النص المفهرس

صفحات 21-40

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وتؤمن
بالقدر خيره وشره)). أخرجه مسلم عن ابن عمر، وعليه جمهور أهل السنة.
وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد، أصبحوا على موافقة
المعتزلة أو الخوارج حتما إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة
وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال - وهو ركن الإيمان - يكون
إخلالا بالإيمان، فيكون من أخلّ بعمل خارجا من الإيمان، إما داخلا في
الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منزلة بين المنزلتين
الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة.
وهم من أشد الناس تبرؤا من هذين الفريقين، فإذا تبرؤوا أيضا مما
كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم
متهافتا غير مفهوم.
وأما إذا عدّوا العمل من كمال الإيمان فقط، فلا يبقى وجه للتنابز
والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من
کمال الإیمان فحسب، بل يعدونه رکناً منه أصلیا، ونتيجة ذلك كما ترى!
ومن الغريب أن بعض من يعدونه من أمراء المؤمنين في الحديث،
يتبجح قائلا: إني لم أخرج في كتابي عمن لا يرى أن الإيمان قول وعمل
يزيد وينقص، مع أنه أخرج عن غلاة الخوارج ونحوهم في كتابه، وهو
- ٢١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، غير ثابت
عند النقاد.
ولا التفات إلى المتساهلين ممن لا يفرقون بين الشمال واليمين، فماذا
بعد ظهور الحجة ووضوح المسألة على من يرى إرجاء العمل من أن
يكون ركنا أصليا للإيمان وعليه الكتاب والسنة وجمهور الصحابة؟ وجميع
علماء أهل السنة الذين يستنكرون قول الفريقين الخوارج والمعتزلة،
فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة.
وأما الإرجاء الذي يعدّ بدعة، فهو قول من يقول: (لا تضر مع
الإيمان معصية) وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول براءة الذئب من دم
يوسف عليه السلام، ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة،
للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين؛ لإخلالهم بعمل من الأعمال
في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٩/١٥:
أخبرنا ابن دوما، قال: حدثنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال:
حدثنا أبو موسى عيسى بن عامر، قال: حدثنا عارم، عن حماد، قال:
کنت جالسا في المسجد الحرام عند أبي حنيفة، فجاءه رجل، فقال: يا
أبا حنيفة، محرم لم يجد نعلين فلبس خفا؟ قال: عليه دم، قال: قلت:
سبحان الله، حدثنا أيوب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في
- ٢٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المحرم: ((إذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من
الکعبین)).
قلت: فيه ابن دوما النعالي وهو ضعيف.
قال الإمام محمد زاهد الكوثري في (تأنيب الخطيب)) ص١٨٦ :
والواقع أن أبا حنيفة يرى وجوب الفدية على محرم لبس السراويل،
وقد ذكر في الأحاديث الصحيحة ما لا يلبسه المحرم، وفيه القمصان،
والسراويلات، والعمائم، والبرانس.
ثم ذكر في أحاديث أن المحرم إذا لم يجد إزارا يلبس سراويل، وإذا لم
يجد نعلا يلبس خفا، فهذان عند أبي حنيفة، إنما أبيحا لعذر، كمن به أذى
في رأسه، فلا تحول هذه الإباحة دون وجوب الفدية، کمن في رأسه أذى
فلبس على ما في القرآن الكريم، وليس في الأحاديث ما يصرح بسقوط
الفدية عن المعذور.
وقد روى أبو حنيفة الأحاديث في البابين، فيما لا يلبسه المحرم وفيما
يلبسه من الخفاف والسراويلات عند عدم حصوله على إزار ونعل،
وأخذ بأحاديث البابين من غير أن يسقط الفدية عن لابس ما لا يلبسه
المحرم بسبب العذر المبيح، كمن به أذى في رأسه، لا أنه لم تبلغه الأحاديث
المسرودة، فخالفها بعد بلوغها.
وأما ما رواه ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ١٤٠، من أنه لما قيل
- ٢٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
لأبي حنيفة: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المحرم يلبس السراويل
إذا لم يجد إزارا)، قال: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله صلى الله
علیه وسلم فأفتى به، وينتهي کل امريء إلى ما سمع، فغير ثابت عنه، لأن
في سنده داود بن المحبر، متروك الحديث باتفاق، ولفظه: (قيل لأبي حنيفة)،
لفظ انقطاع.
بل حديث إباحة لبس الخفين لمن لا يجد النعلين والسراويلات لمن لا
يجد الإزار مخرج في مسانيد أبي حنيفة، ففي مسند أبي محمد البخاري
الحارثي، عن أبي سعيد بن جعفر، عن أحمد بن سعيد الثقفي، عن المغيرة بن
عبد الله، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن دینار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يكن له إزار فليلبس
السراويل، ومن لم يكن له نعلان فليلبس الخفين).
فهذا الحديث بهذا السند يرد على من يقول: إنه لم يبلغه حديث في
هذا الباب، وعلى من يزعم أنه كان يرويه عن جابر بن عبد الله إلى آخر
مزاعم ذلك الزاعم، فينهار بهذا البيان جميع تلك المزاعم.
وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ٧٢:
هذا الخبر لم يعمل به أحد من الأئمة فيحتج بصحته، فإن من لم يجد
الإزار يلبس السراويل، كذلك من لم يجد الرداء يلبس القميص ومحال أن
يجد السراويل ولم يجد ازاراً، فإن السراويل يصير منه إزار، فهذا ومثله لا
- ٢٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
يدفع قول الخصم، فإن كان أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله ما تقول فيمن أحرم في جبته هذه بعد ما ضمخها بالطيب،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما الجبة فانزعها وأما الطيب فاغسله
وافعل في عمرتك ما تفعل في حجك)). وإجماع الناس أن المحرم يلزم
المخيط، فإن المخيط لا يراد به ما دخلته الإبرة مطلقاً؛ إنما المراد به
ما يلتفت على الإنسان مثل الثوب المخيط على البدن وعلى اليدين
حتى يصير كهيئة الإنسان، فكذلك أيضاً السراويل والخف، وحديثه عن
ابن دوما إلی حماد یدخل فيما ذكرت.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٠/١٥:
أخبرنا الخلال، قال: حدثني يوسف بن عمر القواس، قال: حدثنا
محمد بن عبد الله العلاف المستعيني، قال: حدثنا علي بن حرب، قال:
حدثنا أبان بن سفيان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: ذكر أبو حنيفة عند
البتي، فقال: ذاك رجل أخطأ عظم دینه کیف یکون حاله.
قلت: في سنده أبان بن سفيان. قال الذهبي في ((الميزان)) ١١: قال
الدار قطني: متروك.
وقال العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)» ص٢٢٢ :
وعثمان بن مسلم البتي، هو فقيه البصرة، توفي سنة ٣٢١هـ، وكانت
تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات، وإليه كتب أبو حنيفة رسالته
- ٢٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
المشهورة في مسألة الإرجاء، وكان يوسف بن خالد السمتي، بعد أن تفقه
على أبي حنيفة، رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي وأصحابه بتفنيد
أقوالهم بقسوة، رغم نصيحة أستاذه ووصيته له، حتى ثاروا ضده وأسقطوه
عن أعين الجمهور بشتى الوسائل، جزاء مخالفته للحكمة في الدعوة إلى الفقه،
ولكن لما حل زفر بالبصرة، جرى على الحكمة في مناظرتهم، حتى حبب
إليهم فقه أبي حنيفة، وزال ذلك الجفاء، وأصبح مذهب البتي أثرا بعد عين لا
یعیش إلا في کتب الخلاف لأصحابنا، كما هو معروف.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٩/١٥:
أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال: حدثنا
أحمد بن عبد الله العتکي أبو عبد الرحمن، وسمعت منه بمرو، قال: حدثنا
مصعب بن خارجة بن مصعب، قال: سمعت حمادا يقول في مسجد
الجامع: وما علم أبي حنيفة؟ علمه أحدث من خضاب لحيتي هذه.
قلت: فيه مصعب بن خارجة. قال الذهبي في الميزان ٨٤٧٠: مجهول
والخبر منكر والمعروف ما ثبت عنه الثناء والاحترام لشيخه وأستاذه
الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
عبد الله بن يزيد المقرئ
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥١٢:
أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي، قال: أخبرنا أحمد
- ٢٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ابن جعفر بن سلم، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا
أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه، قال: دعاني
أبو حنيفة إلى الإرجاء.
أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا جعفر الخلدي، قال: حدثنا
ابن عبد الله بن سليمان الحضرمي، قال: حدثنا محمد بن يزيد المقرئ،
قال: سمعت أبي يقول: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء، فأبيت.
في الخبر الأول ابن دوما النعالي وهو ضعيف، والخبران من المناكير
المكذوبة على ابن المقرئ، فإن أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ
أحد تلاميذ أبي حنيفة الذين لازموا وسمعوا منه ورووا عنه وهو من
المكثرين جدّاً، وهو الذي جمع لأحاديث أبي حنيفة مسنداً خاصاً، وقد
اطلعت على قطعة منه فحققته للنشر.
يروي الحارثي في ((الكشف)) ٧٧ - ٨٤:
حدثنا عبد الصمد بن الفضل، قال: سمعت المقرئ يقول: نعم الرجل
أبو حنيفة رضي الله عنه تعلمنا منه الوضوء والصلاة [٩/ب].
حدثنا عبد الله بن عبيد الله، قال: حدثنا معروف بن الحسن، عن
حرملة بن يزيد الضبعي، قال: سمعت المقرئ يقول: ما رأيت أحداً أسود
الرأس واللحية (١) أفقه من أبي حنيفة رضي الله عنه.
(١) في الأصل: (الجمة) والمثبت من ((المناقب)) ٢ /١٦/ ب.
- ٢٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وانظر باب التوثيق منه فهل يتصور من تلميذ محب لشيخه وأستاذه
مثل هذه الهفوات ولعل الواضع لم يدبر وضع الأسطورة ليفضحه الله
على ملأ الأشهاد.
والمراد بالإرجاء إرجاء الفقهاء الذين كانوا يرجون لأهل الكبائر
الغفران، ولا يكفرون بها وهو إرجاء محمود، وعليه عقيدة أهل السنة
والجماعة، وهو غير إرجاء البدعي، وهو قوله: ((لا تضر مع الإيمان
معصية)) ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة للزم إكفار
جماهير المسلمين غير المعصومين لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من
الأوقات وفي ذلك الطامة الكبرى.
وذكر ابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٨/ ٤٥٠: عن ابن المقرئ: هذا الذي
سمعتم كله ريح وباطل، وفيه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ناصبي لا
يقبل قوله في أهل الكوفة.
قال الخطيب في التاريخ ٥٥٤/١٥:
أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن
حبابة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثنا ابن المقرئ،
قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت أفضل من عطاء،
وعامة ما أحدثكم به خطأ.
أخبرني ابن الفضل، قال: أخبرنا دعلج بن أحمد، قال: أخبرنا
أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا
- ٢٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ابن المقرئ، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: عامة ما أحدثكم به خطأ.
قلت: الفقرة الأخيرة من الخبر الأول ومتن الخبر الثاني من المناكير
المكذوبة على ابن المقرئ، ويدل على كذبه واختلاقه ما صح عنه
في كشف الآثار وفي باب التوثيق من المدح والثناء لشيخه وأستاذه الإمام
أبي حنيفة.
وفي الخبر الأول عبد الله البغوي وقد سبق تضعيفه وفي الخبر الثاني
دعلج.
وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٩٢:
هذا لا يثبت مثله عن أحد أن يقول أكثر ما أقوله خطأ، فإن قال أحد
من العلماء مثل هذا إنما يريد به التواضع وهذا الأحسن بالعالم لا سيما
في الاجتهاديات فإن العلماء لجمعون على أن المجتهد ليس على الخطأ
بيقين ولا على الصواب بيقين ولهذا سميت الاجتهاديات.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥١٥/١٥:
أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: أخبرنا أحمد بن
علي الأبار، قال: حدثنا أبو يحيى ابن المقرئ، قال: سمعت أبي يقول:
رأيت رجلا أحمر كأنه من رجال الشام، سأل أبا حنيفة، فقال: رجل
لزم غريما له، فحلف له بالطلاق أن يعطيه حقه غدا إلا أن يحول
بينه وبينه قضاء الله عز وجل فلما كان من الغد جلس على الزنا
- ٢٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وشرب الخمر؟ قال: لم يحنث، ولم تطلق منه امرأته.
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٥٨:
هذا لم يرو عن أبي حنيفة كما ذكر، ولكن الرواية عنه قريب من هذا،
إذا قال الرجل: امرأته طالق إن شاء الله لم تطلق، وهذا أظنه إجماعاً،
وكذلك لو قال: إن شاء الإنس أو الجن أو الملائكة فهذا المروي، وهذا
استثناء، والاستثناء لا يوجب إيقاع اليمين، وأما قوله: قعد على شرب
الخمر والزنا فهذا مما لا يدخل في اليمين ولا في شيء منه بإجماع الفقهاء،
لكن قصده الشناعة.
وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص١٠٣ :
إن أبا حنيفة ليس من القائلين بأن الإيمان لا تضر معه معصية، حتى
يكون من المرجئة الضالة، وقد سبق من أبي الوليد الباجي ما تواتر عن
أبي حنيفة من تناهيه في العبادة، فكيف استساغ الخطيب أن يجزم في أول
كلامه: (بأنه مرجئ)؟
ولعل الخطيب كان ممن يقول: إن العمل ركن أصلي من الإيمان، إذن
فماذا كان يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق؟ أو حين
اجترح هذه الافتراءات على أبي حنيفة؟ !.
وأبو حنيفة حينما لم يعد العمل ركنا أصليا من الإيمان، أراد الرد على
من يزعم أن من أخل بعمل يكون خالدا مخلدا في النار؛ لخروجه بذلك
- ٣٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
من الإيمان، وأرجأ أمر المؤمن العاصي إلى الله سبحانه إن شاء عذبه وإن شاء
غفر له، وبهذا يلقب الخوارج وأذنابهم أبا حنيفة بالإرجاء، والله حسيبهم.
أحمد بن حنبل
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٢٧:
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، قال: حدثنا أحمد
ابن سلمان النجاد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت
لأبي: كان أبو حنيفة استتيب؟ قال: نعم
قلت: فیه محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٤٧٥/٥:
كانت أصوله سقيمة كثيرة الخطأ إلا أنه كان مستوراً فقيراً مقلا،
وكان مغفلاً مع خلوه من علم الحديث، انتهى.
وقد سبق معنى الاستتابة عن فضائل أبي حنيفة لابن أبي العوام.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥ / ٥٦٧:
أخبرنا البرقاني، قال: حدثني محمد بن العباس أبو عمر الخزاز،
قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، وأثنى عليه أبو عمر
جدّاً، قال: حدثني المروذي أبو بكر أحمد بن الحجاج، قال: سألت
- ٣١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
أبا عبد الله، وهو أحمد بن حنبل، عن أبي حنيفة وعمرو بن
عبيد، فقال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد؛ لأن له
أصحابا.
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب))
ص١٠٦ :
إن صح هذا الخبر وكان الأمر على ما ذكر فكلهم له الأصحاب،
فأما أصحاب أبي حنيفة فليس فيهم من يقول: إن الله شبح جالس على
العرش والعرش لا يسعه. أترى من يقول هذا القول لا يعرف أن من
خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق له ما يسعه؟.
ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في «تأنیب الخطیب» ص٢٧٥ :
وأبو بكر أحمد بن الحجاج المروذي هو صاحب الدعوة إلى أن المراد
بالمقام المحمود هو إقعاد الرسول صلى الله عليه وسلم على العرش في
جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسمة علوا كبيرا.
وفتنة صاحبه البربهاري ببغداد حول هذه الأسطورة معروفة في كتب
التاريخ، راجع ((الكامل)) لابن الأثير، في أنباء سنة ١٣٥ هـ و١٤١ هـ، فیا
سبحان الله! متی کان أحمد یقول: إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له، وقد
امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرا، حتى
أوقعوا أحمد في تلك المحنة.
- ٣٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
و کان أحمد یترحم على أبي حنيفة ويثني عليه حينما كان أصحاب
عمرو بن عبيد يضربونه في المحنة المعلومة، كما سبق من الخطيب
ص ١٤٥، وهو الذي تفقه أول ما تفقه على أبي يوسف القاضي، وكتب
عنه ثلاثة قماطر من العلم، كما في أوائل سيرة ابن سيد الناس وتاريخ
الخطيب ١٥/٣، وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن
الحسن، كما روى عنه إبراهيم الحربي على ما في تاريخ الخطيب.
فإن كان الخطيب يعول على مثل سند الرواية الأولى، كان في إمكانه
أن ينقل من ((طبقات الحنابلة)) لأبي الحسين بن أبي يعلى الحنبلي ما يشاء
في حق أبي حنيفة؛ لأن لكل زائغ تقولا في أبي حنيفة.
ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٧٦ :
والملك المعظم من أعنى الناس ((بالجامع الكبير)) وأعرفهم بأسراره
حيث عني بشرحه، وكان أكابر الحنابلة بدمشق في عهده، فيعرف أحوالهم
عن كثب، ومن جهل شيئا أنكره وعاداه، وليس بقليل بين الفقهاء من لم
يرض تدوين أقوال أحمد في عداد الفقهاء؛ باعتبار أنه محدث غير فقيه
عنده، وأنى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء؟.
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصیب في کبد الخطیب)) ص١٠٧ :
أما هذا القول فلا ينكره على أبي حنيفة إلا من لا يعرف أمور
الشرع، فإن العقيقة والطهور وغيرهما كان من شريعة إبراهيم ثم استمر
- ٣٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
ذلك في الجاهلية حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به، وبهذا جاء
الكتاب العزيز: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعني التوراة. ونحن
نعمل بذلك. وقد جاء شيء من عمل الجاهلية لم يكن مذهبا لإبراهيم
عليه السلام وعمل به النبي صلى الله عليه وسلم وهو البدنة.
ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص ٢٧٧ :
وأقول: نعم كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة، وأبيحت في
الإسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه. قال الإمام محمد بن
الحسن الشيباني في ((الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم
قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت.
قال محمد: وأخبرنا أبو حنيفة، قال حدثنا رجل، عن محمد بن الحنفية:
إن العقيقة كانت في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رفضت. قال محمد: وبه
نأخذ، وهو قول أبي حنيفة ا هـ.
وليس أحد ينكر أنها في الأصل كانت من عمل أهل الجاهلية، ثم
عُمل بها في الإسلام، ويرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية،
معتبرين وجوبه عليهم، إذا عمل به في الإسلام، لا يدل هذا العمل إلا
على الإباحة، لا على إبقاء الوجوب المعتبر في الجاهلية.
ومعه في هذا الرأي محمد بن الحنفية، ذلك الفقيه العظيم الذي كان
يزاحم فقهاء الصحابة في الإفتاء، وكذلك معه إبراهيم النخعي، ذلك
الفقيه الجليل الذي يقول عنه الشعبي: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه،
- ٣٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
فقيل له: ولا الحسن ولا ابن سيرين؟ قال: ولا الحسن ولا ابن سيرين،
ولا من أهل البصرة، ولا من أهل الكوفة، ولا من أهل الحجاز، وفي
رواية ولا بالشام.
ومعه أيضا صاحبه محمد بن الحسن، ذلك الفقيه البارع الجامع إلى
علم أبي حنيفة علم أبي يوسف، والأوزاعي، والثوري، ومالك رضي
الله عنهم.
ولا يرون ثبوت وجوب العقيقة بمثل الأحاديث الواردة في العقيقة،
وإن ادعاه أحمد وانفرد به عن الجماعة.
وأما الإباحة التي تشمل الندب، فليس بين أصحاب أبي حنيفة من
ينكرها. والكلام في أحاديث العقيقة طويل الذيل، ومراد أبي حنيفة من
عدها من عمل الجاهلية ما سبق بيانه، على أن هناك رواية تفيد أنه إنما
كان يكره لفظ العقيقة.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٦٨/١٥:
أخبرني محمد بن عبد الملك القرشي، قال: أخبرنا أحمد بن
محمد بن الحسين الرازي، قال: حدثنا محمود بن إسحاق بن محمود القواس
ببخارى، قال: سمعت أبا عمرو حريث بن عبد الرحمن، يقول:
سمعت محمد بن يوسف البيكندي يقول: قيل لأحمد بن حنبل قول
أبي حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: مسكين أبو حنيفة، كأنه
- ٣٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
لم يكن من العراق، كأنه لم يكن من العلم بشيء، قد جاء فيه عن النبي
صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين،
مثل: سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وعكرمة،
كيف يجترئ أن يقول: تطلق؟.
قلت: فيه غير واحد من الرواة لا تعرف وظاهر قول البيكندي لا
يدل على أنه سمع ذلك من أحمد يقيناً.
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب))
ص١٠٨:
هذا خلاف مذهب أبي حنيفة؛ لأن مذهبه أنه يقول لا طلاق إلا في
ملك أو مضافا إلى ملك، أو في علقة من علائق الملك. وجميع أصحاب
أبي حنيفة على ما ذكرت. وأما من نقل عن رجل فقها لم يكن من
مذهبه ويقول إنه مذهبه، ما نعلم كل أحد أنه يتقول عليه، ومن علم أنه
كاذب كيف يصدق قوله في الأخبار عنه أو عن غيره؟.
ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٧٩:
وهذه الأجوبة لا تتم إلا بملاحظة المحذوفات، فإن كان المراد أن
حديثه حديث صحيح ورأيه رأي ضعيف، بمعنى أن حديثه الخاص
صحيح ورأيه المعيَّن ضعيف، جريا على المعهود بين السائل والمجيب، فهذا
كلام لا غبار عليه لأنه ما من عالم إلا ويصح حديث من رواياته،
ويضعف رأي من آرائه.
- ٣٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وأما إذا اعتبرنا المحذوف بحیث یعم، وقلنا: کل حدیث له صحیح، وکل
رأي له ضعيف، یکون ذلك کذبا مکشوفا، وکم لمالك مثلا من حديث لا
يصح، كما في جزء الدارقطني، وكم له من رأي يكون صحيحا قويا جدا،
كالمصلحة المرسلة في غير مورد النص، وكذا الكلام في باقي الأجوبة.
وأما قوله في أبي حنيفة من أنه لا رأي عنده ولا حديث، فلا أدري ماذا
يريد به؟ !. ويريد أن ينفي من الرأي الصحيح أو الضعيف، أم الحديث
الصحيح أو الضعيف؟ إذ ليس عندنا ما يعين هذا أو ذاك، وإن كان يريد أنه
لا رأي عنده أصلا صحيحا كان أو ضعيفا، يكون هذا كذبا مشكوفا.
والرواة هم الذين يعدون أبا حنيفة إمام أهل الرأي، فكيف يمكنهم
أن ينفوا عنه الرأي هنا، ولا سيما أن العقيلي يروي عن عبد الله بن أحمد،
عن أبيه قوله: حديث أبي حنيفة ضعيف ورأيه ضعيف.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧١:
أخبرني إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: حدثنا عبيد الله بن
محمد بن محمد بن حمدان العكبري، قال: حدثنا محمد بن أيوب بن
المعافى البزاز، قال: سمعت إبراهيم الحربي، يقول: وضع أبو حنيفة
أشياء في العلم، مضغ الماء أحسن منها، وعرضت يوما شيئا من مسائله
على أحمد بن حنبل، فجعل يتعجب منها، ثم قال: كأنه هو يبتدئ
الإسلام.
- ٣٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
قلت: فيه عبيد الله بن محمد، أبو عبد الله العكبري المعروف
بابن بطة.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٣٧١/١٠:
قال أبو القاسم الأزهري: إن ابن بطة ضعيف ضعيف، ليس بحجة ...
فالخبر مكذوب على أحمد بن حنبل ... لو كان الأمر كذلك لبين
المسائل حتى يعرف السامع أن الحجة مع من وضعها أو مع من
عالها.
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب))
ص١٢٠ :
هذا لا يكاد يصح عن أحمد بن حنبل رضى الله عنه لأنه من أصحاب
الرأي، فكيف يفضل أصحاب الحديث مع وصفه لهم بقلة المعرفة والحفظ
على أصحاب الرأي - وهو منهم - فإن ثبت عنه ذلك فهو إما مخالف
لرأيه أو لحديث معاذ: ومن رأى الحق في جهة واتبع غيرها كان مخطئا.
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٦٩:
أخبرني ابن رزق، قال: حدثنا أحمد بن سلمان الفقيه المعروف
بالنجاد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا مهنى بن
یحیی، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما قول أبي حنيفة والبعر عندي
إلا سواء.
قلت: هذا منكر.
- ٣٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب))
ص١٠٨ :
لا يشك أحد أن أحمد بن حنبل بعد مذهب أبي حنيفة، والمسائل
التى هي [من] قول أبي حنيفة وعمل بها أحمد كيف حكمه فيها؟ هل
هي داخلة في الجملة أو خارجة عنها؟ فإن قال: داخلة فيها فقد خالف
قوله بلا شك وصار بهذا كافرا لأنه يرى الخطأ ويتبعه، وإن قال: لا فقد
خالف قوله وناقض الحكم، ومثل هذا لا يصح عن أحمد بن حنبل
لأن أدنى درجات أحمد أن يعرف ما ذكرت، فإن أحمد ولد بعد [وفاة]
أبي حنيفة بأربع عشرة سنة.
ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص ٢٨٠:
فكيف يتصور أن يلفظ أحمد بمثل هذا اللفظ الشنیع ویابی أدب کثیر من
السوقة أن يفوه بمثله؟، والمصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء،
فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة، لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالی ما یکون
خلافه كفرا أو بدعة شنيعة عند من ألقى السمع وهو شهيد.
ومسائله في الفقه غالبها مسائل إجماعية بين الأئمة المتبوعين، سبقهم
أبو حنيفة في تدوينها، والقسم الجاري فيه النزاع منها قليل، فيكون امتهان
القول في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من
أئمة المسلمين محض كفر، لا يصدر ممن له دين، فيكون هذا طعنا في أحمد
لا في أبي حنيفة.
- ٣٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثالث
وقد ذكرتنا هذه الرواية بما رواه ابن الجوزي في ((مناقب أحمد)) عند
ذكر صبره وتحمله للأذى ص(٢٢٣) بسنده عن بلال الآجري أنه ذكَر
أبا حنيفة عند أحمد، فقال أحمد بيده هكذا ونفضها، فقلت: كان قول
أبي حنيفة أكثر نفعا من ملء الأرض من مثلك (هكذا يحصد الزوبعةَ مَن
زَرَع الريح).
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٦٩:
أخبرني البرقاني، قال: حدثني محمد بن أحمد الأدمي، قال: حدثنا
محمد بن علي الإيادي، قال: حدثنا زکریا بن یحیی الساجي، قال: حدثني
محمد بن روح، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لو أن رجلا ولي القضاء
ثم حكم برأي أبي حنيفة ثم سئلت عنه، لرأيت أن أرد أحكامه.
قلت: هذا منكر
قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب))
ص١٠٨:
إن كان أحمد يرى رد أحكام الحكام فربما، وإن كان غير ذلك فلا
يجوز له. لأن الصحابة كلهم على خلاف هذا، فإن عليا رضي الله عنه
ولّى شريحا وكان يرى خلاف رأي شريح، وكذلك أكثر الخلفاء الراشدين
ولّوا قضاة يرون خلاف رأيهم وإن كان أحمد يخالف جميع الصحابة فهذا
عجيب.
- ٤٠ -