النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
كتاب الصلاة
أن الخلفاء الراشدين. وغيرهم من أئمة الصحابة كانوا أعلم بصلاة رسول اللّه مَت اتيٍ، وأشدً تحرياً
لها من أبى هريرة، وقد كان أبو بكر. وعمر. وعثمان. وعلى. وابن مسعود. وغيرهم من أئمة الصحابة
لا يرون الجهر بالبسملة فى الصلاة ، قال الترمذى فى "جامعه" بعد ذكره ترك الجهر: والعمل عليه
عند أكثر أهل العلم من الصحابة: منهم أبو بكر وعمر وعثمان. وعلى. وغيرهم ، ومن بعدهم
من التابعين ، وكيف يعلل الحديث الصحيح الذى رواه مسلم فى "صحيحه" بالحديث الضعيف الذى
رواه الدار قطنى؟! وهلا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف، ومخالفة أصحاب أبى هريرة الثقات
الأثبات لنعيم موجباً لرده؟، إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن.
الأحاديث التى استدل بها الخطيب: فمنها حديث أخرجه عن أبى أويس، واسمه "عبد الله
ابن أويس" قال: أخبرنى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن النى صَ لّم كان إذا ١٤٦٢
أمّ الناس جهر "بسم الله الرحمن الرحيم"، وهذا الحديث رواه الدار قطنى فى السننه(١)". وابن
عدى فى "الكامل" فقالا فيه: قرأ (٢)، عوض: جهر، وكأنه رواه بالمعنى، ولو ثبت هذا عن
أبى أويس ، فهو غير محتج به، لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشىء، وخالفه
فيه من هو أوثق منه، مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، ومن ضعفه أحمد بن
حنبل ، وابن معين. وأبو حاتم الرازى، ومن وثقه الدار قطنى. وأبو زرعة، وقال ابن عدى: يكتب
حديثه، وروى له مسلم فى "صحيحه"، ومجرد الكلام فى الرجل لا يسقط حديثه ، ولو اعتبرنا
ذلك لذهب معظم السنة، إذ لم يسلم من كلام الناس، إلا من عصمه الله، بل خرجا فى "الصحيح"
لخلق من تكلم فيهم ، ومنهم جعفر بن سليمان الضبعى. والحارث بن عبيد الا يادى(٣). وأيمن بن نابل
الحبشى. وخالد بن مخلد القطوانى . وسويد بن سعيد الحدثاني . ويونس بن أبى إسحاق السبيعى.
وغيرهم ، ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فانهم ينتقون من حديثه(٤)
ماتوبع عليه ، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلا، ولايروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات،
كما أخرج مسلم لأبى أويس حديث: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى": لأنه لم يتفرد به ، بل
(١) الدارقطنى: ص ١١٥، وفيه: افتح الصلاة ١١ ببسم الله الرحمن الرحيم،، وفى رواية: إذا أمّ قرأ، وكذا
البيهقى: ص ٤٧ - ج ٢، وفيه: قرأ (٢) وهو المحفوظ عن أبى أويس٠, دراية،، ص ٧٣
(٣) فى نسخة "الأبارى،، (٤) قال ابن القيم فى (( الهدى،، ص ٩٦: مجيباً عما عيب على مسلم إخراج
حديث من تكلم فيه : ولاعيب على مسلم فى إخراج حديثه، لأنه ينتقى من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح
من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه ، فقاط فى هذا المقام من استدرك عليه إخراج جميع أحاديث الثقة، ومن ضعف جميع
أحاديث سىء الحفظ، فالأُ ولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة ابن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هى طريقة
أئمة هذا الشأن ، والله المستعان اهـ
٣٤٢
نصب الراية
رواه غيره من الأثبات ، كمالك. وشعبة. وابن عيينة، فصار حديثه متابعة، وهذه العلة راجت على
كثير ممن استدرك على الصحيحين" فتساهلوا فى استدراكهم ، ومن أكثرهم تساهلا الحاكم
أبو عبد الله فى " كتابه المستدرك"، فانه يقول: هذا حديث على شرط الشيخين ، أو أحدهما،
وفيه هذه العلة ، إذ لا يلزم من كون الراوى محتجاً به فى الصحيح أنه إذا وجد فى أى حديث ، كان
ذلك الحديث على شرطه ، لما بيناه، بل الحاكم كثيراً ما يجىء إلى حديث لم يخرج لغالب رواته فى
الصحيح ، كديث روى عن عكرمة عن ابن عباس، فيقول فيه : هذا حديث على شرط البخارى
"يعنى لكون البخارى أخرج لعكرمة"، وهذا أيضاً تساهل، وكثيراً ما يخرج حديثاً بعض رجاله
للبخارى، وبعضهم لمسلم، فيقول: هذا على شرط الشيخين، وهذا أيضاً تساهل ، وربما جاء إلى
حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا "الصحيح" عن شيخ معين لضبطه حديثه وخصوصيته به، ولم
يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه ، أو لعدم ضبطه حديثه ، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه،
أو لغير ذلك ، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ ، ثم يقول : هذا على شرط الشيخين ،
أو البخارى. أو مسلم، وهذا أيضاً تساهل، لأن صاحبى "الصحيح" لم يحتجا به إلا فى شيخ
معين ، لا فى غيره ، فلا يكون على شرطهما ، وهذا كما أخرج البخارى. ومسلم حديث خالد
ابن مخلد القطوانى عن سليمان بن بلال. وغيره ، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن المثنى ، فان
خالداً غير معروف بالرواية عن ابن المثنى ، فاذا قال قائل فى حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن
المثنى: هذا على شرط البخارى. ومسلم كان متساهلا ، وكثيراً ما يجىء إلى حديث فيه رجل ضعيف
أو متهم بالكذب، وغالب رجاله رجال الصحيح ، فيقول : هذا على شرط الشيخين . أو البخارى.
أو مسلم ، وهذا أيضاً تساهل فاحش ، ومن تأمل كتابه " المستدرك" تبين له ماذكرناه ، قال ابن
دحية فى كتابه "العلم المشهور": ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبى عبد الله،
فانه كثير الغلط ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده، وقلده فى ذلك، والمقصود
من ذلك أن حديث أبى أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه ، بل لتفرده به ، ومخالفة الثقات له،
وعدم إخراج أصحاب المسانيد. والكتب المشهورة . والسنن المعروفة، ولرواية مسلم الحديث فى
"صحيحه" من طريقه، وليس فيه ذكر البسملة، والله أعلم.
طريق آخر أخرجه الدارقطنى عن خالد (١) بن الياس عن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن
١٤٦٣
أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَ له: ((علمنى جبرئيل الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ:
(١) متروك " دراية ،،
٣٤٣
كتاب الصلاة
" بسم الله الرحمن الرحيم" فيما يجهر به فى كل ركعة))، انتهى. وهذا إسناد ساقط ، فان خالد بن
الياس مجمع على ضعفه ، قال البخارى عن الإمام أحمد: إنه منكر الحديث ، وقال ابن معين : ليس
بثنىء، ولا يكتب حديثه، وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: منكر الحديث ، وقال النسائى : متروك
الحديث ، وقال البخارى : ليس بشىء ، وقال ابن حبان : يروى الموضوعات عن الثقات ، وقال
الحاكم : روى عن المقبرى . ومحمد بن المنكدر . وهشام بن عروة أحاديث موضوعة ، وتكلم
أل.ارقطنى فى " العلل " على هذا الحديث ، وصوب وقفه.
طريق آخر أخرجه الدار قطنى أيضاً (١) عن جعفر بن مكرم ثنا أبوبكر الحنفى ثنا عبد الحميد ١٤٦٤
ابن جعفر أخبرنى نوح بن أبى بلال عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللّه عَ الجمع:
((إذا قرأتم الحمد، فاقرءوا "بسم الله الرحمن الرحيم" إنها أمُّ القرآن. وأمُ الكتاب، والسبع
المثانى، و"بسم الله الرحمن الرحيم" أحد آياتها))، قال أبو بكر الحنفى: ثم لقيت نوحاً تحدثنى عن
سعيد المقبرى عن أبى هريرة بمثله، ولم يرفعه. قال عبد الحق فى "أحكامه الكبرى": رفع هذا
الحديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ثقة، وثقه أحمد . وابن معين ، وكان سفيان الثورى يضعفه ،
ويحمل عليه ، ونوح ثقة مشهور ، انتهى. وهذا ليس فيه دلالة على الجهر ، ولئن سلم فالصواب
فيه الوقف ، كما هو فى متن الحديث ، وقال الدار قطنى فى " علله": هذا حديث يرويه نوح بن
أبى بلال ، واختلف عليه فيه، فرواه عبد الحميد بن جعفر عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران
عن عبد الحميد عن نوح بن أبى بلال عن المقبرى عن أبى هريرة مرفوعاً، ورواه أسامة بن زيد . ١٤٦٥
وأبو بكر الحنفى عن نوح بن أبى بلال عن المقبرى عن أبى هريرة موقوفاً ، وهو الصواب ، فان
قيل : إن هذا موقوف فى حكم المرفوع، إذ لا يقول الصحابى: إن البسملة - أحد آيات الفاتحة -
إلا عن توقيف ، أو دليل قوى ظهر له ، وحينئذ يكون لها حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر
والإِسرار، قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي صَّ الهم يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى
آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع وقع فى مسألتين: إحداهما: أنها آية من الفاتحة.
والثانية: أن لها حكم سائر آيات الفاتحة جهراً وسراً، ونحن نقول: إنها آية مستقلة قبل السورة ،
وليست منها، جمعاً بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي صَّ أنه قال: هى إحدى آياتها،
وقراءتها قبل الفاتحة لايدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستندأبى هريرة قراءة النبى صَّ اللّه لها،
وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع ، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة . وأيضاً
(١) ص ١١٦
٣٤٤
نصب الراية
فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة فى هذا الحديث عدم ذكر البسملة ، كما رواه
١٤٦٦ البخارى فى "صحيحه (١) " من حديث ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة، قال: قال
رسول اللّه صَالٍ: ((الحمد لله هى أمُّ القرآن، وهى السبع المثانى والقرآن العظيم»، ورواه أبوداود.
والترمذى ، وقال: حسن صحيح ، هذا ، مع أن عبد الحميد بن جعفر من تكلم فيه ، ولكن وثقه
أكثر العلماء، واحتج به مسلم فى "صحيحه"، وليس تضعيف من ضعفه مما يوجب رد حديثه،
ولكن الثقة قد يغلط ، والظاهر أنه غلط فى هذا الحديث، والله أعلم، قال الخطيب: وقول الخصم:
إن الجهر بالبسملة انفرد به عن النبى سَ ائِ أبو هريرة غير صحيح ، بل رواه غيره من الصحابة.
١٤٦٧
حديث آخر عن على بن أبى طالب، وله طريقان: أحدهما: رواه الحاكم فى "مستدركه (٢)."
عن سعيد بن عثمان الخراز ثنا عبد الرحمن بن سعيد المؤذن ثنا فطر بن خليفة عن أبى الطفيل عن
على . وعمار أن النبي صَلانه كان يجهر فى المكتوبات " بسم الله الرحمن الرحيم"، وقال: صحيح
الإسناد، لا أعلم فى رواته منسوباً إلى الجرح، وتعقبه الذهبي فى " مختصره"، فقال: هذا خبر
واهٍ ، كأنه موضوع، لأن عبد الرحمن صاحب مناكير ، ضعفه ابن معين، وسعيد إن كان
الكريزى (٣) فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، انتهى. وعن الحاكم رواه البيهقى فى " المعرفة"
بسنده ومتنه ، وقال : إسناده ضعيف ، إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفى ، قلت : وفطر بن
خليفة. قال السعدى : غير ثقة، روى له البخارى مقرونا بغيره. والأربعة، وتصحيح الحاكم
لا يعتد به ، سيما فى هذا الموضع، فقد عرف تساهله فى ذلك ، وقال ابن عبد الهادى : هذا حديث
باطل ، ولعله أُدخل عليه. الطريق الثانى: رواه الدار قطنى فى " سننه" عن أسید بن زيد عن عمرو
ابن شمر عن جابر عن أبى الطفيل عن على. وعمار نحوه، وعمرو بن شمر. وجابر الجعفيان، كلاهما
لا يجوز الاحتجاج به، لكن عمرو أضعف من جابر ، قال الحاكم: عمرو بن شمر كثير الموضوعات
عن جابر. وغيره، وإن كان جابر مجروحاً ، فليس يروى تلك الموضوعات الفاحشة عنه غير عمرو
ابن شمر، فوجب أن يكون الحمل فيها عليه، وقال الجوزجاني: عمرو بن شمر زائغ كذاب ، وقال
البخارى: منكر الحديث، وقال النسائى. والدار قطنى. والأزدى: متروك الحديث، وقال ابن حبان:
كان رافضياً يسب الصحابة، وكان يروى الموضوعات عن الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على
جهة التعجب، وأما جابر الجعفى، فقال فيه الإمام أبو حنيفة : مارأيت أكذب من جابر الجعفى،
(١) فى ١١ تفسير الحجر،، ص ٦٨٣، والترمذى فى ((فضل القرآن - فى باب فضل فاتحة الكتاب،، ص ١١١ - ج ٢
(٢) فى " العيدين - فى باب تكبيرات العيدين سوى الافتتاح،، ص ٢٩٩ - ج ١، والدارقطنى: ص ١٨٢
من طريقين واهيين (٣) فى نسخة " الكوبرى ،،
٣٤٥
كتاب الصلاة
ما أتيته بشىء من رأيي إلا أتانى فيه بأثر، وكذبه أيضاً أيوب. وزائدة . وليث بن أبى سليم.
والجوزجانى. وغيرهم ، وقال ابن عدى: هو إلى الضعف أقرب، وقد احتمله الناس، ورووا عنه
عامة ماجرحوا به، أنه كان يؤمن بالرجعة، كان يقول : إن علياً يرجع إلى الدنيا، ولم يختلف أحد
فى الرواية عنه، انتهى. وأسيد بن زيد أيضاً كذبه ابن معين، وتركه النسائى، وقال ابن عدى: عامة
ما يرويه لا يتابع عليه ، وقال الدار قطنى: ضعيف ، وقال ابن ماكولا : ضعفوه ، وقال ابن حبان :
يروى عن الثقات المنا كير، ويسرق الحديث ، ويحدث به ، وله طريق آخر عند الدار قطنى أيضاً ١٤٦٨
عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب حدثنى أبى عن أبيه عن جده عن على،
قال : كان عليه السلام يجهر "بسم الله الرحمن الرحيم" فى السورتين جميعاً: الفاتحة. والتى بعدها،
وعيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر، هو وضاع، قال ابن حبان. والحاكم:
روى عن آبائه أحاديث موضوعة لا يحل الاحتجاج به .
حديث آخر عن ابن عباس ، وله ثلاث طرق: أحدها : عند الحاكم فى " المستدرك" عن ١٤٦٩
عبد الله بن عمرو بن حسان ثناشريك عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : كان
رسول الله پے يجهر بـ " بسم الله الرحمن الرحيم" ، انتھی. قال الحاكم : إسناده صحيح، وليس له
علة (١)، وقد احتج البخارى لسالم هذا، وهو ابن عجلان الأفطس، واحتج مسلم بشريك، انتهى.
وهذا الحديث غير صريح. ولا صحيح، فأما كونه غير صريح ، فإنه ليس فيه أنه: فى الصلاة ،
وأما غير صحيح ، فان عبد الله بن عمرو بن حسان الواقعى(٣) كان يضع الحديث ، قاله إمام الصنعة
على بن المدينى، وقال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت أبى عنه ، فقال: ليس بشىء ، كان
يكذب ، وقال ابن عدى : أحاديثه مقلوبات ، وفى قول الحاكم : احتج مسلم بشريك نظر ،
فانه إنما روى له فى "المتابعات" لا فى "الأصول". الطريق الثانى: عند الدار قطنى عن أبي الصلت ١٤٧٠
الهروى، واسمه " عبد السلام بن صالح" ثنا عباد بن العوام ثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس، قال: كان النبى وَلقر يجهر في الصلاة بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ، وهذا أضعف
من الأول ، فإن أبا الصلت متروك ، قال ابن أبى حاتم : سألت أبى عنه ، فقال : ليس عندى
بصدوق، ولم يحدثنى عنه ، وأما أبو زرعة فانه ضرب على حديثه ، وقال: لا أحدث عنه ، ولا
أرضاه ، وقال الدار قطنى: رافضى خبيث، اتهم بوضع "الإيمان إقرار باللسان، وعمل بالأركان"،
انتهى . وكأن هذا الحديث - والله أعلم - مما سرقه أبو الصلت من غيره، وألزقه بعباد بن العوام،
(١) قال الذهبي فى ومختصره،،: كذا قال المصنف. وابن حبان: كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف، اهـ.
(٢) فى نسخة " الواقف ،،
٣٤٦
نصب الراية
وزاد فيه : إن الجهر فى الصلاة ، فان غير أبى الصلت رواه عن عباد ، فأرسله، وليس فيه : أنه فى
١٤٧١ الصلاة ، قال أبو داود فى "مراسيله": حدثنا عباد بن موسى ثنا عباد بن العوام عن شريك عن
سالم عن سعيد بن جبير، قال: كان رسول اللّه بط لم يجهر" بسم الله الرحمن الرحيم" بمكة، وكان
أهل مكة يدعون مسيلمة - الرحمن - فقالوا: إن محمداً يدعو إلى إلله اليمامة، فأمر رسول اللّه عَطالهٍ،
١٤٧٢ فأخفاها، فما جهر بها حتى مات ، انتهى. وقال إسحاق بن راهويه فى "مسنده": أنبأ يحيى بن آدم أنباً
شريك عن سالم الأفطس عن سعيد، قال: كان رسول الله به الله يجهر " بسم الله الرحمن الرحيم"
يمدّ بها صوته، وكان المشركون يهزيون، مُكاءاً وَصديةً، ويقولون: يذكر إله اليمامة "يعنون
جميلة". ويسمونه - الرحمن -، فأنزل الله تعالى: ﴿ ولا تجهر بصلاتك) الآية ، قال البيهقى:
١٤٧٣ وزاد فيه غير يحيى بن آدم، قال: خفض النبى صَّ الله " بسم الله الرحمن الرحيم". وقد أسند هذا
الطبرانى فى " معجمه الوسط"، فقال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسين الصابونى ثنا يحيى بن طلحة
اليربوع ثنا عباد بن العوام عن شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال:
كان رسول اللّه عَّ اله إذا قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" هزاً منه المشركون، ويقولون: محمد يذكر
إليه اليمامة، إلى آخره، مع أنه ورد فى الصحيح أن هذه الآية نزلت فى قراءة القرآن جهراً لا فى
١٤٧٤ البسملة، أخرجه البخارى فى" صحيحه (١) " عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال:
نزلت هذه الآية ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)، ورسول اللّه صَ لّمِ مختف بمكة، كان
إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فان سمعه المشركون سبوا القرآن . ومن أنزله. ومن جاءبه،
فقال الله لنبيه: ﴿ ولا تجهر بصلاتك) أى بقراءتك. فيسب المشركون، فيسبوا القرآن ﴿ ولا
١٤٧٥ تخافت بها) عن أصحابك ( وابتغ بين ذلك سبيلا)، وورد فى "الصحيح" أيضاً أنها نزلت فى
الدعاء، أخرجه البخارى أيضاً (٢) عن زائدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت فى
هذه الآية: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ نزلت فى الدعاء. انتهى . وله طريق رابع عند البزار
١٤٧٦ فى "مسنده" عن المعتمر بن سليمان ثنا إسماعيل عن أبى خالد عن ابن عباس أن النبي ◌َّ الله كان يجهر
بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" فى الصلاة، انتهى. قال البزار: وإسماعيل لم يكن بالقوى فى الحديث،
وأبو خالد أحسبه الوالى، انتهى. وهذا الحديث رواه أبوداود فى "سننه". والترمذى فى"جامعه(٣)"
١٤٧٧ بهذا السند، والدار قطنى فى "سننه"، وكلهم قالوا فيه: كان يفتتح صلاته "ببسم الله الرحمن الرحيم"قال
الترمذى: ليس إسنادهبذاك، وقال أبو داود: حديث ضعيف، ورواه العقيلى فى " كتابه" وأعله بإسماعيل
(١) فى ١١ تغير - بنى إسرائيل،، ص ٦٨٦ (٢) فى ١١ تفسير - بنى إسرائيل،، ص ٦٨٧ (٣) فى (دباب
من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم،، ص ٣٣، والدارقطى: ص ١١٤، والبيهقى: ص ٤٧، وفيه: يستفتح القراءة
٣٤٧
كتاب الصلاة
هذا ، وقال : حديثه غير محفوظ، ويرويه عن مجهول، ولا يصح فى الجهر بالبسملة حديث مسند، انتهى
ورواه ابن عدى ، وقال: حديث غير محفوظ ، وأبو خالد مجهول، انتهى. وأبو خالد هذا سئل عنه
أبو زرعة، فقال: لا أعرفه، ولا أدرى من هو، وقيل: هو الوالى، واسمه "هرمز" ذكره ابن حبان
فى كتاب "الثقات"، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقدروى هذا الحديث البيهقى فى لسقته (١)"
من طريق إسحاق بن راهويه عنمعتمر بنسليمان ، قال: سمعت إسماعيل بن حماد بن أبى سليمان يحدث ١٤٧٨
عن أبى خالد عن ابن عباس أن النبى معَ الي كان يقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم، فى الصلاة " يعنى يجهر
بها"، انتهى. هكذا رواه بهذا اللفظ، وهذا التفسير ليس من قول ابن عباس: إنما هو قول غيره
من الرواة ، وكل من روى هذا الحديث بلفظ الجهر ، فانما رواه بالمعنى، مع أنه حديث لا يحتج به
على كل حال ، وله طريق خامس : عند الدار قطنى عن عمر بن حفص المكى عن ابن جريج عن ١٤٧٩
عطاء عن ابن عباس أن النبي صٍَّ لم يزل يجهر فى السورتين (( ببسم الله الرحمن الرحيم) حتى
قبض ، انتهى . وهذا لا يجوز الاحتجاج به ، فان عمر بن حفص ضعيف، قال ابن الجوزى فى
"التحقيق": أجمعوا على ترك حديثه، وروى البيهقى له حديثاً (٢) عنه عن ابن جريج عن عطاء ١٤٨٠
عن ابن عباس أن رسول اللّه عَّ الهٍ، قال: (( البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل
الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض ، ثم قال البيهقى: تفرد به عمر بن حفص المكى، وهو
ضعيف لا يحتج به ، والحمل فيه عليه ، انتهى . ثم ذكر الخطيب لحديث ابن عباس طرقاً
أخرى ، ليست صحيحة . ولاصريحة ، وقال ابن عبدالهادى : الجواب عن حديث ابن عباس
يتوجه من وجوه: أحدها : الطعن فى صحته فان مثل هذه الأسانيد لا يقوم بها حجة ، لو سلمت
من المعارض ، فكيف وقد عارضها الأحاديث الصحيحة ؟ . وصحة الإسناد يتوقف على
ثقة الرجال ، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث ، حتى ينتفى منه الشذوذ والعلة .
الثانى : أن المشهور فى متنه لفظ الاستفتاح لا لفظ الجهر. الثالث: أن قوله : جهر ، إنما يدل
على وقوعه مرة ، لأن كان يدل على وقوع الفعل ، وأما استمراره فيفتقر إلى دليل من خارج،
وما روى من أنه لم يزل يجهر بها فباطل ، كما سيأتى إنشاء الله تعالى. الرابع: أنه روى عن ابن عباس
ما يعارض ذلك ، قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الملك بن أبى بشير عن ١٤٨١
عكرمة عن ابن عباس ، قال: الجهر ((ببسم الله الرحمن الرحيم)) قراءة الأعراب، وكذلك رواه
الطحاوى (٣) ويقوى هذه الرواية عن ابن عباس مارواه الأثرم بإِسناد ثابت عن عكرمة تلميذ ١٤٨٢
(١) فى ١٦ السنن الكبرى،، ص ٤٧ - ج ٢ (٢) فى " باب من طلب باجتهاده جهة القبلة،، ص ١٠ - ج ٢
(٣) فى ١١ شرح الآثار،، ورواه البزار من طريق آخر، وفيه أبوسعد البقال، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه،
وبقية رجاله رجال الصحيح ، قاله فى « الزوائد ،،
٣٤٨
نصب الراية
ابن عباس أنه قال: أنا أعرابى إن جهرت بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وكأنه أخذه عن
شيخه ابن عباس، والله أعلم.
١٤٨٣ طريق سادس: لحديث ابن عباس، قال الدار قطنى: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ثنا أحمد بن رشدبن
خثيم حدثنا عمي سعيد بن خثيم ثنا سفيان الثورى عن عاصم عن سعيد بن جبير أنه كان يجهر في السورتين
بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وقال: حدثنا ابن عباس أن النبي ◌َّ كان يجهر بها فيهما، انتهى.
وهذا أيضاً لا يصح، وسعيد بن خثيم تكلم فيه ابن عدى . وغيره ، والحمل فيه على ابن أخيه أحمد
ابن رشد بن خثيم، فانه متهم ، وله أحاديث أباطيل، ذكرها الطبرانى. وغيره ، وروى له الخطيب
١٤٨٤ فى " أول تاريخه" حديثاً موضوعا، هو الذى صنعه بسنده إلى العباس أنه عليه السلام، قال له :
"أنت عمى، وصنو أبى، وابنك هذا أبو الخلفاء من بعدى: منهم السفاح. ومنهم المنصور.
ومنهم المهدى"، مختصر، والراوى عنه هو ابن عقدة الحافظ، وهو كثير الغرائب والمناكير ،
روى فى الجهر أحاديث كثيرة عن ضعفاء. وكذابين. ومجاهيل ، والحمل فيها عليهم لا عليه .
١٤٨٥ حديث آخر عن ابن عمر، قال الدار قطنى: حدثنا عمر بن الحسن بن على الشيبانىّ ثنا جعفر
ابن محمد بن مروان ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى ثنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذئب عن نافع عن
ابن عمر، قال: صليت خلف النبى وَله. وأبى بكر. وعمر، فكانوا يجهرون بـ "بسم الله الرحمن
الرحيم"، انتهى. وهذا باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبى فديك قط ، والمتهم به أحمد
ابن عيسى بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الهاشمی ، وقد كذبه الدار قطنی، وهو كما قال، فان من روی
مثل هذا الحديث عن مثل محمد بن إسماعيل بن أبى فديك الثقة المشهور المخرج له فى "الصحيحين"
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبى ذئب الإمام المشهور عن نافع عن ابن عمر ، فإنه يكون كاذباً فى
روايته، وعمر بن الحسن الشيباني* شيخ الدارقطنى تكلم فيه الدارقطنى أيضاً، وقال: هو ضعيف،
وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمد الخلال عنه ، فقال: ضعيف، وأما جعفر بن محمد بن مروان
من أهل الكوفة ، فليس مشهوراً بالعدالة ، وقد تكلم فيه الدار قطنى أيضاً، وقال: لا يحتج به ، وقد
روى الحافظ أبو محمد الرامهرمزى فى أول " كتاب المحدث الفاصل" حديثاً موضوعاً لأحمد بن
١٤٨٦ عيسى، هو المتهم به، فقال : حدثنا أبو حصين الوادعى ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى العلوى ثنا ابن
أبى فديك ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن ابن عباس عن على، قال: قال رسول الله
صَ لِّ: "اللهم ارحم خلفائى، قلنا: من خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثى ويعلمونها الناس"،
أنتهى. وأبوه عيسى بنُ عبد الله بن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، وضّاع أيضاً، وقد تقدم ذكره فى
١٤٨٧ حديث على بن أبى طالب. وله طريق آخر عند الخطيب عن عبادة بن زياد الأسدى عن يونس
٣٤٩
كتاب الصلاة
ابن أبى يعفور العبدى عن المعتمر بن سليمان عن أبى عبيدة عن مسلم بن حبان ، قال : صليت خلف ابن
عمر فجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في السورتين، فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله وَلآ حتى
قبض . وخلف أبى بكر حتى قبض . وخلف عمر حتى قبض ، فكانوا يجهرون بها فى السورتين ،
فلا أدع الجهر بها حتى أموت، انتهى. وهذا أيضاً باطل، وعبادة بن زياد الأسدى "بفتح العين".
قال أبو حاتم: كان من رؤساء الشيعة، وقال الحافظ محمد النيسابورى: هو مجمع على كذبه، وشيخه
يونس بن أبى يعفور العبدى فيه مقال، فوثقه بعضهم، وروى له مسلم فى "صحيحه"، وضعفه النسائى.
وابن معين، وقال ابن حبان: يروى عن الثقات مالا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج
عندى بما انفرد به، ومسلم بن حبان فغير معروف، والصواب فى حديث ابن عمر الوقف عليه ،
كما ذكره البيهقى. وغيره أنه كان يقرأ البسملة للفاتحة وللسورة، وقد يجهر بها أحياناً، إما ليعلم
المأمومين، أو لغير ذلك من الأسباب ، والله أعلم.
حديث آخر عن النعمان بن بشير أخرجه الدار قطنى فى " سننه" عن يعقوب بن يوسف بن ١٤٨٨
زياد الضبى ثنا أحمد بن حماد الهمدانى عن فطر بن خليفة عن أبى الضحى عن النعمان بن بشير ، قال:
قال رسول الله وَله: ((أمّنى جبرئيل عند الكعبة فجهربـ "بسم الله الرحمن الرحيم"))، انتهى. وهذا
حديث منكر ، بل موضوع، ويعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور ، وقد فتشت عليه فى عدة
كتب من الجرح والتعديل ، فلم أر له ذكراً أصلا، ويحتمل أن يكون هذا الحديث مما عملته يداه،
وأحمد بن حماد ضعفه الدار قطنى، وسكوت الدارقطنى. والخطيب. وغيرهما من الحفاظ عن مثل
هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جداً ، ولم يتعلق ابن الجوزى فى هذا الحديث إلا على فطر بن
خليفة ، وهو تقصير منه ، إذ لو نسب إليه لكان حديثاً حسناً ، وكأنه اعتمد على قول السعدى
فيه: هو زائغ غير ثقة، وليس هذا بطائل ، فان فطر بن خليفة روى له البخارى فى "صحيحه"، ووثقه
أحمد بن حنبل . ويحي القطان . وابن معين .
حديث آخر عن الحكم بن عمير ، قال الدار قطنى : حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن ١٤٨٩
بشر الكوفى ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار ثنا إبراهيم بن حبيب ثناموسى بن أبى حبيب الطائفى
عن الحكم بن عمير - وكان بدريا - قال: صليت خلف رسول الله وَ ﴿ فجهر بـ((بسم الله الرحمن الرحيم))
فى صلاة الليل . وصلاة الغداة . وصلاة الجمعة، انتهى. وهذا من الأحاديث الغريبة المنكرة ، بل
هو حديث باطل لوجوه: أحدها : أن الحكم بن عمير ليس بدريا ، ولا فى البدريين أحد اسمه الحكم
ابن عمير، بل لا يعرف له صحبة، فان موسى بن أبى حبيب الراوى عنه لم يلق صحابياً، بل هو مجهول
٣٥٠
نصب الراية
لا يحتج بحديثه ، قال ابن أبى حاتم فى "كتاب الجرح والتعديل": الحكم بن عمير روى عن النبى
عَ الهِ أحاديث منكرة لا يذكر سماعاً ولا لقاءاً ، روى عنه ابن أخيه موسى بن أبى حبيب، وهو
ضعيف الحديث، سمعت أبى يذكر ذلك،، وقال الدار قطنى: موسى بن أبى حبيب شيخ ضعيف
الحديث ، وقد ذكر الطبرانى فى "معجمه الكبير" الحكم بن عمير، وقال فى نسبته: الثمالى، ثم
روى له بضعة عشر حديثاً منكراً ، وكلها من رواية موسى بن أبى حبيب عنه ، وروی له ابن عدى
فى "الكامل" قريباً من عشرين حديثاً، ولم يذكرا فيها هذا الحديث ، والراوى عن موسى هو
إبراهيم بن إسحاق الصينى الكوفى ، قال الدار قطنى: متروك الحديث، وقال الأزدى: يتكلمون فيه،
ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته، فان الذين رووا نسخة موسى عن الحكم لم يذكروا هذا
الحديث فيها، كبقى بن مخلد . وابن عدى . والطبرانى، وإنما رواه - فيما علمنا - الدار قطنى، ثم
الخطيب، ووهم الدار قطنى، فقال: إبراهيم بن حبيب، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق ، وتبعه الخطيب،
وزاد وَهما ثانياً ، فقال: الضبى "بالضاد والباء"، وإنما هو الصينى "بصاد مهملة ونون".
١٤٩٠
حديث آخر عن أم سلمة ، رواه الحاكم فى "المستدرك (١) " عن عمر بن هارون عن ابن
جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن رسول اللّه عَّاله قرأ فى الصلاة "بسم الله الرحمن الرحيم"
فعدها آية (٢) "الحمد لله رب العالمين" آيتين "الرحمن الرحيم" ثلاث آيات ، إلى آخره، قال الحاكم:
وعمر بن هارون أصل فى السنة ، وإنما أخرجته شاهداً، انتهى. وهذا ليس بحجة لوجوه: أحدها:
أنه ليس بصريح فى الجهر، ويمكن أنها سمعته سراً فى بيتها لقربها منه. الثانى: أن مقصودها الإخبار
١٤٩١ بأنه كان يرتل قراءته حرفاً حرفاً، ولا يسردها ، وقد رواه هو "أعنى الحاكم" من حديث همام
ثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، قالت: كانت قراءة النبي صَ لّهِ، فوصفت " بسم الله
الرحمن الرحيم" حرفاً حرفاً ، قراءة بطيئة، وقال: على شرط الشيخين، وقال الدار قطنى: إسناده
١٤٩٢ صحيح، ورواه أبوداود(٣) . والترمذى. والنسائى من حديث يعلى بن مملك، أنه سأل أم سلمة عن
قراءة رسول اللّه صَّاللٍّ، فاذا هى تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً، قال الترمذى: حديث حسن
صحيح. الثالث: أن المحفوظ فيه، والمشهور أنه ليس فى الصلاة، وإنما قوله: فى الصلاة زيادة من
(١) س ٢٣٢ (٢) قال النووى فى " شرح المهدب،، ص ٣٤٦، قال أبو محمد: لما وقف رسول الله
صلى الله عليه وسلم على هذه المقاطيع أخبر عنه أن عند كل مقطع آية، لأنه جمع عليه أصابعه ، فبعض الرواة حين حدث بهذا
الحديث نقل ذلك ، زيادة فى البيان، وفى عمر بن هارون هذا كلام بعض الحفاظ ، إلا أن حديثه أخرجه ابن خزيمة
فى د" صحيحه،، اهـ .. (٣) فى ,, أبواب الوتر - باب كيف يستحب الترتيل فى القراءة،، ص ٢١٤، والنسائى
فى " الصلاة - فى باب تزيين القرآن بالصوت،، ص ١٥٨، وفى ,, صلاة الليل - فى باب ذكر صلاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم،، ص ٢٤٢، والترمذى فى ((( أبواب القراءه،، ص ١١٦ - ج ٢
٣٥١
كتاب الصلاة
عمر بن هارون، وهو مجروح، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، قال أحمد بن حنبل: لاأروى عنه
شيئاً ، وقال ابن معين : ليس بشىء، وكذبه ابن المبارك، وقال: قدم عمر بن هارون مكة بعد موت
جعفر بن محمد ، فزعم أنه رآه وحدث عنه، وقال النسائى: متروك الحديث ، وقال صالح جزرة
كان كذاباً . وسئل عنه ابن المدينى، فضعفه جداً ، وقال ابن حبان: يروى عن الثقات المعضلات،
ويدعى شيوخاً لم يرهم ، وقد رواه الطحاوى (١) من حديث حفص بن غياث ثنا أبى عن ابن جريج
به، بمثل حديث عمر بن هارون ، ثم أخرجه عن ابن أبى مليكة به بلفظ السنن ، ثم قال: فقد اختلف
الذين رووه فى لفظه، فانتفى أن يكون حجة ، وكأنه لم يعتد بمتابعة غياث لعمر بن هارون ، لشدة
ضعف أبن هارون . الرابع : أن يقال : غاية مافيه أنه عليه السلام جهر بها مرة أو نحو ذلك، وليس
فيه دليل على أن كل إمام يجهر بها فى صلاة الجهر دائماً ، ولو كان ذلك معلوماً عندهم لم يختلف فيه.
ولم يقع فيه شك، ولم يحتج أحد إلى أن يسأل عنه ، ولكان من جنس جهره عليه السلام بغيرها ،
ولما أنكره عبد الله بن المغفل، وعدّ حدثاً، ولكان الرجال أعلم به من النساء، والله أعلم .
حديث آخر ، رواه الحاكم فى المستدركه (٢)"، والدارقطنى فى "سننه" من حديث محمد ١٤٩٣
ابن المتوكل بن أبى السرى، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات مالا أحصيها:
الصبح. والمغرب، فكان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وقال
المعتمر: ما آلو أن أقتدى بصلاة أبى، وقال أبى: ما آلو أن أقتدى بصلاة أنس ، وقال أنس :
ما آلو أن اقتدى بصلاة رسول الله عَ ليهِ، انتهى. قال الحاكم: رواته كلهم ثقات، وهو معارض
بما رواه ابن خزيمة فى "مختصره". والطبرانى فى "معجمه" عن معتمر بن سلمان عن أبيه عن ١٤٩٤
الحسن عن أنس أن رسول الله # كان يسربـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ، في الصلاة. وأبو بكر
وعمر، انتهى. وفى الصلاة زادها ابن خزيمة، وله طريق آخر عند الحاكم أيضاً أخرجه عن محمد بن ١٤٩٥
أبى السرى ثنا إسماعيل بن أبى أويس ثنا مالك عن حميد عن أنس، قال: صليت خلف النبى عدّ له
وأبى بكر . وعمر. وعثمان. وعلى، فكلهم كانوا يجهرون بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، قال الحاكم:
وإنما ذكرته شاهداً، قال الذهبى فى "مختصره": أما استحى الحاكم يورد فى كتابه مثل هذا الحديث
الموضوع، فأنا أشهد بالله، ووالله إنه الكذب، وقال ابن عبد الهادى: سقط منه "لا"، ومحمد بن
أبى السرى ، قال ابن أبى حاتم: سئل أبى عنه،فقال: لين الحديث، مع أنه قد اختلف عليه فيه، فقيل
(١) س ١١٧، والحاكم فى « المستدرك،، ص ٢٣٤، أى بدون قوله: فعدها آية فيها
(٢) م ٢٣٣، والدارقطنى: ص ١١٦
٣٥٢
نصب الراية
١٤٩٦ عنه كما تقدم، وقيل: عنه عن المعتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس أن النبى ولو كان يسر بـ " بسم
الله الرحمن الرحيم"، وأبو بكر. وعمر، هكذا أخرجه الطبرانى، وقيل: عنه بهذا الإسناد، وفيه
الجهر، كما رواه الحاكم، وقال: رجاله ثقات ، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت فى " الصحيح "
خلافه ، لما عرف من تساهله ، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح الترمذى: والدار قطنى ، بل
تصحيحه كتحسين الترمذى، وأحياناً يكون دونه، وأما ابن خزيمة . وابن حبان فتصحيحهما
أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع، فكيف يتصحيح البخارى. ومسلم، كيف! وأصحاب أنس
الثقات الأثبات يروون عنه خلاف ذلك ، حتى إن شعبة سأل قتادة عن هذا ، فقال : أنت
سمعت أنساً يذكر ذلك ؟ فقال : نعم، وأخبره باللفظ الصريح المنافى الجهر ، ونقل شعبة
عن قتادة ماسمعه من أنس فى غاية الصحة ، وأرفع درجات الصحيح عند أهله ، فان قتادة أحفظ
أهل زمانه ، وإتقان شعبة وضبطه هو الغاية عندهم ، وهذا مما يرد به قول من يزعم أن بعض الرواة
روى حديث أنس بالمعنى الذى فهمه من قوله: كانوا يستفتحون الصلاة بـ "الحمد لله رب العالمين" ،
ففهم من هذا نفى قراءتها ، فرواه من عنده ، فان هذا قول من هو أبعد الناس علماً برواية هذا
الحديث ، وألفاظهم الصريحة التى لا تقبل التأويل . وبأنهم من العدالة والضبط من الغاية التى
لا تحتمل المجازفة ، أو إنه مكابر صاحب هوى ، فيتبع هواه ، ويدع موجب الدليل، والله أعلم.
١٤٩٧
وله طریق آخر عند الخطيب عن ابن أبى داود عن ابن أخى ابن وهب عن عمه عن العمرى .
ومالك. وابن عيينة عن حميد عن أنس أن رسول الله و 9 كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم"
فى الفريضة ، انتهى. قال ابن عبد الهادى: سقط منه " لا" كما رواه الباغندی(١) . وغيره عن ابن
أخى ابن وهب ، هذا هو الصحيح ، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط ، ويوضحه أن مالكا
١٤٩٨ رواه فى "الموطا" عن حميد عن أنس، قال: قمت وراء أبى بكر الصديق. وعمر. وعثمان،
فكلهم لا يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" إذا افتتحوا الصلاة، قال ابن عبد البر فى "التقصى":
١٤٩٩ هكذا رواه جماعة موقوفاً ، ورواه ابن أخى ابن وهب عن مالك . وابن عيينة . والعمرى عن
حميد عن أنس مرفوعا، فقال: إن النبي صَّهِ. وأبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يقرءون، قال:
وهذا خطأ من ابن أخى ابن وهب فى رفعه ذلك عن عمه عن مالك، فصار هذا الذى رواه الخطيب
خطأ على خطإٍ، والصواب فيه عدم الرفع. وعدم الجهر، والله أعلم، وذكر الخطيب. وغيره لحديث
أنس طرقاً أخرى فيها الجهر، إلا أنه ليس فيها قوله: فى الصلاة، فلا حجة فيها، وهو الصحيح عن أنس،
(١) فى نسخة (" الباعدى،، كما فى " الدراية،، ص ٧٤
٣٥٣
كتاب الصلاة
كما رواه البخارى(١) عن أنس أنه سئل عن قراءة النبى عنّ اله، فقال: كانت مداً، ثم قرأ "بسم الله الرحمن ١٥٠٠
الرحيم " يمدّ "بسم الله " ويمدّ"الرحمن" ويمدّ "الرحيم"، وروى مسلم عنه(٢) أيضاً، قال: نزلت علىّ ١٥٠١
آنفاً سورة، فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر) إلى آخرها، وهذا هو
الصحيح عن أنس أنه روى عن النبي صَّ له قراءة البسملة، وليس فيه ذكر الصلاة أصلا، ونظيره
حديث أم سلمة (٣) أنه عليه السلام كان يقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين) ١٥٠٢
يقطّعها حرفا حرفا ، وقد تقدم، ويؤيد هذا المعنى حديث سعيد بن جبير ، قال: كان رسول الله ١٥٠٣
مِّ الّه يجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) بمكة، وكان أهل مكة يدعون مسيلمة - الرحمن - فقالوا:
إن محمداً يدعو إليه اليمامة، فأمررسول اللّه وَّ الي بإِخفائها، فما جهر بها حتى مات، رواه أبوداود
فى "مراسيله" والمرسل إذا وجد له مايوافقه، فهو حجة باتفاق .
حديث آخر، موقوف، ولكنه فى حكم المرفوع، أخرجه الحاكم فى " المستدرك (٤)" ١٥٠٤
عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك، قال: صلى
معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فبدأ بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" لأم القرآن، ولم يقرأ
بها للسورة التى بعدها ، حتى قضى تلك الصلاة، ولم يكبر حين يهوى ، حتى قضى تلك الصلاة ،
فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين. والأنصار، من كل مكان: يا معاوية، أسرقت
الصلاة ، أم نسيت؟! أين "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأين التكبير إذا خفضت، وإذا رفعت؟!
فلما صلى بعد ذلك قرأ : "بسم الله الرحمن الرحيم" للسورة التى بعد أم القرآن، وكبر حين يهوى
ساجداً، انتهى. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ، ورواه الدار قطنى، وقال: رواته كلهم ثقات،
وقد اعتمد الشافعى رحمه الله على حديث معاوية هذا فى إثبات الجهر ، وقال الخطيب: هو أجود
ما يعتمد عليه فى هذا الباب ، والجواب عنه من وجوه: أحدها : أن مداره على عبد الله بن عثمان
ابن خُثَيم وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدى إلى ابن معين أنه قال:
أحاديثه غير قوية، وقال النسائى: لين الحديث، ليس بالقوى فيه، وقال الدار قطنى: ضعيف ليَّنوه،
وقال ابن المدينى : منكر الحديث.
وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به ، مع أنه قد اضطرب فى إسناده ومتنه ، وهو أيضاً
من أسباب الضعف ، أما فى إسناده فان ابن خُثَيم تارة يرويه عن أبى بكر بن حفص عن أنس ،
(١) فى ((" أواخر التفسير،، ص ٧٥٤ (٢) فى "باب من قال: البسملة آية من أول السورة،، ص ١٧٢
(٣) عند الحاكم فى« المستدرك،، ص ٢٣٢ - ج ١ (٤) ص ٢٣٣ - ج ١
٣٥٤
نصب الراية
وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه (١)، وقد رجح الأولى البيهقى فى " كتاب المعرفة"
لجلالة راويها ، وهو ابن جريج ((ومال الشافعى إلى ترجيح الثانية، ورواه ابن خُثَيم أيضاً عن
إسماعيل بن عبید ین رفاعة عن أبيه عن جده ، فزاد ذ کر الجد، كذلك رواه عنه إسماعيل بن عياش ،
وهى عند الدار قطنى، والأولى عنده. وعند الحاكم، والثانية عند الشافعى، وأما الاضطراب فى
متنه فتارة يقول: صلى، فبدأ بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" لأم القرآن، ولم يقرأ بها للسورة التى
بعدها، كما تقدم عند الحاكم، وتارة يقول: فلم يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" حين افتح القرآن،
وقرأ بأمّ الكتاب ، كما هو عند الدار قطنى فى رواية إسماعيل بن عياش ، وتارة يقول: فلم يقرأ
" بسم الله الرحمن الرحيم " لأمّ القرآن ولا للسورة التى بعدها ، كما هو عند الدار قطنى فى رواية بن
جريج ، ومثل هذا الاضطراب فى السند والمتن مما يوجب ضعف الحديث، لأنه مشعر بعدم ضبطه.
الوجه الثانى: أن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذاً . ولا معللا ، وهذا شاذ معلل ، فانه
مخالف لما رواه الثقات الأنبات عن أنس ، وكيف يروى أنس مثل حديث معاوية هذا محتجاً به،
وهو مخالف لما رواه عن النبي صَّالِّ. وعن خلفائه الراشدين، ولم يعرف عن أحد من أصحاب
أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنساً كان مقيما بالبصرة،
ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنساً كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه، والله أعلم.
الوجه الثالث : أن مذهب أهل المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها، ومنهم من لايرى قراءتها أصلاً،
قال عروة بن الزبير، أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ "الحمد لله
رب العالمين"، وقال عبد الرحمن بن القاسم: ماسمعت القاسم يقرأ بها، وقال عبد الرحمن الأعرج:
أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ "الحمد لله رب العالمين" ، ولا يحفظ عن أحد من أهل
المدينة بإِسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا شىء يسير، وله محمل ، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن
أو ◌ّلهم، فكيف ينكرون على معاوية ماهو شبههم ؟! هذا باطل . الوجه الرابع: أن معاوية لو رجع
إلى الجهر بالبسملة ، كما نقلوه، لكان هذا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل
ذلك عنهم ، بل الشاميون كلهم خلفاهم وعلماءهم ، كان مذهبهم ترك الجهر بها، وماروى عن عمر
ان عبد العزيز من الجهر بها فباطل لا أصل له. والأوزاعى إمام الشام، ومذهبه فى ذلك مذهب
مالك ، لا يقرأها سراً ولاجهراً، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية ، ومعلوم أن معاوية
قد صلى مع النبى معَّ اله، فلو سمع النبى معَّ اله يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه
(١) وهاتان الروايتان عند الدارقطى: ص ١١٢، وعند الشافعى فى ١١ كتاب الام.، ص ٩٣ - ج ١،
وعند البيهقى : ص ٤٩ - ج ٢
٣٥٥
كتاب الصلاة
لا يحسن يصلى، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية هذا باطل ، أو مغير عن وجهه ،
وقد يتمحل فيه ، ويقال : إن كان هذا الإنكار، على معاوية محفوظاً، فانما هو إنكار لترك إتمام
التكبير ، لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بنى أمية
وأمرائهم على البلاد ، حتى إنه كان مذهب عمر بن عبد العزيز ، وهو عدم التکبیر حین یهوی
ساجداً بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلا فلا وجه لإِنكارهم عليه ترك الجهر بالبسملة ،
وهو مذهب الخلفاء الراشدين. وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضاً .
وبالجملة، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما ، أو عدم أحدهما،
وكيف تكون صحيحة ، وليست مخرجة فى شىء من الصحيح ، ولا المسانيد ، ولا السنن ،
المشهورة ؟! وفى روايتها الكذابون . والضعفاء . والمجاهيل الذين لا يوجدون فى التواريخ ،
ولا فى كتب الجرح والتعديل ، كعمرو بن شمر . وجابر الجعفى . وحصين بن مخارق .
وعمر بن حفص المكى. وعبد الله بن عمرو بن حسان . وأبى الصلت الهروى. وعبد الكريم بن
أبى الخارق . وابن أبى على الأصبهانى ، الملقب " بجراب الكذب". وعمر بن هارون البلخى.
وعيسى بن ميمون المدنى. وآخرون أضربنا عن ذكرهم، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء،
مارواه البخارى . ومسلم فى "صحيحيهما" من حديث أنس الذى رواه عنه غير واحد من الأئمة
الأثبات : ومنهم قتادة الذى كان أحفظ أهل زمانه ، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين فى
الحديث ، وتلقاه الأئمة بالقبول ، ولم يضعفه أحد بحجة إلا من ركب هواه، وحمله فرط التعصب
على أن علله، ورده باختلاف ألفاظه ، مع أنها ليست مختلفة ، بل يصدق بعضها بعضاً ، كما بينا،
وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع، أو بمثل حديث معاوية الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى
مثل هذا ، فجعل الصحيح ضعيفاً، والضعيف صحيحاً ، والمعلل سالماً من التعليل، والسالم من التعليل
معللا سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله يأمر بالعدل، وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف
وترك التعصب ، ويكفينا فى تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة ، والسنن
المعروفة ، والمسانيد المشهورة المعتمد عليها فى حجج العلم، ومسائل الدّن، فالبخارى رحمه الله
مع شدة تعصبه وفرط تحامله على مذهب أبى حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثاً واحداً ، ولا كذلك
مسلم رحمه الله ، فانهما لم يذكرا فى هذا الباب إلا حديث أنس الدال على الإخفاء، ولا يقال فى
دفع ذلك: إنهما لم يلتزما أن يودعا فى " صحيحيهما"كل حديث صحيح، يعنى فيكونان قد تركا أحاديث
الجهر فى جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة ، وهذا لا يقوله إلا سخيف أو مكابر ، فان مسألة
٣٥٦
نصب الراية
الجهر بالبسملة من أعلام المسائل ومعضلات الفقه ، ومن أكثرها دورانا فى المناظرة وجولانا فى
المصنفات، والبخارى كثير التقبع لمايرد على أبى حنيفة من السنة ، فيذكر الحديث، ثم يعرض
بذكره، فيقول: قال رسول اللّه صَ له: كذا وكذا، وقال بعض الناس: كذا وكذا، يشير ببعض
الناس إليه ، ويشنع مخالفة الحديث عليه، وكيف يخلى كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول
فى أول كتابه: "باب الصلاة من الإيمان"، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبى حنيفة في
قوله : إن الأعمال ليست من الإيمان ، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء، ومسألة الجهر يعرفها
عوام الناس ورعاعهم، هذا مما لا يمكن، بل يستحيل، وأنا أحلف بالله، وتالله لو أطلع البخارى
على حديث منها موافق لشرطه، أو قريب من شرطه لم يخل منه كتابه، ولا كذلك مسلم رحمه الله،
ولئن سلبنا فهذا أبوداود . والترمذى، وابن ماجه. مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة،
والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئاً ، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها ، وقد تفرد
النسائى منها بحديث أبى هريرة، وهو أقوى مافيها عندهم ، وقد بينا ضعفه، والجواب عنه من وجوه
متعددة، وأخرج الحاكم منها: حديث على. ومعاوية، وقد عرف تساهله، وباقيها عند الدارقطنى فى
"سننه" التى هى مجمع الأحاديث المعلولة، ومنبع الأحاديث الغريبة، وقد بيناها حديثاً حديثاً والله أعلم.
١٥٠٥
الآثار فى ذلك : - فمنها ما رواه البيهقى فى " الخلافيات". والطحاوى فى "كتابه" من
حديث عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه ، قال : صليت خلف عمر
رضى الله عنه، فجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ، وكان أبى(١) يجهر بها، انتهى. وهذا الأثر
١٥٠-١٥٠٧ مخالف للصحیح الثابت عن عمر : أنه كان لا يجهر ، کما رواه أنس ، وقد روی عبيد الله بن عمر عن
١٥٠٨ نافع عن ابن عمر عن أبيه أيضاً عدم الجهر، وروى الطحاوى (٣) بإِسناده عن أبى وائل، قال:
كان عمر. وعلى لا يجهران بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ، فإن ثبت هذا عن عمر، فيحمل على أنه
فعله مرة، أو بعض أحيانٍ ، لأحد الأسباب المتقدمة ، والله أعلم.
١٥٠٩ ومنها ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطنى بسنده عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهرى عن
سعيد بن المسيب أن أبابكر. وعمر وعثمان. وعلياً كانوا يجهرون بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ،
انتهى . وهذا باطل ، وعثمان بن عبد الرحمن هو الوقاصى ، أجمعوا على ترك الاحتجاج به ، قال
ابن أبى حاتم : سألت أبى عنه ، فقال: كذاب ذاهب الحديث، وقال ابن حبان : يروى عن الثقات
الأشياء الموضوعات لا يحل الاحتجاج به، وقال النسائى: متروك الحديث.
(١) وكان أبى " أى قال سعيد: وكان أبى،، الخ. كما فى « الدراية،، (٢) ص ١٢٠، وقال فى: الزوائد،،
س ١٠٨ - ج ٢ : رواه الطبرانى فى (" الكبير،، وفيه: أبو سعد البقال، وهو ثقة، مدلس، اهـ.
٣٥٧
كتاب الصلاة
ومنها ما أخرجه الخطيب أيضاً عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح عن أبيه ، قال: صليت خلف ١٥١٠
على بن أبى طالب، وعدة من أصحاب رسول الله وسلم كلهم يجهرون بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ،
وهذا أيضاً لا يثبت ، وعطاء بن أبى رباح لم يلحق علياً ، ولا صلى خلفه قط ، والحمل فيه على ابنه
يعقوب، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة، قال أحمد بن حنبل: منكر الحديث، وقال أبو زرعة.
وابن معين : ضعيف، ومشاه ابن عدى، فقال: يكتب حديثه، وأما شيخ الخطيب فيه، فهو أبو الحسين
محمد بن الحسن بن أحمد الأصبهانى الأهوازى ، ويعرف بابن أبى على ، فقد تكلموا فيه ، وذكروا
أنه كان يركب الأسانيد، ونقل الخطيب (١) عن أحمد بن على الجصاص، قال: كنا نسمى ابن أبى
على الأصبهانى "جراب الكذب".
ومنها ما أخرجه الخطيب أيضاً من طريق الدار قطنى عن الحسن بن محمد بن عبد الواحد ثنا الحسن ١٥١١
ابن الحسين ثنا إبراهيم بن أبى يحيى عن صالح بن نبهان ، قال : صليت خلف أبى سعيد الخدرى .
وابن عباس. وأبى قتادة. وأبى هريرة، فكانوا يجهرون بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ، وهذا أيضاً
لا يثبت ، والحسن بن الحسين هو العربى إن شاء الله، وهو شيعى ضعيف، أو هو حسين بن الحسن
الأشقر، وانقلب اسمه، وهو أيضاً شيعى ضعيف، أو هو مجهول ، وإبراهيم بن أبى يحيى فقد رمى
بالرفض والكذب ، وصالح بن نبهان مولى التورمة، وقد تكلم فيه مالك. وغيره من الأئمة ، وفى
إدراكه للصلاة خلف أبى قتادة نظر، وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ، وإنما كثر الكذب
فى أحاديث الجهر على النبى سَايِ . وأصحابه، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف،
فوضعوا فى ذلك أحاديث، وكان أبو على بن أبى هريرة ، أحد أعيان أصحاب الشافعى يرى ترك الجهر
بها ، ويقول : الجهر بها صار من شعار الروافض ، وغالب أحاديث الجهر نجد فى رواتها
من هو منسوب إلى التشيع .
ومنها ما أخرجه الخطيب أيضاً عن محمد بن أبى السرى ثنا المعتمر عن حميد الطويل عن بكر بن ١٥١٢
عبد الله المزنى، قال: صليت خلف عبد الله بن الزبير فكان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ،
وقال: ما يمنع أمراءكم أن يجهروا بها إلا الكبر، انتهى. قال ابن عبد الهادى: إسناده صحيح، لكنه
يحمل على الإعلام بأن قراءتها سنة ، فان الخلفاء الراشدين كانوا يسرون بها، فظن كثير من الناس
أن قراءتها بدعة، جهر بها من جهر من الصحابة ليعلموا الناس أن قراءتها سنة ، لا أنه فعله دائماً،
وقد ذكر ابن المنذر عن ابن الزبير ترك الجهر، فالله أعلم، وأما أقوال التابعين فى ذلك فليست بحجة،
(١) فى ((" تاريخه،، ص ٢١٩ - ج ٢
٣٥٨
نصب الراية
مع أنها قد اختلفت ، فروى عن غير واحد منهم الجهر ، وروى عن غير واحد منهم تركه ، وفى
بعض الأسانيد إليهم الضعف والاضطراب، ويمكن حمل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه
المتقدمة ، والواجب فى مثل هذه المسألة الرجوع إلى الدليل ، لا إلى الأقوال ، وقد نقل بعض من
جمع فى هذه المسألة الجهر عن غير واحد من الصحابة . والتابعين. وغيرهم، والمشهور عنهم غيره،
كما نقل الخطيب الجهر عن الخلفاء الراشدين الأربعة، ونقله البيهقى. وابن عبد البر عن عمر. وعلى
والمشهور عنهم تركه، كما ثبت ذلك عنهم، قال الترمذى فى ترك الجهر: والعمل على هذا عند أكثر
أهل العلم من الصحابة: منهم أبو بكر . وعمر . وعثمان. وعلى. وغيرهم من بعدهم من التابعين ،
وبه يقول سفيان التورى. وابن المبارك. وأحمد. وإسحاق، وكذلك قال ابن عبد البر: لم يختلف
فى الجهر بها عن ابن عمر ، وهو الصحيح عن ابن عباس، قال : ولا أعلم إن اختلف فى الجهر بها
عن ابن عمر . وشداد بن أوس . وابن الزبير، وقد ذكر الدار قطنى. والخطيب عن ابن معمر عدم
الجهر، وكذلك روى الطحاوى. والخطيب. وغيرهما عن ابن عباس عدم الجهر، وكذلك ذكر
ابن المنذر عن ابن الزبير عدم الجهر وذكر ابن عبدالبر والخطيب عن عمار بن ياسر
الجهر، وذكر ابن المنذر عنه عدمه، وذكر البيهقى وابن عبدالبر. والخطيب عن عكرمة الجهر، وذكر
الأثرم عنه عدمه ، وذكر الخطيب. وغيره عن ابن المبارك. وإسحاق الجهر، وذكر الترمذى عنهما
١٥١٣ تركه، كما تقدم، وذكر الأثرم عن إبراهيم النخعى أنه قال: ما أدركت أحداً يجهر بـ "بسم الله
١٥١٤ الرحمن الرحيم" والجهر بها بدعة، وذكر الطحاوى عن عروة، قال: أدركت الأئمة وما يستفتحون
١٥١٥ القراءة إلا بـ "الحمد لله رب العالمين" ، وقال وکیع: کان الأعمش. وابن أبى خالد. وابن أبىليلى.
وسفيان. والحسن بن صالح. وعلى بن صالح. ومن أدركنا من مشيختنا لا يجهرون بـ "بسم الله
١٥١٦ الرحمن الرحيم "، وروى سعيد بن منصور فى "سننه" حدثنا خالد عن حصين عن أبى وائل، قال:
١٥١٧ كانوا يسرون البسملة والتعوذ فى الصلاة ، حدثنا حماد بن زيد عن كثير بن شنظير أن الحسن سئل
١٥١٨ عن الجهر بالبسملة، فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب، حدثنا عتاب بن بشيرثنا خصيف عن سعيد بن
جبير، قال: إذا صليت فلا تجهربـ "بسم الله الرحمن الرحيم" واجهربـ "الحمد لله رب العالمين".
ملخص ما قاله صاحب "التنقيح" ، ذكر. الأحاديث التى استدل بها الشافعية ، ثم قال: وهذه
الأحاديث فى الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة ، ولولا أن
يعرض للمتفقه شبهة عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى، ويكفى فى ضعفها
إعراض المصنفين للمسانيد، والسنن عن جمهورها ، وقد ذكر الدار قطنى منها طرفا فى "سنته" فبّين
(١) قال ابن تيمية فى ١١ فتاواه،، ص ٢٧: من جمع هذا الباب ," باب جهر التسمية فى الصلاة،، كالدار قطنى.
٣٥٩
كتاب الصلاة
ضعف بعضها وسكت عن بعضها، وقد حكى لنا مشايخنا أن الدار قطنى (١) لما ورد مصر سأله بعض
أهلها تصنيف شىء فى الجهر، فصنف فيه جزءاً، فأتاه بعض المالكية ، فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح
من ذلك، فقال: كل ماروى عن النبى ◌ٍَّ فى الجهر فليس بصحيح ، وأما عن الصحابة : فمنه
صحيح. وضعيف ، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر ، فأزرى على علمه بتغطية
ما ظن أنه لا ينكشف ، وقد بينا عللها وخللها ، ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين:
إما أن يكون جهر بها للتعليم، أو جهر بها جهراً يسيراً يسمعه من قرب منه، والمأموم إذا قرب من
الإِمام أو حاذاه سمع ما يخافته ، ولا يسمى ذلك جهراً، كما ورد أنه كان يصلى بهم الظهر فيسمعهم
الآية والآيتين بعد الفاتحة أحياناً . والثانى: أن يكون ذلك قبل الأمر بترك الجهر ، فقد روى
أبو داود بإسناده عن سعيد بن جبير أن النبى بسلو كان يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" وكان ١٥١٩
مسيلمة يدعى - رحمن اليمامة -، فقال أهل مكة : إنما يدعو إليه اليمامة ، فأمر الله رسوله بإخفائها.
فما جهر بها حتى مات ، فهذا يدل على نسخ الجهر ، قال : ومنهم من سلك فى ذلك مسلك البحث
والتأويل، فقال: إن أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء: أحدها: بكثرة الرواة ،
فان أحاديث الإِخفاء رواها اثنان من الصحابة: أنس بن مالك. وعبد الله بن مغفل، وأحاديث
الجهر رواها أربعة عشر صحابياً . والثانى: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفى، وأحاديث الجهر
شهادة على إثبات، والإثبات مقدم على النفى، كما قدِّم قول بلال فى صلاة النبي صَ لّم فى البيت على
قول أسامة. وغيره: إنه لم يصل، قالوا: وبأن أنساً قد روى عنه إنكار ذلك فى الجملة، فروى أحمد (١)
والدارقطنى من حديث سعيد بن يزيد أبى مسلمة، قال: سألت أنساً أكان رسول الله وَالر ١٥٢٠
يقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم، أو الحمد لله رب العالمين؟"، قال: إنك لتسألنى عن شىء ما أحفظه،
أو ما سألنى عنه أحد قبلك، قال الدار قطنى: إسناده صحيح ، قلنا: أما اعتراضهم بكثرة الرواة ،
فالاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح ،
بخلاف حديث الإِخفاء، فانه صحيح صريح ثابت مخرج فى الصحاح. والمسانيد المعروفة . والسنن
المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لايرون النرجيح بكثرة الرواة ، وهو قول ضعيف ، لبعد
احتمال الغلط على العدد الأكثر ، ولهذا. جعلت الشهادة على الزنا أربعة ، لأنه أكبر الحدود ،
وأحاديث الجهر ، وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة ، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت
والخطيب : وغيرهما، فانهم جمعوا ماروى ، وإذا سئلوا عن صحتها قالوا بمبلغ علمهم ، كما قال الدارقطنى لما دخل مصر ،
وسئل أن يجمع أحاديث الجهر بها، بجمعها، فقيل له: هل فيها شىء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا،
وأما عن الصحابة: فمنه صحيح . ومنه ضعيف، اهـ. (١) أحمد: ص ١٦٦ - ج ٣، وس ١٩٠ - ج ٣
عن سعيد، وفى ص ٢٧٣ - ج ٣ عن قتادة عن أنس، والدارقطنى: ص ١٢٠
٣٦٠
نصب الراية
طرقه، وهو حديث ضعيف؟ كمديث: الطير (١) . وحديث: الحاجم والمحجوم (٢). وحديث:
١٥٢١ من كنت مولاه ، فعلىّ مولاه(٣)، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفاً، وإنما
يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجاً بهم من الطرفين، كترجيح الأئمة رواية
من روى عن الزهرى حديث : المجامع (٤)، وذكرهم الترتيب ، وتعليق الحكم على الجماع
على رواية من روى عنه التخيير ، وترتيب الحكم على مجرد الفطر من غير ذكر الجماع ، وأحاديث
الجهر ليست مخرجة فى الصحاح. ولا المسانيد المشهورة، ولم يروها إلا الحاكم. والدار قطنى،
فالحاكم عرف تساهله وتصحيحه الأحاديث الضعيفة ، بل الموضوعة ، والدار قطنى فقد ملأ كتابه
من الأحاديث الغريبة. والشاذة . والمعلة، وكم فيه من حديث لا يوجد فى غيره! وأما الشهادة على
النفى فهى وإن ظهرت فى صورة النفي ، فمعناها الإثبات ، بخلاف حديث بلال ، مع أن المسألة
مختلف فيها على ثلاثة أقوال : فالأكثرون على تقديم الإثبات ، قالوا: لأن المثبت معه زيادة علم ،
وأيضاً فالنفى يفيد التأكيد لدليل الأصل، والإثبات يفيد التأسيس، والتأسيس أولى. الثانى: أنهما
سواء ، قالوا : لأن النافى موافق للأصل ، وأيضاً ، فالظاهر تأخير النافى عن المثبت ، إذ لو قدر
مقدماً عليه لكانت فائدته التأكيد ، لدليل الأصل، وعلى تقدير تأخيره يكون تأسياً، فالعمل
به أولى . القول الثالث : أن النافى مقدم على المثبت، وإليه ذهب الآمدى. وغيره ، وقد قدم جماعة
١٥٢٢ من الحذاق : منهم البيهقى النفى على الإثبات فی حدیث ماعز ، وأنه عليه السلام صلی علیه ، کما رواه
١٥٢٣ البخارى فى " صحيحه (٥)" من حديث جابر، ورواه أحمد (٦). وأصحاب السنن، وقالوا فيه :
ولم يصل عليه، وصححه الترمذى، وهو الصواب، والله أعلم، وأما جمعهم بين الأحاديث بأنه لم
(١) حديث الطير أخرجه الترمذى فى ((" مناقب على،، من حديث أنس بن مالك، وقال: غريب (٢) إن
أراد به حديث : أفطر الحاجم والمحجوم ، فقد أخرجه الطحاوى : ص ٣٤٩ من حديث أبى موسى. وعائشة .
ومعقل. وثوبان، وشداد بن أوس. وأبى هريرة، وفى السنن عن بعض هؤلاء، وفى "المستدرك،،.
وابن جارود. والداري أيضاً، وبعض الطرق صححه الحاكم، والله أعلم (٣) حديث: من كنت مولاه، فعلى مولا ..
أخرجه الترمذى فى ١١ مناقب على،، من حديث أبى سريحة، أو زيد بن أرقم، وقال: حسن غريب ص ٢١٣ - ج ٢
(٤) حديث المجامع: أخرجه البخارى فى ((((صحيحه،، فى عشرة مواضع: فى ("الصوم - فى باب إذا جامع فى رمضان
ولم يكن له شئ،، ص ٢٥٦، من رواية شعيب، ومنصور. ومعمر، وإبراهيم بن سعد، والأ وزاعى. وابن عيينة
وليث ، كلهم عن الزهرى عن حميد عن أبى هريرة. وفيها قال رجل: وقعت على امرأتى، وأنا صائم: فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((هل تجد رقبة)) الحديث، وأخرجه مسلم فى " الصوم - فى باب تغليظ تحريم الجماع فى نهار
رمضان على الصائم،، من رواية ابن عبينة. ومنصور. وليت مثله، ومن رواية مالك عن الزهرى: أن رجلا أفطر فى
رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر، الحديث، ومن رواية ابن جريج عنه، أمر رجلا أفطر فى
رمضان أن يعتق رقبة، الحديث. (٥) فى ٠, المحاربين - فى باب الرجم بالمصلى،، ص ١٠٧ (٦) فى ١٦ مسنده،،
س٣٢٣ - ج ٣، وأبو داود فى و"الحدود - فى باب الرجم،، ص ٢٦٠ - ج ٢، والترمذى فى « باب من درأ الحد عن
المعترف إذا رجع،، ص ١٧١ - ج ٢، والنسائى فى « الجنائز - فى باب ترك الصلاة على المرجوم،، ص ٢٧٨