُ ويجوزُ أن ترفع المذكورَ على أنه اسمُها ، فيكون المحذوفُ منصوباً على أنهُ خبرُها ، غيرَ أنَّ هذا الوجهَ قليلٌ جداً في كلامهم . ٢٩٥ واعلم أن (لات) إن دخلت على غير اسم زمانٍ كانت مهملةً ، لا عملَ لها ، كقوله : لَهْفِي عَلَيْكَ لِلَهْفَةٍ من خائفٍ يَبْغِي جِواركَ حِينَ لاتَ مُجيرُ واعلم أن من العرب من يجرُّ بلاتَ ، والجرِّ بها شاذ ، قال الشاعر : طَلبوا صُلْحِنا ولاتَ أَوانٍ فأَجبْنا: أَنْ ليْسَ حين بقاء وعليه قولُ المتنبي : لَقَدْ تَصَبَّرْتُ، حَتَّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أَقْحَمُ، حَتَّى لاتَ مُقْتَحَمٍ (إِنْ) المشبهة بليس قد تكونُ (إنْ) نافيةٌ بمعنى (ما) النافية، وهي مُهمَلةٌ غير عاملةٍ . وقد تعملُ عملَ ((ليس» قليلاً، وذلك في لغة أهل العالية مُنّ العَرَبِ، ومنه قولهم: ((إِنْ أحد خيراً من أحدٍ إِلَّ بالعافية)) وقولُ الشاعر: إِنْ هوَ مُسْتَوْلِياً على أَحَدٍ إلَّا على أضعَفِ الْمَجانِين وقولُ الآخر : إِنِ الْمَرْءُ مَيْتاً بأنْقِضاءِ حياتهِ ولكنْ بأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخذَلا (١) العالية: اسم لكل ما كان لجهة نجد، من المدينة - من القرى والعمائر - الى تهامة. ٢٩٦ وإنما تعملُ عملَ (ليس) بشرطين : (١) أن لا يُتقدَّمَ خبرُها على اسمها . فإن تقدَّمَ بَطَلَ عملُها . (٢) أن لا ينتقضّ نفيها بـ ( إلا ). فإن انتقضَ بطلَ عملُها ، نحو : ( إنْ أنت إلّ رجلٌ كريمٌ)، وانتقاضُ النفيِ المُوجبُ إبطالَ العملِ، إنما هو بالنسبة إلى الخبر، كما رأيتَ ، ولا يَضُرُّ انتقاضُهُ بالنسبة إلى معمول الخبر ، نحو : ( إن أنت آخذاً إِلَّ بيد البائسين)، ونحو البيت : ( إنْ هو مستولياً على أحدٍ الخ ) . واعلم أن الغالبَ في (إنْ) النافيةِ أن يقترنَ الخبرُ بعدها بـ (إلَّ) كقوله تعالى: ﴿إِنْ هذا إِلَّ مَلَكٌ كريمٌ﴾. وقد يستعملُ الكلامُ معها بدون (إلّا)، كالبيت : ( إن المرءُ ميتاً بانقضاءٍ حياته الخ ). ومنه قولهم: (إن هذا نافعَكَ ولا ضارَكَ ) . فائـة سمعَ الكسائي (١) أعرابيًّ يقولُ: ( إنّا قائماً) ، فأنكرها عليه ، وظنَّ أنها ( إنَّ) المشدَّدُ الناصبةُ للاسم الرافعةُ للخبر. فحقُّها أن ترفع ( قائماً) ، فاستثبته . فإذا هو يُريدُ ((إنْ أنا قائماً)) أي: ما أنا قائماً، فتركَ الهمزةَ - همزة أنا - تخفيفاً وأدغم، على حد قوله تعالى: ﴿لكنّا هو اللّهُ ربي﴾، أي : ((لكن أنا)). (١) هو رئيس أدباء الكوفة في علوم اللغة العربية . ٢٩٧ ٦ - الأحرف المشبهة بالفعل الأحرفُ المُشبَّهةُ بالفعل ستّة، هي: (( إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ وليتَ ولَعَلَّ )). وحكمُها أنها تدخلُ على المبتدأ والخبرِ فتنصبُ الأولَ ، ويُسمّى اسمَها، وترفعُ الآخَرَ ، ويُسمّى خبرَها، نحو : ((إن اللّهَ رحيمٌ. وكأنّ العلمَ نورٌ)». (وسميت مشبهة بالفعل لفتح أواخرها ، كالماضي ، ووجود معنى الفعل في كل واحدة منها . فإن التأكيد والتشبيه والإستدراك والتمني والترجي ، هي من معاني الأفعال ) . . ويجوزُ في (لعلَّ) أن يقالَ فيها (علَّ) كقوله : فَقُلْتُ عساها نارُ كأْسٍ (١) وَعَلّها تَشَكّى، فآتي نَحْوَها فأعُودُها وفيها لُغاتٌ أُخَرُ قليلةُ الاستعمال . وفي هذا الفصل ثمانيةَ عشرَ مبحثاً . ،ا،۔۔۔ (١) مَعاني الأحرُفِ المُشَبَّهَةِ بالفعْلِ معنى: ((إنَّ وأنَّ)) التوكيدُ، فهما لتوكيدِ اتصافِ المُسنَدِ إليه بالمُسند . ومعنى: ((كأنَّ)) التشبيهُ المؤكدُ. لأنها في الأصل مُركبهٌ من ((أنَّ)) التوكيدية وكافٍ التشبيه، فإذا قلتَ: ((كأنّ العلمَ نورٌ)) فالأصلُ: «إنَّ العلمَ كالنور )) ثم إنهم لما أرادوا الأهتمامَ بالتشبيه ، الذي عَقَدوا عليه الجملة ، (١). كأس: اسم امرأة . ٢٩٨ قدّموا الكافَ، وفتحوا همزةَ ((إنَّ))، مكان الكاف ، التي هي حرفُ جرّ، وقد صارت وإيّاها حرفاً واحداً يُرادُ به التشبيه المؤكد . ومعنى: ((لكنَّ)) الاستدراكُ، والتوكيد، فالاستدراكُ نحو: «زيدٌ شجاٌ، ولكنه بخيل))، وذلك لأنَّ من لوازم الشجاعةِ الجودَ، فإذا وصفنا زيداً بالشجاعة، فُرُبما يُفهمُ أنهُ جوادٌ أيضاً، لذلك استدركنا بقولنا : ((لكنه بخيل)). والتوكيدُ نحو: ((لو جاءني خليلَ لأكرمتُهُ، لكنه لم يجيء))، فقولك : ((لو جاءني خليلٌ لأكرمتُه؛ يفهم منه أنه لم يجيء، وقولك: ((لكنه لم يجيء)» تأكيدً لنفي مجيئه : ومعنى ((ليتَ)) التمني، وهو طلبُ ما لا مطمع فيه، أو ما فيه عُسرٌ ، فالأول كقول الشاعر : أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يَسعُودُ يوماً فأُخبرَهُ بما فَعَلِ المَشِيبُ والثاني كقول المعسر: ((ليتَ لي ألف دينارٍ)). وقد تُستعمل في الأمر الممكن ، وذلك قليلٌ، نحو : ((ليتك تذهب)). ومعنى (لعلَّ) الترجّي والاشفاقُ . فالترجي طلبُ الأمرِ المحبوب ، نحو : ((لعلَّ الصديقَ قادمٌ)). والاشفاقُ هو الحذَرُ من وقوع المكروه ، نحو : (لعلّ المريضَ هالكٌ)). وهي لا تُستعملُ إلّ في الممكن. وقد تأتي بمعنى (كي)، التي للتعليل، كقولك: («إبعثُ إليّ بدابتك، لعلي أركبها)»، أي : كي أركبها. وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لعلكم تتَّقون. لعلّكم تعقلون. لعلّكم تُذكّرون﴾، أي: ((كي تتقوا، وكي تَعقلوا، وكي تتذكّروا )). ٢٩٩ ... ... وقد تأتي أيضاً بمعنى الظنّ، كقولك ((لعلي أزورُك اليوم)). والمعنى: أظنّني أزورك . وجعلوا منه قولَ امريء القيس : ويُدِّلْتُ قَرْحاً دامِياً بَعْدَ صِحَّةٍ لَعَلَّ مَنايانا تَحَولَنَّ أَبْؤُسا وبمعنى : (عسى)، كقولك: (لعلَّكَ أن تجتهدَ). وجعلوا منه قولَ مُتَمّمٍ : لَعَلَّكَ يَوْماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ عَلَيْكَ ، مَن اللَّتِي يَدَعْنَكَ أَجِدَعا بدليل دخول (أنْ) في خبرها ، كما تدخل في خبر (عسى). (٢) الخَبْرُ المُفْرَدُ، والجُمْلَةُ، والشبيهُ بالجملة يقع خبر الأحرفِ المشبهة بالفعل مفرداً (أي غيرَ جملةٍ ولا شبْهَها) نحو: ((كأنَّ النّجَمَ دينارٌ))، وجملةً فعليّةً، نحو: «لعلك اجتهدتَ. وإنَّ العلمَ يُعَزِّزُ صاحبهُ))، وجملة اسمية، نحو: ((إنَّ العالمَ قدرُهُ مرتفعٌ)) وشِبْهَ جُملةٍ (وهو أن يكون الخبر مُقدَّراً مدلولاً عليه بظرفٍ أو جارّ ومجرورٍ يتعلقانِ بهِ)، نحو: ((إنَّ العادلَ تحتَ لِواءِ الرَّحمن ، وإن الظالمَ في زُمرة الشيطان)). (والخبر هنا يصح أن تقدره مفرداً: ككائن وموجود، وأن تقدره جملة ككان ووجد، أو يكون ويوجد. فهو مفرد. باعتبار تقديره مفرداً، وجملة، باعتبار تقديره جملة. فالحقيقة فيه أنه شبيه بالمفرد وبالجملة، وتسميته بشبه الجملة فيها اكتفاء واقتصار). ٣٠٠ ...... ....... .. .... . ....... . (٣) حَذْفُ خَبَرِ هذهِ آلْأَحرُف يجوز حذف خبرِ هذه الأحرفِ . وذلك على ضربينٍ : جائز وواجب : فُيُخذَفُ جوازاً، إذا كان كوناً خاصاً (أي: من الكلماتِ التي يُرادُ بها معنىَّ خاصُّ )، بشرطِ أن يدُلَّ عليه دليلٌ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كفروا بالذّكر لمّا جاءهم . وإنّهُ لكتابٌ عزيزٌ﴾. (أي : إن الذين كذبوا بالذكر معاندون ، أو هالكون ، أو معذبون ). وقال الشاعر جميل بثينة : أَتَوْنِي، فَقالوا: يا جَميلُ، تَبَدَّلتْ بُثَيْنَةُ أَبْدالاً، فَقُلْتُ: لَعَلَّها (١) (أي: لعلها تبدَّلت، أو لعلها فعلت ذلك). ويحذفُ وجوباً، إذا كان كوناً عاماً (أي: من الكلمات التي تدُلُّ على وجودٍ أو كونٍ مُطلقَينٍ ، فلا يُفهَمُ منها حَدَثٌ خاصٍّ أو فعلٌ معيَّنٌ، ككائنٍ ، أو موجود، أو حاصلٍ وذلك في موضعينٍ: (١) الأولُ بعدَ ((ليتَ شِعري))، إذا وَلِيَها استفهامٌ، نحو: ((ليتَ شِعري هل تنهضُ الأمةُ؟ وليتَ شِعري متى تنهضُ؟))، قال الشاعر: أَلَ لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ جَادَتْ بِوَصْلِها؟ وكيفَ تُراعي وُصْلَةَ المُتَغَيِّب ( أي : ليت شعري (أي: علمي) حاصل. والمعنى: ليتني أشعر بذلك ، أي: أعلمه وأدريه . وجملة الاستفهام في موضع نصب على أنها مفعول به لشعري ، لأنه مصدر شعر). (١) جميل: اسم الشاعر، وبثينة: محبوبته . والأبدال: جمع بدل . ٣٠١ (٢) أن يكونَ في الكلام ظرفُ أو جار ومجرورٌ يتعلقانٍ به ، فيُستغنى بهما عنهُ، نحو: ((إن العلمَ في الصدور. وإِنَّ الخيرَ أمامك)». (فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف المقدر بكائن أو موجود أو حاصل). (٤) تَقَدُّمُ خَبَرِ هذهِ آلْأُحرُف لا يجوزُ تقدُّمُ خبرِ هذه الأحرف عليها، ولا على اسمها . أما معمولُ الخبرِ ، فيجوزُ أن يتقدَّم على الاسم ، إن كان ظرفاً أو مجروراً بحرف جرّ، نحو: ((إنَّ عندَك زيداً مُقيمٌ)) ، قال الشاعر: فَلا تَلْحَني فيها، فإِنَّ بِحُبِّها أَخَاكَ مُصابُ الْقَلْبِ جَمٌّ بَسلابِلُهُ (١) ومن ذلك أن يكون الخبرُ محذوفاً مدلولاً عليه بما يتعلقُ به من ظرفٍ أو جارّ ومجرورٍ مُتقدمين على الاسم، نحو: ((إنّ في الدَّار زيداً))، ومنهُ قولِهُ تعالى: ﴿إِنَّ فيها قوماً جبّارِينَ ﴾، وقولُهُ: ﴿إِنَّ مع العُرِ يُسرأْ ﴾. (فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف غير أنه يجب أن يقدر متأخراً عن الاسم ، إذ لا يجوز تقديمه عليه ، كما علمت ، وليس الظرف أو الجار والمجرور هو الخبر ، كما يتساهل بذلك كثير من النحاة ، وإنما هما معمولان للخبر المحذوف ، لأنهما متعلقان به ) . ويجبُ تقديمُ معمولِ الخبر ، إن كان ظرفاً أو مجروراً، في موضعين : (١) لا تلحني: لا تلمني، وهو بفتح الحاء، من ((لجاه يلحاه)) إذا لامه. وأما ((لحا العود بلحوه) فمعناه قشره، وكذا الحاه يلحيه. (البلابل): الهموم والوساوس . ٣٠٢ (١) أن يَلزمَ من تأخيره عودُ الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً وذلك ممنوع نحو : ((إنَّ في الدَّار صاحبَها)). (فلا يجوز أن يقال ((إن صاحبها في الدار)))، لأن ((ها)) عائدة على الدار. وهي متأخرة لفظاً ، وكذلك هي متأخرة رتبة ، لأن معمول الخبر رتبته التأخير كالخبر)) . (٢) أن يكون الاسمُ مُقترناً بلامِ التأكيد، كقوله تعالى: ﴿ وإنَّ لنا للآخرة والأولى﴾، وقولهِ: ﴿إِنَّ في ذلك لَعِبْرَةٌ لأولي الأبصارِ ﴾. أما تقديمُ معمولِ الخبرِ على الخبر نفسهِ، بحيثُ يَتَوَّسطُ بينَ الاسمِ والخبر، فجائزٌ ، سواءٌ أكان معمولهُ ظرفاً أم مجروراً أم غيرَهما ، فالأولُ نحو: ((إنكَ عندَنا مقيمٌ))، والثاني نحو: ((إنكَ في المدرسة تتعلّمُ))، والثالث نحو: (( إنَّ سعيداً دَرْسَهُ يكتبُ)). فائــدة متى جاء بعد ((إن)) أو إحدى أخواتها ظرف أو جار ومجرور ، كان اسمها مؤخراً . فليتنبه الطالب إلى نصبه ، فإن كثيراً من الكتاب والمتكلمين يخطئون فيرفعونه، لتوهمهم أنه خبرها نحو: ((إن عندك لخبراً))، ونحو: (لعل في سفرك خيراً». (٥) لامُ التأكيدِ بعدَ ((إنَّ)) [المكسورة الهمزة تختصُّ ((إنَّ))، المكسورةُ الهمزةِ ، دون سائرٍ أخواتها ، بجوازٍ دخول لامِ التأكيد، وهي التي يُسمونها (ِلامَ الابتداءِ) على اسمها، نحو: ((إنَّ في السماءِ لَخبراً، وإِنَّ في الأرض لَعِبَراً))، وعلى خبرها نحو: ((إنَّ الحقَّ ٣٠٣ المنصورٌ، وعلى معمول خبرها، نحو: ((إنه للخيرِ يفعلُ))، وعلى ضمير الفصلِ نحو: ((إنَّ المجتهدَ لَهُوَ الفائزُ)). (٦) شُروطُ ما تَصحَبُهُ لامُ التأكيد (١) يُشترطُ في دخول لام التأكيد على اسم ((إنَّ)) أن تقع بعدّ ظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ يتعلقان بخبرها المحذوف، نحو: ((إن عندَك لَخيراً عظيماً، وإنَّ لك لخُلُقً كريماً)). (فإن وقع قبلهما لم يجز اقترانه باللام فلا يقال: ((إن لخيراً عندك ، وإن لخلقاً كريماً لك)»). (٢) يُشترط في دخولها على الخبر أن لا يقترنَ بأداةِ شرطٍ أو نفي ، وأن لا يكون ماضياً مُتصرفاً مُجرَّداً من ((قد))(١). فإن كان الخبرُ واحداً منها لم يَجُز دخولُ هذه اللام عليه. فمثالُ المستكملِ للشرط: ((إن ربي لسميع الدُّعاء . وإِنَّ رَبَّكَ ليعلمُ. وإنَّا نحنُ نُحيي الموتى)). ومتى استَوفى خبرُ ((إنَّ)) شروط اقترانه بِلام التأكيد، جاز دخولها عليه ، لا فرقَ أن يكون مفرداً، نحو: ((إنَّ الحقَ لَمنصورٌ ))، أو جملةً اسميَّةً، نحو: ((إنَّ الحقَّ لصَوْتُهُ مرتفعٌ، أو جملةً مضارعيّةً، نحو: ((إنَّ ربَّكَ لَيَحكُمُ بينهم ))، أو جملةً ماضيّةً فعلها جامدٌ، نحو: ((إنك لَنِعْمَ الرجل))، أو متصرفّ مقترنٌ بقد، نحو: ((إِنْ الفَرَجَ لقَدْ دَنا)). وإذا حُذفَ الخبرُ ، جازَ دخولُ هذهِ اللامِ على الظرف أو الجار المتعلّقينِ به، نحو: ((إن أخاكَ لعندي. وإنَّ أباكَ لَفي الدَّار))، ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿وإنك لَعَلى خُلُقٍ عظيم﴾ . (١) فإن اقترن الماضي المتصرف بقدر جاز دخول اللام عليه، نحو: ((إنه لقد اجتهد)». ٣٠٤ (٣) يُشترطُ في دخولها على مفعول الخبر شرطان، الأول : أن يتوسَّطَ بين أسمها وخبرها . والثاني أن يكون الخبرُ ممَا يَصلُحُ لدخول هذه اللامِ عليه ، نحو : ((إنَّ سليماً لفي حاجتك ساعٍ ، وإنه لَيومَ الجمعةِ آَتٍ ، وإنهُ الأمرَكَ يُطِيعُ )) . (٤) أما ضميرُ الفصل ، فلا يُشترطُ في دخولها عليه شيءٌ ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هِذَا لَهُوَ القَصَصُ الحقُّ﴾. ( وضمير الفصل : هو ما يؤتى به بين المبتدأ والخبر ، أو بين ما أصله مبتدأ وخبر : للدلالة على أنه خبر لا صفة . وهو يفيد تأكيد اتصاف المسند إليه بالمسند ، وهو حرف لا محل له من الإعراب ، على الأصح من أقوال النحاة ، وصورته كصورة الضمائر المنفصلة : وهو يتصرف تصرفها بحسب المسند إليه ، إلّ أنه ليس إياها . ثم إن دخوله بين المبتدأ والخبر المنسوخين بكان وظن وأن وأخواتهن تابع لدخوله بينهما قبل النسخ، نحو: (( إن زهيراً هو الشاعر)». وكان علي هو الخطيب وظننت عبد الله هو الكاتب). (وضمير الفصل حرف كما قدمنا: وإنما سمي ضميراً لمشابهته الضمير في صورته . وسمي ضمير فصل لأنه يؤتى به الفصل بين ما هو خبر أو صفة، لأنك إن قلت: ((زهير المجتهد))، جاز أنك تريد الإخبار وأنك تريد النعت. فإن أردت أن تفصل بين الأمرين ، وتبين أن مرادك الإخبار لا الصفة ، أتيت بهذا الضمير للإعلان من أول الأمر بأن ما بعده خبر عما قبله لا نعت له ، ثم أنه يفيد تأكيد الحكم ، لما فيه من زيادة الربط. ومن العلماء من يسمي ضمير الفصل ((عماد) لاعتماد المتكلم أو السامع عليه في التفريق بين الخبر والصفة ) . ٣٠٥ وقد شرحنا ضمير الفصل في الجزء الأول من هذا الكتاب ، في الكلام على الضمائر ، فراجعه . (٧) شرحُ لامِ آلابتداءِ تدخلُ لامُ الابتداء في ثلاثة مواضع . الأولُ : في باب المبتدأ . وذلك في صورتين : (١) أن تدخلَ على المبتدأ، والمبتدأ مُتقدّمٌ على الخبر ، ودخولها عليه هو الأصل فيها نحو: ((لأنتم أشد رَهبةٌ في صُدورهم )) . فإن تأخرَ عن الخبر امتنعَ دخولها عليه، فلا يُقال: ((قائمٌ لَزيدٌ)). وما سُمعَ من ذلك فلضرورةِ الشعر، وهو شادٌّ لا يُقاس عليه . (٢) أن تدخل على الخبر بشرط أن يتقدم على المبتدأ ، نحو : ((لمُجتهدٌ أنتَ)) فإن تأخرَ عنهُ امتنع دخولها عليه، فلا يقال: ((أنت المجتهدٌ)). وما سُمعَ من ذلك فشاذٌّ لا يُلتفتُ إليه. ومن العلماءِ من لا يُجيزُ دُخولها على خبر المبتدأ ، سواءٌ أتقدَّمَ أم تأخر . الموضع الثاني(١): في باب ((إن)) المكسورة الهمزة . وقد سبقَ أنّها تدخل على اسمها المتأخر ، وعلى خبرها ، اسماً كان ، أو فعلاً مضارعاً ، أو ماضياً جامداً أو ماضياً متصرفاً مقروناً بِقَدْ، أو جملة اسميَّة . وعلى الظرف والجارّ المُتعلقينِ بخبرها المحذوف دالين عليه ، وعلى معمول خبرها . الموضعُ الثالثُ : في غير بابيِ المبتدأ وإنّ . وذلك في ثلاث مسائل : (١) الفعلُ المضارع، نحو: ((لَتَنهض الأمة مُقتفيةً آثارَ جدودها)). (٢) الماضي الجامد، نحو: ((لَبئْسَ ما كانوا يعملون)). (١) أي من المواضع التي تدخلها لام الإبتداء . ٣٠٦ ٠٠ (٣) الماضي المتصرف المقرون بِقَدْ، نحو: ((لَقد كان لكم في يوسفَ وإخوتِهِ آياتٌ )). ومن العلماء من يجعلُ اللامَ الداخلةَ على الماضي ، في هذا الباب ، لامَ القسم فالقسم عنده محذوف ، ومصحوب اللام جوابُه . واعلم أنَّ للام الابتداء فائدتين : الفائدة الأولى: توكيدُ مضمون الجملة المُثبتة. ولذا تُسمّى: ((لام التوكيد)) وإنما يُسمونها لامَ الابتداء لأنها في الأصل ، تدخل على المبتدأ ، أو لأنها تقع في ابتداء الكلام . وإذْ كانت للتوكيد فإنها متى دخلت عليها ((إنّ)) زحلقوها إلى الخير ، نحو : ((إنَّ ربي لَسميع الدعاء))، وذلك كراهية اجتماع مُؤكدينٍ في صدر الجملة، وهما: ((إنَّ واللام)). ولذلك تُسمّى ((اللامَ المزحلَقَةَ أيضاً)). وإذا كانت هذه اللام للتوكيد في الإثبات ، امتنعت من الدخول على المنفيِّ لفظاً أو معنى، فالأول نحو: ((إنكَ لا تكذبُ))، والثاني نحو : ((إنك لو اجتهدتَ لأكرمتُكَ. وإنك لولا اهمالُكَ لَفُزْتَ)). فالاجتهادُ والإِكرامُ مُنتفيانٍ بعدَ ((لو))، والفوزُ وحدَهُ مُنتفٍ بعدَ ((لولا)). الفائدةُ الثانيةُ : تَخليصها الخبرَ للحال ، لذلك كان المضارع بعدها خالصاً للزمان الحاضر ، بعد أن كان محتملاً للحال والإِستقبال . وإذْ كانت لتوكيد الخبر في الحال امتنعت من الماضي والمضارع المُستقبل ، إلَّ أن يكون الماضي جامداً أو مُتصرَّفاً مقترناً بِقِدْ. أما الجامدُ فلأنه لا يَدُّ على حدثٍ ولا زمان. وأما المقترنُ بِقِدْ فلأنّ (قد) تُقِرِّبُ الماضي من الحال . ٣٠٧