النص المفهرس
صفحات 181-200
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث مطلق فيترك على إطلاقه فلا يقتصر حكمه على النهار. قال محمد في ((الموطأ)) بعد أن أخرج هذا الحديث: وبهذا نأخذ، وحديث ((العجماء جبار)) يكاد أن يكون متواتراً بالنظر إلى كثرة رواته في جميع الطبقات. وأما حديث حرام ففيه انقطاع فإنه لم يسمعه من البراء وذكر ((أبيه)) بينهما من أوهام معمر في بعض الروايات باتفاق النقاد. وقال ابن عبد البر: رواه مالك وأصحاب الزهري عنه مرسلاً، وعلى فرض ثبوته يحمل على أنه منسوخ لموافقته لحكم سليمان عليه السلام: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ الْقَوْمِ ﴾ فهو معمول به في شرع الإسلام، ما لم يرد ما يخالفه، وقد ورد ما يخالفه، فيكون المخالف لشرع من قبلنا هو الناسخ. فلا يعد الإمام أبو حنيفة مخالفاً للحديث الصحيح بمثل هذا بل يكون مخالفاً لرأي بعض المجتهدين. المسألة الثامنة والسبعون: العقيقة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أم کرز وجابر وسمرة. ولفظ حديث سمرة مرفوعاً: ((الغلام رهينة لعقيقته تُذْبح عنه يوم سابعه، ويُحْلَق رأسه ويُسَمَّی)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن لم يُعَق عنه فليس عليه في ذلك شيء. قلت: إن العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الإسلام رُفِضت أي: - ١٨١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث رُفِض الوجوب فتكون على الاختيار لا على الوجوب، ولا على أنها سنة مؤكدة، بل على أنها مستحبة تشملها الإباحة، وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله. ومن حجته ما رواه البخاري وفيه قال أبو موسى: ولد لي ولد فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم، فحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة ودفعه إلي. وحديث أسماء: أنها ولدت بقباء، فجاءت بولدها إليه صلى الله عليه وسلم ففعل به مثل ذلك، وهكذا فعل بولد أبي طلحة، ولم يذكر عقيقة في شيء من تلك الأحاديث لا قولاً ولا فعلاً، فلو كانت واجبة لنبه عليها. وقد روى الدارقطني والبيهقي عن علي أن الأضحى نسخ كل ذبح. وإسناده ضعيف، وقد روى مالك عن زيد بن أسلم مرفوعاً أنه سئل عن العقيقة قال: ((لا أحب العقوق)). وفيه مجهول. وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن العقيقة فقال: ((لا أحب العقوق)» - كأنه كره الاسم - وقال: «من ولد له ولد فأحب أن يَنْسُكَ عن ولده فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة)). والمجتهد يستعرض جميع ما ورد في المسألة ثم يحكم. والحديث الأخير في سنده سعيد بن بشير مختلف فيه وهو منكر الحديث عند أبي مسهر، وتركه ابن مهدي، وقتادة مدلس وقد عنعن. المسالة التاسعة والسبعون: وضع الخشبة على جدار الجار قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي هريرة أن النبي صلى الله - ١٨٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث علیه وسلم قال: ((لا يمنع أحدكم أخاه أن یضع خشبته على جداره))، ثم قال أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس له ذلك. قلت: قال محمد بن الحسن في الموطأ، هذا عندنا على وجه التوسع من الناس بعضهم على بعض وحسن الخلق، فأما في الحكم فلا يجبرون على ذلك، بلغنا أن شريحاً اختصم إليه في ذلك، فقال للذي وضع الخشبة: ارفع رجلك عن مطية أخيك، فهذا الحكم في ذلك والتوسع أفضل. وأن الجدار ملك موضوعه المشاحة فجاز له أن يمنع منافعه بغير ضرورة كركوب دابته ولباس ثوبه، وفي قول أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، يدل على أن الذين خاطبهم أبو هريرة ما كانوا يرون وجوب ذلك وهم من الصحابة والتابعين، فيبعد أن يغيب عن علمهم الوجوب، وسكوت من يسكت على قول من ينوب عن مروان لا يدل على أنهم وافقوه على أن الأمير قد يتشدد في الأمر المندوب إذا رأى إعراض الناس عنه، فيكون قول أبي هريرة من هذا القبيل. وقال الزرقاني في ((شرح الموطأ»: النهي للتنزيه، فيستحب أن لا يمنع عند الجمهور ومالك وأبي حنيفة والشافعي في الجديد، فلا يكون أبو حنيفة بهذا خالف الأثر الصحيح بل يكون جرى على الجادة بأدلة واضحة ومعه الجمهور. - ١٨٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث المسألة الثمانون: الجمع بين الأحجار والماء في الاستطابة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن خزيمة بن ثابت وسلمان وعبد الله. ولفظ حديث سلمان: قال له بعض المشركين وهم يستهزئون: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، فقال سلمان : أجل أمرنا أن لا نستقبل القبلة ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع ولا عظم. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئه ذلك حتى يتوضأ إذا بقي بعد الثلاثة الأحجار أكثر من مقدار الدرهم. قلت: معنى حتى يتوضأ حتى يستطيب بالماء كما في قول عمر رضي الله عنه في ((الموطأ)): ((يتوضأ وضوءاً لما تحت إزاره)). ردّاً على من قال: إن عمر كان لا يستنجي بالماء، وإنما كان استنجاءه واستنجاء سائر المهاجرين بالأحجار، والأنصار كانوا يستطيبون بالماء، ومنهم من يجمع بين الطهارتين الأحجار والماء كأهل قباء، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿فِيهِرِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَرُواْ﴾ وقال محمد في ((الموطأ)): وبهذا نأخذ، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. وحديث أنس عند البخاري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج لحاجته، أجيء أنا وغلام، معنا إداوة من ماء، يعني يستنجي به. ومما يرد على من أنكر وقوع الاستنجاء بالماء من النبي صلى الله عليه وسلم بل كان غالب - ١٨٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أحواله عليه السلام الجمع بين الأحجار والماء. وفي الاكتفاء بالأحجار لا بد من بقاء شيء من النجاسة في المخرج، وقدر أبو حنيفة ذلك بمقدار الظفر، فظهر أن أبا حنيفة غير متفرد في الاستطابة بالماء والنظافة ليست مما يقدح به المرء. المسألة الحادية والثمانون: الطلاق قبل النكاح قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عبد الله بن عمرو والسيدة عائشة وطاوس والنزال بن سبرة. ولفظ عبد الله بن عمرو مرفوعا: ((لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك)». وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن حلف بطلاقها ثم تزوجها طلقت. قلت: وافقه أصحابه الثلاثة وعثمان البتي والثوري ومالك وإبراهيم النخعي ومجاهد والشعبي وعمر بن عبد العزيز. واستدل من حديث ابن عمر عند مالك في ((الموطأ)) إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك إذا نكحها. قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة. وقال عبد الرزاق في المصنف: أخبرنا معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل أمرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة، هو كما قال، فقال له معمر: أو ليس قد جاء: ((لا طلاق قبل نكاح ولا عتق إلا - ١٨٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بعد ملك؟)) قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: إمرأة فلان طالق وعبد فلان حر. والأحاديث الواردة في الباب لاتخلو من اضطراب، لذا لم يخرجه البخاري ومسلم. والحديثان اللذان احتج بهما الدار قطني لمذهب الشافعي في سند كل منهما متهم، فلا يصلحان للاحتجاج بهما. فاستبان أن أبا حنيفة قوي الحجة في المسألة غير مخالف للأثر الصحيح الصريح. المسألة الثانية والثمانون: القضاء بيمين وشاهد قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن جعفر بن محمد عن أبيه وابن عباس وربيعة وعمر بن عبد العزيز وحصين. ولفظ حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجوز ذلك. قلت: وافقه أصحابه والثوري والأوزاعي وهو قول الزهري وابن جريج. قال محمد في ((الموطأ)) بعد ذكره حديث جعفر بن محمد المرسل في المسألة: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك، ذكر ذلك ابن أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري قال: سألته عن اليمين مع الشاهد فقال: بدعة، وأول من قضى بها معاوية، ودليله أنه لم يقض به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب - ١٨٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان، ثم ولى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه زريق بن الحكيم: إنك كنت تقضي بذلك في المدينة بشهادة الشاهد ويمين صاحب الحق. فكتب إليه عمر: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة فوجدنا أهل الشام على غير ذلك فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين. وأما أحاديث الباب، فالحديث الأول مرسل، والثاني فيه سيف بن سليمان وهو قدري، وقيس بن سعد لم يثبت سماعه من عمرو بن دينار، فهنا انقطاع، وعمرو بن دينار لم يسمع هذا الحديث من ابن عباس، وهذا انقطاع آخر. وأخرج الدارقطني الحديث بسند فيه متروك، وحديث أبي هريرة مما نسیه سهیل فلا تقوم به حجة، وحديث ابن علية عن سوار عن ربيعة عند الترمذي في سنده مجهول، وقضاء عبد الله بن عتبة في الخبر الأخير حكم جزئي نجهل قرائنه وملابساته فلا تعم. المسألة الثالثة والثمانون: مال العبد عند البيع قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعلي وعطاء وابن أبي مليكة. ولفظ عبد الله بن عمر الأول: ((من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)». وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن كان مالُ العبد أكثر من الثمن لم يجز ذلك. - ١٨٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قلت: اختار الإمام أبو حنيفة رحمه الله الجمع بين هذه الآثار وبين أحاديث تحريم بيع الذهب والفضة إلا مثلاً بمثل ويداً بيد، بأن عد العام يراد به ما سوى الخاص، فحرم بيع العبد مع ماله الزائد على ثمنه المجانس له حذراً من الربا، ومراده: أن العبد إذا بيع بمائة دينار مثلاً مع ماله الذي هو عبارة عن مائتي دينار يكون فيه بيع الذهب بالذهب متفاضلين، ومعه في ذلك الشافعي، فأبو حنيفة لم يخالف تلك الآثار بل جمع بينهما وبين أحاديث الربا، كما هو حكم مقابلة الخاص بالعام. المسألة الرابعة والثمانون: خيار الشرط قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عقبة بن عامر والحسن ومحمد بن يحيى ابن حبان وأبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل. ولفظ حديث عقبة بن عامر مرفوعاً: ((عُهدة الرقيق ثلاثةُ أيام)). ولفظ الحسن: لا عهدةَ فوقَ أربع. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا افترقا فليس له أن يرد إلا بعیب کان بها. قلت: قد وافقه الشافعي وزفر بن الهذیل یرون جواز اشتراط الخيار بثلاثة أيام في مجلس العقد في غير الأموال الربوية ولا يرون الزيادة عليها، فإذا تم العقد بينهما بالإيجاب والقبول من غير اشتراط خيار ثلاثة أيام في مجلس العقد لا يكون للمشتري ردّ المبيع إلا بعيب كان فيه عند أبي - ١٨٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث حنيفة، وأما أحاديث الباب، فالحديث الأول: فيه عنعنة ابن أبي عروبة وقتادة وهما مدلسان والحسن لم يسمع من عقبة. والثاني من مرسلات الحسن. والثالث رأي يقبل لو صح العموم في حديث منقذ بن عمرو، والرابع أمر لم يرفع إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، وحديث: ((لا خلابة)) خاص بالمخاطب. فتبين من ذلك أن أبا حنيفة لم يخالف أثراً صحيحاً صريحاً يفيد الحكم العام في هذه المسألة. المسألة الخامسة والثمانون: ركوب الهدي قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن جابر وأبي هريرة وأنس وابن عباس وعلي بن أبي طالب. ولفظ حديث جابر مرفوعاً: ((اركبوا الهديَ بالمعروفِ حتى تجدوا ظَهْراً)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا تُركب إلا أن يُصيب صاحبها جَهْد. قلت: وافقه أصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشعبي والحسن البصري وعطاء أن عدم ركوب الهدي إلا عند الضرورة والإعياء، يدل عليه حديث مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اركبها بالمعروف إذا أُلْجِئْتَ إليها)). وحديث أنس مرفوعاً عند الطحاوي وفيه: رأى رجلاً يسوق بدنة وقد جهد، قال: ((اركبها)). - ١٨٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وحديث ابن عمر عنده وفيه: ((إذا ساق بدنة فأُعِيي ركبها)). وحديث النسائي وفيه قد جهده المشي. وعلى هذا تحمل تلك الأحاديث التي ذكرها ابن أبي شيبة جمعاً بين الروايات فيكون أمره عليه السلام لصاحب الهدي بالركوب حيث رآه في حالة جهد، لأن المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الحادثة والسبب، فظهر أن جواز الركوب عند قيام الضرورة هو مقتضى الأدلة، فيكون أبو حنيفة متمسكاً بلب الرواية في المسألة لا مخالفاً للحديث الصحيح الصريح. المسألة السادسة والثمانون: الأكل من الهدي قد ذكر ابن أبي شيبة عن سنان بن سلمة وعمر وابن عباس وناجية الخزاعي. ولفظ حديث سنان بن سلمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في الهدي التطوع: «لا يأكل، فإن أَكَلَ غُرِمٍ)). ولفظ حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل، وأَمَرَه فيها بأَمْرِه، فانطلق ثم رجع إليه فقال: أرأيت إن أَزْحَف علينا منها شيء؟ قال: ((انحرها ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحدٌ من أهل رفقتك)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يأكل منها أهل الرفقة. قلت: قال أبو حنيفة في ((كتاب الآثار)): الهدي إن كان واجباً فاصنع - ١٩٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث به ما أحببت وعليك مكانه - يعني هدياً آخر - وإن كان تطوعاً فتصدق به على الفقراء، فإن كان ذلك في مكان لا يوجد فيه الفقراء فانحره، واغمس نعله في دمه، ثم اضرب به صفحته ثم خل بينه وبين الناس يأكلون، فإن أكلت منه شيئا فعليك مكان ما أكلت، وإن شئت صنعت به ما أحببت وعليك مكانه. قال محمد: وبهذا نأخذ. وقال محمد: أخبرنا أبو حنيفة حدثنا منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن خالته عن عائشة - أم المؤمنين - رضي الله عنها قالت: سألتها عن الهدي إذا عطب في الطريق كيف يصنع به، قالت: أَكْله أحب إلي من تركه للسباع. وأحاديث الباب، في السند الأول ابن أبي ليلى، ومعاذ بن سعد وهو مجهول. وفي الخبر الثاني: ليث بن أبي سليم، ومجاهد لم يسمع من عمر. والحديث الثالث: رواه مسلم، وأما ما ذكره ابن أبي شيبة من ذكر مذهب الإمام أبي حنيفة فلا يدرى مصدره. المسألة السابعة والثمانون: هبة المسروق للسارق قد ذکر ابن أبي شيبة تحته عن مجاهد وطاوس. ولفظ حديث طاوس: قيل لصفوان بن أمية وهو بأعلى مكة: لا دين لمن لم يهاجر، فقال: والله لا أصل إلى أهلي حتى آتي المدينة، فأتى المدينة فنزل على العباس، فاضطجع في المسجد، وخميصته تحت رأسه، فجاء سارق فسرقها من تحت رأسه، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذا سارق فأمر به فقطع، فقال: هي له فقال: ((فهلا قبل أن تأتيني به؟)). - ١٩١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إذا وهبها له دُرئ عنه الحد. قلت: الحديثان مرسلان على اختلافهما في اللفظ والمعنى، وصيغة مجاهد وطاوس صيغة انقطاع. وأخرجه محمد في ((الموطأ)) من طريق الزهري عن حفيد صفوان بن أمية صفوان بن عبد الله ثم قال: إذا رفع السارق إلى الإمام أو القاذف فوهب صاحب الحد حده لم ينبغ للإمام أن يعطل الحد، ولكنه يمضيه. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهاءنا، وما ذكره ابن أبي شيبة من ذکر مذهب الإمام أبي حنيفة لا یدری من أین ذكره. المسألة الثامنة والثمانون: صلاة الوتر على الراحلة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر وابن عباس وعلي والحسن ونافع وسالم. ولفظ حديث ابن عمر أنه صلى على راحلته وأوتر عليها، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجزئه أن يوتر عليها. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة وأصحابه: أن صلاة الوتر فرض عملي لا يكفر منكره لكن تاركه يأثم لكثرة ما ورد في ذلك من الأحاديث، منها: حديث: ((إن الله زادكم صلاة، ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)). - ١٩٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وقال محمد في ((الموطأ)): أخبرنا مالك أخبرنا أبوبكر بن عمر عن سعيد بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على راحلته، ثم قال: قد جاء هذا الحديث وجاء غيره فأحب إلينا أن يصلي على راحلته تطوعاً ما بدا له، فإذا بلغ الوتر نزل فأوتر على الأرض، وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهاءنا. وقال محمد في ((الموطأ)) في باب الصلاة على الدابة في السفر: فإن الوتر والمكتوبة فإنها تصليان على الأرض، وبذلك جاءت الآثار، ثم ساق عن أبي حنيفة عن حصين: أن ابن عمر إذا كانت الفريضة أو الوتر نزل فصلى. وعن ابن عمر: إلا المكتوبة والوتر فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وقد ذكر العيني في ((عمدة القاري)) ٤١٦/٣ شواهد عديدة. وأما حديث الباب فیحتمل أن یکون صلاته على الراحلة في وقت لم یکن بلغه نسخ ذلك مع أن الحاظر يقدم على المبيح، فيكون قول أبي حنيفة هو الأوفق والأحوط. المسألة التاسعة والثمانون: سؤر السِّنّور قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي قتادة وابن عباس وحسين بن علي والجريري. ولفظ حديث أبي قتادة: إنها ليست بنجس، هي من الطوافين عليكم أو من الطوافات. - ١٩٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال ابن عباس: الهِرُّ من متاع البيت. وقال في آخره : وذكر أن أبا حنيفة: أنه کره سؤر السنور. قلت: قال محمد في ((الموطأ)) بعد أن ذكر حديث كبشة: لا بأس بأن يتوضأ بفضل سؤر الهر وغيره أحب إلينا منه، وهو قول أبي حنيفة. وقال محمد في الآثار عقب ذكر أثر إبراهيم النخعي: من أهل البيت لا بأس بشرب فضلها ... قال أبو حنيفة: غيره أحب إلي منه، وإن توضأ منه أجزأه، وإن شربه فلا بأس به. قال محمد: وبقول أبي حنيفة نأخذ فتكون كراهة سؤر الهرة كراهة تنزيهية عنده. ومعه في ذلك جميع من سوى أبي يوسف من أصحابه كما نص على ذلك ابن عبد البر، فما ذكره ابن أبي شيبة من ذكر أبي حنيفة محمول على التنزيه، وبهذا يجمع بين الآثار المختلفة في الباب. وأما أحاديث الباب، فقال ابن مندة حميدة وخالتها كبشة لا تعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه. المسألة التسعون: المسحُ على الجَوَرَبين قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن المغيرة بن شعبة وأبي ظبيان وزيد وسويد بن غفلة وأبي أوس وسعيد بن عبد الله بن ضرار وخلاس. ولفظ حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على الجوربين والنَّعلين. - ١٩٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان يكره المسحَ على الجوربين والنعلين إلا أن يكون أسفلهما جلود. قلت: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: امسحوا على الجوربين حتى نستدل بعمومه على جواز المسح على كل أنواع الجوارب، والمشهور أن أبا حنيفة لا يبيح المسح على الجوربين إلا إذا كانا منعَّلين أو مجلدين، حملاً للمطلق على فرده الأكمل احتياطاً في دين الله، ويحكى رجوعه إلى قول صاحبيه في الاكتفاء بالثخينين المتماسكين بأنفسهما على الساقين، وقد روى المسح على الجوربين عن نحو عشرين صحابيّاً غير من ذكرهم ابن أبي شيبة بأسانيد مختلفة قوة وضعفا لكنها أدون على كل حال من روايات المسح على الخفين، لأن المسح على الخفين مروي عن نحو سبعين صحابيّاً، والجورب قد يكون ثخيناً منعلاً، وقد لا يكون كذلك، وعلى كل حال كان الجواب في ذلك العصر من الصوف بحيث يدفئ الرجل ولم تكن معروفة عندهم تلك الجوارب الرقيقة من القطن وغيره، فما لم يثبت وصف ما كان يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويمسحون عليه من الجوارب لا نستطيع أن ننزل إلى ما دون الجورب الثخين المنعل، وهو الذي يكون في معنى الخف، فلا يكون للمتساهلين في المسألة دليل واضح. وأما أحاديث الباب، فقال النسائي في ((الكبرى)): لا نعلم أحداً تابع أبا قيس على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة أنه عليه السلام مسح - ١٩٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث على الخفين. وقال أبو داود في ((سننه)): كان ابن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، ثم ذكر البيهقي حديث المغيرة هذا وقال: إنه حديث منكر، ضعفه الثوري وابن مهدي وأحمد وابن معين وابن المديني ومسلم، والمعروف عن المغيرة المسح على الخفين، واتفق الحفاظ على تضعيفه. المسألة الحادية والتسعون: وجوب الوتر قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عبادة وابن عمر وعلي وسعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والحسن وعطاء ومحمد بن علي. ولفظ حديث عبادة عن المخدجي -رجل من بني كنانة- أنه أخبره: أن رجلاً من الأنصار كان بالشام يكنى أبا محمد، وكانت له صحبة فأخبره أن الوتر واجب، فذكر المخدجي أنه راح إلى عبادة بن الصامت فأخبره عبادة: كذب أبو محمد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: الوتر فريضة. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة وأصحابه أن صلاة الوتر فرض عملي لا يكفر منكر ثبت بدليل ظني، والفرق بينه وبين ما ثبت بالدليل القطعي أن جاحد ما يثبت بالدليل القطعي كافر بخلاف جاحد الفرض العملي، والأحاديث الدالة على وجوب صلاة الوتر حديث: ((إن الله زادكم صلاة - ١٩٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ألا وهي صلاة الوتر)). ومنها: حديث: ((الوتر حق واجب على كل مسلم)). أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم. ومنها حديث: ((الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا)). أخرجه أبو داود وصححه الحاكم. ومنها حديث أبي داود مرفوعاً: ((من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره)). وصحح إسناده العراقي، وفيه إيجاب القضاء على من نام عنه أو نسيه والقضاء شأن الواجب. ومنها حديث: ((إن الله أمدكم بصلاة هي لكم خير من حمر النعم، وهي الوتر)). أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن خارجة، والجواب: أن وجوب الوتر ليس كوجوب الصلوات الخمس، فإن وجوب الوتر بدليل ظني ووجوب الصلوات الخمس بأدلة قطعية، لذا لم يكن أبو حنيفة يجعل الوتر سادس الصلوات الخمس مع إطلاقه عليه أنه فريضة يريد الفرض العملي على أن المخدجي مجهول، وفي الثاني صيغة انقطاع، وفي الثالث والرابع حجاج وعاصم، وحديث ابن المسيب مرسل، ومع الإمام أبي حنيفة سحنون وأصبغ من كبار المالكية. المسألة الثانية والتسعون: الجلستان في خطبة الجمعة قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن جابر بن سمرة وجعفر عن أبيه وصالح. ولفظ جابر بن سمرة: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ویدکّر الناس. - ١٩٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يجلس إلا جلسة واحدة. قلت: اتفق الأئمة على الجلستين والخطبتين، والخلاف بين الائمة في الجلسة الفاصلة بين الخطبتين، فمذهب الشافعي إلى أنها واجبة ولكن أبو حنيفة ومالك والعراقيون وسائر فقهاء الأمصار إلى أنها سنة، فما نسب ابن أبي شيبة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله فهو غلط بحت لا ظل له من الحقيقة. المسألة الثالثة والتسعون: قضاء سنة الفجر بعد صلاة الصبح قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن قيس بن عمرو وعطاء والشعبي والقاسم وابن عمر. ولفظ قيس بن عمرو قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أصلاة الصبح مرتين؟)) فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس عليه أن يقضيهما. قلت: يرى الإمام أبو حنيفة عدم قضاء سنة الفجر بعد الصبح قبل طلوع الشمس لأنه لم يصح فيه حديث أصلا بل صح النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس عن عمر وغيره في ((صحيح)) البخاري وغيره، ويعارضه الحديث الأول، لكن إذا تعارض المبيح والحاظر جعل - ١٩٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث الحاظر متأخراً فيؤخذ به، وقد ورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة فیکون المبیح منسوخاً بها، على أن حدیث قیس بن عمرو مرسل، وقیس ضعیف عند أحمد وابن معين، وحديث عطاء مرسل، وقول عطاء في سنده مسمع، وقول الشعبي في سنده ليث بن أبي سليم، والأخيران غندر وشريك ليسا بمخالفين لرأي أبي حنيفة. المسألة الرابعة والتسعون: الصلاة بين القبور قد ذكر ابن أبي شيبة عن الحسن وأنس وعبد الله بن عمرو وعن العلاء عن أبيه وخيثمة والحسن العرني وإبراهيم. ولفظ حديث الحسن قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بين القبور. ولفظ الحسن العرني: ((الأرض كلها مساجد إلا ثلاثة: المقبرة والحمام والحش)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن صلى أجزأته صلاته. قلت: هذه الآثار تدل على كراهة الصلاة في المقبرة، والإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول بذلك لكنه لا يقول: بفساد الصلاة فيها وعدم إجزائها لأنه لا دليل على ذلك، والكراهة شيء وعدم الإجزاء شيء آخر، فتحمل الآثار على الكراهة مع صحة الصلاة، وحجة الإمام أبي حنيفية لصحة الصلاة حديث البخاري ومسلم: ((جعلت لي الأرض طيبة طهوراً - ١٩٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة، صلى حيث كان)). واستثناء المقبرة والحمام عند الترمذي والحاكم مضطرب. وأحاديث الباب، فالحديث الأول على إرساله في سنده أشعث، والحديث الثاني عَلَّقه البخاري وقال: ولم يأمره بالإعادة. المسألة الخامسة والتسعون: صدقة الخيل والرقيق قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن علي وأبي هريرة وشبيل بن عوف وابن عباس وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول. ولفظ حديث علي: وقد تجاوَزْتُ لكم عن صدقة الخيل والرَّقيق. ولفظ حديث أبي هريرة: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)). وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: إن كانت خيل فيها ذكور وإناث يطلب نسلها ففيها صدقة. قلت: ذهب أبو حنيفة وزفر وحماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وعمر وعثمان وابن عباس وزيد بن ثابت إلى إيجاب الزكاة على الخيل السائمة، وحملوا حديث أبي هريرة: ((ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة))، على عبد الخدمة وفرس الركوب للإجماع، ثم إن إضافة العبد أو الفرس إلى المسلم ليست نصّاً في الدلالة علی کل عبد وفرس له، بل تلك الإضافة قابلة للحمل على نوع معهود منهما، وهو ما لا يكون للتجارة - ٢٠٠ -