النص المفهرس

صفحات 401-420

ونواصبُ المضارع أربعةُ أحرفٍ ، وهي :
(١) أنْ، وهي حرفُ مَصدرِيةٍ ونصبٍ واستقبال، نحوَ: ((يُرِيدُ اللّهُ أن
يُخففَ عنكم )).
وسميت مصدرية ، لأنها تجعلُ ما بعدها في تأويل مصدر ، فتأويل
الآية: ﴿يريد الله التخفيف عنكم﴾: وسميت حرف نصب، لنصبها
المضارع . وسميت حرف استقبال ، لأنها تجعل المضارع خالصاً
للاستقبال . وكذلك جميع نواصب المضارع تمحضه الاستقبال (١) بعد أن كان
يحتمل الحال والإستقبال ) .
ولا تَقعُ بعد فعلٍ بمعنى اليقينِ والعلمِ الجازم.
فإن وقعت بعدَ ما يدُلُّ على اليقين، فهيَ مُخفَّفةٌ من ((أنَّ))، والفعل
بعدها مرفوع، نحو: ((أفلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرجِعُ إليهم قولاً »، أي أنهُ لا
يرجع .
وإن وقعتْ بعدَ ما يدُلُّ على ظنّ أو شبههِ ، جازَ أن تكون ناصبة
للمضارعِ ، وجازّ أن تكونَ مخفّفةً من المشدَّدَة ، فالفعلُ بعدَها مرفوعٌ . وقد
قُرِفَتِ الآيَةُ: ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّ تكونَ فتنةٌ﴾، بنصب ((تكون))، على أنّ ((أنْ))
ناصبةٌ للمضارع، وبرفعه على أنها مخففةٌ من ((أن)). والنصب أَرجح عندَ
عَدمِ الفصلِ بينها وبين الفعلِ بلا، نحو: ﴿أَحسِبَ الناسُ أن يُتْرَكوا ﴾
والرفعُ والنصبُ سواءٌ عند الفصل بها ، كالآية الأولى . فإن فُصِلَ بينهما بغير
(لا) كَقَدْ والسين وسوفَ، تعيَّنَ الرفعُ، وأن تكونَ ((أنْ)) مُخفَّفةٌ من
المُشدَّدة، نحو: ((ظننت أَنْ قد تقومُ، أَو أَن ستقومُ، أو أَنْ سوفَ تقومُ )).
(١) أي: تجعله للاستقبال المحض وتخلصه له يقال: ((محضته النصح - من باب فتح - وامحضته
أخلصته له .
١٦٨

واعلمْ أنَّ ((أَن)) الناصبةَ للمضارع، لا تُستعملُ إِلَّ في مقام الرجاء
والطّمعِ في حصول ما بعدها ، فجاز أن تقعَ بعد الظنّ وشِبهه ، وبعد ما لا
يدل على يقين أو ظن ، وامتنع وقوعُها بعد أفعال اليقين والعلم الجازم ، لأن
هذه الأفعالَ إنما تتعلقُ بالمحقَّق، فلا يناسبُها ما يدلُّ على غير محقّق ، وإنما
يناسبُها التوكيدُ، فلِذا وجب أن تكون ((أن)) الواقعةُ بعدها مُخفِّفة من المُشدّدة
المفيدة للتوكيد .
(٢) لنْ ، وهي : حرفُ نفيٍ ونصبٍ واستقبال، فهي في نفي
المستقبل كالسين وسوفَ في إثباته . وهي تفيدُ تأكيدَ النفي لا تأييدَهُ وأما قولهُ
تعالى: ﴿لَنْ يَخْلُقوا ذُباباً﴾، فمفهوم التأييدِ ليس من ((لن))، وإنما هو من دلالة
خارجيّة ، لأنَّ الخلقَ خاص بالله وحدَهُ .
(وهي على الصحيح، مركبة من ((لا)) النافية و((أَنْ)) المصدرية الناصبة
للمضارع وصلت همزتها تخفيفاً وحذفت خطأً تبعاً لحذفها . وقد صارتا كلمة
واحدة لنفي الفعل في الاستقبال).
(٣) إذَنْ، وهي: حرفُ جوابٍ وجزاءٍ ونصب واستعمال، تقولُ: ((إِذَنْ
تُفْلِحَ))، جواباً لمن قال: ((سأجتهدُ)). وقد سميتْ حرف جواب لأنها تقعُ في
كلام يكون جواباً لكلام سابقٍ . وسميت حرفَ جزاء ، لأن الكلام الداخلة
عليه يكون جزاءً لمضمون الكلام السابق . وقد تكون للجواب المحض الذي
لا جزاء فيه، كأن تقول لشخص: ((إني أحبك))، فيقول: ((إذنْ أَظنك
صادقاً))، فظنكَ الصدقَ فيه ليس فيه معنى الجزاء لقوله: ((إني أحبك)).
وأصلها، عند التحقيق، إما ((إذا)) الشرطية الظرفية، حذف شرطها
وعوض عنه بتنوين العوض (١)، فجرت مجرى الحروف بعد ذلك: ونصبوا بها
(١) فتنوينها عوض من جملة الشرط المحذوفة .
١٦٩

المضارع، لأنه إن قيل لك ((آتيك))، فقلت ((إذن أكرمك))، فالمعنى إذا
جئتني، أو إذا كان الأمر كذلك أكرمك. وإما مركبة من ((إذ)) و((إن)) المصدرية
، فإن قال قائل: ((أزورك)). فقلت: ((إذن أكرمك)) فالأصل: ((إذ إن تزورني
أكرمك، ثم ضمنت معنى الجواب والجزاء .
(أما كتابتها فالشائع أن تُكتب بالنون عاملة ومهملة . وقيل : تكتب بالنون
عاملة . وبالألف منونة مهملة . أما عند الوقف فالصحيح أَن تبدل نونها ألفاً
تشبيهاً لها بتنوين المنصوب ، كما أبدلوا نون التوكيد الخفيفة ألفاً عند الوقف
كذلك . أما رسمها في المصحف فهو بالألف عاملة ومهملة . ورسم
المصحف لا يقاس عليه ، كخط العروضيين . وقد سبق الكلام على ذلك ).
وهي لا تنصبُ المضارع إلَّ بثلاثة شروطٍ.
الأولُ : أن تكونَ في صدر الكلام، أَي صدرٍ جملتها، بحيثُ لا
يسبقها شيءٌ له تعلقٌ بما بعدها . وذلك كأن يكونَ ما بعدَها خبراً لما قبلها
ونحو: ((أَنَا إذَنْ أُكافِئُكَ)) أَو جوابَ شرطٍ، نحوُ: ((إن تَزرني إذَنْ أَزْرِكَ)) أو
جواب قسَم، نحو: ((واللّهِ إذَنْ لا أَفعلُ)). فإن قلتَ: ((إذَنْ واللّهِ لا أَفعلَ))،
فقدَّمتْ ((إذنْ)) على القسم ، نصبتَ الفعلَ لتصدُّرِها في صدر جملتها .
ومن عدم تصدرها ، لوقوعها جواب قسم ، قولُ الشاعر :
لِئِنْ حَادَ لي عبدُ العَزيزِ بِمِثْلها
وأَمكّنني منها ، إذنْ لا أُقِيلُها
(فقد رفع ((أقيل)) لأن ((إذن)) ثم تتصدر ، لكونها في جواب قسم مقدر ،
دلت عليه اللام التي قبل ((إذه الشرطية. والتقدير: والله لئن جاد لي)).
وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. وقد أهملت ((إذن))
لوقوعها بين القسم وجوابه ، لا بين الشرط وجوابه ، كما قاله بعضهم ، لأنه
١٧٠

إذا اجتمع شرط وقسم ، فالجواب للسابق منهما. وجواب المتأخر محذوف ،
لدلالة جواب الآخر عليه ) .
وإذا سبقتها الواوُ أَو الفاءُ، جاز الرفع وجاز النصبُ. والرفع هو
الغالب. ومن النصب قوله تعالى: (في قراءةٍ غيرِ السبعة): ﴿وإن كادوا
لَيَستفزونكَ من الأرضِ ليُخرجوك منها، وإذاً لا يَلْبَثوا خلافَكَ إلَّ قليلًا ﴾،
وقوله : ﴿أَم لهم نصيبٌ من المُلك، فإذاً لا يؤْتوا الناسَ نَقيراً ﴾ وقرأَ
السبعةُ: ﴿وإذاً لا يلبثون ... وإذاً لا يؤتون﴾، بالرفع. وإذا قلت: ((إن
تجتهد تنجح ، وإذن تفرح))، جزمت ((تفرح))، وأَلغيتَ ((إذن))، إن أردتَ
عطفه على الجواب ((تنجح)»، فيكون التقديرُ: ((إن تجتهد تنجحْ وتفرحْ)»،
وذلك لعدم تصدرها ، ورفعته أو نصبتَهُ ، إن أردتَ العطف على جملتي
الشرط والجواب معاً، لأنهما كالجملة الواحدة . وإنما جاز الوجهان ،
لوقوعها بعد الواو . ويكون العطف من باب الجمل ، لا من باب عطف
المفردات . فتكون حينئذٍ صدرَ جملة مستقلة مسبوقة بالواو ، فيجوز
الوجهان . رفع الفعل ونصبه .
فإن كان شيءٌ من ذلك أَلغيتها ورفعتَ الفعلَ بعدها ، إلَّ إن كان جوابَ
شرطِ جازمٍ ، فتجزمُه، كما رأيتَ، ونحو: ((إن تجتهدْ إذَن تَلْقَ خيراً)).
فعدمُ الْتَّصدير ، المانعُ من إعمالها ، إنما يكون في هذه المواضعِ الثلاثة ،
لا غيرُ .
الثاني : أن يكون الفعلُ بعدها خالصاً للاستقبالِ . فإن قلتَ : إذنْ
أَظنكَ صادقاً)) جواباً لمن قال لك: ((إني أحبك))، رفعتَ الفعلَ لأنه
للحال .
الثالثُ : أَّ يُفصّلَ بينها وبينَ الفعل بفاصلٍ غيرِ القسمِ و(لا) النافيةِ ،
فإن قلتَ: )) إذَنْ هم يقومون بالواجب)). جواباً لمن قال: ((يجود الأغنياء
١٧١

بالمال في سبيل العلم))، كان الفعلُ مرفوعاً، للفصل بينهما بغير الفواصل
الجائزة .
ومثال ما اجتمعت فيه الشروطُ قولك: إذَنْ أَنتظرَك))، في جواب من
قال لك (سأزورُك) فإذَنْ هنا مصدّرةٌ ، والفعلُ بعدَها خالصٌ للاستقبال .
وليس بينها وبينه فاصل .
فإن فُصلَ بينهما بالقسمِ، أو ((لا)) النافية، فالفعلُ بعدها منصوبٌ
فالأولُ نحو: ((إِذَنْ واللّهِ أُكرِمَكَ)) وقولِ الشاعر :
إذَنْ، واللّهِ، نَرمِيْهُمْ بِحَرْبٍ
تُشِيبُ الطَّفْلَ من قَبْلِ المَشيبِ
والثاني نحو: ((إِذَنْ لا أجيئكَ)).
وأجاز بعضُ النحاةِ الفصل بينهما - في حال النصب - بالنداء ، نحو :
((إِذَنْ يا زُهيرُ تنجحَ ))، جواباً لقوله: ((سأجتهدُ)). وأَجاز ابنُ عصفورٍ الفصلَ
أيضاً بالظرف والجارّ والمجرور. فالأولُ نحو : ((إذَنْ يَومَ الجُمعةِ أَجِيئَكَ))
والثاني نحو : ((إذَنْ بالجِدّ تبلُغَ المجدَ)). وقد جمعَ بعضُهُمُ شروط إعمالها
والفواصلَ الجائزة بقوله :
أَعملْ ((إذَنْ إذا أتتكَ أَوَّلا
وسُقتَ فعلًا بعدها مستقبلاً
واحذّر، إذا أعملتها، أن تفصِلا
إلّا بِحلفٍ أو نداءٍ أو بلا
وأفصِلْ بِظرفٍ أو بمجرورٍ على
رأيِ ابنِ عُصفورٍ رئيسِ النُّبلا
١٧٢

وبعضهم يُهملُ ((إذن)»، معَ استيفائها شروطَ العمل . حكى ذلك سيبويه عن
بعض العرب . وذلك هو القياس . لأن الحروف لا تعمل إلَّ إذا كانت
مختصَّةً. و((إذن)) غيرُ مختصَّةٍ، لأنها تباشرُ الأفعال ، كما علمتَ ،
والأسماءَ، مثل: ((أَأَنتَ تُكرِمُ اليتيمَ؟ إذن أَنتَ رجلٌ كريمٌ )).
(٤) كي ، وهي : حرف مصدريَّةٍ ونصبٍ واستقبال. فهي مثل: ((أنْ))،
تجعل ما بعدها في تأويل مصدر. فإذا قلتَ: ((جئتُ لكي أتعلَّمَ))، فالتأويلُ:
((جئتُ للتعلُّم)) وما بعدها مؤَوَّل بمصدرٍ مجرورٍ باللّامِ .
والغالبُ أن تسبقها لامُ الجرّ المُفيدة للتعليل، نحوُ: ((لكيلا تأسَوْا على
ما فاتكم)). فإن لم تسبقها، فهي مُقدَّرةٌ، نحو: ((استقِم كيْ تُفْلِحَ)) ويكون
المصدرُ المؤوَّلُ حينئذ في موضع الجرّ باللام المقدَّرة، أَو يكونُ منصوباً على
نزع الخافض.
النّصبُ بأنْ مُضْمرةً
قد اختصت ((أن)) من بين أخواتها بأنها تنصبُ ظاهرةُ ، نحو: ((يريدُ اللّه
أن يُخفِّفَ عنكم»، ومُقدَّرةً، نحو: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيْنَ لكم)) أي لأن يُبِينَ لكم.
وإضمارها على ضربينِ : جائزٍ وواجبٍ .
(١) إضمار أن جوازاً :
تقَذَّر ((أَنْ)) جوازاً بعد ستةٍ أحرفٍ :
(١) لامُ كي (وتسمى لامَ التعليل أيضاً، وهي : اللام الجارّة ، التي
يكونُ ما بعدها علةً لما قبلها وسبباً له ، فيكون ما قبلها مقصوداً لحصول ما
بعدها، نحو: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس))(١).
(١) أي: لأجل أن تبين . فانزال الذكر مقصود للتبيين.
١٧٣

وإنما يجوزُ إضمار (أن) بعدها إذا لم تقترن بلا النافية أو الزائدة .
فإن اقترنت باحداهما، وجب إظهارُها. فالنافية نحو: ((لئلا يكون
للناس على اللّه حُجةٌ)) والزائدة نحو: ((لئلا يعلم أهلُ الكتاب)(١).
(٢) لام العاقبة، وهي ((اللام الجارّة التي يكونُ ما بعدها عاقبة لما
قبلها ونتيجة له ، لا علةً في حصوله ، وسبباً في الإِقدام عليه ، كما في لام.
كي. وتسمى لام الصيرورة، ولامَ المآل، ولام النتيجة أيضاً))، نحو:
((فالتقطّه آلُ فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً)(٢).
(والفعل. بعد هاتين اللامين ، في تأويل مصدر مجرور بهما. و((أن))
المقدرة هي التي سبكته في المصدر ، فتقدير قولك : جئت لأتعلم: (جئت
للتعلم). والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. واعلم أن الكوفيين
يقولون : إن النصب إنما هو بلام كي ولام العاقبة. لا بأن مضمرة. وهو
مذهب سهل خال من التكلف . : عله مشينا في كتبنا المدرسية، تسهيلاً على
الطلاب).
(٣ و٤ وه و٦ الواو والفاءُ وثم وأو العاطفات إنما ينصب الفعل بعدهن
بأن مضمرة، إذا لزم عطفه على اسمٍ محضٍ ، أي جامد غير مشتق ، وليس
في تأويل الفعل، كالمصدر وغيره من الأسماء الجامدة، لأن الفعل لا يُعطفُ
إلا على الفعل، أو على اسم هو في معنى الفعل وتأويله ، كأسماء الأفعال
والصفات التي في الفعل فإن وقع الفعلُ في موضع اقتضى فيه عطفه على
اسمٍ محضٍ قُدّرتْ (أن) بينه وبين حرف العطف، وكان المصدرُ المؤوَّل بها
هو المعطوف على اسم قبلها .
(١) أي: ليعلموا. أي لأجل أن يعلموا . فلا هنا زائدة للتأكيد .
(٢) أي: التقطوه. فكانت عاقبة عملهم إن كان عدواً لهم وحزناً، فهم لم يلتقطوه ليكون لهم
كذلك لكن عاقبة الأمر كانت هكذا .
١٧٤

فمثالُ الواو: ((يأبى الشجاع الفرارَ ويَسلَّم))، أي: ((وأن يَسلَم))،
والتأويلُ: ((يأبى الفرار، والسلامة))، ونحو: ((لولا الله ويلطفَ بي لهلكتُ))
أي: وأن يلطُف بي. والتأويل: لولا اللّهُ ولطفهُ بي. ومنه قولُ ميسون(١):
وَلُبْس ◌ُباءةٍ وَتَقَرَّ عيْني
أَحبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفُوفِ (٢)
أي : لُبسُ عباءة وقرةُ عيني .
ومثالُ الفاء: ((تعبُكَ، فَتنالَ المجدَ، خيرٌ من راحتك فتحرمَ القصدَ))،
أي : «خيرٌ من راحتك فحرمانك القصدَ )».
ومنه قول الشاعر :
ولولا تَوقعُ مُعْتَرٍّ فَأُرْضِيَهُ
ما كنت أوثِرُ إتراباً على تَرَب (٣)
أي : لولا توقع معتر فإرضاؤه .
ومثال : (ثم): ((يرضى الجبانُ بالهوان ثم يَسلم))، أي: ((يرضى
بالهوان ثم السلامةِ )) ومنه قول الشاعر :
إني وقتْلي سُلَيْكاً، ثم أعقِلَهُ
كالثَّوْرِ يُضرَبُ لما عافتِ البقر (٤)
(١) ميسون : امرأة بدوية تزوجها معاوية بن أبي سفيان أول الخلفاء من بني أمية ، فكرهت عيش
الحضارة ورفاهيتها ، فقالت ابياتاً منها هذا البيت فطلقها وإعادها إلى أهلها .
(٢) الشفوف : الثياب الرقاق. واحدها ((شف)) بفتح الشين.
(٣) توقع الأمر: انتظر وقوعه وكونه . والمعتر الذي يتعرض للمسألة من غير أن يسأل ، فهو عكس
القانع ، وهو من يسأل ويتذلل . قال تعالى: ﴿ أطعموا القانع والمعتر﴾ أي: من سأل ومن ثم
يسأل . والإِتراب ، بكسر الهمزة : الغنى ، والترب بفتحتين: النقر ، والمعنى : لولا اني
اتوقع ذا حاجة الى معروفي وبذلي ، ما كنت أفضل الغنى على الفقر .
(٤) سليك: رجل كان قد أتى منكراً فقتله الشاعر، ثم عقله : أي دفع ديته . فقال هذا البيت=
١٧٥

أي : قتلي سُليكا ثم عقلي إياهُ :
ومثال (أو): ((الموتُ أو يبلغَ الإِنسانُ مأمَلَهُ أفضلُ» أي: ((الموت أو
بُلوغهُ الأملَ أفضلُ)) ومنه قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً ،
أو من وراء حجابٍ، أو يُرسِلّ رسولا﴾، أي: ((إلا وحياً، أو إرسالَ
رسولٍ)).
فإن في جميع ما تقدم ، مقدَّرة . والفعل منصوب بها ، وهو مؤَوَّلٌ بمصدر
معطوف على الاسم قبلهُ ، كما رأيت .
(٢) اضمار ((أن)) وجوباً:
تُقدَّرُ (أنْ) وجوباً بعد خمسة أحرف (١):
(١) لام الجحود ((وسماها بعضهم لامَ النفي (٢)، وهي لامُ الجر التي
تقع بعد (ما كان) أو (لم يكن) الناقصتين))، نحو: ((ما كان الله ليظلمَهم))،
ونحو: ((لم يكن الله ليغفر لهم)).
(فيظلم ويغفر: منصوبان بأن مضمرة وجوباً ، والفعل بعدها مؤول
بمصدر مجرور باللام . وخبر كان ويكن مقدر . والجار والمجرور متعلقان :
بخبرها المقدر والتقدير: ((ما كان الله مريداً لظلمهم، ولم يكن مريداً
لتعذيبهم)».
= تمثيلاً لحاله ، في كونه ضر نفسه لنفع غيره بحال الثور الذي يضرب لتشرب البقر. وذلك ان
إناثها إذا عادت الماء ضرب الثور لتخاف فتشرب . ولا يضربونها لأنها ذات لبن .
(١) هذا مذهب البصريين ، من أن النصب هو بأن مضمرة بعد هذه الأحرف الخمسة . وذهب
الكوفيون إلى أن هذه الأحرف هي بنفسها الناصبة للفعل : فالنصب بها لا بأن مضمرة وهو
مذهب خال من التكلف .. وعلبه درجنا في كتبنا المدرسية تسهيلاً على الطلاب .
(٢) تسميتها بلام الجحود من تسمية العام بالخاص ، لأن الجحود إنما هو إنكار ما تعرفه ، لا
مطلق الإِنكار ، والنحويون، أرادوا بالجحود هنا النفي مطلقاً، لا نفي ما تعرف فقط. ولذا
صوب ابن النحاس تسميتها بلام النفي .
١٧٦

فإن كانتا تامتين ، جاز (إظهار (أن) بعدها، لأنها حينئذ لام التعليل
نحو : ((ما كان الإِنسانُ ليعصيَ رَبَّهُ، أَو لأن يعصيهُ))، أي: ما وُجد
ليعصيه :
(٢) فاء السبِيّة ((وهي التي تفيد أَن ما قبلها سببٌ لما بعدها، وأن ما
بعدها مسببُ عما قبلها)) ، كقوله تعالى : ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا
تطغوا فيه فيحلَّ عليكم غضبي )).
(فإن لم تكن الفاء للسببية ، بل كانت للعطف على الفعل قبلها ، أو
كانت للاستئناف لم ينصب الفعل بعدها بأن مضمرة . بل يعرب في الحالة
الأولى باعراب ما عطف عليه ، كقوله تعالى : ﴿لا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾،
أي ليس هناك إذن لهم ولا إعتذار منهم : ويرفع في الحالة الأخرى ، كقوله
سبحانه: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون﴾ أي: ((فهو
ءے
يكون إذا أراده)) فجملة (( يكون)) ليست داخلة في مقول القول ، بل هي جملة
مستقلة مستأنفة . ومنه قول الشاعر :
ألم تسأل الربع القواء فينطق
وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (١)
(أي : فهو ينطق إن سألته ) :
(٣) واو المعيّةِ ((وهي التي تُفيدُ حصولَ ما قبلها مع ما بعدها ، فهي
بمعنى (مَعَ) تُفيد المصاحبةَ» كقول الشاعر :
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مِثْلَهُ
عارٌ عليكَ، إذا فعَلتَ، عظيم
(١) الربع: المنزل. والقواء بفتح القاف: الخالي الذي لا أنيس فيه . والبيداء الأرض القفر.
والسملق بفتح فسكون : الصفصف وهو : المُطمئن المستوي من الأرض .
١٧٧
... .... . ... ...--------------.

(فإن لم تكن الواو للمعية، بل كانت للعطف، أو للاستئناف، فيعرب
الفعل بعدها في الحالة الأولى، باعراب ما قبله، نحو: ((لا تكذب وتعاشر
الكاذبين)»، أي ولا تعاشرهم . ويرفع في الحالة الأخرى، نحو: ((لا تعص الله
ويراك))، أي: وهو يراك . والمعنى : هو يراك ، فلا تعصه . فالواو ليست
للمعية ، ولا للعطف، بل هي للاستئناف ) .
وخلاصة القول : إن إعراب الفعل بعد الفاء والواو يتوقف على مراد
القائل . فإن أراد السببية ، فالنصب . وإن أراد العطف ، فالإِعراب بحسب
المعطوف عليه . وإن لم يرد هذا ولا ذاك ، بل أراد استئناف جملة جديدة ،
فالرفع. ليس المراد بالاستئناف قطع الارتباط بين الجمل في المعنى بل المراد
الارتباط اللفظي ، أي الإِعرابي . واعلم ان المروي من ذلك ، من آية أو
شعر ، ينطق به على روايته وقد تحتمل الأوجه الثلاثة في كلام واحد ، وقد
مثلوا له بقولهم: ((لا تأكل السمك وتشرب اللبن)). فإن أردت النهي عن
الأمرين معاً، جزمت ما بعد الواو، لأنها حينئذ للعطف . وإن أردت النهي
عن الجمع بينهما ، نصبت ما بعدها ، لأنها حينئذ للمعية . وإن أردت النهى
عن الأول وحده ، وإباحة الآخر ، رفعت ما بعدها لأنها حينئذ للاستئناف :
ويكون المعنى: ((لا تأكل السمك ، ولك أن تشرب اللبن )).
والواو والفاءُ هاتانٍ لا تُقدَّر (أنْ) بعدهما إلا إذا وقعتا في جواب نفي أو
طلبٍ فمثالُ النفي مع الفاء: ((لم تُرحمْ فَتُرحمَ)) ومثال الطلب معها: ((هل
ترحمون فتُرحموا؟)). ومثال النفي مع الواو: ((لا نأمرُ بالخير ونُعرضَ عنه))
ومثال الطلب معها : ((لا تأمروا بالخير وتعرضوا عنه)).
فإن لم يسبقهما نفيٌ أو طلبٌ ، فالمضارعُ مرفوعٌ، ولا تقدَّرُ (أنْ) ،
نحو ((يُكرمُ الأستاذُ المجتهدَ، فيخجَلُ الكسلانُ))، ونحو: ((الشمسُ طالعةٌ
وينزلُ المطرُ ».
١٧٨

....-
وشرطُ النفي أن يكون نفياً محضاً . فإن كان في معنى الإِثبات ، لم
تُقدَّرْ بعده (أن) فيكونُ الفعل مرفوعاً، نحو: ((ما تزالُ تجتهدُ فتقدَّمُ)) إذ
المعنى أنت ثابتٌ على الاجتهاد . ونحو: (ما تجيئنًا إلَّ فنكرمُكَ). فالنفي
منتقضّ بإلاّ، إذ المعنى إثبات المجيء .
ولا فرق بين أن يكون النفيُ بالحرف ، نحو: (لم يجتهد فيفُلحَ : أو
بالفعل ، نحو: (ليس الجهل محموداً فَتُقبلَ عليه )، أو بالاسم ، نحو :
الحلمُ غيرُ مذمومٍ فَتَنْفِرَ منه .
ويُلحَقُ بالنفي التَّشبيهُ المرادُ به النفي والإِنكارُ، نحو: كأنَّك رئيسُنا
فُنُطيعَكَ!، أي: ما أنتَ رئيسنا. وكذا ما أفاد التَّقليل. نحو: (قد يجودُ
البخيلُ فُمَحَ ) أو النفيَ، نحو: (فَلَّما تجتهدُ فتنجَح)(١).
....
والمرادُ بالطَّبِ الأمرُ بالصيغة أو باللامِ، والنهيُ، والاستفهام،
والتّمنَّى والترجَي ، والعَرْضُ، والتَّحضيضُ .
أما ما يدلُّ على معنى الأمر بغير صيغة الأمر أو لامِ الأمر: (كاسم فعلٍ
الأمر) ، نحو: (صَهْ، فينامُ الناسُ) . أو المصدرِ النائبِ عن فعل الأمر،
نحو : (سُكوتاً ، فينامُ الناس) . أو ما لفظُه خبر.
ومعناهُ الطلب، نحو: (حَسبُكَ الحديثُ، فينامُ الناسُ) ، فلا تُقدَّر
((أن)» بعده . ويكونُ الفعل مرفوعاً على أصحِّ مذاهبِ النحاة . وأجازّ الكسائيُّ
نصبُهُ في كل ذلك . وليس ببعيد من الصواب .
(١) إذا قلت: ((قلْ رجل يقول ذلك)) فالمعنى: ((ما رجل يقول ذلك))، وإن قلت. ((قلما تجتهد
فتنجح)، فالمعنى: ((ما تجتهد فتنجح)). فقل وقلما في مثل هذا الكلام ، معناهما النفي
المحض. وقد يراد بهما التقليل . والكثير استعمالهما للنفي . وقد وفينا هذا البحث حقه في
الجزء الأول من هذا الكتاب . راجع بحث الأفعال الجامدة فيه .
١٧٩

والفعلُ المنصوب بأن مُضمّرةً وجوباً ، بعد الفاءِ والواو هاتين ، مؤَوَّل
بمصدرٍ يُعطفُ على المصدرِ المسبوكِ من الفعل المتقدم. فإذا قلت: ((زُرني
فأكرمَكَ، ولا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله)) فالتقديرُ: ((لِيكنْ منك زيارةٌ لي
فإكرامٌ مني إِيَّاكَ ، ولا يكن منك نهيٌ عن خلق وإتيان مثلهِ )).
(واعلم أنه إذا سقطت فاء السببية هذه بعد ما يدل على الطلب ، بجزم
الفعل بعد سقوطها إن قصد بقاء ارتباط ما بعدها بما قبلها ارتباط فعل الشرط
بجزائه. فإن أسقطت الفاء في قولك ((أجتهد فتنجح))، قلت: ((اجتهد
تنجح)». ومنه قوله تعالى: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ﴾. وقول امرىء
القيس :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
(فإذا أردت الإِستئناف ، رفعت الفعل، نحو: عجل، ينزل المطر).
فليس المراد أن تعجل بنزول المطر. وكذا إذا كانت الجملة نعتاً لما قبلها،
كقولك ((صاحب رجلاً يدلك على الله)). ومنه قوله: ((فهب لي من لدنك ولياً
برثني)) أي: ولياً وارثاً لي. وقد قرئت الآية بالجزم أيضاً، على معنى: ((إن
يهب لي ولياً يرثني)). وكذا إذا كانت الجملة في موضع الحال فإنك ترفع
الفعل ، نحو: ((قل الحق لا تبالي اللائمين)) أي : غير مبال بهم . ومنه قوله
تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾، أي: مستكثراً ) .
(٤) حتى: وهي ((حتى الجارَّةُ، التي بمعنى ((إلى)) أو لام التعليل.
فالأول نحو: ((قالوا: لن نبرحَ عليه عاكفين حتى يَرجِعَ إلينا موسى)).
والثاني نحو: ((أطعِ اللّهَ حتى تَفوزَ برضاهُ)) أي إلى أن يرجعَ، ولتفوز .
وقد تكون بمعنى ((إلّ)) كقولهِ :
١٨٠

لَيْسَ العطاءُ من الْفُضُولِ سَماحةً
حتى تَجودَ وما لَدَّيْكَ قَليل
أي : إلَّ أن تجودَ. والفعل بعده مؤول بمصدرٍ مجرورٍ بها . ويُشترط
في نصب الفعل بعدها بأن مضمرة ، أن يكون مستقبلاً ، إمّا بالنسبة إلى كلام
للتكلم ، وإما بالنسبة إلى ما قبلها .
٠٠٠ ٫٠٠
ثم إن كان الاستقبالُ بالنسبة إلى زمان التكلم وإلى ما قبلها . وجب
النصبُ لأنَّ الفعلَ مُستقبلٌ حقيقةً، نحو: صُمْ حتى تَغِيبَ الشمس)): فغياب
الشمس مُستقبلٌ بالنسبة إلى كلام المتكلم ، وهو أيضاً مستقبلٌ بالنسبة إلى
الصيام . وإن كان الاستقبال بالنسبة إلى ما قبلها فقطْ ، جاز النصب وجاز
الرفع. وقد قُرِىءَ قوله: ﴿وَزُلزلوا حتى يقولَ الرسولُ﴾ بالنصب بأن
مضمرةً ، باعتبار استقبال الفعل بالنسبة إلى ما قبله لأن زلزالهم سابقٌ على
قول الرسول . وبالرفع على عدم تقدير ((أن))، باعتبار ، أن الفعل ليس
مستقبلاً حقيقةً . لأنَّ قول الرسول وقع قبل حكاية قوله ، فهو ماضٍ بالنسبة
إلى وقت التكلُّم. لأنه حكايةُ حالٍ ماضية و((أن)) لا تدخل إلَّ على
المستقبل .
فإن أريدَ بالفعل معنى الحال ، فلا تُقدَّر ((أن))، بل يُرفع الفعل بعدها
قطعاً، لأنها موضوعةٌ للاستقبال، نحو: ((ناموا حتى ما يستيقظون)). ومنه
قولهم : ((مرض زيدٌ حتى ما يَرجونهُ)) وتكون ((حتى)» حينئذٍ حرفَ ابتداءٍ والفعل
بعدها مرفوعٌ للتجرد من الناصب والجازم . وحتى الإبتدائية : حرفٌ تُبتدأُ به
الجُمَلُ . والجملةُ بعدها مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب .
وعلامة كون الفعل للحال أن يصلح وضعُ الفاء في موضع حتى . فإذا
قلت : ((ناموا فلا يستيقظون، ومرض زيد فلا يرجونه ))، صحَّ ذلك .
١٨١
٤٠

(٥) أو. ولا تُضمَرُ بعدها (أن) إلَّ أَن يَصلُحَ في موضعها (إلى) أو (إلّ)
الاستثنائيّة ، فالأول كقول الشاعر :
لَستَسْهلنَّ الصَّعْبَ أو أدْرِكَ المُنى
فما أنقادَتِ الآمالُ إِلَّ لِصابرٍ
أي : إلى أن أدرك المنى ، والثاني كقول الآخر :
وكُنْتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قَوْمٍ
كَسَرْتُ كُعوبَها أَو تَسْتَقِيما (١)
أي : إلاّ أن تستقيم .
والفعلُ ، المنصوب بأن مُضمَرةً بعد (أو) ، معطوفٌ على مصدرٍ مفهومٍ
من الفعل المتقدم . وتقديرُه في البيت الأول : (لَيَكونَنَّ مني استسهالٌ
للصَّعبِ أو إِدراكٌ للمنى )، وتقديرُه في البيت الآخر : ليكوننَّ مني كسرٌ
لكُعوبها أو استقامة منها ) .
واعلم أن تأويل ((أو)) بإلى أو إلّ. إنما هو تقدير يلاحظ فيه المعنى دون
الإعراب . أما التقدير الإِعرابي باعتبار التركيب فهو أن يؤول الفعل قبل ((أو))
بمصدر يعطف عليه المصدر المسبوك بعدها بأن المضمرة . كما رأيت وإنما
أول ما قبل ((أو)) بمصدر لئلا يلزم عطف الاسم (وهو المصدر المسبوك بأن
المقدرة على الفعل . وذلك ممنوع) .
شُذوذ حذف أَنْ
لا تَعمل ((أن)) مُقدَّرة إلا في المواضع التي سبقَ ذِكرُها . وقد ورد حذفُها
(١) الغمز: الجس والعصر. والقناة: الرمح. والكعوب: جمع كعب، وهي العقدة من عقد
الرمح. يريد أنه إذ أخذ في إصلاح قوم استشرى فيهم الفساد أخذهم بالشدة والعنف ليقوم
معوجهم ، إلا أن يقلعوا عما هم فيه وتستقيم أمورهم .
١٨٢

.... .... .
ونصب الفعلِ بعدها في غير ما سبق الكلام عليه، ومن ذلك قولهم: (( مُرْهُ
يَحْفِرَها )) و((خُذِ اللصَّ قبل يأخذَكَ))، والمثل: ((تَسمِعَ بالمُعَيدِيّ خيرٌ من
أن تراه، وقول الشاعر طرفة :
أَلا أَيُهذا الزَّاجِري أحضُرَ الوغى
وأَنْ أَشهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنتَ مُخْلدي؟!
أي: ((أن يحفرَها، وأن يأخذك"، وأن تسمع، وأن أحضُرَ)) وذلك شاذّ
لا يقاسُ عليه. والفصيحُ أن يُرفعَ الفعلُ بعد حذفٍ ((أن))، لأنَّ الحرفَ
حاملٌ ضعيفٌ ، فإذا حذفَ بطلَ عملُه . ومن الرفع بعد حذفها قوله تعالى :
﴿ومن آياته يُرِيكُمُ البرقَ خوفاً وطمعاً﴾، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغيرَ اللّه تأمروني
أَعْبُدُ﴾، والأصلُ: ((أن يريكم، وأن أعبد)).
المضارع المجزوم وجوازمه
يُجزَمُ المضارع إذا سبقته احدى الجوازم . وهي قسمان . قسم يجزم
فعلا واحداً، نحو: (( لا تيأسْ من رحمة الله))، وقسم يجزم فعلين ، نحو :
((مهما تفعلْ تُالْ عنه)).
وجزمُه إما لفظيٌّ، إن كان معرباً، كما مُثْل ، وإما محلي ، إن كان
مبنيًّا، نحو: ((لا تشْتِغِلَنَّ بغير النافع))(١).
الجازم فعلاً واحداً
الجازم فعلاً واحداً أربعةُ أحرفٍ وهي: ((لم ولما ولامُ الأمر ولا الناهية))
وإليك شرحَها :
(١) تشتغلن: فعل مضارع مبني على الفتحة ، وهو في محل جزم بلا الناهية.
١٨٣
٠٫٠٠
٠ ٠ ٠٠٠
٥ -...
٠٨.٨.٧٥٠٠ ٩٠
٠٠ ٠١٠٠

لم ولما : تُسمِّيانِ حرفيْ نفيٍ وجزمٍ وقلبٍ ، لأنهما تَنفيان المضارع ،
وتجزِمانهِ ، وتقلبانِ زمانَه من الحال أو الإستقبال إلى المضيِّ ، فإن قلتَ :
((لم أكتبْ)) أو ((لمّا أكتُبْ))، كان المعنى أنكَ ما كتبتَ فيما مضى.
والفرق بين ((لم ولمّا)) من أربعة أوجهٍ :
(١) أنَّ ((لم)) للنفي المُطلَقِ، فلا يجب استمرارُ نفي مصحوبها إلى
الحال ، بل يجوز الاستمرار ، كقوله تعالى: ﴿لم يَلِدْ ولم يولّدْ﴾، ويجوز
عَدَمه، ولذلك يصِحُّ أن تقول: ((لم أفعل ثمَّ فعلت)).
وأما ((لمّا)) فهي للنفي المستغرق جميع أجزاء الزمانِ الماضي ، حتى
يَتصل بِالحالِ، ولذلك لا يصحُّ أن تقول: ((لمّا أفعلْ ثم فعلت))، لأنَّ معنى
قولكَ ((لمّا أفعل)) أنك لم تفعل حتى الآن، وقولك: ((ثم فعلتُ)) يناقضُ
ذلك. لهذا تُسمَّى ((حرفَ استغراقٍ)) أيضاً لأن النفي بها يستغرق الزمانَ
الماضي كله .
(٢) أن المنفي بلم لا يتوقَّع حصوله ، والمنفيَّ لِلَمْا مُتوقَّع الحصول ،
فإذا قلتَ : ((لمَّا أسافِرْ)) فسفركَ مُنتظَرٌ:
(٣) يجوز وقوع ((لم)) بعد أداةٍ شرط، نحو: ((إن لم تجتهد تندم)).
ولا يجوز وقوع ((لمّا)) بعدها .
(٤) يجوز حذفُ مجزومِ ((لمَّا))، نحو: ((قاربت المدينة ولمَّا))، أي:
(( ولما أدخلْها)». ولا يجوز ذلك في مجزوم «لم))، إلا في الضرورة، كقول
الشاعر :
احفَظْ وديعَتَكَ التي أستُودعتّها
يومَ الأَعازِبِ، انْ وصَلتَ وإنْ لمِ
١٨٤

أي: ((وإن لم تَصِلْ)) ويُروى: ((إن وُصِلْتَ)) بالمجهول، فيكون
التقديرُ: (وإنْ لم توصَلْ) ، قال العينيُّ : وهو الصواب .
ولامُ الأمرِ: يُطلَبُ بها إحداثُ فعلٍ، نحو: ((لُنفِقْ ذو سعةٍ من
سَعَتِه )) .
ولا الناهية: يُطلَبُ بها تركُه، نحو: ولا تَجعلْ يَدكَ مغلولة إلى
عُنُقِكَ ، ولا تَبسُطها كلَّ البسطِ ، فَتَقْعُدَ ملموماً محسوراً .
فوائد
(١) لما ، الداخلة على الفعل الماضي، ليست نافية جازمة، وإنما
هي بمعنى ((حين)) فإذا قلت ((لما اجتهد أكرمته)). فالمعنى: حين اجتهد
أكرمته . ومن الخطأ إدخالها على المضارع إذا أريد بها معنى ((حين))، فلا
يقال ((لما يجتهد أكرمه)) بل الصواب أن يقال: ((حين يجتهد))، لأنها لا تسبق
المضارع إلَّ إذا كانت نافية جازمة . .
(٢): لام الأمر مكسورة ، إِلَّ إذا وقعت بعد الواو والفاء فالأكثر
تسكينها ، نحو: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي)). وقد تسكن بعد ((ثم)).
(٣) تدخل لام الأمر على فعل الغائب معلوماً ومجهولاً ، وعلى
المخاطب والمتكلم المجهولين : وتدخل ((لا)) الناهية على الغائب والمخاطـ،
معلومين ومجهولين . وعلى المتكلم المجهول . ويقل دخولهما على المتكلم
المفرد المعلوم . فإن كان مع المتكلم غيره ، فدخولهما عليه أهون وأيسر .
نحو : ((ولنحمل خطاياكم )» وقول الشاعر :
١٨٥

. ... ... ..... ..
٨٠.
إذا ما خرجنا من دمشق، فلا نعد
لها أبداً. ما دام فيها الجراضم (١)
وذلك لأنَّ الواحد لا يأمر نفسه ، فإن كان معه غيره هان الأمر لمشاركة
غيره له فيما يأمر به ، وأقل من ذلك دخول الكلام على المخاطب المعلوم ،
لأن له صيغة خاصة وهي ((إفعل))، فيستغنى بها عنه .
(٤) اعلم أن طلب الفعل أو تركه ، إن كان من الأدنى إلى الأعلى ،
سمي ((دعاء)) تأدباً. وسميت اللام و((لا)) حرفي دعاء، نحو: ((ليقض علينا
ربك)) ونحو: ﴿لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا﴾ وكذلك الأمر بالصيغة
يسمى فعل دعاء ، نحو: ﴿رَب اغفر لي ﴾.
الجازم فعلين
الذي يجزم فعلين ثلاث عشرة أداة . وهي :
(١) إن، نحو: ﴿إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به
الله ﴾ .
وهي أمُّ الباب . وغيرها مما يجزم فعلين إنما جزمها لتضمنه معناها .
فإن قلت : ( من يزرني أكرمْه) ، فالمعنى : (إن يزرني أحد أُكرمه ) ولذلك
بنيت أدوات الشرط لتضمنها معناها .
(٢) إذ ما ، كقول الشاعر :
وإنك إذ ما تأت ما أنت آمرٌ
بهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تأمرُ آتيا
وهي : حرف بمعنى (إن) . وبقية الأدوات أسماء تضمنت معنى (إن)،
(١) الجراضم بفتح الجيم: جمع جرضم. وجراضم: بضم الجيم فيها وهو الأكول .
١٨٦
٩٠٠ ٢٠٠

.... .... .. ........... .. ..
٠٠٠
فبنيت وجزمت الفعلين . وعملُها الجزم قليل . والأكثر أن تهمل ويرفع
الفعلان بعدها . وذهب بعضهم إلى أنها لا تجزم إلاّ في ضرورة الشعر .
(وأصلها ((ذا)) الظرفية، لحقتها ((ما)) الزائدة للتوكيد فحملتها معنى ((إن))،
فصارت حرفاً مثلها، لأنها لا معنى لها إلا ربط الجواب بالشرط، بخلاف بقية
الأدوات فإن لها ، غير معنى الربط ، معاني أخر ، كما ستعلم . ومن النحاة
كالمبرد وابن السراج والفارسي - من يجعلها اسماً معتبراً فيها معنى الظرفية ).
(٣) مَن ، وهي اسم مبهم للعاقل ، نحو : (من يفعل سوءاً يجز به ) .
(٤) ما ، وهي اسم مبهم لغير العاقل، نحو: (وما تفعلوا من خير يعلّهْءُ
اللّه ) .
(٥) مهما ، وهي: اسمٌ مبهم لغير العاقل أيضاً، نحو: ((وقالوا : مَهما
تأتنا به من آية لتسحَرَنا بها ، فما نحن لك بمؤمنين)).
(وهي على الصحيح ، أما مركبة من ((مه)) التي هي اسم فعل أمر
للزجر والنهي ومعناه: ((أكفف)) ومن ((ما)) المتضمنة معنى الشرط، ثم جعلا
كلمة واحدة للشرط والجزاء ويدل على هذا أنها أكثر ما تستعمل في مقام
الزجر والنهي. وأما مركبة من (ما) الشرطية (وما) الزائدة للتوكيلك ، زيدت
عليها كما تزاد على غيرها من أدوات الشرط ثم كرهوا أن يقولوا : (ما ما)
فأبدلوا من ألف الأولى هاء ليختلف اللفظان ) .
(٦) متى، وهي : اسم زمان تضمن معنى الشرط ، كقول الشاعر :
متى تأْته تعشُو (١) إلى ضوء ناره
تجد خير نارٍ ، عندها خيرُ موقد
(١) تعشو : فعل مضارع مرفوع، وليس جواب الشرط، وجملته حال من فاعل تأت أي : متى
تأته عاشياً. وجواب الشرط هو (تجد)، يقال عشا النار وإليها : أتاها من بعيد يرجو عندها هدى
أو قرى ، أو ضيافة .
١٨٧