النص المفهرس
صفحات 81-100
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ودقق مثل هذه المسائل ثم لم يدعها لنفسه، وإنما نسبها إلى نبي أشهد أنه على الحق، فأسلم، وهذا يعد من بركات محمد بن الحسن رحمه الله لما صنفه، ومسائله معروفة فإن من أراد أن يقرأه ويفهمه يحتاج أن يكون عالما بارعا بستة علوم، أولها الكتاب العزيز، والآثار، والفقه، والنحو، واللغة، والحساب. ومن لم يكن مجيدا بهذه العلوم لم يعرفه إلا تقليدا. انتھی. وحفص بن غياث من تلاميذ الإمام أبي حنيفة وممن روى عنه أحاديثه ومناقبه كما في ((عقود الجمان)) ١٠٧، و(كشف الآثار)) ٥٢٤ - ٥٤٤. وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في ((الكلمات الشريفة)) ص٢٧٥ - ٢٧٦: فقد ذكر الحافظ المزي رحمه الله حفص بن غياث في أصحاب الإمام والرواة عنه، قال السيوطي رحمه الله في تدريب الراوي: منهم القاضي حفص بن غياث الحنفي من الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة ص١٥٩، بل حفص بن غياث أحد العشرة المتقدمين في أصحاب الإمام الذین دونوا کتبه وأملوا مسائله. وقال القرشي رحمه الله في ((طبقات الحنفية)) مجلد ٢ ص١٣٨ : حفص بن غياث بن طلق المعروف بالنخعي القاضي الكوفي. الإمام صاحب الإمام أحد من قال فيه الإمام في جماعة: أنتم مسار قلبي وجلاء حزني، اهـ. - ٨١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وحفص هذا أحد الثقات روى عنه أحمد وابن معين وابن المديني ويحيى القطان قال أحمد بن عبد الله ثقة مأمون فقيه. روی له الجماعة كذا قال عبد الغني في الكامل. وكان وكيع إذا سئل يقول: اذهبوا إلى قاضينا فسلوه، وكان أبو يوسف لما ولي حفص قال لأصحابه: تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر التي زعمت نكتبها، قال: ويحكم أن حفصاً أراد الله فوفّقه، اهـ. ملتقطاً من طبقات الحنفية للقرشي ص١٣٨ إلى ص ١٤١. فدعوى ترك حفص لأبي حنيفة دعوى باطلة وكذب محض لا يلتفت إليه بعد ثبوت كون حفص بن غياث من خواص أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين. النضر بن شميل قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٦/١٥: أخبرني محمد بن علي المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح يقول: سمعت يحيى بن منصور الهروي يقول: سمعت أحمد بن سعيد الدارمي يقول: سمعت النضر بن شميل يقول: في كتاب الحيل كذا مسألة كلها كفر. - ٨٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث هذا الخبر من الأخبار المنكرة المكذوبة على أبي حنيفة رحمه الله، والدليل على كذبه واختلاقه ما سبق الرد على هذا الموضوع. وقد يروي الحارثي في ((الکشف»: ٢٨٩٠ - حدثنا أبو الحسن علي بن الحسين الكسي قال: حدثنا الفتح ابن عمرو قال: سمعت النضر بن شميل يقول: لا ترووا عنا بكل ما نقول في أبي حنيفة، فإنا نقول عند الغضب أشياء ليست لها حقيقة. وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في ((الكلمات الشريفة)) ص٣٩٠: وابن شميل ما قال هذا الكلام في كتاب ((الحيل)) إنما قاله في كتاب (الخليل)) ونص عبارته كما في ((سير أعلام النبلاء)) ٩/ ٣٣٠: قال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت النضر بن شميل يقول: في كتاب الخليل كذا و كذا مسألة کفر، فتأملوا ولله في خلقه شؤون. والنضر بن شميل هذا أحد حفاظ الأمة عالم أهل مرو، ثقة، صاحب سنة، كان إماماً في العربية والحديث، وكان أروى الناس عن شعبة، ألّف كتباً كثيرة لم يسبق إليها، روى له الجماعة. انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) ٢٨٩/١، و((سير أعلام النبلاء)) ٣٢٨/٩ وقد ذكر الكردري رحمه الله في ((مناقب الإمام الأعظم)) النضر بن شميل في أصحاب الإمام الأعظم ص٥١٢، ونقل عن بشر بن يحيى قوله: رأيته - أي النضر - في مجلس ابن المبارك وكان يُلقى عليه المسألة ويقول له عبد الله : يا أبا الهيثم أجب فيها، أهـ. مناقب الإمام للكردري ص٥١٢. - ٨٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ونقل الحافظ السيوطي رحمه الله في ((تبييض الصحيفة)) ثناء النضر ابن شميل على سراج الأمة أبي حنيفة رضي الله عنه ص ١٢٣: قال النضر بن شميل: كان الناس نياماً عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة بما فتقه وبينه ولخصه، اهـ. ونقل هذا الثناء الخطيب نفسه في ((تاريخ بغداد)) ١٣/ ٣٤٥، وأين كلام النضر هذا مما نقله المؤلف بإسناد فيه أحمد بن حفص مختلق الأحاديث، وهكذا يعمل أهل الحقد لأهل السنة فيجعل الله بينهم وبين الحق حجاباً. وقد سبق الرد على هذا في ترجمة عبد الله بن المبارك، وانظر ((تأنيب الخطیب)) ص٢٤٠. أبو عاصم النبيل قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٩/١٥: أخبرنا البرقاني، قال: حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي، قال: حدثنا محمد بن علي الإيادي، قال: حدثنا زكريا بن یحیی الساجي، قال: حدثنا بعض أصحابنا، قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج من الكوفة قول أبي حنيفة، وشرب المسكر، وقراءة حمزة وقال زكريا: سمعت محمد بن الوليد البسري، قال: كنت قد تحفظت قول أبي حنيفة، فبينا أنا يوما عند أبي عاصم، فدرست عليه شيئا من مسائل أبي حنيفة، فقال: ما أحسن حفظك، ولكن ما دعاك أن تحفظ شيئا تحتاج أن تتوب إلى الله منه. في سنده الأدمي، وزكريا الساجي، وأبو عاصم النبيل هو من - ٨٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث أصحاب زفر بالبصرة ومن المعجبين بفقه أبي حنيفة. وسبق من الخطيب / ٣٤٢ ما ينافي هذا بأسانيد جيدة عن أبي عاصم. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص ٩٧: أتراه يريد من العلم بكتاب الله وسنة رسوله واتباع الصحابة، وإذا تاب عن هذا فبأي شيء كان يريده يتعلق، أم تراه لم يقف على الجامع الكبير وحده حتى يعلمه ما يتوب عنه. وأنا ذاكر لك مسألة من مسائله لتعلم ما يطرد عليه. قال أبو حنيفة: إذا قال الرجل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق إن كلمت زيدا. فدخلت الدار، وقع عليها تطليقتان، وإن كلمت زيدا وقع عليها تطليقة. قال الله عز وجل: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ﴾ فقد أجمع الناس على أن الختم للقلوب والأسماع، والغشاوة للبصر. فأبو حنيفة استخرج من هذه الآية هذه المسألة فجعل قوله إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق، ثم ابتدأ وطالق إن كلمت زيدا. فجاء بها على نسق الآية. فانظر كم وقف على هذه الآية من إنسان ولم يستخرج منها شيئا. وقد بينت في أول كتابي من جنس هذه المسألة ما يستدل به علی أن من تاب عن مثل هذا کفر. محمد بن إدريس الشافعي قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٦٠: أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان - ٨٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ابن محمد بن بيان الصفار، قال: حدثنا علي بن محمد الفقيه المصري، قال: حدثنا عصام بن الفضل الرازي، قال: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: ناظر أبو حنيفة رجلا، فكان يرفع صوته في مناظرته إياه، فوقف عليه رجل، فقال الرجل لأبي حنيفة: أخطأت، فقال أبو حنيفة للرجل: تعرف المسألة ما هي؟ قال: لا، قال: فكيف تعرف أني أخطأت؟ قال: أعرفك إذا كان لك الحجة ترفق بصاحبك، وإذا كانت عليك تشغب وتجلب. قلت: منقطع، فإن الشافعي لم يدرك أبا حنيفة وعصام بن الفضل الرازي لا يعرف. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٩٩: إذا كان الغائب لا يعرف المسألة فقوله وتركه سواء لأنه معترف بالجهل، وأجهل منه من يعتقد أن هذا مما يطعن به على الأئمة. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥ / ٥٦٧: أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي والحسين بن جعفر السلماسي والحسن بن علي الجوهري، قالوا: أخبرنا علي بن عبد العزيز البرذعي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرت - ٨٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث في کتب لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة، قال أبو محمد: لأن الأصل كان خطأ، فصارت الفروع ماضية على الخطأ. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كله عليها. وقال أيضا: حدثنا أبي، قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: سمعت الشافعي يقول: ما أعلم أحدا وضع الكتاب أدل على عوار قوله من أبي حنيفة. أخبرنا ابن رزق، قال: حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الرقي، قال: حدثني أحمد بن سنان بن أسد القطان، قال: سمعت الشافعي يقول: ما شبهت رأي أبي حنيفة إلا بخيط السحارة يمد كذا فيجيء أخضر، ويمد كذا فيجيء أصفر. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١٠٥ - ١٠٦ : أما أصول أبي حنيفة رضي الله عنه فمعروفة لا يقدر أحد أن يطعن فيها، فإنه إذا بنى أصلا على باب من الأبواب لم يخالفه أبدا. مثال ذلك أن الشك لا يزيل اليقين عند أبي حنيفة رحمه الله، مثاله إذا أكل الرجل في - ٨٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث شهر رمضان وهو يرى أنه لم يصبح وكان قد أصبح فعليه القضاء ولا كفارة عليه، ولو أكل وهو يرى أنه قد دخل الليل ثم تبين أنه نهار فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه ممسك بالأصل. ومثاله إن العصير لا يصير خمرا حتى يغلى ويقذف بالزبد ويشتد ويسكر، فإذا حمض الخمر أدنى الحمض لا يصير خلا حتى يشتد حمضه فيتخلل بيقين، ومثاله رجل توضأ ثم شك في الحدث فهو على وضوئه، ورجل شك في الوضوء يجب عليه الوضوء لأنه على الأصل، هذا في الأصول التى بنى عليها. أما على القول فالشافعي وأصحابه منذ كانوا وإلى هذه السنة التي تكلمنا فيها - وهي سنة إحدى وعشرين وستمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم - لا يقدرون على بيان ما نقل عنه الخطيب. وجوابي للخطيب، وإنما عندي أن الشافعي نقل عنه من حمد أبي حنيفة ما لا ينقل إلا عمن يعرف الفضل ويعرف به. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٦٩ - ٢٧٢ : أقول: صبر الخطيب من أول الترجمة إلى هنا، من غير أن يذكر من الشافعي رواية في النيل من أبي حنيفة، مع ذكره روايات في ذلك عن أخص أصحاب أبي حنيفة، وهنا قد شفى صدره وذكر من الشافعي أربع روايات في هذا الصدد، وإني لا أتكلم في سند الرواية الأولى، بشرح ما ينطوي عليه البرذعي، ولا ببيان وجوه تعنت شيخه في الجرح بما يملي عليه اعتقاده الذي تلقاه من حرب بن إسماعيل، ولا بنقل ما قاله الحميدي والربيع المؤذن في ابن عبد الحكم. - ٨٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بل أفرض أن متن الرواية مما أسرّ به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر عن الشافعي أنه قال: (الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة)، وأنه (حمل من محمد بن الحسن حمل جمل من علمه)، وأنه (أمَنُّ الناس عليه في الفقه)، إلى غير ذلك من نصوصه المسجلة بأسانیدها في کتب أهل العلم، وفي تاریخ الخطيب نفسه. بل أكتفي بلفت النظر إلى غلطة في النص المنقول هنا - في الطبعات الثلاث ومخطوطة دار الكتب المصرية - وذلك أن كتبا منكورة لا تكون منسوبة لجميع أصحاب أبي حنيفة، كما لا يكون عدد أوراق ما يقال له: كتب مئة وثلاثين ورقة فقط، بل هذا العدد من الأوراق لا يتصور أن یکون إلا في گُتّب، ومثل هذا الكتيب لا یکون تأليف جمیع أصحابه، بل يكون تأليف بعضهم فقط، وكل ذلك ظاهر جدا فيما أرى. فلعل أصل الرواية: (نظرت في كتيب لبعض أصحاب أبي حنيفة، فإذا فيه مئة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانین ورقة خلاف الکتاب والسنة) فغلط الناسخ أو أحد الرواة في نقل الأصل حتى أصبحت الرواية على الصورة السابقة. ونحن نجل مقدار الشافعي من أن ينطق بكلام غير معقول، فما تلقاه الشافعي من محمد بن الحسن فقط حمل بختي باعترافه، ولیس ذلك کل ما اطلع عليه الشافعي من كتب أصحاب أبي حنيفة، بل اطلع أيضا على كتب أبي يوسف، و(الأمالي) فقط من بينها نحو ثلاثمئة جزء على ما يقال. - ٨٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث وسمع كثيرا من وكيع بن الجراح، وأسد بن عمرو، ويوسف بن خالد السمتي، وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة، وكتبهم تملأ خزانة ربما لا يكون عدد أوراقها أقل من عدد الكلمات أو الجمل في مؤلفات الشافعي. فإذا ثبت بهذه الصورة أنه لا يعقل أن يكون قوله إلا في كتيب، يحتوي على ذلك العدد من الأوراق فقط، فماذا على الشافعي لو كان صرح بمؤلف الكتيب المذكور، وجاهر بذكر ما خالف في نظره الكتاب والسنة من مسائله؟ وهو نحو ثلثي مسائل ذلك الكتيب، فلو كان فعل ذلك لربما رجع مؤلف الكتيب إلى الصواب، أو أبدى ما عنده من الجواب إن كان حيا، وإن كان ميتا يقوم أحد تلاميذه مقامه في ذلك، فيعمم النفع بهذا الأخذ والرد، ويتضح الخطأ والصواب من بين المسائل. وعلى فرض أن أحد أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كتيب، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه کتاب (الحجة) کله، المعروف بالقدیم، وأمر بغسله والإعراض عنه، هو مجلد ضخم لا يقل عدد أوراقه من ثمانمئة ورقة، ولولا أن الشافعي رأى قديمه كله مخالفا للكتاب والسنة، لما رجع هذا الرجوع ولا تشدد هذا التشدد. فكيف يسوغ للشافعي أن يعير من يكون خطؤه نحو نسبة الواحد إلى العشرة بالنسبة إلى خطئه نفسه؟ وذلك العالم المفروض خطؤه، لم يعترف - ٩٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث بعد بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في قديمه، ولعل لصاحب الكتيب كلاما يندفع به اعتراض المعترض لو علم ما هو هذا الاعتراض. ويوجد بين العلماء من يتسرع في الحكم بمخالفة الكتاب والسنة، بحيث يظهر بعد إمعان النظر في كلامه، أن ما عدّه مخالفا للكتاب والسنة هو الموافق لهما، وهو الصواب بعينه، وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، راوي هذه الحكاية من الشافعي، ألف كتابا سماه ((ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله))، كما ذكره ابن السبكي وغيره. فهل نصدقه فيما يقول؟ وبالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحد أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. ولو كان أصل الحكاية (نظرت في كتاب لأبي حنيفة)، لاستقام المعنى على تقدير التغاضي عما في السند، إلا أن الكلام يكون مرسلا على عواهنه من غير بيان ما هو هذا الكتاب بين كتب أبي حنيفة. وأما ما رواه الخطيب عن الشافعي أيضا أنه قال: (أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كله عليها) فلا نتكلم في رجالها، وإن كان بينهم من غير رجال السند الأول الربيع المرادي، الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما يقول، بل نعترف بأن المجتهد قد يخطئ في التفريع. ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب (الوقف) أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلا، ففرع عليه المسائل، - ٩١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في کتاب (المزارعة)، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، وجعله أصلا ففرع عليه الفروع. ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل أبي حنيفة، ربما لا يبلغ في العد عدد أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك العائب من هذا القبيل، بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه، فتجدهم مضطرين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: (فيها قولان) فيشكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر. وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في ((الكلمات الشريفة)) ص ٣٤٠: وثناء الشافعي تلميذ محمد بن الحسن صاحب النعمان على أبي حنيفة متواتر لا يحتاج إلى أن نطيل في ذكره، وحسبنا أن مما يحفظه الصغار والكبار العلماء والعوام قول الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، وهذه كتب الشافعية طافحة بنقل ثناء الشافعي على أبي حنيفة وتعظيمه وإجلاله، فسبحان قاسم العقول ولله في خلقه شؤون. سعيد بن عبد العزيز قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٠: أخبرني الخلال، قال: حدثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن - ٩٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث محمد الزهري، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن أبو محمد السكري، قال: حدثنا العباس بن عبيد الله الترقفي، قال: سمعت الفريابي يقول: كنا في مجلس سعيد بن عبد العزيز بدمشق، فقال رجل: رأيت فيما يرى النائم کأن النبي صلی الله عليه وسلم قد دخل من باب الشرقي، يعني: باب المسجد، ومعه أبو بكر وعمر وذکر غير واحد من الصحابة، وفي القوم رجل وسخ الثياب رث الهيئة، فقال: تدري من ذا؟ قلت: لا، قال: هذا أبو حنيفة، هذا ممن أعين بعقله على الفجور، فقال له سعيد بن عبد العزيز: أنا أشهد أنك صادق، لولا أنك رأیت ھذا لم تکن تحسن تقول هذا. قلت: الأحلام والرؤى لا قيمة لها في العلم، وفيه محمد بن يوسف الفريابي كان بالغ العداء للذين لا يستثنون في الإيمان، وقد ثبت عن سعید المدح والثناء کما في باب التوثيق. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٠ - ١١١ : ليت شعري أي شيء في هذا القول مما يصعب على أبله الناس إذا أراد الاختلاق أن يقوله، ثم ومن لا يحسن أن يقول مثل هذا في اليقظة كيف يحتج بقوله في المنام؟ وليت شعري من كان هذا الرجل الرائي للمنام الذي قيست رؤياه برؤيا يوسف الصديق مع أن رؤيا يوسف لم تحمل على ظاهرها، لأنها أولت؛ لأنه لم يسجد له الشمس والقمر - ٩٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث والكواكب الأحد عشر في اليقظة كما رآها ساجدة له في المنام، ومع هذا فيكفي أبا حنيفة شرفا دخوله المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقارنا لأبي بكر وعمر، ولو كان الأمر كما ذكرنا لما صحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، هذا إن صدق افتراؤهما لوجدنا به بهتا وهما مستيقظان أكان أحد يصدقهما فكيف يصدقهما في المنام؟، وقد أجمع الناس على أن الرؤيا لا تفسر على ظاهرها، ولو كان الأمر كذلك لما احتيج إلى المفسرين؛ لأن نص القرآن العزيز حكاية عن يوسف لما قال له الرائي: (إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) أنه يصلب فتأكل الطير من رأسه، وأين الحمل من الصلب، وأين الخبز من رأسه؟ وفي قول الملك: (إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف)، (قال تزرعون سبع سنين) ثم قال: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد) وأين البقرة من السنة، فقد أول المعبرون البكاء بالفرج، والموت بطول العمر وأشياء كثيرة بما يضادها. فعلى هذا يكون وسخ أثواب أبي حنيفة ورثاثة هيئته نظافة وطهارة. ويقول الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٨٦ - ٢٨٧: ويكون هذا الاستدلال من طرائف الاستدلال على صدق الرائي، حيث يبيح سعيد بن عبد العزيز لنفسه أن يشهد لذلك الرجل المجهول أنه صادق في رؤياه، كأنه شهد معه القصة في الرؤيا، وهذا أنموذج من تفكير خصوم أبي حنيفة. - ٩٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث ومثل هؤلاء يجب هجرهم وترك الالتفات إليهم، إلا أن موضع العبرة في صنيعهم، أنهم يَشكون في كل شيء ويستثنون إلا فيما يتعلق بمثالب أبي حنيفة، فإنهم يجزمون بها سواء كانت في اليقظة أو المنام، ولا يرون حاجة إلى السؤال عن الرائي من هو؟ ولا إلى تفسير الرؤى المحكية وتعبيرها. مع أن رؤيا الأنبياء منها ما يحتاج إلى التفسير، كما في ((فتح الباري)) وغيره، ومع أن علماء تفسير الأحلام كثيرا ما تراهم يؤولون الحزن بالفرح، والشيء بضده، ونحو ذلك. وليس الغريب أن تكون تلك الطائفة بالحالة التي ذكرناها، وإنما الغريب أن يتسقّط الخطيب كل ما يجده في مثالب أبي حنيفة، ويلقطه هاشا باشا به، كأنه ظفر بحجة عظيمة ضد أبي حنيفة، نعم ظفر بحجة لكن بحجة تدل على مبلغ سخافة عقول أصحاب الخطيب في عداء أبي حنيفة. وقد سبق بیان حكم الرؤى في الشرع، فلا نعيده هنا، ورؤیاهم هذه إن كانت حقيقة عندهم كالواقع في اليقظة، يكون أبو حنيفة من الصحابة، وهذه منزلة لا یریدونها له. أبو غسان قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٤: أخبرنا محمد بن الحسين الأزرق، قال: حدثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى الكوفي، يقال: حدثنا أحمد بن حازم، قال: أخبرنا أبو غسان، - ٩٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث قال: ذكرت للحسن بن صالح رجلا قد كان جالس أبا حنيفة من النخع، فقال: لو كان أخذ من فقه النخع كان خيرا له، انظروا عمن تأخذون. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٥ : النخع إنما هي قبيلة من اليمن وليست بفقيه، فانظروا إلى رجل لا يعرف النخع هل هي قبيلة أو فقيه، ثم يأمر بالأخذ عنها، ثم يحتج بقوله ويجعل ثبتا يقدح به في الأئمة. مع أن هذا الحسن بن صالح لم يكن من الفقهاء فيعرف الفقه، إنما كان يحمل كتب الحديث. ويقول الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٣٠٢: هكذا في النسخ، وهو كلام غير مفهوم جيدا، والحسن بن صالح بن حي الهمداني من المثنين على أبي حنيفة جدا، وكان يقول فيه: كان النعمان بن ثابت فهما عالما متثبتاً في علمه، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعده إلى غيره، كما في ((الانتقاء)) ٣٤١. ولعله أراد بقوله في الخبر المذكور: إن النخعي الذي كان يجالس أبا حنيفة، كان يجالسه من غير أن يتفقه عليه، ولو تفقه عليه وأخذ فقه النخع منه كان خيرا له. كأنه عد فقه أبي حنيفة فقه قبيلة النخع اليمانية، لكثرة النخعيين بين أصحاب ابن مسعود وأصحاب أصحابه الذين هم شيوخ أبي حنيفة وشيوخ شيوخه في الكوفة. - ٩٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث رقبة بن مصقلة قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٦: أخبرنا ابن دوما، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: سمعت أبا أسامة يقول: مر رجل على رقبة، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من عند أبي حنيفة. قال: يمكنك من رأي ما مضغت، وترجع إلى أهلك بغير ثقة. أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: أخبرنا حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا الحميدي، قال سمعت سفیان يقول: كنا جلوسا. وأخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا الحميدي، قال: قال سفيان: كنت جالسا عند رقبة بن مصقلة فرأى جماعة منجفلين، فقال: من أين؟ قالوا: من عند أبي حنيفة، فقال رقبة: يمكنهم من رأي ما مضغوا، وينقلبون إلى أهليهم بغير ثقة. قلت: فيه ابن دوما النعالي، وهو ضعيف. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٨ : - ٩٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث هذان القولان لم نفهم معناهما، ولو فهمنا ذلك لأجبناه. وأما قوله بغیر ثقة فلیس کذلك بإجماع من يعتد بقوله، ويرجع إلى مذهبه من الناس. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٣٠٩: أقول: في بعض الروايات (بغير فقه) فلعله هو الصواب، وفي بعض النسخ (يكفيك) بدل (يمكنك). وقد ذكر الخطيب هنا روايتين عن رقبة بن مصقلة، وأصل الحكاية ثابت عنه، وإن كانت الأسانید هنا فيها مآخذ، إلا أن الكذوب قد يصدق. ورقبة هذا ليس من رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذي يحبون التنكيت والتندر، وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلب ويقول لمن يسائله عما به: إني صريع الفالوذج، يعني أنه متخوم بأکله، أو مصروع بالتشوق إليه. ومثل هذا الكلام موضعه کتب النوادر والمحاضرات، وما إلى ذلك من كتب التسلية والسمر والهزل. نعم إن الخطيب لم يهمل ذكر أبي حنيفة في كتاب (التطفيل) أيضا، والله سبحانه حسيبه. عبد الرزاق قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٧٨/١٥: أخبرنا رضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، قال: حدثنا - ٩٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثالث علي بن أحمد بن علي الهمذاني بها، قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، قال: سمعت الحسن بن صاحب يقول: سمعت أبا سلمة الفقيه يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: ما كتبت عن أبي حنيفة إلا لأكثر به رجالي، وکان یروي عنه نیفا وعشرین حدیثا. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١٢٠ : وهذا أكبر غرض المحدثين فإنهم لا يحفظون الأحاديث كما يحفظ الفقهاء المسائل والمقرئون القرآن، ولا غرضهم إلا ما ذكر من جميع من يروون عنه، فأي شيء في هذا ما يقدح في أبي حنيفة؟ وإن كان هذا القدر قادحا فهو في جميع من يروي عنه من المشايخ. ويقول الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٣١٤: أقول: لعبد الرزاق أن يروي عن أبي حنيفة ليكثر به رجاله وشيوخه، وإن كانت أحاديثه مروية عنده عن مشايخ أخر، لأن ذلك غاية نبيلة عند المحدثين، فإن دل هذا الخبر على شيء، فإنما دلالته على أن أبا حنيفة كان يروي ما یشارکه في روايته راوون، ولا يُغرب فيما يروي، وهذا مدح له، وقد أثنى عبد الرزاق على أبي حنيفة في مواضع، راجع ((الانتقاء)) ص١٣٥، و((تاريخ الخطيب)) من هذا المجلد ص (٣٥١). - ٩٩ - الفصل الثامن عشر في الرد على ما ساقه ابن أبي شيبة في مصنفه بمعارضة الإمام أبي حنيفة للأحاديث والآثار المسألة الأولى: في ذكر رجم اليهودي واليهودية قد ذكر ابن أبي شيبة تحت هذا الباب عن جابر بن سمرة والبراء ابن عازب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر والشعبي. ولفظ حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهودياً ويهودية. ثم قال: وذكر أن أبا حنيفة قال: ليس عليها رجم. قلت: لم ينفرد به الإمام أبو حنيفة بل وافق معه حماد وإبراهيم ومحمد بن الحسن والمالكية ومعظم الحنفية، واستدل الإمام أبو حنيفة بما ذهب إليه أنه لا بد من اشتراط الإسلام والإحصان، وهو منصوص في قوله: ((من أشرك بالله فليس بمحصن))، رواه ابن راهويه في مسنده. ولفظ عفيف بن سالم: لا يحصن الشرك بالله شيئا، ولفظ أبي بكر بن أبي مريم عند الدار قطني: إن كعب بن مالك أراد أن يتزوج يهودية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تتزوجها فإنها لا تحصنك))، وقال محمد بن الحسن في ((الآثار)): حدثنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أنه لا يحصن المسلم باليهودية ولا النصرانية ولا يحصن إلا بالمسلمة. وقال محمد بن الحسن في الموطأ: إن كانت تحته يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنا، ولم - ١٠٠ -