النص المفهرس
صفحات 281-300
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما يحفظه من وقت ما سمعه. ورواها أبو یوسف عنه. وعن أبي معاوية قال: حُبُّ أبي حنيفة من السنة وهو من العلماء الذين امتُحِنوا في الله. جاء من طرق متعددة أنه ضرب أياما لِيَلي القضاء فأبى. قال إسحاق بن إبراهيم الزهري عن بشر بن الوليد الكندي، قال: طلب المنصور أبا حنيفة فأرادَه على القضاء وحلف ليلينّ فأبى، وحلف أن لا يفعل، فقال الربيع حاجب المنصور: ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف! قال: أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني. فأمر به إلى السجن فمات فيه ببغداد. وقيل دفعه إلى صاحب الشرطة حميد الطوسي فقال له: يا شيخ إن أمير المؤمنين يدفع إليّ الرجل فيقول لي: اقتله أو قطعه أو اضربه، ولا علم لي بقصته، فما أفعل؟ فقال أبو حنيفة: هل يأمرك أمير المؤمنين بأمر قد وجب أو بأمر لم يجب؟ قال: بل بما قد وجَبَ، قال: فبادر إلى الواجب. وعن مغيث بن بُدَيل قال: دعا المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فامتنع، فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: لا أصلح، قال: كذبتَ، قال أبو حنيفة: - ٢٨١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح، فحبسه. قال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت الربيع بن يونس الحاجب يقول: رأيت المنصور تناول أبا حنيفة في أمر القضاء فقال: والله ما أنا بمأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، فلا أصلح لذلك، فقال: كذبت بل تصلح، فقال: كيف يحل لك أن تولي من يكذب؟ وقال أبو بكر الخطيب: قيل: إنه ولي القضاء، وقضى قضية واحدة وبقي يومين، ثم اشتكى ستة أیام ومات. وقال الفقيه أبو عبد الله الصيمري: لم يقبل العهد بالقضاء فضرب وحُيس ومات في السجن. قال أحمد بن الصباح: سمعت الشافعي يقول: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وقال حبان بن موسى: سئل ابن المبارك: أمَالِك أفقه أم أبو حنيفة؟ قال: أبو حنيفة. وقال الخريبي: ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل. - ٢٨٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال يحيى القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال علي بن عاصم: لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم. وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه أدق من الشعر لا یعیبه إلا جاهل. وقال الحميدي: سمعت ابن عيينة يقول: شيئان ما ظننتهما يجاوزان قنطرة الكوفة: قراءة حمزة، وفقه أبي حنيفة، وقد بلغا الآفاق. وعن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز، وأظنه بورك له في علمه. وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تفقه فإن إبراهيم النخعي لو کان حیا جالسه. وقال محمد بن شجاع: سمعت علي بن عاصم يقول: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف الناس لرجح بهم. قلت: وأخبار أبي حنيفة رضي الله عنه ومناقبه لا يحتملها هذا التاریخ فإني قد أفردت أخباره في جزأين. وقيل: إن المنصور سقاه السم لقيامه مع إبراهيم فعلى هذا يكون قد حصل الشهادة وفاز بالسعادة. - ٢٨٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قال أبو يوسف القاضي: كانت وفاته في شوال سنة خمسين ومائة. وقال الواقدي وأبو حسان الزيادي ويعقوب بن شيبة: مات في رجب سنة خمسین، ويقال مات في شعبان. وحديثه یقع عالیا لابن طبرزد. البداية والنهاية لابن كثير هو الإمام أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة؛ لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، قيل وغيره. وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة فالله أعلم. وروی عن جماعة من التابعين منهم: الحکم، وحماد بن أبي سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي. وروى عنه جماعة منهم: ابنه حماد، وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق ابن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي. قال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا. وقد کان یحیی بن سعید یختار قوله في الفتوى، و کان یحیی يقول: - ٢٨٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث لا نکذب الله! ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأکثر أقواله. وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت کسائر الناس. وقال فيه مالك: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، ومن أراد السير فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وقال عبد الله بن داود الحریبی: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة؛ لحفظه الفقه والسنن عليهم. وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه. وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل. وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض. وروى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلى بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكي حتى يرحمه جيرانه. ومكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعني سنة خمسين ومائة - وعن ابن معين سنة إحدى وخمسين. وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين. والصحيح الأول. وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلي - ٢٨٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك رحمه الله. طبقات علماء الحديث لشمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ١٥٣- أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى التيمي مولاهم الكوفي، الإمام فقيه العراق. مولده سنة ثمانین. رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، رواه ابن سعد عن سیف بن جابر أنه سمع أبا حنيفة يقوله. وحدَّث عن: عطاء، ونافع، وعبد الرحمن بن هُرمز الأعرج، وعدي ابن ثابت، وسلمة بن كهيل، وأبي جعفر محمد بن علي، وقتادة، وعمرو ابن دینار، وأبي إسحاق وخلق. تفقّه به زفر بن الهذيل، وداود الطائي، وأبو يوسف، ومحمد، وأسد ابن عمرو، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ونوح الجامع، وأبو مطيع البلخي وعدة. و کان قد تفقّه بحماد بن أبي سليمان وغيره. وحدّث عنه: و کیع، ویزید بن هارون، وسعد بن الصلت، وأبو عاصم، وعبد الرزاق، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن المقرئ وخلق. - ٢٨٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وكان إماماً ورعاً عالماً عاملاً، متعبداً، كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان بل يتَّجر ویتکسَّبُ. قال ضرار بن صرد: سئل يزيد بن هارون: أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه. وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. وقال يزيد: ما رأيت أحداً أورع ولا أعقل من أبي حنيفة. وقال أبو داود: رحم الله أبا حنيفة، كان إماماً. وروي عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: كنتُ أمشي مع أبي حنيفة، فقال رجل لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال: والله لا يُتحدّث عني بما لم أفعل، فكان يُحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرعاً. ومناقبه وفضائله كثيرة. وكان موته في رجب سنة خمسين ومائة، رحمه الله تعالى. الثقات للعجلي ١٨٥٣ - الثُّعْمَان بن ثابت أَبُو حنيفَة كُوفِي تيمي من رَهْط حَمْزَة الزيات وَكَانَ خزازا يَبيع الخَزّ . - ٢٨٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٧٧١ - أبو حنيفة الإمام: تكرر ذكره في هذه الكُتب، هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زُوطَى، بضم الزاي وفتح الطاء. قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: هو النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة. أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان. قال: وكان في زمنه أربعة من الصحابة: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم. وقال الخطيب البغدادي في التاريخ: هو أبو حنيفة التيمي، إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق، رأى أنس بن مالك، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب الصراف، وقيس بن مسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافعاً مولى عبد الله بن عمر، وهشام بن عروة، ويزيد الفقير، وسماك بن حرب، وعلقمة بن مرثد، وعطية العوفي، وعبد العزيز بن رفيع، وعبد الكريم أبا أمية، وغيرهم. روى عنه: أبو يحيى الحماني، وهشيم بن بشر، وعباد بن العوام، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، ويزيد بن هارون، وعلي بن عاصم، ويحيى بن نصر، وأبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، - ٢٨٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعمرو بن محمد العبقري، وهوذة بن خليفة، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وعبد الرزاق بن همام، وآخرون. قال الخطيب: وهو من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصور إلى بغداد فأقام بها حتى مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف. ثم روى الخطيب بإسناده، عن أحمد ابن عبد الله بن صالح العجلي الإمام الحافظ، قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت، كوفي تيمي من رهط حمزة الزيات، وكان خزازاً يبيع الخز. وبإسناده عن عمرو بن حماد بن أبي حنيفة، قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، فأما زوطى فإنه من أهل كابل، ولد ثابت على الإسلام، وكان زوطى مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة فأعتق، فولاؤه لبني تيم الله بن ثعلبة، وکان أبو حنيفة خزازاً، ودکانه معروف في دار عمرو ابن حریث. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: أصل أبي حنيفة من كابل. وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: كان أبو حنيفة من أهل بابل. وقال يحيى بن النضر القريشي: كان والد أبي حنيفة من سباء. وقال الحارث بن إدريس: أصل أبي حنيفة من ترمذ. وقال إسحاق بن البهلول، عن أبيه، قال: ثابت والد أبي حنيفة من الأنبار. وبإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: أنا إسماعيل ابن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان من أبناء فارس الأحرار، - ٢٨٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير، فدعا له بالبركة وفي ذريته، ونحن نرجو من الله أن يكون قد استجاب ذلك من علي بن أبي طالب فينا. وبإسناده عن عبد الله بن عمرو الرقي، قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، في كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله، وكان ابن هبيرة عاملاً على العراق في زمن بني أمية. وعن أبي بكر بن عياش، قال: ضُرب أبو حنيفة على القضاء. وعن الربيع بن عاصم، قال: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة، فقدمت بأبي حنيفة، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه أسواطاً. وعن يحيى بن عبد الحميد، عن أبيه، قال: كان أبو حنيفة كل يوم أو يومين من الأيام يُضرب ليدخل في القضاء فيأبى، ولقد بكى في بعض الأيام، فلما أطلق قال لي: كان غم والدتي أشدّ عليَّ من الضرب. وعن إسماعيل بن سالم البغدادي، قال: أكره أبو حنيفة على الدخول في القضاء فلم يقبل. قال: وكان أحمد بن حنبل إذ ذكر ذلك بكى وترحم على أبي حنيفة. وبإسناده عن بشر بن الوليد الكندي، قال: أشخص المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة، يعني من الكوفة إلى بغداد، فأراده على أن - ٢٩٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟! قال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، فأمر به إلى السجن في الوقت. والصحيح أنه توفي وهو في السجن. وبإسناده عن معتب، قال: قال خارجة بن يزيد: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثم دعا به، فقال: أترغب عما نحن فيه؟ فقال أبو حنيفة: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم عليَّ أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كذَّاباً فلا أصلح للقضاء، وإن كنت صادقاً فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح، فردّه في الحبس. وبإسناده عن الربيع بن يونس، قال: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله ولا تشرك في أمانتك إلا مَن يَخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت، أنت تصلح، فقال: قد حكمت على نفسك، فكيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك وهو كَذَّاب. وقيل: إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث، فلما كان أبو حنيفة بعد یومین اشتکی، فمرض ستة أيام، ثم توفي. - ٢٩١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، حسن المجلس، كثير الكرم، حسن المواساة لإخوانه. وقال أبو يوسف: كان أبو حنيفة ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقاً، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما تريد. وقال محمد بن جعفر بن إسحاق بن عمرو بن حماد بن أبي حنيفة: كان أبو حنيفة طوالاً، تعلوه سمرة، وكان لباساً، حسن الهيئة، كثير التعطر، يُعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله. وقال أبو حنيفة: قدمت البصرة وظننت أني لا أُسأل عن شيء إلا أجبت فيه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حماداً حتى يموت، فصحبته ثماني عشرة سنة. وقال أبو حنيفة: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علمته علماً. وقال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير المؤمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة، عن مَن أخذت العلم؟ فقلت: عن حماد، يعني ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، يعني عن النخعى، عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخ بخ، استوفيت يا أبا حنيفة. ودخل أبو حنيفة يوماً على المنصور، فقال المنصور: هذا عالم أهل - ٢٩٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الدنيا. وعن هشام بن مهران، قال: رأى أبو حنيفة في النوم كأنه ينبش قبر النبي صلی الله علیه وسلم، فبعث من سأل محمد بن سیرین، فقال محمد بن سیرین: مَن صاحب هذه الرؤيا؟ ولم يجبه عنها، ثم سأله الثانية، فقال مثل ذلك، ثم سأله الثالثة، فقال: صاحب هذه الرؤيا يثور علماً لم يسبقه إليه أحد قبله. وفي حديث عن أبي هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في أمتي رجلاً يقال له: أبو حنيفة، هو سراج الأمة)). قال الخطيب: هذا حديث موضوع، وكذا ذكره جماعة من الأئمة أنه موضوع. وعن ابن عيينة، قال: ما مقلت عيني مثل أبي حنيفة. وعن ابن المبارك، قال: كان أبو حنيفة آية، قيل له: في الخير أم في الشر؟ فقال: اسكت يا هذا، فإنه يقال: آية في الخير، وغاية في الشر، ثم تلى: ﴿ وَحَعَلْنَا أَبْنَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وعن ابن المبارك قال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كنا يوماً في المسجد الجامع، فوقعت حية فسقطت في حجر أبي حنيفة، فهرب الناس غيره، فما زاد على أن نفض الجبة وجلس مكانه. وعن سهل بن مزاحم، قال: بُذِلَتْ الدنيا لأبي حنيفة فلم يُرِدْهَا، وضُرب عليها بالسياط فلم يقبلها. وعن روح بن عبادة، قال: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومائة، فأتاه موتة أبي حنيفة فاسترجع وتوجع، وقال: أي علم ذهب. - ٢٩٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعن مسعر بن كدام، قال: ما أحسد أحداً بالكوفة إلا رجلين: أبا حنيفة في فقهه، والحسن بن صالح في زهده. وعن الفضيل بن عياض، قال: كان أبو حنيفة فقيهاً، معروفاً بالفقه، مشهوراً بالورع، وسيع المال، معروفاً بالأفضال على من يطيق، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، وكان يُحسن يدل على الحق، هارباً من السلطان. وعن أبي يوسف، قال: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي، ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحماد مع والدي. وعن أبي بكر بن عياش، قال: مات أخو سفيان الثوري، فاجتمع الناس إليه لعزائه، فجاء أبو حنيفة، فقام إليه سفيان وأكرمه وأقعده مكانه، وقعد بین یدیه، ولما تفرق الناس قال أصحاب سفيان: رأيناك فعلت شيئاً عجيباً، قال: هذا رجل من العلم بمكان، فإن لم أقم لعلمه قمت لِسِنِّهِ، وإن لم أقم لِسِنِّهِ قمت لفقِههِ، وإن لم أقم لفقِهِهِ قمت لوَرَعِهِ. وعن ابن المبارك، قال: ما رأيت في الفقه مثل أبي حنيفة. وعن ابن المبارك، قال: رأيت مسعراً في حلقة أبي حنيفة جالساً بين يديه يسأله ويستفيد منه، وما رأيت أحداً قط تكلم في الفقه أحسن من أبي حنيفة. وعن أبي نعيم، قال: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. وعن وكيع، قال: ما لقيت أفقه من أبي حنيفة ولا أحسن صلاة منه. وعن - ٢٩٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث النضر بن شميل، قال: كان الناس نياماً عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبَيَّنَهُ ولَخَّصَهُ. وعن الشافعي، قال: الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه. وعن جعفر بن الربيع، قال: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتاً منه، فإذا سُئل عن الشيء من الفقه يفتح ويسال کالوادي. وعن إبراهيم بن عكرمة، قال: ما رأيت أورع ولا أفقه من أبي حنيفة. وعن سفيان بن عيينة، قال: ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاة من أبي حنيفة. وعن يحيى بن أيوب الزاهد، قال: كان أبو حنيفة لا ينام الليل. وعن أبي عاصم النبيل، قال: كان أبو حنيفة يُسَمَّى الوتد؛ لكثرة صلاته. وعن زافر بن سليمان، قال: كان أبو حنيفة يحيي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن. وعن أسد بن عمرو، قال: صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة، وكان يُسمع بكاؤه حتى ترحمه جيرانه، وحُفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة. وعن الحسن بن عمارة أنه غسل أبا حنيفة حين توفي، وقال: غفر الله لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة، ولقد أتعبت مَن بعدك. وعن ابن المبارك، أن أبا حنيفة صلى خمساً وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوء واحد، وكان يجمع القرآن في رکعتین. - ٢٩٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعن أبي يوسف، قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة، سمع رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لا أفعله. فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً. وعن مسعر بن كدام، قال: دخلت ليلة المسجد، فرأيت رجلاً يصلي، فاستحليت قراءته، فقرأ سبعاً، فقلت: يركع، ثم قرأ الثلث، ثم النصف، فلم يزل يقرأ القرآن حتى ختمه كله في ركعة، فنظرت فإذا هو أبو حنيفة. وعن زائدة، قال: صليت مع أبي حنيفة في المسجد العشاء، وخرج الناس، ولم يُعلم أن في المسجد أحداً، فأردت أن أسأله مسألة، فقام فافتتح الصلاة، فقرأ حتى بلغ هذه الآية: ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، فلم يزل يرددها حتى أذن المؤذن الصبح وأنا أنتظره. وعن القاسم بن معن، أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَتُّ ﴾ [القمر: ٤٦]، يرددها ويبكي ويتضرع. وعن مكي ابن إبراهيم: جالست الکوفیین، فما رأيت فيهم أورع من أبي حنيفة. وعن وكيع قال: كان أبو حنيفة قد جعل على نفسه أن لا يحلف بالله تعالى في عرض كلامه إلا تصدق بدرهم، فحلف فتصدق به، ثم جعل إن حلف أن يتصدق بدينار، فكان إذا حلف صادقاً في عرض كلامه تصدق بدينار، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها، وكان إذا كسا ثوباً جديداً كسا بقدر ثمنه الشيوخ والعلماء، وكان إذا وضع بين يديه الطعام أخذ منه ضعف ما يأكل فجعله على الخبز، ثم يعطيه الفقير. - ٢٩٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعن وكيع قال: كان أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان يؤثر رضا الله تعالى على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله تعالى لاحتملها. وعن ابن المبارك، قال: ما رأيت أورع من أبي حنيفة، قد جرب بالسياط والأموال. وعن قيس بن الربيع، قال: كان أبو حنيفة ورعاً، فقيهاً، كثير البر والصلة لكل من لجأ إليه، كثير الأفضال على إخوانه، وكان يبعث البضائع إلى بغداد فيشتري بها الأمتعة، ويجلب إلى الكوفة، ويجمع الأرباح من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدثين وأثوابهم وكسوتهم، وما يحتاجون إليه، ثم يعطيهم باقي الدنانير من الأرباح، ويقول: أنفقوها في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا الله تعالى، فإنه والله ما یجریه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره. وعن حفص بن حمزة القريشي، قال: كان أبو حنيفة ربما مرَّ به الرجل فيجلس إليه لغير قصد ولا مجالسة، فإذا أقام سأل عنه، فإن كان به حاجة وصله، وإن مرض عاده حتى يجبره إلى مواصلته، وكان أكرم الناس مجالسة. وعن أبي يوسف، قال: كان أبو حنيفة لا يكاد يسأل حاجة إلا قضاها. وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، أن أبا حنيفة وهب لمعلم ابنه حماد خمسمائة درهم حین حذق حماد. وعن جعفر بن عون، قال: أتت امرأة إلى أبي حنيفة تشتري منه ثوب - ٢٩٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث خز، فأخرج لها ثوباً، فقالت: أنا ضعيفة، وإنها أمانة، فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك، فقال: خذيه بأربعة دراهم، فقالت: لا تسخر بى، أنا عجوز كبيرة، فقال: اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فبقي هذا بأربعة دراهم. وعن ابن المبارك، قال: قلت لسفيان الثوري: ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً له قط، قال: هو والله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها. وعن علي بن عاصم، قال: لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم. وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: كان عندنا طحان رافضي له بغلان، فسمی أحدهما أبا بكر والآخر عمر، فرمحه أحدهما فقتله، فأخبر أبو حنيفة، قال: انظرو الذي رمحه الذي سماه عمر، فنظروا فوجدوه كذلك. وعن عبد الواحد بن غياث، قال: كان أبو العباس الطوسي يسيء الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على أمير المؤمنين المنصور، وكثر الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فقال لأبي حنيفة: إن أمير المؤمنين يأمرنا بضرب عنق الرجل، ما ندري ما هو، فهل لنا قتله؟ فقال: يا أبا العباس، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل؟ قال: بالحق، قال: اتبع الحق حيث كان ولا تسأل عنه، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوثقني فربطته. - ٢٩٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وعن وكيع، قال: دخلت على أبي حنيفة، فرأيته مطرقاً مفكراً، فرفع رأسه وأنشأ يقول شعر: فدام لي ولهم ما بي وما بهم إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا ومات أكثرنا غيظاً بما يجد وعاب بعض الناس عند ابن عائشة أبا حنيفة، فقال ابن عائشة: قال الشاعر: أقلّوا عليكم ويحكم لا أبا لكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا ولد أبو حنيفة سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، وكذا رواه الخطيب عن الجمهور. ثم روي عن يحيى بن معين رواية غريبة أنه توفي في سنة إحدى وخمسين. وعن مكي بن إبراهيم أنه توفي سنة ثلاث وخمسين، والله أعلم. وفيات الأعيان لابن خلكان ٧٦٥ - الإمام أبو حنيفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه الفقيه الكوفي، مولى تيم الله ابن ثعلبة، وهو من رهط حمزة الزيات؛ كان خزازاً يبيع الخز، وجده زوطى من أهل كابل، وقيل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وقيل من أهل نسا، وقيل من أهل ترمذ، وهو الذي مسه الرق فأعتق، وولد ثابت على الإسلام. - ٢٩٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط، ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا، والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الفالوذج في المهرجان النيروز، فقال: مهرجونا كل يوم. هكذا قال الخطيب في تاريخه، والله تعالى أعلم. وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، رضوان الله عليهم وهم: أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)) أنه رأى أنس بن مالك، رضي الله عنه. وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار والهيثم بن حبيب الصواف ومحمد بن المنكدر ونافعاً مولى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وهشام بن عروة وسماك بن حرب؛ وروى عنه عبيد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم. - ٣٠٠ -