النص المفهرس
صفحات 161-180
الموسوعة الحديثية المجلد الرابع الجدال، قالوا: ندخل فنسلم، فأذن لهم، فسلموا ثم جلسوا، فقالوا: يا أبا حنيفة إنه بلغنا أنك لما سمعت بنا وبموافاتنا هذا المصر وبكلامنا قلت: إنهم قدموا الكوفة ببزّ كاسد، قال: نعم قد قلت ذاك، قالوا: فإنا لا نخرج حتى نخاصمك، قال: ففيم تخاصمونني؟ قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظراً ازداد تحيراً، قالوا: ففي القضاء والعدل، قال: تكلموا على اسم الله، قالوا: يا أبا حنيفة هل يستطيع أحد من المخلوقين أن ينجز من ملك الله ما لم يقضه، قال: لا، لأن القضاء على وجهين: أمر منه أمر وحي والآخر قدرة، فأما القدرة فإنه یقضی علیهم، وقدر لهم الكفر، ولم يأمر به بل نھی عنه، والأمر أمران: أمر الكينونة وأمر إذا أمر شيئاً كان وهو غير أمر وحي، قالوا: فأخبرنا عن أمر الله عز وجل أموافق لإرادته، أو مخالف لها، قال: أمره من إرادته، وليس إرادته من أمره، والأعمال بالإرادة سوى الأمر، وتصديق ذلك قول إبراهيم لابنه عليهما السلام: ﴿ يَبْنَىَّ إِنِّ آَرَى فِ اُلْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَدْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌّ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ ﴾، ولم يقل صبراً من غير إن شاء الله، وكل ذلك من أمر الله تعالى، ولم يكن من إرادة الله ذبحه، قالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله ما قالوا، قالت اليهود: ﴿عُزَيْرُ اللَّهِ﴾، وقالت النصارى: ﴿الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾، فقضى الله على نفسه أن يشتم، قال: إن الله لا يقضي على نفسه إنما يقضي على عباده، ولو كان يقضي على - ١٦١ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع نفسه لجرت عليه القدرة، قالوا: فأخبرنا عن الذي أراد الله أن يكفر، فكفر أحسن الله إليه أم أساء قال: لا يقال: أساء إلى الكفار لما ألزمهم من الكفر، لأنه يعذبهم عليه، ولا يقال: أحسن إلى من عذبه عليه، إنما ذلك عدل منه، إنما تقع الإساءة والملامة على أمر ونهي، وذلك قوله: أَبِعَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، فدعاهم إلى النار الكفر، قالوا: فأخبرنا عن الكفر مخلوق أو غير مخلوق، قال: مخلوق، قالوا: فكيف يكون مخلوقاً وهو صنيع العباد؟ قال: هو صنيع العباد، والله خالق صنعهم، لأن الله خالق كل شيء، فصنيع العباد شيء فيكون مخلوقاً، وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِ إِمَامِ شُبِينٍ ﴾، والكفر والإيمان وأعمال العباد وأرزاقهم وآثارهم مما أحصى الخالق قبل أن يخلقهم، قالوا: يا أبا حنيفة ليس لك بد بذا، قلت: إن العباد لا يستطيعون أن يجاوزوا خلاف ما علم، إن تقول أنه لم يكن لله بد أن يخلق العباد حتى يكون ما علم، قال: إنه لو لم يكن في علم الله أن يخلقهم لعلم ذلك أيضاً، إنما يقال: ليس بد لمن يحتاج إلى غيره قالوا يا أبا حنيفة: أمؤمن أنت، قال: مؤمن، قالوا: لتستكمل الإيمان، قال: مستكمل الإيمان، قالوا: فأنت عند الله مؤمن، قال: تسألوني عن علمي وعزيمة علمي أم تسألوني عن علم الله وعزيمة علم الله، قالوا: بل نسألك عن علمك، ولا نسألك عن علم الله، قال: فإني بعلمي الذي أعلم عند الله مؤمن، ولا أعزم على الله في علمه، قالوا: فما تقول فيمن جحد بحرف - ١٦٢ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع من كتاب الله عز وجل؟ قال: كافر، قالوا: فإن الله عز وجل يقول: ﴿ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْ مِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، قال: هذا في باب الوعيد، قالوا: فإن كان في باب الوعيد فإني لا أؤمن ولا أكفر، قال: بهذا خصمتم أنفسكم، ألا ترون أني إن لم أؤمن فأنا مجبول في إرادة الله على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبول في إرادة الله عز وجل على الإيمان، قالوا: يا أبا حنيفة حتى متى تضلّ الناس، قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم في حال يضلوا فيها فلا يهديهم، ولكن هل لكم إلي شيء موصول من طاعة الخالق تستطيعون أو لا تستطيعون على الانفصام منه في حال الإيصال لكم، فإن قلتم: نعم فقد لزمكم ما هو موصول لكم، قالوا: والله ما ندري ما نقول، قال: ألستم قد زعمتم أن إليكم أن تعملوا وإليكم أن لا تعملوا، وإليكم أن تجلسوا وإليكم أن لا تجلسوا، وإن إليكم أن تقولوا وإليكم أن لا تقولوا، فكيف تزعمون الآن أنكم لا تعلمون؟ فقاموا من عنده مخصومين، قالوا: تخاصم كل أحد، ولا نخاصمك يا أبا حنيفة(١). ٢٦٨- أخبرنا أحمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: حدثنا حامد بن آدم، قال: حدثنا إسحاق بن علي السمر قندي، والفضل ابن موسى، وعمر بن عبيد، وإسماعيل بن حماد رحمة الله عليهم بهذا، (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٠٨٢). - ١٦٣ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع وربما قدّموا وأخروا، والمعنى واحد(١). ٢٦٩- حدثنا العباس بن عزيز القطان والسري بن عصام، قالا: حدثنا حامد بن آدم، قال: حدثنا الفضل بن موسى، قال: قدم الكوفة سبعون رجلاً من رؤساء القدرية وعظمائها، فجلسوا في مسجد الكوفة، وتكلموا بكلام القدر، فبلغ ذلك أبا حنيفة فقال: لقد قدموا الكوفة ببز كاسد، وقد ذكرنا هذا الحديث بتمامه في أحاديث محمد بن عبيد الطنافسي وغيره (٢). ٢٧٠- حدثنا السرّي بن عصام وغيره، عن حامد بن آدم، قال: حدثنا بشار بن قيراط، قال: قدم الكوفة سبعون رجلاً من القدرية، فتكلموا في مسجد الكوفة بكلام القدر، فبلغ ذلك أبا حنيفة رحمة الله عليه، فقال: لقد قدموا الكوفة ببزّ كاسدٍ ... فذكر الحديث مثل ما مر في حديث محمد بن عبيد إلى قوله: إنا لا نخرج حتى نخاصمك، قال: ففيم تخاصمونني، قالوا: في القدر، قال: أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس، كلَّما ازداد نظراً ازداد تحيراً، قالوا: ففي القضاء والعدل؟ قال: تكلموا على اسم الله، قالوا: يا أبا حنيفة هل يستطيع أحد من المخلوقين أن يخرج من ملك الله ما لم يقضه؟ قال: لأن القضاء على (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٠٨٣). (٢) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٦٩٩). - ١٦٤ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع وجهين: أمر: منه أمر وحي، والآخر القدرة فأما القدرة فإنه يقضي عليه، وقدر لهم الكفر ولم يأمر به، بل نهى عنه، والأمر أمران: أمر الكينونة إذا أمر شيئاً كان، وهو على غير أمر وحي، قال: فأخبرنا عن أمر الله، أموافق لإرادته أم مخالف لها؟ قال: أمره من إرادته، وليس إرادته من أمره، والأعمال بالإرادة سوى الإرادة، وتصديق ذلك قوله تعالى لإبراهيم إذ قال لابنه: ﴿ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىْ قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُبِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ولم يقل صبراً من غير إن شاء الله، وكان ذلك من أمر الله، ولم يكن من إرادة الله ذبحه، قالوا: فأخبرنا عن اليهود والنصارى الذين قالوا على الله ما قالوا؟ قالت اليهود: ﴿عُزَيْرُ اللَّهِ﴾، وقالت النصارى: ﴿الْمَسِيحُ أَبُْ اللَّهِ﴾، فقضى الله على نفسه أن يُشتَم، قال: إن الله لا يقضي على نفسه، إنما يقضي على عباده، ولو كان يقضي على نفسه لجرت عليه القدرة، قالوا: فأخبرنا عن الذي أراد الله أن يكفر فكفر، أحسن الله إليه أم أساء؟ قال: لا يقال: أساء ... وذكر الحديث مثل ما مر في حديث محمد بن عبيد، قالوا: يا أبا حنيفة! أمؤمن أنت؟ قال: مؤمن، قالوا: أمستكمل الإيمان؟ قال: مستكمل الإيمان، قالوا: فأنت عند الله مؤمن؟ قال: تسألوني عن علمي وعزيمة علمي، أم تسألوني عن علم الله وعزيمة علم الله؟ قالوا: بل نسألك عن علمك، ولا نسألك عن علم الله، قال: فإني بعلمي الذي أعلم عند الله مؤمن، ولا أعزم على الله في علمه، قالوا: فما تقول فيمن - ١٦٥ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع جحد بحرف من كتاب الله عز وجل؟ قال: كافر، قالوا: فإن الله عز وجل يقول: ﴿ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْ مِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] قال: هذا باب الوعيد، قالوا: وإن كان في باب الوعيد قال: فإني لا أؤمن ولا أكفر، قال: بهذا خصمتم أنفسكم ألا ترون أني [إن] لم أؤمن، فأنا مجبور في إرادة الله على الكفر، وإن لم أكفر فأنا مجبور في إرادة الله على الإيمان، قال: يا أبا حنيفة! حتى متى تضل الناس؟ قال: ويحكم إنما يضل الناس من يستطيع أن يهديهم؟ ثم ذكر الحديث(١). ٢٧١- حدثنا محمد بن علي بن سهل المروزي، قال: حدثنا محمد بن علي، عن أبيه، عن النضر بن محمد، قال: قدم رجل على أبي حنيفة رحمة الله عليه من أصحاب غيلان، فقال: يا أبا حنيفة، جئتك أسألك عن أشياء، فإن كان الحق في يدك، تابعتك فقال له أبو حنيفة: اذهب إلى ابني حماد، فإني تركت الكلام، فقال له: إنما أريد أن تكلمني أنت، قال: لست أكلمك، ولكني أسألك عن ثلاث مسائل إن جسرت عليها كفرت أو إن قلت لا، خُوصمت، فقال أبو حنيفة لابنه حماد: وصاحب غيلان يسمع تعليماً منه لابنه وجواباً لصاحب غيلان سلوا خصميكم المزيلين القدرة عن رب العالمين حدِّثونا عن محمد صلى الله عليه وسلم هل امتنّ عليه ربه حيث يقول: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أكان يستطيع محمد (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٤٠٨). - ١٦٦ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع أن لا يذنب فيما تأخر، حتى لا تكون الله عليه تلك المنة في مغفرته إياه فيما تأخر، فإن قالوا: نعم فقل: أفكان مستطيعاً لإبطال منة الله تعالى، فإن جسروا علی ذلك کفروا، وإن قالوا: لا، خوصموا، وقل: حدّثونا عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾، فهل استطاع هؤلاء أن يرفعوا عن قلوبهم الأكنة، وعن آذانهم الوقر، ويؤمنوا حتى يدخلوا الجنة، وقد قال تبارك وتعالى فيهم ما قال، أفاستطاعوا أن لا يكون منهم ما قال الله عز وجل، فيبطلوا قول الله عز وجل فإن قالوا: نعم كفروا، وإن قالوا: لا خوصموا، وقل: حدثونا عن قول الله عز وجل لنوح: ﴿ قِيلَ يَنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَّكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىّ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَّ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَ يَمَسُهُمِ مِنَا عَذَابٌ فهل علم هؤلاء الذين قال يمسهم منا عذاب أليم بأسمائهم، أفعدلٌ من الله عز وجل وصولهم إلى عذابه أم لا؟ فإن قالوا: لا، كفروا، وإن قالوا: نعم فقل: أفشاء الله عز وجل أن ينتهوا إلى علمه وقوله وعدله، فإن قالوا: لا، كفروا، وإن قالوا: نعم، قل أفاستطاعوا أن يؤمنوا حتى يدخلوا الجنة وينجو من النار ويبطلوا قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُم ◌ِنَّا ﴾ ما أجرأ لقدرته على الله عز وجل(١). عَذَابُ (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (١٥٩٢ - ٢٥٧٥). - ١٦٧ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ٢٧٢- حدثنا إبراهيم بن عمروس الهمذاني، قال: حدثنا العباس بن يزيد البحراني، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أيوب بن جابر الحنفي، يقول: قدم صاحب غيلان الكوفة في منازعة أبي حنيفة في القدر، فنازعه فيها أهل الكوفة، فغلبهم صاحب غيلان غير أبي حنيفة، فكلمه أبو حنيفة في دار عمرو بن حريث، واجتمع عامة المتنازعين من المتفقهين والمتكلمين، فقال صاحب غيلان لأبي حنيفة: تسأل أو أسأل؟ فقال له أبو حنيفة: سل عما بدا لك، وإذا نفدت مسائلك سألتك عن مسألتين أو ثلاث، لا أجاوز عنها، فسأل صاحب غيلان أبا حنيفة فقال له: أخبرني ما شاء الله لفرعون؟ قال: شاء له الكفر ولم يشأ له ما فيه إبطال علمه، قال: فما شاء إبليس لفرعون، قال: شاء له الكفر، قال: فما شاء فرعون لنفسه، قال: شاء لها الكفر، قال فما شاء موسى لفرعون؟ قال: شاء له الإيمان، قال له: يا أبا حنيفة أليس اجتمع مشيئة الله ومشيئة إبليس ومشيئة فرعون على الكفر، وخالف مشيئة موسى مشيئة الله، قال أبو حنيفة: إن الله عز وجل شاء لموسى أن يشاء له الإيمان، وشاء لإبليس أن يشاء لفرعون الكفر، وشاء لفرعون أن يشاء لنفسه الكفر، وكل بمشيئته شاؤوا، ثم قال له أبو حنيفة: إني سائلك هل تقر بكتاب الله عز وجل؟ قال: بلى، أنا مقر، قال أبو حنيفة: أرأيت قول الله تعالى في كتابه: ﴿ إِنَّا وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ جَعَلْنَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) ﴾ [الزخرف: ٣، ٤] أتقر أن القرآن الذي أنزله الله عز وجل على نبيه - ١٦٨ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع محمد صلى الله عليه وسلم في اللوح المحفوظ؟ قال: نعم أنا به مقر، قال أبو حنيفة: أليس ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ فيها؟ قال: بلى، قال أبو حنيفة: فهل كان أبو لهب يستطيع أن يؤمن بالله ونبيه، ويكون رجلاً صالحاً حتى يموت عليه ويدخل الجنة ويبطل هذه السورة في أم الكتاب؟ قال: فأطرق صاحب غيلان يتفكّر، فقال له أبو حنيفة: إن قلت إنه كان يستطيع فقد جهلت ربّك وكذبته، وإن قلت: لا، رفضت قولك ونقضته، قال: صدقت، فهات الأخرى، قال له أبو حنيفة: أمؤمن أنت؟ قال: نعم، قال له: من أين تعلم أنك مؤمن وتدعي مثل دعواك أمم كثيرة وهم على مثل ما أنت عليه من الدعوى؟ قال: أعلم أني مؤمن، لأن المسلمين أخبروني بذلك، وأراهم عليه، قال: هم في هذا مثلك، وهم خصماء والخصم لا شهادة له، قال صاحب غيلان: أخبرني أبواي وأهل بيتي، قال أبو حنيفة: هم في ذلك خصماء، لأنهم على ما أنت عليه، ولا شهادة لهم، قال صاحب غيلان: فكتاب الله عز وجل أخبرني ودلّني، قال أبو حنيفة: فمن أين تعلم أن هذا كتاب الله؟ هل رأيت جبرئيل حين يوحى به إلى النبي صلی الله عليه وسلم؟ أم هل رأيت النبي فتعلمت منه؟ قال صاحب غيلان: علمت بك لما بصرني الله وألهمني، فقال أبو حنيفة: صدقت، فهل بصر الله الكافر وألهمه مثل الذي بصرك وألهمك، فأطرق صاحب غيلان ساعة ثم رفع رأسه فقال: يا أبا حنيفة جزاك الله عن الإسلام خيراً ما أعظم نفعك(١). (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٢١٩). - ١٦٩ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ٢٧٣- حدثنا إسماعيل بن بشر، قال: سمعت مقاتل بن إبراهيم، يقول: سمعت أبا مقاتل، يقول: شهدت أبا حنيفة يناظر صاحب غيلان في باب من أبواب القدر، فكان صاحب غيلان ينكر أن يكون الله خلقه، وكان يقول: الله لا يخلق في عباده شيئاً، ثم يغضب منه ويعذب عليه، فكان أبو حنيفة يحتج عليه بكتاب الله عز وجل بقوله: ﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وبقوله: ﴿ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وبقوله: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]، وبقوله: ﴿فَأَصَمَّهُمْ ﴾ [محمد: ٢٦]، وبقوله: ﴿ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عٍِ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَأَعْمَى وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وبقوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحشر: ١٠]، وبقوله: ﴿ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ, يَجْعَلْ صَدْرَهُ، ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، في أمثال هذه الآيات، قال: فنسب الله عز وجل خلق هذه الأشياء إلى نفسه، وجعلها في قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنت تنفيها عنه، فأنت مخالف الله في قولك، منازع الله في ملكه، حيث جعلت في العباد وبين العباد شيئاً لم يخلقه، والله عز وجل يقول: كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (١١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١، ١٠٢]، وقال: ﴿ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَى اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢، ٦٣]، كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ تُؤْفَكُونَ (٦) فتحيّر صاحب غيلان، ودُهش ولم يتهيأ للكلام، وأحسب أنه تاب ورجع - ١٧٠ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع عن قوله(١). ٢٧٤- حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن داود النيسابوري، قال: حدثنا يحيى بن أكثم، قال: سمعت الفضل بن موسى، يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إن الله لا يُسأل عن فعله، ولا ترد عليه المسائل كما فعلت المعتزلة، لأن الله تبارك وتعالى قد يبتلي من خلقه من لم يعصه قط مثل الرضيع، فيعذبه بالحرق والغرق والهدم والعمى والصمم والبكم، وكذلك منه تبارك وتعالى عدل، ومن توهم غير ذلك فقد خرج من الدين، ولله الدنيا والآخرة، ففعله في الدنيا والآخرة عدل، ولو أن والداً فعل بولده الرضيع شيئاً من ذلك ينسب إلى الظلم والسفه والجور، قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَضْرِ بُوالِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤](٢). ٢٧٥- حدثني قيس بن محمد الجوزجاني، قال: حدثنا موسى بن نصر، قال: حدثني أبو إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم، قال: إن جهم ابن صفوان قصد أبا حنيفة للكلام، فلما لقيه قال له: يا أبا حنيفة أتيتك لأكلمك في أشياء قد تهيأتها لك، فقال أبو حنيفة: الكلام معك عارٌ والخوض فيما أنت فيه نار تتلظى، فقال: كيف حكمتَ علي بما حكمت (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٣١٦٠). (٢) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٧٠٢). - ١٧١ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ولم تسمع كلامي ولم تلقني؟ قال: بُلْغتُ عنك أقاويل، لا يقولها أهل الصلاة، قال: أفتحكم عليّ بالغيب، قال: اشتهر ذلك عنك، وظهر عند العامة والخاصة، فجاز لي أن أحقق ذلك عليك، فقال: يا أبا حنيفة لا أسألك عن شيء إلا عن الإيمان، فلا تجيبني [عن شيء إلا] عن الإيمان؟ فقال له: أولم تعرف الإيمان إلى الساعة حتى تسألني عنه، قال: بلى ولكن شككت في نوع منه، قال: الشك في الإيمان كفرٌ، فقال: لا يحل لك أن لا تبين لي من أي وجه يلحقني الكفر، فقال: سلْ، فقال: أخبرني عن من عرف الله بقلبه، وعرف أنه واحدٌ لا شريك له ولا ندّ، وعرفه بصفاته أنه ليس كمثله شيء، ثم مات قبل أن يتكلم بلسانه أمؤمناً مات أم كافراً، قال: كافراً من أهل النار حتى يتكلم بلسانه مع ما عرفه بقلبه، قال: وكيف لا يكون مؤمناً وقد عرف الله بصفاته، فقال له أبو حنيفة: إن كنت تؤمن بالقرآن وتجعله حجة كلمتك به، وإن كنت لا تؤمن به ولا تجعله حجة كلمتك بما تكلم به من خالف ملة الإسلام، فقال: أؤمن بالقرآن وأجعله حجةً، فقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: وجدنا الله تبارك وتعالى جعل الإيمان في كتابه بجارحتين: بالقلب واللسان، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ اُلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ (٣) فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (١) تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة، الآيات: ٨٣ - ٨٥]، فأوجب لهم الجنة - ١٧٢ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع بالمعرفة والقول، وجعلهم(١) المؤمنين بالجارحتين بالقلب واللسان، وقال: قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٦، ١٣٧]، وقال: ﴿ وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ [الفتح: ٢٦]، وقال: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾. [الحج: ٢٤]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا))، ((فلم يجعل لهم الفلاح بالمعرفة دون القول، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه كذا)) [ولم(٢) يقل] يخرج من النار من عرف الله وكان في قلبه كذا، ولو كان القول لا يحتاج إليه ويُكتفى بالمعرفة، لكان من رد الله باللسان، وأنكر الله بلسانه إذا عرفه بقلبه مؤمناً، ولكان إبليس مؤمناً، لأنه عرف بربّه، فعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومغويه قال: ﴿رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْنَنِ﴾ [الحجر: ٣٩]، وقال: ﴿ أَنِظِرْنِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤]، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولكان الكفار مؤمنين بمعرفتهم ربهم وإن أنكروا بلسانهم، قال الله تعالى: وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، فلم يجعلهم مع استيقانهم (١) في الأصل: (فجعلهم) والمثبت من ((المناقب)). (٢) في الأصل طمس، والمثبت من ((المناقب)) للموفق المكي (١٢٥). - ١٧٣ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع بأن الله واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم، وقال تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ [النحل: ٨٣]، وقال تعالى: اُللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْتُهُمُ قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ الَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَتَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ الْحَقُّ﴾ [يونس: ٣١، ٣٢]، فلم ينفعهم معرفتهم مع إنكارهم، وقال: ﴿ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، يعني النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنفعهم المعرفة مع كتمانهم أمره وجحودهم به، فقال له جهم: قد أوقعت في خلدي شيئاً فسأرجع إليك، فقام من عنده ولم يعُد إليه (١). ٢٧٦- سمعت أبا زيد، يقول: قال المسيب: قال أبو جعفر: قال النضر بن محمد: قيل لأبي حنيفة: إن أهل خراسان أخذوا في كلام جهم، وهذه الأهواء، فقال: إن أهل خراسان أخذوا في أمرِ العِلمُ به جهلٌ (٢). ٢٧٧- حدثنا موسى بن أفلح، قال: حدثنا إسحاق بن بشر، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: أخبرنا المضارب بن عبد الله، قال: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: قال لي عمرو بن عبيد: أفعال العباد ما هي عندك؟ قلت له: أفعال العباد من العباد كسب، ومن الله خلق، فقال: ما يفعله العباد (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٣٧٨٦). (٢) ((كشف الآثار)) للحارثي (٢٥٨٢). - ١٧٤ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع أيخلقه الله؟ قلت له: لا يقال هكذا، ولكن يخلقه الله مع فعل العباد، ... (١) فعله ولا خالق إلا الله، وهو مدبر الأمور، قال: وكيف يعقل هذا أن يكون الفعل ينسب إلى الفاعل ولله فيه صنع، قلت له: هذا ظاهر فكيف اشتبه عليك؟ قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَهُمُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يُحِى، وَيُمِيتُ﴾ [الحديد: ٢]، وقال عز وجل: ﴿يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، اُللَّهُ وقال: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقال: مِائَةَ عَامٍ ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقال حاكياً عن طائفة من خلقه: ﴿رَبَّنَآ أَمَّنَا أَثْنَيْنِ﴾. [غافر: ١١]، ثم قال تعالى: ﴿يَتَوَقَّنَكُم مَّلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وقال: ﴿تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، فنسب تعالى توفي الأنفس إلى نفسه وإلى ملك الموت وإلى الرسل وهي وفاة واحدة، فهي منسوبة إلى الله تعالى من جهة وإلى ملك الموت من جهة وإلى الرسل من جهة، والجهات مختلفة، وقال تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فالرمي منسوب إلى الله عز وجل من جهة وإلى الرامي من جهة وهو رمي واحد، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾. [الأنفال: ١٧]، وهو قتل واحد منسوب إلى الله عز وجل من جهة وإلى الفاعل من جهة، وقال تعالى لعيسى صلوات الله عليه وعلى محمد وعلى (١) في الأصل طمس. - ١٧٥ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع جميع الأنبياء والمرسلين: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا پإذْنِى ﴾ فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ [المائدة: ١١٠]، فكان منه عملاً ومن الله خلقاً، وأمثال هذا في القرآن كثير، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فمن قال غير هذا فقد ردّ على الله وخالف القرآن وقال بغير المعقول، إذ لا خالق إلا الله ولا مدبر إلا هو، فمن جعل خلق العباد وإنشاءها وتدبيرها إلى العباد فقد جعل الله شريكاً، وجعل في الأرض آلهة كثيرة، قال: فقام عني، قد قبض بين عينيه يتذمّر في نفسه ومرّ (١). ٢٧٨- أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقیه، أنا أبو محمد بن حیان، أنا أحمد بن جعفر بن نصر، ثنا يحيى بن يعلى، قال: سمعت نعيم بن حماد، يقول: سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة، يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما، فدخلت الكوفة، فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن ههنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له: أبو حنيفة. فأتته، فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها وقد وضع كتابين: الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض. فقال له (١) ((كشف الآثار)) للحارثي (٣٨٧٣). - ١٧٦ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع رجل: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إني معك وأنت غائب عنه. قلت: لقد أصاب أبو حنيفة رضي الله عنه فيما نفى عن الله عز وجل من الكون في الأرض. وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله عز وجل في السماء ومراده من تلك والله أعلم، إن صحت الحكاية عنه، ما ذكرنا في معنى قوله: ﴿ءَأَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَآءِ﴾ [الملك: ١٦] وقد روى عنه أبو عصمة أنه ذكر مذهب أهل السنة، وذكر في جملة ذلك: وإنا لا نتكلم في الله بشيء (١). باب: أعمال العباد هل هي مخلوقة؟ ٢٧٩- حدثنا أبو نصر محمد بن محمد بن سلام، قال: سمعت نصير ابن یحیی، قال: حدثني أبو عمر الدوري، قال: سئل أبو حنيفة عن الكفر: مخلوقٌ أو غير مخلوق؟ قال: سبحان الله! مخلوقٌ، قيل: هو فعل العباد فكيف يكون مخلوقاً؟ قال: هو من الله عز وجل خلقٌ، ومن العباد فعلٌ، قيل له: فكيف نعلم ذلك، قال: من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَاكَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اُللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٠]، ومن قوله: ﴿ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِيَ إِمَامِ قُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، والكفر والإيمان وأعمال العباد وآثارهم (١) ((الأسماء والصفات)) للبيهقي (٩٠٥). - ١٧٧ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع مما أحصى الخالق قبل أن يخلقهم، وقال: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. [الصافات: ٩٦](١). باب: المعاصي لا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ٢٨٠- محمد، قال: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا عبد الكريم بن أبي المخارق، عن طاووس، قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: يا أبا عبد الرحمن، أرأيت هؤلاء الذين يسرقون أعلاقنا ويفتحون أبوابنا، أكفارّ هم؟ قال: لا، قال: أرأيت هؤلاء الذين يتأوّلون من القرآن، ويشهدون علينا بالكفر، ويستحلون دماءنا، أكفارٌ هم؟ قال: لا، فكيف إذاً قال: لا، حتى يجعلوا مع الله شريكاً مثنى مثنى. قال طاووس: كأني أنظر إلى إصبع ابن عمر رضي الله عنهما وهو يحركها(٢). ٢٨١- کتب إلي صالح بن أبي رمیح، ثنا يحيى بن خالد المهلبي، ثنا أبو معاذ، ثنا أبو حنيفة، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن طاووس، قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله فقال: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت الذين (١) ((كشف الآثار)) الحارثي (٣٨٠١). (٢) ((الآثار)) للإمام محمد بن الحسن الشيباني (٣٧١)، والخبر أخرجه البخاري (٤٦٥٨) من طريق زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة، فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية ﴿ فَقَئِلُواْ أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ﴾ إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة، فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرونا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفساق. - ١٧٨ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع يكسرون أغلاقنا، وينقبون بيوتنا، ويغيرون على أمتعتنا أكفروا؟ قال: لا، قال: أرأيت هؤلاء الذين يتألون علينا، ويسفكون دماءنا أكفروا؟ قال: لا، حتى يجعلوا مع الله شيئاً، وأنا أنظر إلى أصبعَي ابن عمر، وهو يحركهما، ويقول: سنة محمد صلى الله عليه وسلم(١). ٢٨٢- حدثنا حمدان بن ذي النون، وعبد الصمد بن الفضل، قالا: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حنيفة، عن عبد الكريم أبي أمية، عن طاووس اليماني رحمة الله عليهم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رجلاً سأله فقال: يا أبا عبد الرحمن أرأيت هؤلاء الذين يكسرون أغلاقنا، وينقبون بيوتنا، ويغيرون على أمتعتنا أكفروا؟ قال: لا، قال: أرأيت هؤلاء الذين يتألون علينا(٢) ويشهدون علينا، ويستحلون دماءنا أكفروا؟ قال: لا، حتى يجعلوا مع الله إلهاً آخر(٣). ٢٨٣- الحافظ طلحة بن محمد روى في ((مسنده))، عن أحمد بن محمد ابن سعيد، عن إسماعيل بن محمد بن أبي كثير، عن مكي بن إبراهيم، عن أبي حنيفة (٤). (١) ((المسند)) الحارثي (١١٧١). (٢) في الأصل: (يتوالون عليا) والتصويب من ((المسند)) للحارثي (١١٧١). (٣) ((كشف الآثار)) الحارثي (٣٤٠٦). (٤) ((مسند)) طلحة بن محمد، كما في ((جامع المسانيد)) (١٥٢). - ١٧٩ - الموسوعة الحديثية المجلد الرابع ٢٨٤- القاضي عمر بن الحسن الأشناني روى في ((مسنده))، عن عبد الله بن أحمد بن أسيد الأصبهاني، عن أحمد بن رستة، عن محمد بن المغيرة، عن الحكم بن أيوب، عن زفر بن الهذيل، عن أبي حنيفة رضي الله عنه(١). ٢٨٥- وروى أيضاً عن إسماعيل بن محمد بن أبي كثير، عن مكي ابن إبراهيم، عن أبي حنيفة رضي الله عنه، عن عبد الكريم بن أبي المخارق، عن طاوس، قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت الذين يكسرون أغلاقنا وينقبون بيوتنا ويغيرون علی أمتعتنا، أکفروا؟ قال: لا، قال: أرأيت هؤلاء الذين يتأولون علينا ويسفكون دماءنا أكفروا؟ قال: لا، حتى يجعلوا مع الله شيئاً، وأنا أنظر إلى إصبعَي ابن عمر وهو يحركهما، وهو يقول: سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم(٢). ٢٨٦- أخبرنا أبو القاسم بن أحمد بن عمر، قال: أخبرنا عبد الله بن الحسن الخلال، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن عمر بن أحمد، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن حبیش، قال: حدثنا محمد بن شجاع، قال: حدثنا الحسن بن زياد، قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن عبد الكريم، عن طارق (١) ((مسند)) عمر بن الحسن الأشناني، كما في ((جامع المسانيد)) (١٥٢). (٢) ((مسند)) عمر بن الحسن الأشناني، كما في ((جامع المسانيد)) (١٥٢). - ١٨٠ -