النص المفهرس
صفحات 301-320
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وكان عاملاً زاهداً عابداً ورعاً تقيّاً كثير الخشوع دائم التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل [فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، وقال: إني لن أصلح إلى قضاء] فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أياماً ليكفر بذلك عن يمينه، ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع: رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا ترعي أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب ولو اتجه الحكم عليك، ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال له: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب. وحكى الخطيب أيضاً في بعض الرويات: أن المنصور لما بنى مدينته ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عيله قضاء الرصافة فأبى، فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل، قال: نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال - ٣٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، قال: ليس له علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة معتمداً على أن يقول قطع عليه وضرب بيده إلى كمه، فحل صرة وأخرج درهمين ثقيلين للصفار وقال: هذان الدرهمان عوض عن باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال: نعم، فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتکی أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات. وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد، آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وكان أحمد بن حنبل، رضي الله عنه، إذا ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب أحمد على القول بخلق القرآن. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبت ما يبكيك فقال: يا بني، في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي عشرة أيام، في كل يوم عشرة أسواط، على أن يلي القضاء، فلم يفعل. والكناسة، بضم الكاف، موضع بالكوفة. - ٣٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قال الفضل بن غانم: كان أبو يوسف مريضاً شديد المرض فعاده أبو حنيفة مراراً، فصار إلى آخر مرة، فرآه ثقيلاً فاسترجع ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير. ثم رزق العافية وخرج من الغد فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فيه فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه فعقد لنفسه مجلساً في الفقه، وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة فسأل عنه فأخبر أنه عقد مجلساً وأنه يلقي كلامك فيه، فدعا رجلاً كان له عنده قدر فقال: سر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوباً ليقصره بدرهم فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب، فقال له القصار: ما لك عندي شيء وأنكره، ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع له الثوب مقصوراً، أله أجرة فإن قال لك: له أجرة فقل له أخطأت، وإن قال: لا أجرة له فقل: أخطأت؛ فسار إليه وسأله، فقال أبو يوسف: له أجرة، فقال: أخطأت، فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له، فقال له: أخطأت، فقام أبو يوسف من ساعته فأتى أبا حنيفة فقال: ما جاء بك إلى مسألة القصار، قال: أجل، قال: سبحان الله، من قعد بفتي الناس وعقد مجلساً يتكلم في دين الله وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات، فقال: يا أبا حنيفة، علمني، فقال: إن کان قصره بعدما غصبه فلا أجرة لأنه قصر لصاحبه؛ ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه. وكان أبو حنيفة حسن الوجه حسن المجلس، شديد الكرم حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل كان طوالا - ٣٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث تعلوه سمرة، أحسن الناس منطقاً وأحلاهم نغمة. وذكر الخطيب في تاريخه أن أبا حنيفة رأى في المنام كأنه ينبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فبعث من سأل ابن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثور علما لم يسبقه أحد قبله. قال الشافعي رضي الله عنه: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة فقال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته. وروى حرملة بن يحيى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، هكذا نقله الخطيب في تاريخه. وقال يحيى بن معين: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة على هذا أدركت الناس. وقال جعفر بن الربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح وسال كالوادي، وسمعت له دويّاً وجهارة في الكلام. وكان إماماً في القياس؛ قال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة - ٣٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعنده حجام يأخذه من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: لا تزد، فقال: ولم؟ قال: لأنه يكثر، قال: فتتبع مواضع السواد لعله يكثر، وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام. وقال عبد الله بن رجاء: کان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسکاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحماً فطبخه أو سمكة فیشویها ثم لا یزال یشرب، حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت، وهو يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة، وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، فقال الأمیر: ایذنوا له وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببغلته، ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ فقال: لي جار إسكاف أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه وقال: يا فتى أضعناك؟ فقال: لا، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيراً عن حرمة الجوار ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان عليه. - ٣٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال ابن المبارك: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وشوي لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل فلم يجدوا شيئاً يصبون فيه الخل، فتحيروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرة وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بالخل، فقالوا: تحسن كل شيء، فقال: عليكم بالشكر، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلاً من الله عليكم. وحكى الحسن بن زياد قال: دفن رجل مالاً في موضع، ثم نسي في أي موضع دفنه فلم يقع عليه، فجاء إلى أبي حنيفة فشكا إليه فقال له أبو حنيفة: ما هذا فقه فأحتال لك، ولكن اذهب فصل الليلة، ففعل الرجل، ولم يقم إلا أقل من ربع الليل حتى ذكر الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره، فقال له: قد علمت أن الشيطان لا يدعك تصلي حتى يذكرك، فهلا أتممت ليلتك شكراً لله عز وجل. وقال ابن شبرمة: كنت شديد الازراء على أبي حنيفة، فحضر الموسم و کنت حاجّاً يومئذ، فاجتمع إليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل فقال: يا أبا حنيفة: قصدتك أسألك عن أمر أهمني وأزعجني، قال: وما هو؟ قال: لي ولد وليس لي غيره، فإن زوجته طلق، وإن سريته أعتق، وقد عجزت عن هذا فهل من حيلة؟ قال له: نعم اشتر الجارية التي يرضاها لنفسه ثم زوجها منه، فإن طلق رجعت إليك مملوكتك وإن أعتق أعتق ما لا يملك، وإن ولدت ثبت نسبه لك، فعلمت أن الرجل فقيه من يومئذ وكففت عن ذكره إلا بخير. - ٣٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال ابن المبارك أيضاً: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله، ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً له قط، فقال: هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما یذهبها. وقال أبو يوسف: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة، فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة، قال: وكيف؟ قال: يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور وقال: يا ربیع، لا تتعرض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي، قال: لا، ولكنك أردت أن تشيط بدمي فخلصتك وخلصت نفسي. وكان أبو العباس الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على المنصور، وكثر الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم الباطل؟ فقال: بالحق، قال: أنقذ الحق حيث كان ولا تسأل عنه؛ ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته. - ٣٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال يزيد بن الكميت: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن الحسن المؤذن ليلة العشاء الأخيرة سورة ((إذا زلزلت)) وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيراً، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت وإذا القنديل يزهر وهو قائم، فلما دخلت قال لي: تريد أن تأخذ القنديل، قلت: قد أذنت لصلاة الغداة، فقال: اکتم علي ما رأیت، وركع ركعتين وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل. وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليله يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة وكان يسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك! لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء. - ٣٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ومناقبه وفضائله كثيرة، وقد ذكر الخطيب في تاريخه منها شيئاً كثيراً، ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق في تركه والإضراب عنه، فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه، ولا في ورعه وتحفظه، ولم یکن یعاب بشيء سوى قلة العربية، فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء المقرىء النحوي - المقدم ذكره - سأله عن القتل بالمثل: هل يوجب القود أم لا؟ قفال: لا، كما هو قاعدة مذهبه خلافاً للإمام الشافعي رضي الله عنه، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق، فقال: ولو قتله بأبا قبيس، يعني الجبل المطل على مكة حرسها الله تعالى. وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنه قال ذلك على لغة من يقول: إن الكلمات الست المعربة بالحروف - وهي أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال - أن إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف، وأنشدوا في ذلك: إن أباها وأبا وأباها قد بلغنا في المجد غايتاها وهي لغة الكوفيين، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، فهي لغته، والله أعلم. وهذا وإن كان خروجاً عن المقصود لكن الكلام ارتبط بعضه ببعض فانتشر. وكانت ولادة أبي حنيفة سنة ثمانين للهجرة، وقيل سنة إحدى وستين، والأول أصح، وتوفي في رجب، وقيل في شعبان سنة خمسين ومائة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى من السنة، وقيل - ٣٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث إحدى وخمسين، وقيل ثلاث وخمسين، والأول أصح؛ وكانت وفاته في السجن ليلي القضاء فلم يفعل، هذا هو الصحيح، وقيل إنه لم يمت في السجن، وقيل توفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي رضي الله عنهما، ودفن بمقبرة الخيزران، وقبره هناك مشهور یزار. وزوطى: بضم الزاي وسكون الواو وفتح الطاء المهملة وبعدها ألف مقصورة، وهو اسم نبطي. وكابل: بفتح الكاف وضم الباء الموحدة بعد الألف وبعدها لام، وهي ناحية معروفة من بلاد الهند ينسب إليها جماعة من العلماء وغيرهم. وأما بابل والأنبار فهما معروفان فلا حاجة إلى الكلام عليهما. وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملك شاه السلجوقي على قبر الإمام أبي حنيفة مشهداً وقبة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنيفة، ولما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعين ليشاهدوها، فبينما هم هناك إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر سعود المعروف بالبياض الشاعر - المقدم ذكره - وأنشده: ألم تر أن العلم كان مبدداً فجمعه هذا المغيب في اللحد فأنشرها فعل العميد أبي سعد كذلك كانت هذه الأرض ميتة فأجازه أبو سعد جائزة سنية. ولهذا أبي سعد مدرسة بمدينة مرو، وله عدة ربط وخانات في المفاوز، - ٣١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وكان كثير الخير وعمل المعروف، وانقطع في آخر عمره عن الخدمة ولزم بيته، وكانوا يراجعونه في الأمور، وتوفي في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة بأصبهان، رحمه الله تعالى. وكان بناء المشهد والقبة في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وقد تقدم في ترجمة ألب أرسلان محمد والد السلطان ملك شاه أنه بنى مشهداً على قبر الإمام أبي حنيفة، وکذلك وجدته في بعض التواريخ، وقد غاب عني الآن من أين نقلته، ثم وجدت بعد ذلك أن الذي بنى مشهداً والقبة أبو سعد المذكور، والظاهر أن أبا سعد بناهما نيابة عن ألب أرسلان المذكور، وهو كان المباشر كما جرت عادة النواب مع ملوكهم، فنسبت العمارة إليه بهذه الطريق، ويدل على ذلك أن تاريخ العمارة في أيام ألب أرسلان، أبو سعد كان مستوفياً في أيامه، ثم استمر على وظيفته في أيام ولده ملك شاه، وهذا إنما ذكرته لنجمع بين النقلين، والله أعلم. تهذيب التهذيب لابن حجر ٨١٧ - ((ت س - النعمان)) بن ثابت التيمي أبو حنيفة الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، وقيل إنه من أبناء فارس، رأى أنسا، وروى عن: عطاء بن أبي رباح، وعاصم بن أبي النجود، وعلقمة بن مرثد، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وعلي بن الأقمر، وزياد بن علاقة، وسعيد بن - ٣١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث مسروق الثوري، وعدي بن ثابت الأنصاري، وعطية ابن سعيد العوفي، وأبي سفيان السعدي، وعبد الكريم أبي أمية، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة في آخرین. وعنه: ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وحمزة بن حبيب الزيات، وزفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، وأبو يحيى الحماني، وعيسى بن يونس، ووكيع، ويزيد بن زريع، وأسد بن عمرو البجلي، وحكام بن يعلى بن سلم الرازي، وخارجة بن مصعب، وعبد المجيد بن أبي رواد، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر العبدي، وعبد الرزاق، ومحمد بن الحسن الشيباني، ومصعب بن المقدام، ويحيى بن يمان، وأبو عصمة نوح بن أبي مريم، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو عاصم وآخرون. قال العجلي: أبو حنيفة کوفي تیمي من رهط حمزة الزيات، کان خزازا يبيع الخز، ويروى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال، نحن من أبناء فارس الأحرار، ولد جدي النعمان سنة ثمانين، وذهب جدي ثابت إلى علي وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. وقال محمد بن سعد العوفي: سمعت ابن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال صالح بن محمد الأسدي عن ابن معين: كان أبو حنيفة ثقة في الحديث. وقال أبو وهب ومحمد بن مزاحم: سمعت بن المبارك يقول: أفقه الناس أبو حنيفة، ما رأيت في الفقه مثله. وقال أيضا: لولا أن الله تعالى أغاثني بأبي حنيفة - ٣١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وسفيان كنت كسائر الناس. وقال بن أبي خيثمة: ثنا سليمان بن أبي شيخ قال: كان أبو حنيفة ورعا سخيا. وعن ابن عيسى بن الطباع سمعت روح بن عبادة يقول: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة فأتاه موت أبي حنيفة فاسترجع وتوجع، وقال: أي علم ذهب. قال: وفيها مات ابن جریچ. وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. وقال أحمد بن علي بن سعيد القاضي: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال الربيع وحرملة: سمعنا الشافعي يقول: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. ويروى عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل يعني بعد ذلك. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه قال: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله تعالى وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء. وقال علي بن معبد: ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، قال: كلم بن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. وقال ابن أبي داود: عن نصر بن علي سمعت بن داود يعني الخريبي يقول: الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل. وقال أحمد بن عبدة قاضي الري عن أبيه: كنا عند - ٣١٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ابن أبي عائشة فذكر حديثا لأبي حنيفة ثم قال: أما أنكم لو رأيتموه لأردتموه فما مثله ومثلكم إلا كما قيل: أقلُّوا عليهم ويلكم لا أبا لكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا وقال الصغاني عن ابن معين: سمعت عبيد بن أبي قرة يقول: سمعت يحيى بن الضريس يقول: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبي حنيفة، قال: وما له، قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد فبقول الصحابة آخذ بقول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين وعطاء فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا. قال أبو نعيم وجماعة: مات سنة خمسين ومائة. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن بن معين: مات سنة إحدى وخمسين. له في كتاب الترمذي من رواية عبد الحميد الحماني عنه قال: قال: ما رأيت أكذب من جابر الجعفي ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وفي كتاب النسائي حديثه عن عاصم بن أبي ذر عن ابن عباس قال: ليس على من أتى بهيمة حد. قلت: وفي رواية أبي علي الأسيوطي والمغاربة عن النسائي قال: ثنا علي ابن حجر، ثنا عيسى هو بن يونس عن النعمان عن عاصم فذكره. ولم ينسب النعمان، وفي رواية ابن الأحمر يعني أبا حنيفة أورد عقيب حديث الدراوردي عن عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) الحديث. وليس هذا - ٣١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الحديث في رواية حمزة ابن السني، ولا ابن حيوة عن النسائي وقد تابع النعمان عليه عن عاصم سفيان الثوري، ومناقب الإمام أبي حنيفة كثيرة جدا فرضي الله تعالى عنه وأسكنه الفردوس آمين. طبقات الحفاظ للذهبي ١٦٣ - ١٠/ ٥ - أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان ابن ثابت بن زوطی التیمي مولاهم الکوفي: مولده سنة ثمانین، رأی أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة رواه ابن سعد عن سيف بن جابر أنه سمع أبا حنيفة يقوله. وحدث عن: عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وعدي بن ثابت، وسلمة بن كهيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو بن دینار، وأبي إسحاق، وخلق كثير. تفقه به زفر ابن الهذيل، وداود الطائي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ونوح الجامع، وأبو مطيع البلخي وعدة. وكان قد تفقه محماد بن أبي سليمان وغيره، وحدث عنه: وکیع، ویزید بن هارون، وسعد بن الصلت، وأبو عاصم، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وبشر كثير. وكان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا کبیر الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل یتجر ویتکسب. قال ضرار بن صرد: سئل يزيد بن هارون أيما أفقه: الثوري أم أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: - ٣١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أبو حنيفة أفقه الناس. وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد: ما رأيت أحداً أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن يحيى بن معين قال: لا بأس به لم يكن يتهم ولقد ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضیا. قال أبو داود رحمه الله: إن أبا حنيفة كان إماما. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: كنت أمشي مع أبي حنيفة فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال: والله لا يتحدث الناس عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعا. قلت: مناقب هذا الإمام قد أفردتها في جزء. كان موته في رجب سنة خمسين ومائة رضي الله عنه. أنبأنا ابن قدامة، أخبرنا بن طبرزد، أنا أبو غالب بن البناء، أنا أبو محمد الجوهري، أنا أبو بكر القطيعي، نا بشر بن موسى، أنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن أبي حنيفة عن عطاء عن جابر: أنه رآه يصلي في قميص خفيف ليس عليه إزار ولا رداء قال: ولا أظنه صلى فيه إلا ليرينا أنه لا بأس بالصلاة في الثوب الواحد. العبر في خبر من غبر للذهبي وفي رجب توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة. ومولده سنة ثمانين. رأى أنساً، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته. وتفقه على حماد بن أبي سليمان. وكان من أذكياء - ٣١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء. وكان لا يقبل جوائز الدولة بل ينفق ويؤثر من كسبه. له دار كبيرة لعمل الخز، وعنده صُناع وأجراءُ. قال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل. فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل. فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. وقد روي أن المنصور سقاه السم فمات شهيداً رحمه الله، سمّه لقيامه مع إبراهيم. مرآة الجنان وعبرة اليقظان لعفيف الدين اليافعي حكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الناس كلهم عيال على ثلاثة: على مقاتل بن سليمان في التفسير، وعلى زهير بن أبي سلمى في الشعر، وعلى أبي حنيفة في الكلام. وروي أن أبا جعفر كان جالساً فسقط عليه الذباب فطيره، فعاد إليه فألح عليه وجعل يقع على وجهه وأكثر من السقوط عليه مراراً حتى أضجره، فقال المنصور: انظروا من بالباب، فقيل له مقاتل بن سليمان، فقال علي به، فأذن له فلما دخل عليه، قال: هل تعلم لماذا خلق الله الذباب؟ قال: نعم، ليذل الله عز وجل به الجبابرة، فسكت المنصور. - ٣١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال مرة مقاتل: سلوني عن ما دون العرش، فقيل له من حلق رأس آدم عندما حج؟، فقال ليس هذا من علمكم، ولكن الله تعالى أراد أن يبتليني لما أعجبتني نفسي. وقال له آخر: الذرة أو النملة معاؤها في مقدمها أو مؤخرها؟ فبقي لا يدري ما يقول له. قال الراوي: فظننت أنها عقوبة عوقب بها. وقد اختلف العلماء في أمره، فمنهم من وثقه في الرواية، وطعن فيه خلق كثير من الأئمة، ونسبوه إلى الكذب. وفيها توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، ومولده سنة ثمانين، رأى أنساً، وروى عن عطاء بن أبي رباح وطبقته، وتفقه على حماد بن أبي سليمان، وكان من الأذكياء جامعاً بين الفقه والعبادة والورع والسخاء، وكان لا يقبل جوائز الولاة، بل ینفق ویؤثر من کسبه، له دار كبيرة لعمل الخز وعنده صناع الخز. قال الشافعي: كل الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أورع ولا أعقل من أبي حنيفة رضي الله عنه. وعن أبي يوسف قال: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. - ٣١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقيل إن المنصور سقاه سما فمات شهيداً رحمه الله، سمه لقيامه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان قد أدرك أربعة من الصحابة، هم أنس بن مالك بالبصرة وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكه رضي الله عنهم. قال بعض أصحاب التواريخ: ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، قال: ولم يثبت ذلك عند النقاد. وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)): أنه رأى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كما تقدم، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان. وسمع: عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب الصواف، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى عبد الله بن عمرو، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب. روى عنه: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، وكان عالماً عاملاً زاهداً ورعاً تقيّاً، كثير الخشوع، دائم التضرع إلى الله تعالى. ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف لتفعلن وحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي فأمر به إلى - ٣١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه تولى أياماً ولم يصح هذا من جهة النقل. وقال الربيع: رأيت المنصور يكلم أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول: اتق الله ولا تدع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضى، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم علي ثم تهددتني أن تغرقني في الفرات أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال: قد حكمت لي على نفسك، فكيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كذاب؟. قال الخطيب أيضاً في بعض الروايات: إن المنصور لما بنى مدينة ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة فجيء به، فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى، فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل؟ نعم، فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانق ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، فقال: ليس علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ فقال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما رآه أبو حنيفة مقداماً على اليمين قطع عليه وأخرج من صرة في كمه درهمين ثقيلتين، وقال للصفار - ٣٢٠ -