النص المفهرس
صفحات 361-380
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني حدثكم علي بن الحسين بن حبان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: سمعت أبا وهب، يقول: سمعت عبد الله، هو ابن المبارك، یقول: کان أبو حنيفة یتیما في الحديث. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٤ : هذا بالمدح أشبه منه بالذم، فإن الناس قد قالوا درة يتيمة إذا كانت معدومة المثل، وهذا اللفظ متداول للمدح لا نعلم أحداً قال بخلافه، وقيل يتيم دهره وفريد عصره، وإنما فهم الخطيب قصر عن إدراك ما لا يجهله عوام الناس. وقال العلامة محمد زاهد الکوثري في «تأنیب الخطیب)) ص٢٩٦: وعلى تقدير ثبوت وصفه باليتيم أو الزمانة، يكون الواصف بذلك أراد قلة عناية أبي حنيفة بإكثار الطرق في رواية الحديث، كما هو شأن المتفرغين للرواية، بخلاف المجتهدين المنصرفين إلى استنباط الأحكام، وكان إبراهيم بن سعید الجوهري یقول: کل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم. ونعترف أن أبا حنيفة لم يكن من هذا الطراز، ولا من رواة مئات الألوف من الحديث، وإنما كان عنده صناديق من الحديث، انتقى منها نحو أربعة آلاف حديث نصفه من حماد بن أبي سليمان شيخه الخاص الذي به تخرج، ونصفه الآخر من باقي شيوخه، وکان یکتفي فيما سوى ذلك - ٣٦١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بالاطلاع على باقي الأحاديث من رواية أصحابه البارعين في شتى العلوم، أركان المجمع الفقهي، الذي كان يرأسه هو وتبحث فيه المسائل من كل ناحية ثم تثبت في الدیوان. وقال ابن أبي العوام: حدثني محمد بن أحمد بن حماد، قال: أخبرني محمد بن شجاع، قال: سمعت الحسن بن أبي مالك، يقول: عن أبي يوسف، قال: كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة، قال: ما عندكم فيها من الآثار؟ فإذا روينا الآثار وذكرنا وذكر هو ما عنده، نظر فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر، أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت وتكافأت نظر فاختار، اهـ. وقال الخطيب في ١٤ / ٢٤٧: أخبرني الخلال، أخبرنا الحريري علي ابن عمرو، أن علي بن محمد النخعي حدثهم، قال: حدثنا نجيح، يعني: ابن إبراهيم، قال: حدثنا ابن كرامة، قال: كنا عند وكيع يوما فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي یوسف، وزفر في قیاسهما، ومثل یحیی بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل في حفظهم الحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة والعربية، وداود الطائي، وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما؟ من كان هؤلاء جلساءه لم يكد يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردوه. اهـ. ويليه قول أبي حنيفة: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلا إلى آخر ما هناك، وقد توسعت في سرد الأخبار الواردة في كيان ذلك المجمع الفقهي - ٣٦٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بعض توسع في تقدمة نصب الراية وما عنده من أحاديث الأحكام المروية في المسانید من غیر تكرير المتن، ولا سرد للطرق عن حديث واحد، مقدار عظيم، لا يستقله من يعلم مقدار ما عند مالك والشافعي من أحاديث الأحكام، مع ملاحظة ما لم يأخذا به من مروياتهما أنفسهما. وفي جزء ابن عقال من رواية ابن بشكوال: آراء في العدد الذي يكون المجتهد في حاجة إليه وفي نقلها طول، و کل ذلك حول خمسمائة حديث، بل بعض المتأخرين من الحنابلة نص على كفاية خمسمائة حديث للمجتهد. ومن ظن بأبي حنيفة أنه قليل الحديث، أو كثير المخالفة للحديث، أو كثير الأخذ بالأحاديث الضعيفة، جهل ذلك كله، وجهل شروط قبول الأخبار عند الأئمة، ووزن علوم أئمة الاجتهاد بميزانه الخاص، الذي ربما یکون مختل العیار. وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٣٩٦/٦: في ترجمة الإمام أبي حنيفة: إن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها، انتهى. وقال الحافظ الإمام محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي الشافعي، المتوفى سنة ٩٤٢ رحمه الله تعالى، في ((عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان)) ص٣١٩: - ٣٦٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الباب الثالث والعشرون: في بيان كثرة حديثه وكونه من أعيان الحفاظ من المحدثين، والردّ على من زعم قلة اعتنائه بالحديث وبيان المسانيد التي خرّجها له الحفاظ من حديثه. اعلم رحمك الله تعالى: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى من كبار حُفّاظ الحديث، وقد تقدّم في أول الباب الرابع ص ٦٣ - هناك - أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبد الله الذهبي في كتابه ((الممتع وطبقات الحفاظ من المحدثين منهم))، ولقد أصاب وأجاد. ولولا کثرة اعتنائه بالحديث ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول من استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج، لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث، كما زعمه بعض من يحسده وليس كما زعم، وإنما قلّت الرواية عنه وإن كان متسع الحفظ لأمرين: أحدهما اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية حتى قّت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم، وكذا الإمام مالك والإمام الشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة. الأمر الثاني: أنه كان لا يرى الرواية إلا لما يحفظ، روى الطحاوي عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يُحدث من الحديث - ٣٦٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني إلا بما حفظه من یوم سمعه إلی یوم یُحدث به. وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس قال: نِعم الرجل نُعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه ... انتهى مختصراً. سفيان الثوري قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٠٢: ١ - أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي في صفر سنة سبع وتسعين ومائتين، فقال: حدثنا عامر بن إسماعيل، قال: حدثنا مؤمل، عن سفيان الثوري، قال: حدثنا عباد بن کثیر، قال: قلت لأبي حنيفة: رجل قال: أنا أعلم أن الكعبة حق، وأنها بيت الله، ولكن لا أدري هي التي بمكة، أو هي بخراسان، أمؤمن هو؟ قال: نعم مؤمن، قلت له: فما تقول في رجل قال: أنا أعلم أن محمدا رسول الله، ولكن لا أدري هو الذي كان بالمدينة من قريش أو محمد آخر، أمؤمن هو؟ قال: نعم. قال مؤمل: قال سفيان: وأنا أقول من شك في هذا فهو كافر. قلت: فيه عامر بن إسماعيل، قال الخطيب في ((التاريخ)) ٢٣٨/١٢: - ٣٦٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني حدث في الغربة ولم يزد على هذا، فهو مجهول الحال. ومؤمل هو ابن إسماعيل القرشي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال الذهبي في ((الميزان)) ٤٩٩٢: قال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير. وعباد بن كثير هو الثقفي،قال الذهبي في ((الميزان)) ٣٤٥٥: قال البخاري: تركوه، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وفي ((التهذيب)) قال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى، قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثبت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا عنه، انتهى. فيمنع الثوري في هذا الأثر من الرواية عنه فكيف يأخذ عنه كما عند الخطيب، فهذا كذب مفضوح على سفيان الثوري. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥١٦: ٢- أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله الوراق، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا المخرمي، قال: سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهري، يقول: سمعت معاذ بن معاذ وأخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا سهل بن أبي سهل الواسطي، قال: حدثنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: سمعت معاذ بن معاذ، يقول: سمعت سفيان الثوري، يقول: استتيب أبو حنيفة من الکفر مرتین. - ٣٦٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قلت: المراد بالكفر كفر الخوارج الذين يكفرون من لا يكفر أهل المعاصي. وقد ساق الخطيب من الأسانيد في استتابة أبي حنيفة وسعى جهده في تكثير الطرق عن كل من هب ودب، والقول الفصل فيه ما ذكره ابن أبي العوام في «فضائل أبي حنيفة)) ٨٤: حدثني أبي، قال: حدثني أبي، قال: وجدت في كتابي من حديث الحسن بن حماد سجادة، وقد حدثت به عنه قال: ثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، قال: أردت الخروج إلى الكوفة فقلت لشعبة: من تكاتب بالكوفة؟ قال: أبو حنيفة وسفيان الثوري، فقلت: أکتب لي إليهما، فکتب، وصرت إلى الكوفة، فسألت عن أسنّ الرجلين؟ فقيل: أبو حنيفة، فدفعت إليه الكتاب، فقال: كيف أخي أبو بسطام؟ قلت بخير، فلما قرأ الكتاب قال: ما عندنا فلك مبذول، وما عند غيرنا فاستعن بنا نعينك، ومضيت إلى الثوري فدفعت إليه كتابه، فقال لي مثل ما قال أبو حنيفة، فقلت له: شيء يروى عنك تقول: إن أبا حنيفة استتيب من الكفر مرتين، أهو الكفر الذي هو ضد الإيمان؟ فقال: ما سألني عن هذه المسألة أحد غيرك منذ كلمت بها، وطأطأ رأسه، ثم قال: لا، ولكن دخل واصل الشاري إلى الكوفة فجاء إليه جماعة فقالوا له: إن هاهنا رجلاً لا يكفر أهل المعاصي يعنون أبا حنيفة، فبعث فأحضره وقال: يا شيخ بلغني أنك لا تكفر أهل المعاصي؟ قال: هو مذهبي، قال: إن هذا كفر، فإن تبت قبلناك وإن أبيت - ٣٦٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قتلناك، قال: ممّ أتوب؟ قال: من هذا، قال: أنا تائب من الكفر، ثم خرج، فجاءت جماعة من أصحاب المنصور فأخرجت واصلاً عن الكوفة، فلما كان بعد مدة وجد من المنصور خلوة فدخلها، فجاءت تلك الجماعة فقالت: إن الرجل الذي كان تاب قد راجع قوله، فبعث فأحضره فقال: يا شيخ بلغني أنك راجعت ما كنت تقول، فقال: وما هو؟ فقال: إنك لا تكفر أهل المعاصي، فقال: هو مذهبي، قال: فإن هذا عندنا كفر، فإن تبت منه قبلناك وإن أبيت قتلناك، قال: والشراة لا يقتلون حتى يستتاب ثلاث مرات، فقال: ممّ أتوب؟ قال: من الكفر، قال: فإني تائب من الكفر، قال: فهذا هو الكفر الذي استتيب منه. ثم أسنده ابن أبي العوام ((فضائل أبي حنيفة)) ٨١: حدثني أبي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد، قال: حدثني محمد بن حماد، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، يقول: سألت عبد الله بن المبارك، قلت: يا أبا عبد الرحمن، هل استتيب أبو حنيفة؟ فسكت، قال: ثم عدت لمسألته بعد شهر، فقال لي ابن المبارك: أستعيذ بالله من معاداة القراء أستعيذ بالله من معاداة من ینسب إلى السیر. ثم أسنده ابن أبي العوام ((فضائل أبي حنيفة)) ٨٢: حدثني أبي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن حماد، - ٣٦٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال: حدثني محمد بن المبارك، قال: ثنا محمد بن سليمان، قال: حدثني محمد بن الحسن الهمداني، قال: سئل عبد السلام بن حرب الملائي عن أبي حنيفة: هل استتيب؟ فقال: يغفر الله لك يا أخي، استغفر الله من هذا، شُنِّع عليه. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥١٦/١٥: وأخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ومعاذ بن معاذ، قالا، وأخبرنا ابن الفضل، قال: أخبرنا ابن درستویه، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا نعيم، قال: سمعت معاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد، يقولان: سمعنا سفيان، يقول: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين، وقال يعقوب: مرارا. أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال: سمعت مؤملا، يقول: استتيب أبو حنيفة من الدهر مرتین. قلت: الأثر الأول: فيه نعيم بن حماد الخزاعي، قال الأزدي: كان نعيم ممن يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة في ثلب النعمان كلها كذب. - ٣٦٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وفي الأثر الثاني: مؤمل بن إسماعيل، وهو ضعيف. وقال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥١٦: أخبرناه أبو سعيد الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسنويه الكاتب بأصبهان، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عيسى بن مزيد الخشاب، قال: حدثنا أحمد بن مهدي، قال: حدثنا عبد الله بن معمر، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: سمعت سفيان الثوري، يقول: إن أبا حنيفة استتيب من الزندقة مرتین. وقال أحمد بن مهدي، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني سليمان بن عبيد الله، قال: حدثنا جرير، عن ثعلبة، قال: سمعت سفيان الثوري، وذكر أبو حنيفة، فقال: لقد استتابه أصحابه من الكفر مرارا. قلت: فيه عبد الله بن معمر بصري، قال الأزدي: متروك الحديث ومؤمل بن إسماعيل وهو ضعيف، وسليمان بن عبد الله أبو الوليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء وثعلبة بن سهيل الطهوي، ثقة، لكنه ذكر حكايات تدل على ضعف عقله فلعل هذه منها. وقال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٣٠: أخبرني علي بن أحمد الرزاز، قال: أخبرنا علي بن محمد بن سعيد - ٣٧٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الموصلي، قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب، قال: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الحرمي، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، قال: سمعت سفيان الثوري، والأوزاعي، يقولان: ما ولد في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة مرجئا يرى السيف، قال لي يوما: يا أبا إسحاق، أين تسكن؟ قلت: المصيصة، قال: لو ذهبت حيث ذهب أخوك كان خيرا، قال: وكان أخو أبي إسحاق خرج مع المبيضة على المسودة فقتل. قلت: فيه علي بن أحمد بن محمد الرزاز، قال الخطيب في ((التاريخ)) ١١/ ٣٣٠: كف بصره في آخر عمره وكان له ابن يعبث بكتبه ويسمّع له فيما لم يسمّعه، وكان يقول: أنظر سماعي العتيق هو ما قرأ علي، وما كان فيه تسميع بخط طري فاضرب علیه. وعلي بن محمد بن سعيد أبو الحسن الموصلي شيخ أبي نعيم، قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٢/ ٨٣ قال أبو نعيم: كذاب وقال أبو الحسن بن الفرات: كان مخلطا غير محمود. ومسلم بن أبي مسلم الجرمي وثقه الخطيب في ((التاريخ)) ١٠٠/١٣ وفي اللسان ٩/ ٧٧١ قال ابن حبان: ربما أخطأ، وقال الأزدي: حدث بأحادیث لا یتابع علیها، وقال البيهقي: إنه غیر قوي. فظهر من هذه کلها أن الخبر مکذوب عليهما والدلیل علی کذبه ما - ٣٧١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ثبت عنهما المدح والثناء كما سبق في باب التوثيق، ولو ثبت هذا الخبر عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة كما سقط مذهبهما بعدهما سقوطا لا نهوض لهما أمام الفقه الناضج. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٠/١٥: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا حنبل بن إسحاق، قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت سفيان، يقول: كنت في جنازة أم خصيب بالكوفة، فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف، فأفتاه، فقلت: يا أبا حنيفة، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في هذه، فغضب وقال للذي استفتاه: اذهب فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو علي. قلت: الخبر مكذوب على سفيان الثوري من أجل تعصب الحميدي المعروف فیه. قال الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص ١٦٧ : ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه في ((الأم)) ٢١١/٦: برد شهادة أهل العصبية، ويصرح أن الناس كلهم عباد الله تعالى لا يخرج أحد منهم من عبوديته، وأحقهم بالمحبة أطوعهم له، وأحقهم من أهل طاعته - ٣٧٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بالفضيلة أنفعهم لجماعة المسلمين من إمام عدل، أو عالم مجتهد، أو معين لعامتهم وخاصتهم. وقد جمع الله تعالى الناس بالإسلام، ونسبهم إليه، وهو أشرف أنسابهم، فمن أحب أمرا فليُحبّ عليه، إلى أن قال بعد أن ذكر الطعن في النسب والعصبية والبغضة على النسب: إن بغض المرء لرجل لأنه من بني فلان، فهذه العصبية المحضة التي تردّ بها الشهادة اهـ. وردّ شهادة المرء إسقاط له من عداد الأحياء ومن جمع كلمات الحميدي في أبي حنيفة في صعيد واحد، ينكشف له الغطاء عن نوع عصبيته، نسأل الله الستر، وليكن هذا على ذكر منك كلما تكرر ذكر الحميدي في الكتاب. ومن يُبغض أبا حنيفة مع ما شهر عنه من التناهي في العبادة ونشر الفقه في الدين ونفع العامة والخاصة بحيث لا يستطيع المنصف أن يُلزّ معه في قرن: أحداً من أئمة الفقه في تلك الخصال، يكون أمره أخطر من رد الشهادة، والله حسيب المتعصبین. على أن الخلاف المعروف بين الصحابة في الصرف، هو ما كان بين ابن عباس وغيره في النسيئة، ولم يأخذ الجمهور بقول ابن عباس، بل يُحكى عنه الرجوع عن قوله الذي كان ملأ به الأرجاء. وماذا على أبي حنيفة إذا لم يأخذ برخصة ابن عباس في هذه المسألة؟ - ٣٧٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أو ماذا على المجتهد إذا اختار بأدلة لاحت له أحد أقوال الصحابة إذا اختلفوا في مسألة، لاستحالة الجمع بين النفي والإثبات؟ ثم لماذا لم يذكروا المسألة إن كانوا على ثقة من مخالفتها للأدلة الواضحة؟ وللمجتهد بعد أن وضح الأمر لديه وضوحاً تاماً، مثل مسألة الصرف التي يُخالف ابن عباس الجمهور فيها أن يقول هذا التأكيد، على تقدير ثبوت هذا القول منه. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٤/١٥: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو بكر ابن المقرئ، قال: حدثنا سلامة بن محمود القيسي بعسقلان، قال: حدثنا إبراهیم بن أبي سفيان، قال: حدثنا الفریابي، قال: سمعت سفیان، يقول: قيل لسوار: لو نظرت في شيء من كلام أبي حنيفة وقضاياه؟ فقال: كيف أنظر في كلام رجل لم يؤت الرفق في دينه؟. قلت: قد أخذ بمذهب أبي حنيفة من هو خير من سوار العنبري، وأجمعت الأمة على أن أبا حنيفة أحد فقهاء الأمصار، والعنبري لم يعرفه إلا أحاد الناس ولم يكن ممن يصلح لهذا القول. وفي «الميزان)» ٣٦١٨: قال شعبة: ما تعني في طلب العلم وقد ساد. وقال الثوري: ليس بشيء، وفي ((اللسان)) ٣٧٣٢: قال ابن سعد: كان قليل الحديث، وفي ((التأنيب)) ٢٢٣: دلق اللسان عجيب التعصب نحو - ٣٧٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أهل الكوفة فدعه يتقول ما يتوب عنه بعدما يرجع إلى صوابه. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٤/١٥: ٩- أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، قال: سمعت الفريابي، يقول: سمعت الثوري ینھی عن مجالسة أبي حنيفة وأصحاب الرأي. قلت: ماذا على أبي حنيفة من نهي الثوري عن مجالسته ومثل هذا النهي كثير الوقوع بين الأقران. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٩٦: وهذا الخبر يتضمن أنه نهى عن مجالسة أصحاب الرأى جملة. فهذا يدخل فيه مالك أيضا والشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قرض ابن المبارك سفيان قال إذا أتيت مجلس سفيان، إن شئت أن تسمع كتاب الله سمعته، وإن شئت أن تسمع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعتها. وإن شئت أن تسمع كلاما في الزهد سمعته، ولم يذكر له فقها. فهذا يدل على أنه لم يكن فقيها وإذا لم يكن فقيها لم يدخل في قول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأْ﴾ ومن لم يخش الله قال ما شاء، وقوله ليس بحجة لأنه ليس من الفقهاء وإنما يطعن في كل صنف من كان منه. فإن شاعرا إذا - ٣٧٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني طعن في محدث لا يلتفت إلى قوله، وكذلك إن طعن محدث في فقيه وإنما يكون قوله حجة إذا كان يعرف ذلك العلم، هذا إذا عرف أن سفيان لم يكن له غرض أو حيث عرف غرضه بأن طعن على جميع أصحاب الرأي فقوله متروك بالإجماع. انتهى. يروي الحارثي في ((الكشف)) ١٩٢، ١٩٣ و٢٠٤: حدثنا أحمد بن محمد البزار (١)، قال: حدثنا جعفر بن محمد بالواشجرد، قال: حدثنا أبو علي الصغاني، قال: قال لي أبو عاصم: يا أبا علي تعلم عداوة أبي حنيفة وسفيان من أين كانت (٢)؟ فقلت له: لا، فقال سئل سفيان ((عن شيء)) فأجاب، فذكر ذلك لأبي حنيفة، وسئل عن ذلك، فأفتى بخلافه، فقيل له إن سفيان الثوري يخالفك فيه، فقال: ما لذلك الصبي، ولمثل هذا، فبلغ ذلك سفيان، فوقعت العداوة فيما بينهما. حدثنا زكريا بن يحيى بن الحارث النيسابوري، قال: سمعت محمد بن إبراهيم، قال: سئل محمد بن مقاتل، عن أبي حنيفة وسفيان أيهما أفضل؟ قال: ليس من ابتلی فصبر کمن ابتلی فهرب. حدثنا محمد بن خزيمة البلخي، قال: سمعت زكريا الطويل، يقول: سمعت جارود بن معاذ، يقول قيل لابن المبارك: إن سفيان يتكلم (١) في الأصل: (البازاز) خطأ وانظر ١٣٣ . (٢) في الأصل: (كان) والمثبت من ((المناقب)) ١/٢٢٥/١. - ٣٧٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بالرأي؟ قال: نعم ويجيد، قال: قلت: كيف كان رأيه عند رأي أبي حنيفة؟ قال: ما كان رأيه عند رأي أبي حنيفة إلا شُئَيئٌ. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٨/١٥: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبان التغلبي الهيتي، قال: حدثنا أحمد بن سلمان النجاد، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن شاهين، قال: حدثنا محمد بن سهل، قال: سمعت محمد بن يوسف الفريابي، يقول: كان سفیان ینھی عن النظر في رأي أبي حنيفة. قال: وسمعت محمد بن يوسف وسئل: هل روى سفيان الثوري عن أبي حنيفة شيئا؟ قال: معاذ الله، سمعت سفيان الثوري، يقول: ربما استقبلني أبو حنيفة يسألني عن مسألة، فأجيبه وأنا كاره، وما سألته عن شيء قط. قلت: فيه محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي التغلبي، قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥/ ٤٧٥: كانت أصول أبي بكر الهيتي سقيمة، كثيرة الخطأ إلا أنه كان شيخاً مستوراً صالحاً فقيراً مقلاً معروفاً بالخير وكان مغفلاً مع خلوه من علم الحديث وحدثنا عن شيخ شيخه وهو لا يعلم، ثم ذكر وهمه في إملاء حديثه. وأحمد بن سلمان الحنبلي المعروف بالنجاد، حكى الخطيب في ((التاريخ)) ١٩١/٤ عن الدارقطني أنه حدث من كتاب غيره بما لم يكن في - ٣٧٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أصوله، والخطيب يسرد بهذه الطرق الضعيفة في مثالب أبي حنيفة وقد ثبت بطرق صحيحة عن علي بن مسهر أنه كان يأتي بكتب أبي حنيفة إلى الثوري بطلب منه ولما نهاه أبو حنيفة عن ذلك بدأ الثوري يحضر مجلس أبي حنيفة وهو يغطي رأسه إلى آخر الروايات المسرودة عند ابن أبي العوام ١٦١ - ١٦٢، والصيمري ص ٦٥، و((كشف الآثار)) ١٨٧: حدثنا أبي، ومحمد بن عبد الله بن سهل، قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حفص، قال: سمعت حامد بن آدم، يقول: بلغني أن أصحاب أبي حنيفة كانوا يأتون سفيان، فيناظرونه فكان سفيان يتفقد ألفاظهم ويجيبهم على نحو ما سمع منهم، فأخبروا أبا حنيفة رضي الله عنه بذلك، فقال: ويحكم لا تعرفون أنه رجل كيس يأخذ منكم، ولكن ألقوا عليه (١) المسألة واسكتوا حتى يجيبكم، قال: فذهبوا إليه فألقوا عليه المسائل، وسكتوا عنه ربما أصاب، وربما أخطأ، فاغتم بذلك، وكان [أبو حنيفة] (٢) يجلس بعد العتمة ويأتيه بعض أصحابه فيتناظرون، قال: فعمد سفيان فقنّع بكسائه فذهب إليهم شبه المتنكّر، فنام(٣) في ناحية المسجد يتسمّع إليهم، وهم لا يفطنون به، فإذا صار أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه (١) في الأصل: (إليه) والمثبت من ((المناقب)) للمكي ٢٢٤/١/أ. (٢) من ((المناقب)) للمكي. (٣) في الأصل: (قام) والمثبت من ((المناقب)). - ٣٧٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وعليهم إليه يتناظرون يجيبهم جواباً حسناً كأنه كان معهم، فأخبروا أبا حنيفة فقال: هل هاهنا أحد معنا ينقل إليه ما نقول، قالوا: لا، ثم فطن أبو حنيفة بعد، فدخل سفيان فاستلقى في ناحية المسجد، وقد تقنّع بكسائه وأخرج أذنيه یتسمع إليه ففطن أبو حنيفة له فذکر حديثاً وقال حدثني سعيد بن مسروق الثوري والد هذا المسجى فلما علم سفيان أنه فطن له قام فذهب. قال حامد بن آدم، فذكرت ذلك ليعلى بن عبيد الطنافسي فضحك، وقال: هذا عندنا مشهور وظاهر، وذكرت ذلك لمحمد بن عبيد فلم يقل شيئاً لم يقر ولم ينكر، وكان يومئذ مهموماً فلا أدري لاهتمامه لم يجب أو لغير ذلك. قال أبو عبد الله حسين بن علي الصيمري في ((أخبار أبي حنيفة)) وأصحابه ص٦٥ : أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: ثنا مكرم بن أحمد، قال: ثنا أحمد بن محمد، قال: ثنا ابن سماعة، قال: سمعت أبا يوسف، قال: كان أبو حنيفة يجلس فكان سفيان يأتي متنكرا يسمع ما يقول من حيث لا يعلم به فانصرف فإذا رجل نائم ملتف بكسائه، فقال أبو حنيفة: حدثني أبو هذا النائم سعيد بن مسروق والذي يعلم ما أقول لوددت أن كل شيء أحسنه في صدره أو صدر صبیان الكتاب. - ٣٧٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٨/١٥: أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر الداودي، قال: أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، قال: حدثنا محمد بن عمر بن وليد، قال: سمعت محمد بن عبيد الطنافسي، يقول: سمعت سفيان وذكر عنده أبو حنيفة، فقال: يتعسف الأمور بغير علم ولا سنة. قلت: فيه محمد بن الحسين بن حميد اللخمي اتهمه ابن عقدة بالكذاب، وقال ابن عدي: كان شيخا وراقاً على باب الكوفة. ومحمد بن عمر بن الوليد التيمي، قال أبو حاتم: أرى أمره مضطرباً، وذكره ابن حبان في ((المجروحين)) وقال: شيخ يروي عن مالك ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا عند الاعتبار للخواص مع هذا يعارض هذا الخبر ما جاء عن سفيان الثوري استفادته من كتب أبي حنيفة وفتياه. يقول الحارثي في ((الكشف)): ١٧١ - حدثنا عمرو بن عاصم المروزي، قال: حدثنا أبو بكر السياري البصري، النضر بن محمد، قال: سمعت سفيان بن وكيع، قال: سمعت علي بن مسهر، قال: جاءني سفيان قرب العتمة، فاستعار مني كتاباً من كتب أبي حنيفة لينظر فيها. - ٣٨٠ -