النص المفهرس

صفحات 161-180

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ديناراً أو عشرة دراهم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان ثمن
المجن على عهده عليه السلام عشرة دراهم، وقد اختلف الناس فيما تقطع فيه
اليد فقال أهل المدينة: ربع دينار ورووا هذه الأحاديث. وقال أهل العراق: لا
تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم ... وإذا الاختلاف في الحدود أخذ فيها
بالثقة وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
المسألة السابعة والخامسون: غسل اليد قبل إدخالها في الإناء
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته من ثلاث طرق عن أبي هريرة وإبراهيم.
ولفظ أبي هريرة الأول مرفوعاً: ((إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس
يده في الإناء حتی یغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به.
قلت: حمل أبو حنيفة الأمر للوجوب فيها على الاستحباب لقرائن
تدل على ذلك لا علی الوجوب الذي یفید إثم تاركه إثم تارك الوجوب،
ولم يرد في الشرع تطهير اليد إلا من نجاسة أو وضر، وليس في متناول يد
النائم شيء من ذلك، فيكون الأمر بذلك للاستحباب لا للوجوب في
نظره، ويؤيده ما أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عمر أنه أدخل يده في
الإناء قبل أن يغسل. وأخرجه ابن أبي شيبة عن البراء: أنه أدخل يده في
المطهرة قبل أن يغسلها، وروي عن الشعبي: كان أصحاب رسول الله
- ١٦١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
صلى الله عليه وسلم يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها. وهذا عند
عدم تيقن النجاسة على يده أو ظنها.
المسألة الثامنة والخمسون: ولوغ الكلب
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً من طريقين عن أبي هريرة وابن المغفل.
ولفظ حديث أبي هريرة مرفوعا: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه
الكلب أن يغسله سبعَ مرات أُولاهُنَّ بالتراب)».
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يُجزُه أن يغسل مرة.
قلت: مذهب أبي حنيفة بتطهر المتنجس بغسله ثلاث مرات، وليس
مرة واحدة، ولم يأخذ برواية السبع في حديث أبي هريرة وحديث السبع
معلل بإفتاء الصحابي الراوي بخلافه، لأن ذلك يدل على أن الحديث
منسوخ عنده؛ لأن خبر الآحاد يكون قطعي الورود وقطعي الدلالة عند
الصحابي الذي سمع الحديث مباشرة من النبي صلى الله عليه وسلم،
وإعراض الصحابي عن قطعي لا يتصور إلا بدليل مثله ناسخ لحكمه
وإلا سقطت عدالته، فلم يقبل قوله ولا روايته، وقد ثبت عن أبي هريرة
قولاً وفعلاً إجزاءَ الثلاث في ذلك وإفتاءه به، فدل على نسخ التسبيع؛
لأنه كان هو المناسب لأيام التشديد، والتثليث هو الموافق لأيام التخفيف،
وهو آخر الأمرين، وقد روى الطحاوي من طريق عبد الملك عن عطاء
- ١٦٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
عن أبي هريرة: في الإناء يلغ فيه الكلب والهر: يغسل ثلاث مرار. وقال
ابن دقيق العيد في الإمام: هذا سند صحيح. والتثمين في حديث ابن مغفل:
متروك مع صحة السند عندنا وعندهم، فليكن التسبيع أيضاً كذلك. وقد
يقال: إن التثليث هو الواجب، وما فوق ذلك إلى السبع أو الثمان مندوب.
المسألة التاسعة والخمسون: بيع الرطب بالتمر
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن سعد وابن عباس وابن عمر وسعيد
ابن المسيب.
ولفظ سعد عن زيد أبي عياش قال: سألت سعداً عن السُّلْتِ بالذُّرَة
فكرهه، وقال سعد: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر
فقال: ((أَنْقُص إذا جف؟)) قلنا: نعم، قال : فنهى عنه.
ولفظ حديث ابن عباس: أنه كره الرطب بالتمر، قال: هو أقلهما في
المكيال أو في القَفِیز.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به.
قلت: وافقه أبو ثور. والحديث الأول أعله الإمام أبو حنيفة بأن زيد
أبا عياش: مجهول. وقال ابن جرير في تهذيب الآثار في إعلال هذا
الحديث: انفرد به زيد وهو غير معروف في نقلة العلم. والحديث الثاني
فموقوف، وفي سنده سماك عن عكرمة. والحديث الثالث: فيه بعض
- ١٦٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الإجمال يبينه ما ساقه مسلم من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل
بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وبيع الزرع بالحنطة كيلاً. وهذا
موافق تمام الموافقة لمذهب أبي حنيفة في المزابنة في المنع من بيع الثمر على
رؤوس الشجر، أو العنب على الكروم بالتمر، أو الزبيب كيلاً كما هو
حكم المزابنة في نظره، فلا يكون له تعلق بما هنا، وأما الخبر الأخير فرأي
لابن المسيب فبان بما سبق أن أبا حنيفة له مدارك في المسألة تبعده عن أن
يكون مخالفاً للأثر الصحيح الصريح.
المسألة الستون: تلقي البيوع
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن عبد الله وابن عباس وابن عمر.
ولفظ حديث عبد الله: أنه نَهَى عن تَلَقّي البُيُوع.
وقال في آخره: وذکر أن أبا حنيفة قال: لا بأس به.
قلت: الحديث الثاني فيه سماك عن عكرمة، والظاهرية يغالون
ويرون أن بيع متلقي الركبان مردود، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان
التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به، وإن كان يضرهم فهو
مكروه، واحتجوا بحديث ابن عمر عند مسلم بلفظ: كنا نتلقى الركبان
فنشتري منهم الطعام فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه
حتى نبلغ به سوق الطعام. ففيه إباحة التلقي. وفي غيره: النهي عن
التلقي، فجمع بينهما أبو حنيفة وأصحابه بأن النهي عند لحوق الضرر
- ١٦٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
على غير المتلقين المقيمين في السوق، والإباحة عند عدم الضرر.
المسألة الحادية والستون: تخمير رأس محرم مات
قد ذكر ابن أبي شيبة حدیثین عن ابن عباس.
ولفظ الحديث الأول: أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو
محرم، فَوَقَصَتْه ناقَتُه فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه
بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة
ملبياً).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يُغَطّى رأسُه.
قلت: وافقه محمد بن الحسن والأوزاعي، وهو مروي عن عائشة
وابن عمر وطاوس، وليس في الحديث ما يدل على العموم لكل محرم، بل
هذا خاص بذلك الشخص الموقوص. ولم يرد في حديث ما المنع من
تخمير رأس محرم مات. بل أخرج مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر:
أنه كفن ابنه واقد بن عبد الله، ومات بالجحفة محرماً، وخمر رأسه ووجهه،
وقال: لولا أنا حرم لطييناه. هكذا يرى مالك أن المحرم إذا مات يصنع به
ما يصنع بالحلال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث))، وإحرامه من عمله فينقطع بموته، بل لو بقي
إحرامه لطيف به وكملت مناسكه. وليس في الحديث: ((فإنه محرم)) في
صدد تعليل بعث الموقوص ملبياً، فدل ذلك على الاختصاص.
- ١٦٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المسألة الثانية والستون: فقء عين المتطلع
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته أحاديث عن سهل بن سعد وأنس
وأبي هريرة وهزيل.
ولفظ حديث أبي هريرة: «لو أن رجلاً اطّلع على قومٍ بغير إذنهم
حل لهم أن يَفْقَتُّوا عينه)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يَضْمَن.
قلت: أخذ بظاهر تلك الأحاديث الشافعي، فأهدر العين المفقوءة
للمتطلع، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه بضمان العين المفقوءة
للمتطلع للإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر لا يباح فقؤ
عينه. وتلك الأحاديث تحمل على الترهيب والتغليظ.
المسألة الثالثة والستون: اقتناء الكلب
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن ابن عمر وأبي هريرة وسفيان بن
أبي زهير وعبد الله.
ولفظ حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من اتخذ كلباً ليس بكلب زرع ولا
صيد ولا ماشية، فإنه يَنْقُصُ من أجره كل يوم قِيْرَاط)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا بأسَ باتخاذه.
قلت: لا يبيح اقتناء الكلاب على الإطلاق، بل يبيح كلب الزرع أو
- ١٦٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
الضرع أو الصيد أو الحرس. قال محمد: أخبرنا مالك عن عبد الملك بن
ميسرة عن إبراهيم النخعي، قال: رَخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم
لأهل البيت القاصي في الكلب يتخذونه، قال محمد: فهذا للحرس.
المسألة الرابعة والستون: حكم الأوقاص في الزكاة
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن الحَكَم والشعبي وعلي ومعاذ.
ولفظ الحكم: قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأمره أن يأخذ
من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، فسألوه عن فضل ما بينهما
فأبى أن يأخذ حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا تأخذ شيئا)).
وقال في آخره: وذکر أن أبا حنيفة قال: فيها بحساب ما زاد.
قلت: وافقه حماد وإبراهيم النخعي ومكحول. والدليل: أن معاذاً لما
عاد من اليمن وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي فلم يتمكن من
السؤال عن الأوقاص، فلم يصح فيها نص. لذا اختلف الفقهاء فيما بين
الأربعين والستين. فمالك والشافعي وأحمد والثوري لم يوجبوا فيما بينهما
شيئا قياسا على الإبل والغنم، وأبو حنيفة أوجب الزكاة على حساب
ذلك، وهو الأحوط. وقد حَدَّث عن حماد عن إبراهيم: فإذا زادت على
الأربعين فبحساب ذلك، وحكى شعبة عن حماد عنه فيكون أبو حنيفة
تابع حماداً وإبراهيم النخعي ومكحولاً فيما لا نص فيه، وإنما لم يأخذ
- ١٦٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
بإسقاط الوقص لظهور فساد الرواية، أما حديث الحكم فهو منقطع لأن
الحكم بن عتيبة متأخر الزمن لم يدرك معاذاً. والخبر الثاني رأي الشعبي،
والثالث رأي الحكم، والرابع فيه محمد بن سالم، ضعيف جداً، والخامس
فيه ليث بن أبي سليم، وطاوس لم يسمع من معاذ. فأين الخبر الصحيح
الصريح الذي خالفه أبو حنيفة؟ والأوقاص ما بين الستين الذين يجب
فيها الزكاة على رأي الدار قطني.
المسألة الخامسة والستون: هل على المسافر أضحية؟
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته حديثاً عن كليب ورجل من مزينة والحسن
البصري.
ولفظ رجل من مزينة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضَحَّى في السفر.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس على المسافر أضحية.
قلت: وافقه محمد والإمام مالك في رواية وربيعة والليث والأوزاعي،
وهو قول النخعي. وفي مسلم وغيره حديث بصيغة - ذبح - وبصيغة
- نحر - عن نسائه أو عائشة ربما ترجح الاحتمال المرجوح في معنى
- ضحى- وحديث جابر: نحر عن عائشة، يحتمل أن يكون هدياً عنها أو
دماً عن رفضها لإحرام عمرتها، فالاحتمال الأول غير متصور، لأنها
كانت مفردة بالحج، ووجوب الهدي إنما هو على القارن أو المتمتع، فتعين
أن هذا الذبح عن رفضها للعمرة، والإمام أبو حنيفة إنما يقول بعدم
- ١٦٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وجوب الأضحية على المسافر، ولا يقول: إنه لا يثاب إذا فعل، وليس
فيما ذكره ابن أبي شيبة من الآثار ما يدل على وجوب الأضحية على
المسافر حتى يظن بأبي حنيفة أنه خالف الحديث الصحيح القديم في هذه
المسألة، وأما أحاديث الباب ففي الحديث صحابي مجهول لكن ذلك غير
مضر عند الجمهور، ورجل من مزينة في الحديث الثاني وصيغة (إنّ) ليست
من صيغ الاتصال، وقاسم بن مالك في سنده تكلم فيه الساجي وأبو حاتم.
المسألة السادسة والستون: المرأة تهل بعمرة ثم تحيض
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن السيدة عائشة وعن مجاهد وعطاء.
ولفظ مجاهد وعطاء قال: سألتهما عن امرأة قدمت مكة بعمرة
فحاضت، فخشيت أن يفوتها الحج، فقالا: ثُهل بالحج وتمضي.
ولفظ السيدة عائشة قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في
حجَّة الوداع موافين لهلال ذي الحجة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((من أراد منكم أن يُهلَّ بعمرة فليهل، فإني لولا أني أهديت لأهللت
بعمرة)»، قالت: فكان من القوم من أهلّ بعمرة، ومنهم من أهل بحج،
قالت: فكنت أنا ممن أهل بعمرة، قالت: فخرجنا حتى قدمنا مكة فأدركني
يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي، فشكوت ذلك إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: ((دعي عمرتك وانقُضي رأسك وامتشطي وأهلي
بالحج)»، قالت: ففعلت، فلما كانت ليلةُ الحصبة وقد قضى الله حجنا
- ١٦٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أرسلَ معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج بي إلى التنعيم
فأهللت بعمرة، فقضى الله حجنا وعمرتنا، لم يكن في ذلك هدي ولا
صدقة ولا صوم.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: تكونُ رافضةً للحج وعليها
دمٌ وعمرةٌ مكانها.
قلت: احتج الحافظ ابن أبي شيبة بما جاء في حديث عائشة لفظ ((لم يكن
في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم» من کلامها، مع أنه ليس من کلامها بل
من كلام هشام بن عروة أدرج في بعض حديثه للعراقيين، فقد جاء في
(صحيح)) البخاري عن هشام عن السيدة عائشة: حتى إذا كان ليلة الحصبة
أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فأهللت بعمرة مكان
عمرتي، قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة.
قال البدر العيني: إن ظاهر قول هشام مشكل فإنها إن كانت قارنة
فعليها هدي القران عند كافة العلماء وإن كانت متمتعة فكذلك لكنها
كانت ناسخة، فلم تكن قارنة ولا متمتعة وإنما أحرمت بالحج ثم نوت
فسخه في عمرة. فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها، فلما
أكملته اعتمرت مبتدئة. نبه عليه القاضي لكن يعكر عليه قولها: وكنت
ممن أهل بعمرة، ويجاب بأن هشاماً لما لم يبلغه ذلك أخبر بنفيه، ولا يلزم
من ذلك انتفاءه في نفس الأمر، لكن لما علم أن هذا الكلام مدرج من
- ١٧٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
كلام هشام وأنه في العراق فما المانع من أن هشام نفى ذلك حيث لم
يبلغه، وقد أخرج محمد في ((الحجج)) عن خالد بن عبد الله عن خالد
الحذاء عن أبي قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن عائشة
في عمرتها بقرة، يعني التي قدمت مع النبي صلى الله عليه وسلم فيها،
فبقي قول أبي حنيفة سالماً من المخالفة للحديث الصحيح الصريح كما
هو ظاهر.
المسألة السابعة والستون: التسبيح للرجال
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي هريرة وسهل بن سعد وجابر
وعبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن.
ولفظ حديث أبي هريرة : صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس
ذات يوم، فلما قام ليكبر قال: إن أَنْسَانِي الشيطان شيئا من صلاتي،
فالتسبيحُ للرجال والتَصْفِيق للنساء.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة كان يقول: لا يفعل ذلك وكرهه.
قلت: هذا سهو من ابن أبي شيبة في عزوه كراهة ذلك عند أبي حنيفة،
وقد روى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سن
في الصلاة إذا نابهم فيها شيء، التسبيح للرجال والتصفيق للنساء،
أخرجه الحافظان الحارثي وطلحة بن محمد في مسنديهما عنه وهو المعمول
به في مذهبه.
- ١٧١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المسألة الثامنة والستون: خنق سَابٌ الرسول صلى الله عليه وسلم
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن الشعبي وابن عمر.
ولفظ حديث ابن عمر: أنه تغلب على راهب سَبَّ النبي صلى الله
عليه وسلم بالسيف وقال: إنا لم نصالحكم على شتم نبينا صلى الله
علیه وسلم.
ولفظ الشعبي: كان رجل من المسلمين أعمى فكان يأوي إلى امرأة يهودية،
فكانت تطعمه وتسقيه وتحسن إليه، وكانت لا تزال تؤذيه في رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلما سمع ذلك منها ليلة من الليالي قام فخنقها حتى
قتلها، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنشد الناس في أمرها، فقام
الرجل فأخبره أنها كانت تؤذيه في النبي صلى الله عليه وسلم وتسبه وتقع
فيه فقتلها لذلك، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يقتل.
قلت: إن أبا حنيفة يرى أن لا انتقاض لعهد أهل الذمة بشيء من
ذلك إلا أنه لهم منعة يقدرون معها على المحاربة، أو أن يلتحقوا بدار
الحرب، فلا يقتل الذمي عنده بمجرد الانتقاص، بدليل أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يأمر بقتل - ذلك اليهودي الذي كان يقول له عليه السلام:
السام عليكم -، ومعاملته المنافقين بالتألف، وأما قتل كعب بن الأشرف
- ١٧٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فلإثارة الفتنة أصبح في حكم المحارب. وتفصيل هذا البحث في كتاب
((تنبيه الولاة والحكام في حكم شاتم خير الأنام، أو أحد أصحابه الكرام))
لابن عابدين، والجمهور على قتل الشاتم فوراً كما ذكر السبكي وجوه
الخلاف في ذلك.
المسألة التاسعة والستون: كسر القَصْعَة وضمانها
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن السيدة عائشة وأنس بن مالك وشريح.
ولفظ حديث أنس قال: أَهْدی بعض أزواج النبي صلی الله علیه وسلم
إلى النبي صلى الله عليه وسلم قَصْعَة فيها ثريدٌ وهو في بیت بعض أزواجه،
فضربت القصعة فوقعت فانكسرت، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم
يأخذ الثريد فيرده إلى القصعة بيده ويقول: ((كلوا، غارت أمكم))، ثم انتظر
حتى جاءت قصعة صحيحة فأخذها فأعطاها صاحبة القصعة المكسورة.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: بخلافه وقال: عليه قيمتها.
قلت: إن الحديثين ليسا من باب الضمان لأن حجرة عائشة وحجرة
حفصة بما فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم فعوض- عليه الصلاة
والسلام - عن القصعة المنكسرة بالقصعة السليمة من حجرة عائشة، ولا
يتصور أن يدع عائشة من غير قصعة تأكل فيها، والمصنف ابن أبي شيبة لم
يصب في وضع أبي حنيفة موضع الخلاف للحديث هنا فإن مذهبه في
- ١٧٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ضمان العدوان دفع المثل في المثليات ودفع القيمة عند تعذر المثل،
والقصعة قد تكون مثلية، وقد تكون قيمتها باختلاف الأزمان والبلدان،
وتماثل العينين إذا تحقق لا يمنع أبو حنيفة أن يدفع أحدهما بدل الآخر،
حتى إنه لو دفع القيمة استطاع المدفوع إليه أن يشترى من السوق مثل
الهالك، فلا يكون في قول أبي حنيفة هذا أدنى مخالفة للحديث بل سائر
الأئمة معه في هذا القول، وقد استدل الإمام أبو حنيفة لما ذهب إليه بما
أخرجه أبو داود عن السيدة عائشة قالت: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل
صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً، فبعثت به،
فأخذني أَفْكَلٌ - ارتعاد من شدة الغيرة - فكسرت الإناء، فقلت يا
رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام.
المسألة السبعون: حكم العَرَايا
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن زيد بن ثابت وسهل بن أبي حثمة
ورافع بن خديج.
ولفظ حدیث زید بن ثابت: أن النبي صلی الله عليه وسلم رخص في العرايا.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: لا يصح ذلك.
قلت: معنى العرية عند أبي حنيفة : وهي مأخوذة من العارية،
والإعراء: بأن يعطي صاحب النخيل نخلة ونخلتين لشخص ليتمتع
بثمارها كالمنيحة في التمتع بالحليب، ثم يكيل له مقداراً من التمر بدل
- ١٧٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
تخليه من النخلة والنخلتين لصاحب النخيل، ففيها معنى المنح والإعارة
والهبة وليس فيها معنى المزابنة أصلا، لأنها ليست ببيع ما على الأشجار
من الأثمار بكيل من التمر، لأن النخلة والنخلتين لم يتسلمها المعرى له،
والهبة إنما تتم بالقبض، فلو تم قبضه لها، ثم باع ما على رؤسها من التمر
بكيل من التمر لكانت العرية داخلة في المزابنة، فالترخيص بالعرية لمجرد
دفع شبهة المزابنة من مثل هذا النوع من المنح الذي ليس فيه حقيقة البيع،
بل فيه استبدال هبة غير مقبوضة غير نافذة بهبة أخرى عن رضى
الطرفين، يدل عليه ما ثبت عن زيد بن ثابت فيما أخرجه الطحاوي
بطريق نافع عن ابن عمر به.
المسألة الحادية والسبعون: اختيار الأربع من الزوجات والاقتصار
عليهن بعد الإسلام
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة أسلم
وعنده ثمان نسوة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعاً.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: الأربع الأُوَل .
قلت: ليس فيما جرى في الجاهلية قبل التحريم في الإسلام وإنما
كلامه في عقود المسلم في عهد الإسلام بعد ثبوت تحريم ما زاد على
الأربع، والجمع بين الأختين، فهو يقول: إذا غلط مسلم فعقد على
خامسة يظن أن إحدى الأربع ماتت لخبر بلغه وهو في بلد آخر مثلاً ثم
ظهر خلافه، فإذ ذاك يكون الباطل هو نكاح الخامسة، وكذا إذا تاب
- ١٧٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأناب مبتدع من أهل القبلة وتحته أكثر من أربع نسوة، فإن نكاح الأربع
الأول منهن يعد صحيحاً بخلاف من بعدهن لتأخير عقدهن عن العدد
المحدد للجواز فيقع باطلاً. والإمام أبو حنيفة يرى هذا الاختيار المطلق
خاصّاً بالعقود السابقة على تحريم ما زاد على الأربع، وتحريم الجمع بين
الأختين في الإسلام، فزوجات غيلان في الجاهلية على قدم المساواة في
دخولهن تحت عصمته قبل ورود التحديد لعدد الزوجات في الإسلام، فلا
يتصور تقديم الأول عند إسلام غيلان وزوجاته جميعاً بل يكون الاختيار
إليه في تعیین الأربع، وكذا الحكم بعد تحريم الجمع بين الأختين في حديث
ابن فيروز، وظاهر كلام ابن أبي شيبة أن أبا حنيفة عارضَ قولَ الرسول
صلى الله عليه وسلم فيما جعل لغيلان من اختيار أربع من زوجاته
المعقود لهن في الجاهلية وأنه ادَّعى أن ذلك ليس له مطلقاً بل يكون
اختياره مقصوراً على الأربع الأول، فحاشاه من ذلك.
المسألة الثانية والسبعون: اشتراط الولاء للبائع في البيع
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن السيدة عائشة وابن عباس وابن عمر.
ولفظ حديث السيدة عائشة: أراد أهل بريرة أن يبيعوها، ويشترطوا
الولاء فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((اشتريها وأعتقيها،
فإنما الولاء لمن أعتق)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: هذا الشراء فاسد لا يجوز.
- ١٧٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
قلت: اشتراط ما لا يقتضيه العقد باطل والبيع نافذ، وكان أهل بريرة
أرادوا شيئا لا يجوز، فلما أخبروا بأنه لا يجوز رجعوا عما عزموا عليه وباعوها.
وفي الموطأ للإمام محمد بن الحسن: أخبرنا مالك أخبرنا نافع عن
عبد الله بن عمر عن عائشة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أرادت
أن تشتري وليدة يعني - بريرة - فتعتقها، فقال أهلها: نبيعك على أن
ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((لا
يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق)). قال محمد: وبهذا الولاء لمن أعتق لا
يتحول عنه وهو كالنسب، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهاءنا.
المسألة الثالثة والسبعون: الضربة والضربتان في التيمم
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عمار وأبي هريرة وأَبْزى.
ولفظ حديث عمار مرفوعاً: ((التَّيمم ضربة للوجه والكفين)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: ضربتين، لا تجزئه ضربة.
قلت: الضربة والضربتان روايتان، فأخذ الإمام أبو حنيفة بالأحوط،
فحديث ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)).
أخرجه الحاكم والدارقطني من طريق علي بن ظبيان عن عبيد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر. وأخرجه الحاكم عن جابر نحوه
وساق الزيلعي أحاديث بهذا المعنى عن السيدة عائشة وابن عمر
- ١٧٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
والأسلع وابن عباس وأبي جهم وأبي هريرة.
المسألة الرابعة والسبعون: الوكالة في الشراء
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن عروة البارقي وحكيم بن حزام.
ولفظ حديث عروة البارقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه
ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار، وأتى
النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة، فدعا له النبي صلى الله عليه
وسلم بالبركة في بيعه فكان لو اشترى تراباً لربح فيه.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يضمن إذا باع بغير أمره.
قلت: يؤيد حديث الباب ضمان الوكيل إذا باع من غير أمر الموكّل
حيث ضمن الوكيل كما جاء في الحديثين المبيع بشاة ودينار واحد، فلا
يوجد المخالفة من قبل الإمام أبي حنيفة مع أن الحديثين فيه انقطاع لأن
شبيباً في الحديث الأول لم يسمعه من البارقي، وفي الثاني رواية رجل
مجهول عن حكيم، فكيف يصح الخبر حتى يعد أبو حنيفة مخالفاً للخبر
الصحيح الصريح.
المسألة الخامسة والسبعون: الطمأنينة في الصلاة وتعديل الأركان فيها
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن أبي مسعود وعلي بن يحيى بن خلاد
عن أبيه عن عمه، والمسور بن مخرمة.
- ١٧٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ولفظ حديث أبي مسعود مرفوعاً: ((لا تجزئ صلاة لا يُقيم الرجل
صُلْبَه فيها في الركوع والسجود)).
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: تجزئه وقد أساء.
قلت: ومن أدلة الإمام أبي حنيفة حديث أبي هريرة الذي أخرجه
أبو داود والترمذي والنسائي، وفيه: ((فإذا أتممت صلاتك على هذا فقد
تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنقصه من صلاتك)). وهذا الحديث يدل
على أن من ترك الطمأنينة في الصلاة فقد أساء لكن لا تبطل صلاته، لأنه
صلى الله عليه وسلم وصفها بالنقص، والباطلة لا توصف به بل بالزوال،
فلا تكون الطمأنينة فرضاً تبطل بتركها الصلاة، بل واجبة يكون تركها نقصاً
فيها وإساءة، فيوجب تركها إعادتها إكمالا للنقص المحدث عمداً، وإن لم
يُعِدها يكون أداها ناقصة مسيئا بعدم إعادتها، وحمل أبو حنيفة أحاديث
الباب على استدراك النقص دون البطلان جمعاً بين الأدلة، فلا يكون في هذا
مخالفة للحديث إلا في فهم هذا الناقد، وليس النقر كنقر الديك من مذهبه
أصلا، فتجد أهل مذهبه من أرعى الناس للطمأنينة.
المسألة السادسة والسبعون: من زرع أرض قوم
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن رافع بن خديج وابن عمر.
ولفظ حديث رافع بن خديج: ((من زرع في أرض قوم بغير إذنهم
ردت إليه نفقته ولم یکن له من الزرع شيء)).
- ١٧٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يقلع زرعه.
قلت: يرى الإمام أبو حنيفة وصاحباه أن صاحب الأرض بالخيار إن
شاء خلى بين الزارع وبين أخذ زرعه ذلك. وضمنوه نقصان الأرض إن
حصل فيها نقص، وإن شاء منع الزارع من ذلك، وغرم له قيمة زرعه
ذلك مقلوعاً كما هو حكم حديث: ((وليس لعرق ظالم حق)). ولم يوضح
ابن أبي شيبة هنا رأي الإمام أبي حنيفة على الوجه الصحيح ولا حمل
الحديث على معنى يلتئم مع باقي الآثار.
المسألة السابعة والسبعون: ما تتلفه الماشية بالليل
قد ذكر ابن أبي شيبة تحته عن سعيد وحرام بن سعد، والبراء بن
عازب والشعبي.
ولفظ حديث البراء: أن ناقة لآل البراء أفسدت شيئا، فقضى النبي
صلى الله عليه وسلم أن حفظ الأموال على أهلها بالنهار، وضمن أهل
الماشية ما أفسدت ماشیتهم بالليل.
وقال في آخره: وذكر أن أبا حنيفة قال: يضمن.
قلت: ما نسب ابن أبي شيبة إلى الإمام أبي حنيفة تعمية، والصواب
أن مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن أن الماشية
إذا كانت منفلتة فلا ضمان على صاحبها لما أصابته ليلاً ونهاراً
لحديث ((العجماء جبار)). أخرجه الستة بأسانيد كالجبل، وهو
- ١٨٠ -