النص المفهرس

صفحات 61-80

تقول: ((هذا رجلٌ هدَّك من رجل. وهذه امرأةٌ هَدَّتكَ من امرأة))، كما
تقول: ((كفاك وكفّتْك)) وقِسْ على ذلك أمثلةَ المثنى والجمع.
( ومن العرب من يُجريه مجرى المصدر الموصوف به ، فيجعله مصدراً
لهذّ يهد هذَاً. وإذا كان كذلك بقي بلفظ واحد للجميع . ويتبع ما قبله في
إعرابه على أنه نعت له - تقول: ((هذا رجل هدّك من رجل)) ( بالرفع ) ،
و((مررت بامرأة هدك من امرأة)) (بالجر) و((أكرمت رجلين هدّك من
رجلين)) ( بالنصب). كما تقول: ((هذا رجل حسبك من رجل)) (بالرفع )
و((مررت بامرأة حسبك من امرأة)) (بالجر)؛ و((أكرمت رجلين حسبك من
رجلين ( بالنصب ) .
ويُقالُ: ((لَهَذَّ الرجل))، للمدحِ؛ بمعنى: ((نِعْمَ))، وذلك إذا أُثنيَ
عليه بِجَلٍ وشِدَّة. ويقال: ((لَهَدَّ الرجلُ!))، للتَّعْجُّب، بمعنى (( ما
أجلَّدَه ! )) وفي الحديث: ((إن أَجا لَهبِ قال: لَهَدَّ ما سَحَركم صاحبُكم!))،
أراد التعجُّبَ . واللَّمُ فيها للتأكيد .
( وفي ( الفائق ) للزمخشري عند شرح هذا الحديث : إن معناه لنعم ما
سحركم ، وفي ( النهاية) لابن الأثير: إن معناه التعجب. قال: ((لهذّ))
كلمة يتعجب بها يقال : لهدّ الرجل ! أي : ما أجلده . ثم ذكر أنها تكون
أيضاً بمعنى ((نعمَ )) وفي لسان العرب وتاج العروس نحو ذلك . وكونها هنا
للتعجب أقرب إلى واقعة الحال ، لأن أبا لهب ( تبت يداه ) إِنما يتعجب من
مصيرهم وجلدهم على تصديقهم النبي 18 في كل ما جاءهم به ، حتى زعم
أنه قد سحرهم ، فكأنه قال ما أصبركم وما أجلدكم على سحر صاحبكم
إياكم ) .
ومن الأفعال الجامدة ((كذَبَ))، التي تُستعمَلُ للاغراءِ بالشيء والحث
عليه ، ويرادُ بها الأمر به ولزومهُ وإِتيانُهُ ، لا الإِخبارُ عنه. ومنه قولهم :
٦٠
:

((كذَبك الأمرُ، وكذَبَ عليك)). يُريدونَ الإِغراءَ به والحملَ على إِتيانه ،
أي: عليكَ به فالزمَهُ وائتهِ، وقولهم: ((كذبَك الصَّيدُ)) أي : أَمنك فارْمِه.
وأصلُ المعنى : كذبَ فيما أراكَ وخدعَكَ ولم يَصدُقك، فلا تُصدِّقه فيما
أراك ، بل عليك به والزمَه وائته. قال ابن السّكِّيت: (( تقول للرجل إذا أمرتهُ
بشيءٍ وأغريتهُ. كذَبَ عليك كذا وكذا، أي: ((عليك به ، وهي كلمةٌ
نادرة)) اهـ .
ثم جرى هذا الكلامُ مَجرى الأمر بالشيء والإِغراءِ به والحثِّ عليه
والحضُّ على لزومه وإتيانه ، من غير التفاتٍ إلى أصل المعنى ، لأنه جرى
مَجرى المثل ، والأمثالُ لا يُلاحَظُ فيها أصلُ معناها وما قيلتْ بَسببه ، وإنما
يُلاحظُ فيها المعنى المجازيُّ الذي نُقِلت إِليه وأشرِبتُهُ .
( وهذا الكلام ، إما من قولهم: (( كذبته عينه))، أي: أرته ما لا
حقيقة له . كما قال الأخطل :
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ ؟ أَم رأَيتَ بِواسطٍ
غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خيالاً (١)
( وإما من قولهم : ((كذّب نفسه، وكذبته نفسه)). إذا غرّها أو غرته ،
وحدثها أو حدثته بالأماني البعيدة والأمور التي يبلغها وسعه ومقدرته . ومنه قيل
للنفس ((الكذوب))، وجمعها ((كُذُب)) - بضمتين - قال الشاعر: ((حتى إذا
صدقته كُذبه)) ، أي : نفوسه ، جعل له نفوساً لتفرّق رأيه وتشتته وانتشاره .
وقالوا ضد ذلك: ((صدقته نفسه)) أي : ثبطته وأضعفت عزيمته كما قال
الشاعر :
(١) واسط: بلد بالعراق بناه الحجاج بن يوسف الثقفي ( سنة ٨٣ هـ)، وجعله دار الامارة ، وهو
الآن أطلال. وهو مذكر منصرف، وقد يؤنث فيمتنع من الصرف ، و( الغلس ): ظلمة آخر
الليل ، و( الرباب ) : اسم امرأة .
٦١
:
٠
:
٠
:
:
:
....

فأقبَلَ يجري على قَدرِهِ (١) فَلَمَا دَنا صَدَقْهُ الْكَذُوبُ
أي : فلما دنا من الأمر الذي وطد عزيمته عليه ثبطته نفسه وكسرت من همته
وقال لبيد :
وأَكْذِب النَّفْسَ، إِذا حَدَّثْتَها إِنَّ صدْقَ النَّفْسِ يُزْرِي بِالأَمَلْ
( والمعنى نشطها وقوها ومَتّنَها ، ولا تثبطها ، فإنك ، إن صدقتها ،
( أي : ثبطتها وفترتها ) كان ذلك داعياً إلى عجزها وكلالها وفتورها ، خشية
التعب في سبيل ما أنت تريده) .
ومن ذلك حديثُ : ((فمنِ احتجمَ ، فيومُ الخميس والأحدٍ كذّباك))،
أي : عليك بِهذين اليومين ، فاحتجمْ فيهما .
ومنه قولُ أعرابيّ ، وقد نظرَ إِلى جمل نِضْو (٢): كذبَ عليك البزْرُ
والنّوى(٣)، وفي رواية: ((القَتُّ(٤) والنَّوى))، أي: عليك بهما والزّمهما
فإنهما يُسمّنانكَ. وفي حديث عُمَرَ: ((شَكا إِليه عَمْروبنُ مَعد يكرِبَ ، أو
غيرةُ، النّقْرِسَ(٥)، فقال: ((كذَب عليك الظهائرُ (٦)))، أي: عليك بالمشي
فيها. وفي روايةٍ: ((كذّب عليك الظواهرُ(٧))). وفي حديثٍ له آخر : إِنَّ
عَمْرَوَ بنَ مَعد بِكَرِب شكا إِليه المُعَصَ (٨)، فقال: ((كذَبَ عليك العَسَلُ))،
(١) أي على ما يستطيعه من قوة وعزيمة وهمة ونشاط .
(٢) النضو : المهزول .
(٣) البزر : - بكسر الباء ، وفتحها ضعيف : كل حب يبذر للنبات . وجمعه بزور : فإن كتبته
بالذال فتحت الباء. و( النوى) : بزر التمر ونحوه . الواحدة نواة .
(٤) القت : بفتح القاف : اليابس من نبات يقال له ( الفصفصة ) بكسر الفاءين وسكون الصاد
الأولى : وهو نبات تعلقه لدواب ، حبه كالكرسنة . ولا يسمى فصفصة وهو رطب ، فإذا يبس
فهو القت .
(٥) النقرس : داء يأخذ في الرجل ، وقيل : هو ورم يحدث فى مفاصل القدم وأصابعها .
(٦) الظهائر ؛ جمع ظهيرة : وهي شدة الحر .
(٧) الظواهر : ما أشرف من الأرض وارتفع . وكذلك : اعالي الأودية ، كما أن البطاح بطنها .
(٨) المعص: بفتحتين وبالعين المهملة: التواء في عصب الرجل. ويروي ((المغص)) بالغين
المعجمة ساكنة ، ويجوز تحريكها . وهو وجع في البطن ، يقال : مغص - بالمجهول - فهو =
٦٢

يُرِيدُ العَسلانَ، ( وهو مشى الذُّئبِ ) أي: عليك بِسُرْعة المشي . وفي
حديثٍ له غيرهٍ أنهُ قال: ((كذَبَ عَليكمُ الحَجُّ ، كذب عليكم العُمْرةُ ، كذب
عليكمُ الجِهادُ ، ثلاثةُ أسفارٍ كذبْن عليكم)) أي : الزُموا ذلك وعليكم به .
( وهذا كلام يراد به الإغراءُ بالشيء والحث عليه ولزومه ، كما قدمناه ،
وهو خبر في معنى الأمر، كما في قولك: (( رحمه الله)) أي: اللهم ارحمه ،
ونحو: ((امكنتك الفرصة، وأمكنك الصيد))، يريد الاغراءُ بهما والأمر
بإتيانهما . والمعنى : عليكم بالحج والعمرة والجهاد ، فأتوهن ، فانهن
واجبات عليكم . قال الزمخشري في ( الفائق ) : ( إِنها كلمة جرت مجرى
المثل في كلامهم . ولذلك لم تنصرف ، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلاً
ماضياً معلقاً بالمخاطب ليس إلا . وهي في معنى الأمر ، كقولهم في الدعاء :
رحمك الله ، والمراد بالكذب الترغيب والبعث ، من قول العرب : كذبته
نفسه : إذا منته الأماني ، وخيلت من الآمال ما لا يكاد يكون . وذلك ما
يرغب الرجل في الأمور، ويبعثه على . التعرض لها . ومن ثمة قالوا
للنفس. ((كذوب)) اهـ. وقال ( الاعلم): العرب تقول: ((كذبك التمر
واللبن))، أي : عليك بهما . وأصل الكذب : الامكان . وقولك للرجل :
(( كذبتَ)) أي : امكنت من نفسك وضعفت فلهذا اتسع فأغري به ، لأنه متى
أغريَ بشيء فقد جعل المغري به ممكناً مستطاعاً إن رامه المغربي. أهـ .
وقال الجوهري: ((كذب)) معناه هنا : وجب .
وقد ذكرنا لك من قبل ما فيه الكفاية في الكشف عن حقيقة ما!
الكلام . فاعتصم به فإنه قول هو القول . فلا غاية وراءه والله اعلم.
ومن الأفعال الجامدة فِعلا التَّعجُّبِ وأفعالُ المدْحِ والذَّمَ وسيأتي الكلام
عليها .
= ممغوص . وحينذاك يكون المراد بالعسل المادة الحلوة المعروفة ، ويكون المعنى : عليك
بشربه فإنه دواء لذلك .
٦٣
:
:
:
:
.
:
:
:
:
:
:
٠٠٣٠
:

الفعل المتصرف
الفعلُ المُتصرّف : هو ما لم يُشبهِ الحرفَ في الجُمود ، أي : في لُزومه
طريقةً واحدةً في التعبير لأنه يدُلُّ على حَدث مقترن بزمان . فهو يَقبَل التحوُّلَ
من صورة إلى صورة لأداء المعاني في أزمنتها المختلفة . وهو قسمان :
تأمُّ التصرُّفِ : وهو ما يأتي منه الأفعال الثلاثةُ باطرادٍ ، مثل :
(كتبَ ويكتُبُ واكُتُبْ)) . وهو كلُّ الأفعال ، إلا قليلاً منها .
ونَاقصُ التَّصرُّفِ : وهو ما يأتي منه فعلانِ فقط. إما الماضي
والمضارع، مثل: ((كادَ يكادُ، وأوشكَ يُوشِكُ، وما زالَ وما يزالُ ، وما
انفكُّ وما ينفكُ، وما بَرِحَ وما يَبرحُ)). وكلُّها من الأفعال الناقصة. وإِما
المضارع والأمر، نحو : « يَدَعُ ودَْ وَيَذَرُ وَذَرْ)) .
( وقد سمع سماعاً نادراً الماضي من ((يَدَعُ ويذَرُ))، فقالوا: ( وَدَع
ووَذَر ) ، بوزن ( وضع ) ، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال ، لأن العرب
كلهم ، إلا قليلاً منهم ، فقد أميت هذا الماضي من لغاتهم . وليس المعنى
أنهم لم يتكلَّموا به البتة ، بل قد تكلموا به دهراً طويلاً ، ثم أماتوه باهمالهم
استعماله فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتاً ، إلا
ما سمع منه سماعاً نادراً. ومن هذا النادر حديث: (دَعوا الحبشة وما
وَدَعوكم ) . وقرىء شذوذاً: ( ما ودّعك ربك وما قلى ) ، بتخفيف الدال .
وسمع المصدر، من ( يدُعُ) كحديث: ( لينتهينّ أقوام عن ودعهم
الجمعات ) ، أي : عن تركهم إياها . وسمع منها اسم الفاعل واسم المفعول
في أبيات الشعر : وكل ذلك نادر في الاستعمال ..
وذكر السيوطي في (همع الهوامع). إن (ذر ودع) يعدان في
الجوامد ، إذ لم يستعمل منهما إِلا الأمر . وهذا غفلة منه (رحمه الله ) فإن
٦٤

( يدع) مضارع (دع) مستعمل كثيراً. وأما المضارع من (ذر) فقد جاء
مستفيضاً في افصح الكلام وأشرفه : وقد أحصيت ما ورد منه في القرآن
الكريم ، فكان عشرين ونيفاً ) .
٧ - فعلا التعجب
التَّعْجُّبُ : هو استعظامُ فعلٍ فاعلٍ ظاهر المزية .
ويكونُ بألفاظٍ كثيرةٍ ، كقوله تعالى : ﴿ كيفَ تكفرونَ بالله ! وكنتم
أمواتاً فأحياكم ﴾، وكحديث: ((سُبحانَ اللَّهِ! المؤمن لا يَنجَسُ حيًّا ولا
مِيْتاً))، ونحو: ((للَّهِ دَرُّهُ فارساً! ولله أنت!)) ونحو: (( يا لك من رجل !
وحَسبُكَ بخالدٍ رجلاً ونحو ذلك)).
وكلُّ ذلك إِنما يُفهمُ من قرينة الكلام ، لا بأصل الوضع . والذي يُفهم
التعجّبَ بصيغته الموضوعة للتعجب، إِنما هو (( فعلا التعجب)).
وهُما صيغتانِ للتعجب من الشيءٍ ويكونان على وزن: (( ما أفعل))
و ((أفعِلْ بِـ)) نحو: ((ما أحسنَ العِلم! وأقبحْ بالجهل!)).
وتُسمى الصيغةُ الأولى ( فعل التعجب الأوَّل ) ، والصيغةُ الثانيةُ ( فعل
التعجبِ الثاني ) . وهما فعلان ماضيان . وقد جاءت الثانية منهما على صيغة
الأمر ، وليست بفعل أمرٍ .
ومَدلولُ كلا الفعلين واحدٌ ، وهو إنشاءُ التعُّب .
شروط صوغهما :
فعلا التعجُّب ، كاسم التفضيل ، لا يُصاغان إلا من فعلٍ ثلاثي
الأحرف ، مُثبتٍ ، متصرّفٍ، معلومٍ ، تامٌّ ، قابلٍ للتفضيل ، لا تأتي الصفة
المُشبَّهَةُ منه على وزن ((أفعلَ)) .
٦٥

...
فلا يُبنيان مما لا فعل له . كالصخر والحمار ونحوهما . وشذّ قولهم .
(( ما أرجله!)) فقد بنوه من الرجولية(١) ولا فعلً لها، ولا من غير الثلاثي
المجرد . وشدَّ قولهم ، ما أعطاه للدراهم ! وما أولاه للمعروف ! ، بنوهما
من (( أعطى وأولى)) وهما رباعيا الأحرف. وقولهم: (( ما اتقاه ! وما املاء
القربة! وما أخصره !)) بنوها من ( اتقى وامتلاء واختصر) ، وهي خماسية
الأحرف ، وفي اختصر ( بالبناء للمجهول ) شذوذ وهو أنه فعل مجهول .
وكذلك لا يبنيان من فعل منفي ، خشية التباس النفي بالاثبات . ولا من فعل
مجهول ، خشية التباس الفاعلية بالمفعولية . لأنك إن بنيته من ( نُصر )
المجهول ، فقلت : ( ما انصره ! ) التمس الأمر على السامع ، فلا يدري
أتتعجب من نصره أم من منصوريته . فإن أمن اللبس بأن كان الفعل مما لا يرد
إلا مجهولاً، نحو: (زُهِي علينا، وعُنيت بالأمر) جاز التعجب به على
الأصح ، فتقول : ( ما أزهاه علينا وما أعناه بالأمر!) ولا يينيان من فعل
ناقص. ككان وأخواتها، وكاد وأخواتها. وأما قولهم: (( ما أصبح أبرَدَها !
وما أمسى أدفأها !)) ففعل التعجب إنما هو أبرد وادفأ، وأصبح وأمسى
زائدتان ، كما تزاد ( كان ) بين ( ما ) وفعل التعجب ، كما سيأتي . غير أن
زيادتهما نادرة ، وزيادتها كثيرة ، ولا يبنيان مما لا يقبل المفاضلة . كمات
وفني ، إلا أن يراد بمات معنى البلادة، فيجوز نحو: ((ما، أمْوت قلبه!)).
ولا مما تأتي الصفة المشبهة منه على وزن ( أفعلَ ) كأحْمَرَ واعرجَ واكْحل
وأشيب وشذ قولهم : ( ما أهوجه ، وما أحمقه وما أرعنه ! لأن الصفة منها هي
أهوج وأحمق وأرعن ) .
وإذا أردتَ صوْغَ فِعلي التعجب مما لم يستوف الشروط ، أتيت بمصدره
منصوباً بعد ((أشدَّ)) أو ((أكثر)) ونحوهما، ومجروراً بالباءِ الزائدة بعد
(١) الرجولية ( بضم الراء وفتحها) والرجولة ( بضمها) . اسم معنى من الرجل . ويراد بها الصفة
التي من شأنه أن يكون متصفاً بها .
٦٦

(( أشدِدْ)) أو ((أكثرْ)) ونحوهما، تقول: (( ما أَشدَّ إِيمانهُ، أَو ابتهاجَهُ، أَو
سوادَ عينيه!))، وتقول: ((أُبْلِغ بعورِه، أُو كحلهِ، أو اجتهاده!)).
صيغة ( ما أفعله ! )
يَلي صيغةَ (( ما أفعلَ)) في التعجُّبِ المُتعجّبُ منه منصوباً على المفعولية
لأفعل .
والهمزةُ في (( ما أفعلَ)) للتَّعدية. فمعنى قولك: (( ما أجملَ
الفضيلةَ)): شيءٌ جعلها جميلةً، كما تقولُ: ((أمرٌ أفعدَهُ وأقامه !)) ، تريدُ
أنَّ قُعودَه وقيامَهُ لم يكونا إِلَّ لأمرٍ. ثُمَّ حُملَ الكلامُ على معنى التعجب ،
فجرى مَجرى المَثل ، فلزِمَ طريقاً واحدةً في التعبير . و(ما ) اسمٌ نكرةٌ تامةٌ
بمعنى (( شيءٌ))، وقيلَ: هي ( ما) الاستفهاميةُ خرجت عن معناهًا إِلى معنى
التعجب .
( وعلى كل فهي في موضع رفع على الابتداء . وجاز الابتداء بها مع
أنها نكرة ، لتضمنها معنى التعجب . والفعل بعدها فعل ماض للتعجب ،
وفاعله ضمير مستتر وجوباً يعود إليها . والمنصوب مفعوله . والجملة في محل
رفع المبتدأ الذي هو ( ما ) .
و ( ما ) النكرة التامة، هي التي تكون مكتفية بنفسها)، فلا تحتاج أي
صلة أو صفة، نحو: ((أكرم رجلاً ما)). ومنه المثل: ((لأمر ما جدع قصير
أنفه)). ومنها ( ما ) قبل فعل التعجب .
فإن احتاجت ( ما ) إِلى جملة توصل بها فهي ، معرفة موصولة . نحو :
((افعل ما تراه خيراً)): وإن احتاجت إلى ما توصف به من مفرد أو جملة ،
فهي نكرة موصوفة، نحو: (( اعمل ما نافعاً للأمة )) أي: شيئاً نافعاً لها ،
ونحو: ((اعمل ما من الأمور ينفع))، أي: (( شيئاً من الأمور نافعاً))، فجملة
٦٧

( ينفع ) في موضع نصب نعت لما .
وسيأتي القول على الموصولية والموصوفية مبسوطاً في الكلام على
الأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام ) .
وتُزادُ ( كان) كثيراً بين ( ما) وفعلِ التعجب، نحو: (( ما ( كان )
أُعدَلَ عُمَرَ ! )) ومنهُ قولُ الشاعر :
ما (كانَ) أَسْعَدَ مَنْ أَجابكَ آخِذَاً
بِهُداكَ، مُجْتَنِباً هَوىٍّ وعِناد!
وقول الآخر :
حَجَبَتْ تَحِيََّها، فقلتُ لصاحبي: ما كانَ أَكثرها لنا وأَقَلّها !
( فكان : تامة رافعة ما بعدها على الفاعلية و( ما ) : مصدرية والفعل
بعدها في تأويل مصدر منصوب على أنه مفعول به لفعل التعجب والمصدر
المؤول هو المتعجب منه فإن أردت الإستقبال قلت : (( ما أحسن ما يكون
البدر ليلة الغد)) .
صيغة ( أفعل به ! )
كما يَلي المُتعجّبُ منهُ صيغةَ ((ما أفعَلَ))، منصوباً على المفعولية ،
يلي صيغة ((أفعِلْ)) المُتعجّبُ منه، مجروراً بباءٍ زائدةٍ لفظاً، مرفوعاً على
الفاعلية محلّ .
ويبقى الفعل بلفظٍ واحد للجميع ، تقول : (( يا رجلُ أكرمْ بسعادَ ! ويا
رجلان ويا امرأتان أكرمْ بها ! ويا رجالُ أكرمْ بها ويا نساء أكرِم بها!)).
فقولُك: ((أقبحْ بالجهل)) أصله: ((أقبحَ الجهلُ)) أي: صار ذا قُبْحٍ .
٦٨
:

فالهمزةُ الصَّيرورة، كما قالوا: ((أغدَّ البعير))، أي صار ذا غُدَّةٍ(١). ثم أُخرِجَ
عن لفظ الخبر إِلى لفظ الأمر ، لإفادة التعجُّب، كما أُخرِجَ الأمر بمعنى
الدعاء عن لفظه إِلى لفظ الخبر في قولهم: ((رحمه الله، ويرحمك الله)).
والباء هنا زائدة في الفاعل، كما في: (( كفى بالله شهيداً)) . وذلك أنه
لما غُيِّرتْ صورة الماضي إلى الأمر ، لارادة التعجب ، قَبُحَ إسنادُ صيغة الأمر
إلى الإِسم الظاهر إسناداً صريحاً، فزيدت الباءُ في (( أكرمْ)) زيادةً مُلتزمةً ،
ليكون على صورة المفعول به المجرور بحرف الجر الزائد لفظاً ، كما في قوله
تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهلكة﴾ وزيادتُها هنا بخلافها في فاعل
((كفى )) فهي غيرُ مُلتزمةٍ فيه ، فيجوز حذفها، كما قال الشاعر :
عُمَيْرَةً ودِّعْ، إِنْ تَجَهَّزْتَ عاديا كفى الشَّيْبُ والإِسلامُ لِلمَرْءِ ناهيا
( وأما إعراب: ((اقبح بالجهل ، فأقبح : فعل ماض ، جاء على صيغة
الأمر ، لإِنشاء التعجب . وهو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره
السكون الذي اقتضته صيغة الأمر، والباء : حرف جر زائد ، والجاهل :
فاعل ( أقبح ) وهو مجرور لفظاً بالباء الزائدة ، مرفوع محلاً لأنه فاعل .
وقال الزمخشري في ( المفصل) في قولهم: ((اكرم بزيد)): ((إنه
لكل أحد بأن يجعل زيداً كريماً))، أي : بأن يصفه بالكرم والباء مزيدة - مثلها
في قوله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ للتأكيد والاختصاص أو هو
أمر بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية هذا أصله ثم جرى مجرى المثل فلم يغير
عن لفظ الواحد في قولك: ﴿يا رجلان أكرم بزيد ويا رجال أكرم بزيد) أهـ .
فعلى هذا فمجرور الباء في موضع المفعول به لأنه في موضع الفاعل
(١) الغدة : قطعة لحم صلبة تحدث عن داء بين الجلد واللحم .
٦٩

ويكون فاعل ( أكرم ) مستتراً تقديره أنت مثله في كل أمر للواحد وما هذا ببعيد
وهو قول جماعة من العلماء غير الزمخشري كالفراء والزجاج وابن كيسان وابن
حزوف .
( وثمرة الخلاف بين جعله أمراً صورة ماضياً حقيقة وجعله أمراً صورة
وحقيقة أنه لو اضطرّ شاعر إلى حذف هذه الباء الداخلة على المتوجب منه
لزمه أن ينصب ما بعدها على رأي الفراء ومن تابعه لأنه مفعول به وأن يرفعه
على رأي الجمهور لأنه فاعل ) .
ولا يجوزُ حذفُ الباءِ الداخلة على المُتعجّب منه في نحو قولك :
((أجملْ بالفضيلة!))، وإن كانت زائدةً، لأنّ زيادتها مُلتزِمةٌ ، كما قدَّمنا،
إلا أن تكون قبل ((أنْ وأنَّ)) فيجوز حذفُها، لاطُّراد حذف حرف الجرِّ
قبلهما ، كقول الشاعر :
وقال نَبِيُّ الْمُسْلمين: تَقَدَّموا وأَحبِبْ إلينا أَن يكون المُقَدَما
أي : أحببْ إلينا بأن يكون المُقدَّم .
أحكام فعلي التعجب
(١) لا يكون المُتعجّبُ منه (منصوباً كان، أو مجروراً بالباءِ الزائدة)
إلا معرفةً أو نكرةً مُختصَّة ، لتحصُل الفائدةُ المطلوبة ، وهي التعجب من حال
شخصٍ مخصوص فلا يُقالُ: ((ما أحسنَ رجلاً!))، ((ولا أحسنْ بقائمٍ))،
لعدم الفائدة. فإن قلت: ((ما أحسن رجلاً يفعلُ الخير!)) و((أحسنْ بقائمٍ
بالواجب!)) جاز، لحصول الفائدة .
(٢) يجوز حذفُ المُتعجّب منه - وهو المنصوب بعد (( ما أفعلَ)).
والمجرورُ بالباءِ بعد ((أفعلْ)) - إن كان الكلام واضحاً بدونه، فالأول كقوله :
٧٠

:
بِيعةٌ خَيراً، ما أَعَفَّ وأَكْرما (١)
جزى آللّهُ عني ، وآلجزاءُ بفضله ،
أي: (( ما أُعفّهم! وما أكرمهم !)) والثاني كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بهم !
وأبصِرْ ! ﴾ أي : أبصرْ بِهِمْ! ، وقول الشاعر :
أعزِزْ بنا وِأَكْفِ! إِن دُعينا يوماً إلى نُصْرَةٍ مَنْ يَلِينا
أي : وأكفٍ بنا! والمعنى: ما أعزَّنا! وما أكفأنا لهذا الأمر ! (٢).
ويُشترَطُ في حذفه بعد (( أفعِلْ)) أن يكون معطوفاً على أفعِلْ آخرَ مذكورٍ
معه مِثلُ ذلك المحذوف ، كما رأيتَ في الآية الكريمة والبيت . ولا يجوز
حذفه إن لم يكن كذلك . وشدَّ قول الشاعر :
فَذَلك ، إِن يَلْقَ الْمَنِيَّةَ يَلْقَها حَمِيداً، وإِنْ يَسْتَغْنِ يوماً فَأَجْدِرٍ (٣)
أي : فأجدِرْ به أن يستغنيَ !
(١٠). ﴿ بُنِيَ ((فِعْلا التعجب)) من مُعتلِّ العين، وجب تصحيح
عينهما ، فلا يجوز إعلالها ، نحو: ما أُطوّلهُ! وأطوِلْ به!)) .
وكذلك يجبُ فَكُّ الإِدغام في أَفعلْ))، نحو: ((أَعزِزْ علينا بأن
تفارقنا! )) و((أشدِدْ بسوادٍ عينيه!)).
(١) البيت ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، عليه السلام. وربيعة : مفعول جزي
الأول . وخيراً مفعوله الثاني. وجملة ( الجزاء بفضله ) من المبتدأ والخبر معترضة بين الفعل
ومفعوله .
(٢) فهو من الكفاية ، أي : إن فينا الكفاية للقيام بذلك .
(٣) البيت لعروة بن الورد المشهور بعروة الصعاليك . وهو شاعر مصري من شعراء الجاهلية ،
وفارس مشهور من فرسانها ، وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد . ولقب
بعروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم ورزقه إياهم مما يغنمه . يصف بهذا البيت
صعلوكاً . ومعنى البيت : إن هذا الصعلوك إن أقدم على ما يروم فلقي الموت لقيه محموداً.
وإِن نجح فاستغنى كان خليقاً به ذلك ، وجديراً بأن ينال ما يروم . والصعلوك الفقير .
وصعاليك الغرب: ذؤ بانهم أي : نصوصهم والشذاذ منهم .
٧١
... .. ... ...
:
.
٠
:

(٤) لا يُتصرَّفُ في الجملة التعجّبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فصل ، إلا
الفصلَ بين فعلِ التعجُّبِ والمتعجّب منه بالظّرف، أو المجرور بحرف الجرّ ( بشرط أن
يتعلقا بفعل التعجب(١))، أو النداء ، فالفصل بها جائز. فالفصلُ بالظرف
نحو أَن تقول: ((ما أجملَ ليلةَ التَّمَ البدرَ!)) ونحو قول الشاعر:
أُقيمُ بِدارِ الحَزْمِ، ما دامَ حَزْمُها
وأحرٍ إِذا حالتْ، بأَن أَتحوَّلا (٢)
.
والفصلُ بالجارِّ والمجرور نحو : (( أُحسنْ بالرجلِ أَن يصدُقَ ! وما أقبح
أَن يَكذِبَ!)) ومنه: وأحببْ إلينا أن يكونَ المُقدَّما))، وقول الآخر:
خَلِيلَيَّ، ما أَحْرَى بِذِي اللبِّ أَن يُرى
صَبوراً! ولكنْ لا سَبِيلَ إِلى الصَّبْر
وقولُ عَمْرٍو بن معديكربِ نَّثْراً: للّهِ دَرُّ بني سُلَيم! ما أحسنَ في
الهيجاء لِقَاءَها! وأكرمَ في اللزَّبات(٣) عَطاءها! وأثبت في المكرمات
بقاءها!)).
والفصلُ بالنداءِ كقولٍ أمير المؤمنين عل بن أبي طالب ( عليه
السلام): ((أعزِزْ عليَّ، أبا اليقَطانِ، أن أراك صريعاً مُجدَّلًا(٤)! )).
(٥) إن تَعلَّق بِفعلَي التعجب مجرورٌ هو فاعلٌ في المعنى ، جُر بإلى،
(١) فإن كان الظرف أو المجرور بحرف الجر غير متعلقين بفعل التعجب امتنع الفصل بهما فلا
يقال: ((ما أحسن بمعروف آمراً)) ولا ((ما أحسن عندك ثباتاً)).
(٢) الظرف في هذا البيت هو (إذا)، وهو هنا ظرف محض لم يتضمن معنى الشرط ، وهو متعلق
بأحر .
٠٠٠٠.
(٣) اللزبات : الشدائد .
(٤) يريد عمار بن ياسر (رضي الله عنه)، لما رآه مقتولاً. ومعنى ( مجدلاً) : مطروحاً على
الجدالة ( بفتح الجيم ) وهي الأرض . وهذا الكلام من أمير الفصحاء يرد على منع الفصل
بالنداء .
٧٢

٠ ٠
:
نحو: ((ما أحبَّ زُهيراً إلى أبيه(١)!)) ونحو: (( ما أبغضَ الخائنَ إليَّ (٢))).
ولا يكونُ هذا إلا إذا دَلَّ فعلُ التعجب على حُبٍّ أو بُغضٍ (٣)، كما رأيتَ .
فإن كان في المعنى مفعولا ، وكان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدياً
بنفسه، غير دالٌّ على عِلْمٍ أو جهلٍ، جُرَّ باللََّم نحو: (( ما أحب زُهَيراً
لأبيه! وما أبغضَني للخائن! وما أكسبَنِي للخير!)).
فإن دلَّ على علمٍ أو جهلٍ جَرَرْتَ المفعول بالباءِ: نحو: (( ما أعرفني
بالحقِّ ! وما أجهلَهُ بالصدق! وما أبصَرك بمواقع الصواب ! وما أعلمَهُ بطُرُقٍ
السّداد !)).
وإن كان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدِّياً بحرف جر ، جرَرتَ مفعولُهُ
بما كان يَتعدّى به من حرفٍ، نحو: (( ما أغضبني على الخائن ! وما أرضاني
عن الأمين ! وما أمسكني بالصدق ، وما أكثرَ إذعاني للحقّ)).
(٦) وقد وَرَدَ تصغيرُ ((ما أفعلُ)) شُذوذاً، وهو فعلٌ لا يُصغّرُ ، لأنَّ
التصغير من خصائص الأسماءِ . غير أنه لما أشبة اسم التفضيل وزناً وأصلاً
ودلالةً على المبالغة ، سهلَ عليهم ذلك ، كقوله :
يا ما أُمَّيْلَحَ غِزْلاناً، شَدَنَّ، لنا مِنْ هُؤْلِيَائِكُنَّ الضّالِ وَالسَّمُرِ!(٤)
(١) فالأب : هو الفاعل المحب ، وزهيراً : هو المفعول المحبوب . فإن أردت العكس جررته
باللام فقلت: ((ما أحب زهيراً لأبيه)) فيكون زهيراً هو المحب والأب هو المحبوب.
(٢) فالمتكلم هو الفاعل المبغض . والخائن هو المفعول المبغض . فإن أردت العكس جررته
باللام فقلت: ((ما أبغض الخائن لي)) فيكون الخائن هو الفاعل والمتكلم هو المفعول .
(٣) أي: إن كان معناه يقرب من معنى الحب : كالود والمقت، أو من معنى البغض : كالمقت
والقلي والكراهة والشنآن .
(٤) شدن: النون الثانية ضمير جمع المؤنث. يقال: شدن الظبي: إذا قوي وطلع قرناه واستغنى عن
أمه: و(لنا ): جار ومجرور في موضع نصب نعت لغزلانا . وأصل التركيب : يا امليح
غزلاناً لنا شدن. وقوله: ((من هوليائكن)): متعلق بأملح: وهو مصغر (هؤلاء).
و ( الضال ) : شجر السدر البري. و( السمر) بفتح السين وضم الميم : شجر الطلح ، وهو
من أشجار البادية ، والطلح المذكور في قوله تعالى : ﴿ وطلح منضود ﴾ هو الموز .
٧٣
...... "

قالوا: ((ولم يُسْمعُ إلا في ما أملحَ، وما أحسن)). غير أنه يجوز
القياسُ على هذا الشّذوذ، إذا أريدَ به مع التعجب التَّحُبُ كما رأيتَ في
البيت . وعليه يجوز أن تقول: ما أُحَيلاهُ! وما أُدَيّناهُ إلى قلبي! وما أُطَيْرِف
حديثهُ! وما أُظَيرِفَ مجلسه!)).
٨ - أفعال المدح والذم
أفعال المدح هي: (( نَعْمَ وحبّ وحبّذًا)).
وأفعال الذمِّ هي: (( بئس وساء ولاحبّذا)).
وهي أفعالٌ لإِنشاءِ المدح أو الذم فجُملها إنشائيّةٌ غير طلبية ، لا
خبريّة . ولا بُدَّ لها من مخصوصٍ بالمدح أو الذم .
( فإذا قلت: (( نعم الرجل خالد ، وبئس الرجل فلان)) . فالمخصوص
بالمدح هو ( خالد)، والمخصوص بالذم هو (زيد) .
وهي غير محتاجة إلى التصرف ، للزومها أسلوباً واحداً في التعبير ،
لأنها تدل على الحدث المتطلب للزمان ، حتى تحتاج إلى التصرف بحسب
الأزمنة . فمعنى المدح والذم لا يختلف باختلاف الزمان ) .
حبذا وحب ولا حبذا
حَبَّذا وحَبَّ : فعلان لإِنشاءِ المدح .
فأما («حبَّذا)) فهي مُركبةٌ من ((حَبَّ)) و((ذا)) الإِشارية، نحو: (( حبذا
رجلاً خالدٌ)).
( فحبّ: فعل ماض، و((ذا)) اسم إشارة فاعلة ، ورجلا : تمييز لذا
٧٤

رافع إبهامه. وخالد: مبتدأ مرفوع مؤخر، خبره جملة ((حبذا)) مقدمة
عليه ) .
ولا يتقدم عليها المخصوصُ بالمدح، ولا التّمييزُ فلا يُقالُ: ((خالدٌ
حبّذا رجلاً)) ولا ((رجلاً حبّذا خالدٌ)).
أما تقديم التّمييز على المخصوص بالمدح فجائزٌ ، كما رأيت ، بل هو
الأولى ، ومنه قول الشاعر :
أَلا حَبَّذا قوماً سُلَيْمٌ، فإنهم
وفَوْا، وتَواصوْا بالإِعانةِ وَالصَّبْر
ويجوزُ أن يكون بعدهُ، كقول الآخر :
حَبَّذا الصَّبْرُ شِيمَةً لامرىءٍ رامَ مُباراةَ مُونَعٍ بِالْمَغاني(١)
و(ذا) في ((حبذا)) تُلتزم الأفرادَ والتذكيرَ في جميع أحوالها. وإن كان
المخصوصُ بخلاف ذلك . قال الشاعر :
وحَبَّذا ساكِنُ الرَّيّانِ ، مَنْ كانا
يا حَبَّذا "ٌجَبَلُ الرَّيّانِ من جَبَلٍ
تأتِيكَ من قِبَلِ الرَّيّانِ أَحيانا
وحَبَّذا نَفَحاتٌ من يَمانيّةٍ
فذا : مفردٌ مذكر، والمخصوصُ - وهو ((النَّفَحات)) - جمعٌ مؤنث ،
وقال الآخر :
حبَّذا أَنْتُمَا خَلِيلَيَّ إِنْ لم تَعْذُلانِي فِي دَمْعِيَ المُهراق(٢)
فالمخصوص هنا مثنى، و((ذا)) مفرد. وقال غيره : ألا حبَّذا هندٌ
وأرضٌ بها هندُ ، فذا : مذكر. وهند : مؤنث .
(١) المغاني : جمع مغنى، وهو المنزل الذي أقام به أهله ثم ارتحلوا ، من غني بالمكان إذا أقـ
فيه .
(٢) المهراق المسفوح المصبوب : من هراق الماء إذا أراقه وصبه .
٧٥
٠٠ .٠.
:
١

وقد تدخلُ ((لا)) على ((حبذا)) فتكون مثلَ: ((بِئْسَ)) في إفادة الذَّمِ
٠٠
كقول الشاعر :
أَلا حَبَّذا عاذري في الهَوى ولا حَبَّذا الجاهلُ العَاذِل
وقول الآخر :
.....
أَلَا حَبَّا أَهلُ الْمَلا، غيرَ أنَّهُ
إذا ذُكرَتْ هِنْدٌ، فلا حَبَّذا هِيا (١)
ولا يجوز أن تدخلَ على مخصوص ((حبَّا)) نواسخُ المبتدأ والخبر،
وهي: (( كان وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتها))، فلا يقال « حَّذا
رجلاً كان خالدٌ)) ولا ((حبَّذا رجلاً ظننتُ سعيداً)).
ويجوز حذفُ مخصوصها إن عُلَمَ : كأن تُسأل عن خالدٍ مثلاً ، فتقول :
((حبَّذا رجلاً)) أي: حبَّذا رجل هو، أي: خالدٌ. ومنه قول الشاعر:
أَلا حَبَّا، لَوْلا أَلْحَياءُ. وَرُبَّمَا مَنَحْتُ أَلَهَوى ما لَيْسَ بِالْمَتَقَارِبِ (٢)
(١) هذا البيت مطلع قصيدة لكنزة أم شملة بن برد المنقري ، قالت ذلك مية صاحبة ذي الرمة ،
وبعده :
وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
على وجه مي مسحة من ملاحة
كان لون الماء في العين صافيا
ألم تر أن الماء يخلف طعمه وإن
تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة
وأثوابها يخفين منها المخازيا
كذلك مي في الثياب إذا بدت
تريد أن لا قيمة لجمال الظاهر إن لم يجمل الباطن . و( يخلف ) : يتغير ، وهو من باب
((دخل)) من ( خلف الفم والماء خلوقاً) إذا تغير طعمهما .
(٢) أي: حبذا حالي معك، أو المعنى : حبذا خلع العذار في هواك ، لولا الحياء يمنعني ذلك،
ويحول دوني ودونك . فالحياء مبتدأ ، خبره محذوف تقديره ( يمنعني ) . وقيل : إن التقدير :
ألا حبذا ذكر هذه النساء لولا أني أستحي أن أذكرهن ، غير أن ما قبل هذا البيت يدل على ما
ذكرناه ، وهو قوله :
وزرتك ، حتى لامني كل صاحب
هويتك ، حتى كاد يقتلني الهوى
عليك . ولولا أنت ما لان جانبي
وحتى رأى مني أعاديك رقة
وقوله : ما ليس بالمتقارب ، قد وضع فيه ( ما ) التي لغير العاقل موضع ( من ) . ويروى
أيضاً: من ليس بالمتقارب . يريد أنه ربما أحب من لا يطمع في قربه .
٧٦

وأما ((حبَّ)) ففاعله هو المخصوص بالمدح، نحو: ((حبَّ زُهيرٌ
رجلاً)). وقد يُجرُّ بباءٍ زائدة، نحو: حبَّ به عاملاً، ومنه قول الشاعر :
فَقُلْتُ: آقتلوها عنكم بِمِزاجها وحَبَّ بها مقتولةً حينَ تُقْتَلُ (١)
وأصلهُ: ((حَبُبَ)) بضم الباء ، بمعنى: صار محبوباً. ولذا يجوز أن
يقالَ فيه: ((حُبَّ ))، بضمِّ الحاءِ ، بنقلِ حركةِ الباءِ إلى الحاءِ وهو كثيرٌ في
الاستعمال .
نِعْمَ وبِئْسَ وساءَ
نعم : فعلٌ لِإِنشاء المدح . وبِئس وساءَ : فِعلان لإنشاءِ الذَّم .
( قال في ((المختار)): (( نعم : منقول من نَعِم فلان بفتح النون وكسر
العين))؛ إذا أصاب النعمة. وبئس: ((منقول من يَئِسَ ، بفتح الباء وكسر
الهمزة)) إذا أصاب بؤساً فنُقلا إلى المدح والذم - فشابها الحروف، ((فلم
يتصرفا)) أهـ(٢). وأما (ساء) فهول منقول من (ساء يسوء سواء) (بفتح السين في
المصدر): ذا قبح. تقول: ((ساء عمله، وساءت سيرته)). ثم نقل إلى
الذم ، فلم تنصرف كما تنصرف ( بئس )) .
وفي ((نِعْمَ وبِئْسَ))، أربعُ لغاتٍ: ((نِعْمَ وبِْس)) بكسر فسكونٍ - وهي
أفصحهُنَّ، وهي لغةُ القرآن الكريم، ثمَّ: ((نِعِمَ وبئسَ)) - بكسر أوَّلهما
وثانيهما-، غير أنَّ الغالبَ في (( نِعِمَ )) أن يجيء بعدهُ ( ما) ، كقوله تعالى :
﴿نِعَمَا يَعِظُكُم به﴾. ثم ((نَعْمَ وبأس بفتحٍ فَسكونٍ)) - ثمَّ: ((نَعِم
وَبَيْسَ))، - بفتحٍ فكسرٍ - وهي الأصلُ فيهما .
ولا بُدَّ لهذه الأفعال من شيئين : فاعل ومخصوصٍ بالمدح أو الذَّم
(١) اقتلوها : اكسروا سورتها وحدتها بمزجها بالماء . والضمير للخمر و(حين تقتل) أي: تمزج
بالماء ، من قتل الخمر : إذا خلطها بالماء لاضعاف تأثيرها .
(٢) آهـ : اصطلاح انتهاء النقل عن جملة أو نص من غير الكتاب . وهنا تعنى انتهاء الكلام المنقول
عن كتاب (( مختار الصحاح)).
٧٧
٤
:
:
:
:
> .. .
٠٠٠ ٠٠٫ ٫٠
:
:
:
.":

نحو: ((نِعْمَ الرجلُ زُهَيرٌ)). فالرجلُ هو الفاعلُ والمخصوصُ بالمدح هو
زهیرٌ .
أحكام فاعل هذه الأفعال
فاعلُ هذه الأفعالِ نوعانِ :
الأوَّل : اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ ، التي تُفيد الاستغراق ( أي :
شُمولَ الجنس ) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى
أسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها .
فالأولُ نحوُ: ((نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ)) و(( بئسَ الشراب الخمرُ)).
والثاني، نحو: (( وَلَنِعْمَ دارُ المَتَّقِينَ))، و(( بِئسَ مثوى المُتَكِّرِينَ)).
والثالثُ، نحو: نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ)) ، ومنه قول الشاعر :
. فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ
زُهَيْرُ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلٍ (١)
( والحق أن ( أل ) ، التي تسبق فاعل هذه الأفعال ، للجنس على سبيل
الاستغراق حقيقة ، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا
مجازاً ، فيكون الجنس كله ممدوحاً أو مذموماً ، والمخصوص مندرج تحت
الجنس ، فيشمله المدح أو الذم. فإذا قلت: ((نعم الرجل زهير)) فالمدح قد
وقع أولاً على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة . ثم على سبيل
المخصوص بالمدح ، وهو زهير ، فيكون المخصوص قد مدح مرتين : مرة
مع غيره ، لدخوله في عموم الجنس ، لأنه فرد من أفراد ذلك الجنس ، ومرة
(١) البيت لأبي طالب (عم النبي ◌َّة) من لاميته المشهورة، وهي تبلغ اثنيْرُ وثمانين بيتاً.
و (الحمائل) جمع حمالة ، وهي علاقة السيف . و(حسام ) خبراً لمبتدأ محذوف تقديره
هو . وقد جعله العيني في شرح الشواهد الكبرى نعتاً لزهير . وهذا سبق قلم منه ( رحمه الله )
لأن زهيراً معرفة ، وحسام نكرة ، والنكرة لا توصف بها المعرفة .
٧٨

على سبيل التخصيص ، لأنه قد خص بالذكر . ولذلك يسمى المخصوص .
والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة
في إثبات المدح للممدوح « الذم للمذموم ، بجعلك المدح والذم للجنس ،
الذي هو المخصوص فرد منه . ثم يأتي المخصوص مبيناً المدار من الاجمال
في مدح الجنس على سبيل الحقيقة .
ولك أن تجعل ( أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة . بل على
سبيل المجاز . مدعياً أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق
في غيره من الكمالات أو النقائص فإن قلت: (( نعم الرجل زهير))، فقد
جعلت زهيراً هو جميع الجنس مبالغة ، الاستغراقه جميع كمالاته ، ولم تقصد
من ذلك إلا مدحه. ونظير ذلك أن تقول: ((أنت الرجل))، أي اجتمعت
فيك كل صفات الرجال .
وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا أريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مقامِ المُعرَّف
بألِّ الجنسيّةِ، فيكون فاعلًا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو : (« نِعْم
الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ)) و(( بِئْسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ)).
( فإن الاسم الموصول ، إذا لم يرد به المهد ، بل أريد به العموم ،
أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال ، كما تسند إلى
المقترن بال الجنسية ) .
الثاني : أن يكون فاعلُها ضميراً مستتراً مُفَسّراً بنكرةٍ منصوبة على
التّمييز ، واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديم على الممدوح أو المذموم ،
مطابقةٍ لهما إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً . ويأتي بعد ذلك المخصوص
بالمدح أو الذَّم مرفوعاً على الابتداء ، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو: (( نِعْمَ رجلاً
زهيرٌ )) .
٧٩