النص المفهرس
صفحات 341-360
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني يحدث عن سلمة بن سليمان، قال: سمعت عبد الله، يقول: كان بين سفيان والأوزاعي وبين أبي حنيفة ما كان من التنافر وجهدا كل الجهد بأن ينقصا أبا حنيفة، فلم يستطيعا ولم ينفذ لهما ذلك، وكان ابن أبي ليلى وابن شبرمة وشريك والحسن بن صالح يحسدونه فلم يضره ذلك، فما يضره كلام هؤلاء الأحداث فيه، ما أراه يجاوز تراقيهم، ولا أرى أمر أبي حنيفة كل يوم إلا في ارتفاع. ثم المشهور من مذهب أبي حنيفة في قتال الظلمة وأئمة الجور إذا كانت المصلحة دعت إلى قتالهم. قال الجصاص في ((أحكام القرآن)) ٨٦/١ تحت قوله: ﴿لَايَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾. وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني قتال الظلمة فلم تحتمله، وكان منقوله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسأله إبراهيم الصائغ وكان من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار ونساكهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: هو فرض، وحدثه بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتل)). - ٣٤١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق فاحتمله مراراً ثم قتله، وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وکذلك أمره مع محمد وإبراهیم ابني عبد الله بن حسن، وقال لأبي إسحاق الفزاري حين قال له: لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل، قال مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك، وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة، وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام فمن كان هذا مذهبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق. وقال الزمحشري في ((الكشاف)) ٨٣/١ تحت قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى اُلَّالِمِينَ﴾: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره، ولا يقدّم للصلاة، وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب المتسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه. وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل، فقال: ليتني مكان ابنك، وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء - ٣٤٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت، وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم والبيت. وقد نقل الموفق المكي وابن البزاز صاحب ((الفتاوى البزازية)) وهم من أجلة الفقهاء مثل هذا عن أبي حنيفة وقد سبق. فهل في استطاعة أحد يخاف الله أن ينسبهم إلى الضلال حيث كانوا يرون السيف ولكن قاتل الله الأهواء تجعل المنقبة مثلبة. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص٦٠ - ٦١: وهذه الرواية لا تصح عن أبي حنيفة لأنه يقول: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا علينا وندعو لهم. ثم إجماع أصحاب أبي حنيفة على ما قلت، ثم أبو حنيفة جعل قتال علي رضي الله عنه مع البغاة والخوارج حجة، كما جعل قتال النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار. قال وإذا سمع الإمام أن قوما يدعون إلى الخروج فعليه أن ينبذ إليهم ويمسكهم حتى يظهروا توبة، فإذا صار لهم فئة يرجعون إليها يقتل مقاتلهم ويجهز على جريجهم، ويقتل أسراهم كما يقتل الكفار. فمن يكون هذا رأيه كيف يرى الخروج على الأئمة؟ قال الله تعالى: ﴿ وَإِمَّا - ٣٤٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني تَخَافَنَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً قَانِبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَآيِنِينَ﴾ وقال: لا يمض قضاء قاضى أهل البغي ولا تقبل شهادتهم. ثم روى بإسناده إلى ابن المبارك قال: ذكرت أبا حنيفة يوما عند الأوزاعي فأعرض عني فعاتبته في ذلك، فقال: تجيء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد فتذكره عندنا ألا ترى إلى الخطيب لم يعرف الفرق بين الخروج على الأئمة وبين من يرى السيف في الأمة!، اعلم وفقك الله أن القتل ليس مشروعا بمجرد الكفر إذ لو كان كذلك لكان يحل لنا قتالهم من غير نبذ، ولما كان يجوز لنا أخذ الجزية منهم وتركهم وما يعبدون ويكونون كالمسلمين في أموالهم ودمائهم، وإنما القتل مشروع للفساد في الأرض والتعدي على الدين. ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا تَخَافَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّ ؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى اُلْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَإِن طَآَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَ مَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَِّى تَبْغِى ◌َّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾. فأمر بقتال البغاة كما أمر بقتال أهل الحرب. وقال عز وجل في قصة أهل الحرب: ﴿حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ فأراد إعلاء كلمة الإسلام وأمر بالقتال للفريقين جميعا لاكتفاء شرهم، وقمع المفسدين، وإصلاح الرعية، وأمن الطرق فاستويا، فمن لا يعرف وجوه القرآن كيف يجوز له الرد على من يعرف؟ - ٣٤٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال الطحاوي في ((عقيدته)) ٧٨/١: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدأ من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة. والأثر الثاني فيه ابن دوما النعالي، هو حسن بن حسين بن دوما النعالي وهو ضعيف. قال الخطيب في «التاريخ» ٧/ ٣٠٠: سمّع لنفسه يعني زوّر، وقال: کان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه بأن الحق السماع لنفسه في أشياء لم يكن فيها سماعه. وقد سبق الرد على هذا الخبر المكذوب على عبد الله بن المبارك. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٠/١٥: أخبرنا الخلال، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان الصفار، قال: حدثنا محمد بن مخلد، قال: حدثنا العباس بن محمد، قال: حدثنا إبراهيم بن شماس، قال: سمعت وكيعا، يقول: سأل ابن المبارك أبا حنيفة عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه؟ قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلا عاقلا، فقال ابن المبارك: إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية، فسكت أبو حنيفة ولم يقل شیئا. - ٣٤٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قلت: هذا الخبر فيه إساءة أدب من تلميذ محب رشيد لأستاذه وشيخه، وکان يقول: كما روى الحارثي في ((الكشف)) ٢٧٩٢. حدثنا جيهان بن أبي الحسن، قال: حدثنا حبان بن موسى، قال: سمعت ابن المبارك، يقول: لو كان أبو حنيفة وسفيان على قول وعلماء هذا الزمان على قول لأخذت بقول أبي حنيفة وسفيان. وهذه المسألة مما اتفق عليه شيخاه أبو حنيفة وسفيان الثوري ومعهما مالك في رواية ابن القاسم، وعليها العمل عند المالكية، فكيف ترك قاعدة أخذ المسألة الفقهية مع ظهور الحجة في حديث ابن مسعود ولم تصح مسألة الرفع في غیر حديث ابن عمر وهو لم يأخذ به في رواية أبي بكر بن عياش وهذا يكون دليل النسخ عند أبي حنيفة ومالك. وإبراهيم بن شماس السمرقندي مع ثقته، كان من حساد أبي حنيفة وأعدائه، فهو من مناكيره واختلاقه على عبد الله بن المبارك. يقول الحارثي في ((الكشف)) إثر ٢٧٩٩. حدثنا أحيد بن عمر بن هارون، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، قال: سمعت إبراهيم بن شماس، يقول: أخبرنا عبد الله قال: كنت آتي أبا حنيفة سرّاً من سفيان. قال الشيخ - الحارثي -: إن إبراهيم بن شماس كان ظاهر العداوة لأبي حنيفة، يروي في أمر أبي حنيفة أشياء لا تثبت ولا تصح ولا يقبل - ٣٤٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قوله وقول أمثاله في أبي حنيفة ولا في عبد الله، إذ لم يعلم الضعيف أنه أثبت بهذه الحكاية إتيان عبد الله أبا حنيفة وأخذه العلم عنه وحمله الحرص الغالب على الاختلاف إليه، وكيف تصح هذه الحكاية وعبد الله يقول: ما اختلفت إلى سفيان حتى جعلت علم أبي حنيفة في كفي، وحتى کتبت عنه فأخبر أنه ابتدأ بأبي حنيفة قبل سفيان، حتى كتب كتبه وجمع علمه على كثرة علم أبي حنيفة وكثرة كتبه، ولم يكن يخفى اختلاف ابن المبارك إلى أبي حنيفة، فلم يحتشم عن سفيان أن ابتدأ بأبي حنيفة وأطال صحبته حتی کتب كتبه وتعلم الفقه منه، أفكان يحتشم منه حيث ابتدأ الاختلاف إليه، وحكايته عنه دالة على التقول على عبد الله قال: فما انصرفت إلى سفيان حتى أخذت علم أبي حنيفة في كفي، وضم أصابعه هکذا. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٤/١٥: أخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: من نظر في كتاب الحيل لأبي حنيفة أحل ما حرم الله، وحرم ما أحل الله. لا تصح نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وقد حاول بعض الكذابين رواية كتاب في ((الحيل)) عن أبي حنيفة في - ٣٤٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني زمن متأخر بسند مركب، فافتضح! وهو: أبو الطيب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، الكذاب ابن الكذاب، حيث زعم بعد سنة ثلاثمائة أنه كان سمع كتاب ((الحيل)) سنة ٢٥٨ هـ بسرّ من رأى، من أبي عبد الله محمد ابن بشر الرقي، عن خلف بن بيان. قال الإمام محمد زاهد الکوثري في ((التأنيب)) ص ٢٤٠: وقد ذكر الذهبي في ((جزئه)) في ترجمة الإمام محمد بن الحسن الشيباني تبرؤه من كتاب ((الحيل))، ونفيه أن يكون ذلك من كتب الأصحاب١، فعلى من يدعي نسبة كتاب ((الحيل))، إلى أبي حنيفة، أن يذكر نص الكتاب مع أسانيده الصحيحة بطريق أصحابه، وأصحاب أصحابه وهم حملة فقهه، وإلا یکون بهَّاتا ظاهر البهت. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٨/١٥: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن خلف الدقاق، قال: حدثنا عمر بن محمد الجوهري، قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال حدثني زکریا يقول: سمعت عبدان، وعلي بن شقيق، كليهما يقول: قال ابن المبارك: كنت إذا أتيت مجلس سفيان فشئت أن تسمع کتاب الله سمعته، وإن شئت أن تسمع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعتها، وإن شئت أن تسمع كلاما في الزهد سمعته، وأما مجلس لا أذكر أني سمعت فيه قط صلي على رسول الله، صلى الله عليه وسلم فمجلس أبي حنيفة. - ٣٤٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قلت: فيه عمر بن محمد الجوهري والخبر منكر. بل الثابت عند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٥٧٥ بدون تعرض لذكر أبي حنيفة والأفاك تصرف في الخبر وزاد ما شاء. روى ابن أبي العوام في «فضائل أبي حنيفة)) ٥٧٥: حدثنا أبي، قال: ثنا أبي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن حماد أبو بشر، قال: ثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: حدثني عبدان، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: كان يعجبني مجالسة سفيان الثوري، كنت إذا شئت رأيته مصلياً، وإذا شئت رأيته في الزهد، وإذا شئت رأيته في الغامض من الفقه. وقد روى الحارثي في ((الكشف)) ٢٧٧١: حدثنا عبد الله بن عبيد الله، قال: أخبرني محمد بن أسلم، قال: أخبرنا هارون بن الحسن، قال: أخبرنا أبو إسحاق الطالقاني، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول لعبد الله بن المبارك: لم جالست أبا حنيفة ولم ترو عنه؟، فقال له عبد الله: مسكين رأيته؟، قال: لا، قال: لو كنت رأيته لم تقل هذا. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٤٤/١٥: أخبرني الخلال، قال: حدثني عبد الواحد بن علي الفامي، قال: حدثنا أبو سالم محمد بن سعيد بن حماد، قال: قال أبو داود سليمان بن - ٣٤٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الأشعث السجستاني، قال ابن المبارك: ما مجلس ما رأيت ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم قط ولا يصلى عليه إلا مجلس أبي حنيفة، وما كنا نأتيه إلا خفيا من سفيان الثوري. قلت: إسناد هذا الخبر منقطع، فإن أبا داود لم يلق ابن المبارك، وأبو داود ممن يقر بإمامة أبي حنيفة كما سبق في التوثيق، فهو من الأخبار المنكرة. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٨/١٥: أخبرنا البرقاني، قال: أخبرنا أبو يحيى زنجويه بن حامد بن حمدان النصري الإسفراييني، إملاء، قال: حدثنا أبو العباس السراج، قال: سمعت أبا قدامة، يقول: سمعت سلمة بن سليمان، قال: قال رجل لابن المبارك: كان أبو حنيفة مجتهدا؟ قال: ما كان بخليق لذاك، كان يصبح نشيطا في الخوض إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، فمتى كان مجتهدا؟ وسمعت أبا قدامة، يقول: سمعت سلمة بن سليمان، يقول: قال رجل لابن المبارك: أكان أبو حنيفة عالما؟ قال: لا، ما كان بخليق لذاك، ترك عطاء وأقبل على أبي العطوف. قلت: هذا خبر فيه انقطاع ومجهول حيث يقول سلمة بن سليمان: قال: قال رجل، ولم يقل أنه سمع الرجل أو أنه حضر القصة كما لم يبين - ٣٥٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني من هذا الرجل؟ وفي هذا السند غير واحد لا يعرف. وقد يرد هذا ما جاء في ((تاريخ بغداد)) ١٣ / ٣٥٥ عن عبد الله بن المبارك أنه صلى خمساً وأربعين سنة خمس صلوات على وضوء واحد؟ وكان يجمع القرآن في ركعتين في ليلة وتعلمت الفقه الذي عندي من أبي حنيفة، وكذا أورد الخطيب سياق مسعر بن كدام في هذا الباب. وأما قوله: ترك عطاء فهو باطل، وقد سبق إكثاره وعدد مروياته في هذه الموسوعة. وأما أبو العطوف جراح بن منهال، قد قلّت رواية أبي حنيفة عنه والحاصل أن هذا الخبر باطل ومكذوب على عبد الله بن المبارك، يدل على هذا تراجم عبد الله بن المبارك من كتب مناقب أبي حنيفة وتاريخ بغداد و کشف الآثار. قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٥٨/١٥: أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: أخبرنا الأبار، قال: أخبرنا محمد بن المهلب السرخسي، قال: حدثنا علي بن جرير، قال: كنت في الكوفة، فقدمت البصرة وبها ابن المبارك، فقال لي: كيف تركت الناس؟ قلت: تركت بالكوفة قوما يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: كفر، قلت: اتخذوك في الكفر إماما، قال: فبکی حتی ابتلت لحيته، يعني: أنه حدث عنه. - ٣٥١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أخبرني محمد بن علي المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ، يقول: حدثنا مسدد بن قطن، قال: حدثنا محمد بن أبي عتاب الأعين، قال: حدثنا علي بن جرير الأبيوردي، قال: قدمت على ابن المبارك، فقال له رجل: إن رجلین تماریا عندنا في مسألة، فقال أحدهما قال أبو حنيفة، وقال الآخر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء، فقال ابن المبارك: أعد علي، فأعاد عليه، فقال: كفر، كفر، قلت: بك کفروا، وبك اتخذوا الكفر إماما. قال: ولم؟ قلت: بروايتك عن أبي حنيفة، قال: أستغفر الله من رواياتي عن أبي حنيفة. قلت: الخبران مختلفان مكذوبان على عبد الله بن المبارك والعهدة على الخطيب، والدليل على نكارته واختلاقه ما صح وثبت عن عبد الله ابن المبارك من حبه واحترامه لشيخه وأستاذه أبي حنيفة رحمه الله وأنه ما زال على مذهبه إلى أن توفاه الله برواية الخطيب عنه وتصنيفه مسندا خاصاً لأحادیثه کما وقع في أول المقدمة رحمه الله. قال الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٩١: والحكايتان مختلقتان حتما، ولم يكن ابن المبارك ليسكت عن مثل ذلك - ٣٥٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني السفیه، وشواهد الحال تكذب الخبر الأول، فمن الذي يُتصور أن يقول: إن فلاناً أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يُرفع أمره إلى ولي الأمر ليقيم عليه حكم الشرع في مثل ذلك العصر؟. وغاية ما يمكن أن يقع في الكوفة إذ ذاك، وجود أناس يهتمون بفقه أبي حنيفة، ولا يبالون بتحديث هذا الجامد البهات، ولا يصغون إليه، حيث لا يأتمنونه في دين الله، فيرميهم هذا البهات بأنهم إنما أعرضوا عنه، لعدهم أبا حنيفة أعلم من سيد الأولين والآخرين، فكأن هؤلاء ما كانوا ليعرضوا عن تحديث هذا الخبيث، لولا كان اعتقادهم في أبي حنيفة ذلك. ومثل هذا التوليد غاية في البهت والكذب! ومن الذي وثقك والتفت إلى تحديثك من علماء الأمصار؟ حتى ترمي أهل الكوفة بذلك الافتراء الشنيع، ثم كيف تعد أيها النذل! رواية الحديث عن أبي حنيفة إمامةً في الكفر؟ ثم تراه في الخبر الثاني يجعل الحديث مع ابن المبارك لرجل آخر مجهول يجعله يزعم أن شخصاً ادعى أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من غير أن يذكر المفضّل عليه، موهماً أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسياق الحديث يدلنا على أن شخصين تناقشا في مسألة قضائية، فذكر أحدهما قول أبي حنيفة في المسألة، وذكر الآخر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى الأول هذا الذي ذكر الحديث غير مستأهل - ٣٥٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني للاجتهاد، ربما یکون الحدیث منسوخاً أو غیر ثابت، أو یکون فيه علة، أو في دلالته شيء، وإنما يستبين ذلك كله المجتهد، لا المتعالم المجازف المتطاول على الأئمة، فقال له: أبو حنيفة أعلم بالقضاء - أي منك - ولا يتصور أن يكون التفضيل بالنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولم يكن ابن المبارك ممن يتسرع في الإكفار، ولا ممن كان يسكت أمام مثل هذا الاتهام الشنيع، والكافر بالمعنى الصحيح من أكفر إمام المسلمين وفقيه الملة بهذا التهور القبيح، لأنه هو الذي يعتقد أن الإيمان كفر، ومن اعتقد ذلك فهو كافر. وقال البدر العيني في ((تاريخه الكبير)) في ترجمة أبي حنيفة عند ذكره لقول ابن الجارود في أبي حنيفة: وقد اختلف في إسلامه الذي يقول في أبي حنيفة (قد اختلف في إسلامه) يقال فيه: لا يُختلف في عدم إسلامه، وهل يحل لمن يتسم بالإسلام أن يقول هذا القول؟. ومن هذا القبيل ما رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث: عن دعلج، عن الأبار، عن محمود بن غيلان، قلت ليزيد بن هارون: ما تقول في الحسن بن زياد اللؤلؤي؟ فقال: أو مسلمٌ هو؟. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرني الحسن بن أبي طالب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن - ٣٥٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني يوسف، قال: حدثنا محمد بن جعفر المطيري، قال: حدثنا عيسى بن عبد الله الطيالسي، قال: حدثنا الحميدي، قال: سمعت ابن المبارك، يقول: صليت خلف أبي حنيفة صلاة، وفي نفسي منها شيء قال: وسمعت ابن المبارك، يقول: كتبت عن أبي حنيفة أربعمائة حديث، إذا رجعت إلى العراق إن شاء الله محوتها. قلت: فيه أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست أبو عبد الله البزاز. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٢٥/٥: تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن عليه، سمعت أبا القاسم الأزهري يقول: ابن دوست ضعيف رأيت كتبه كلها طرية، وكان يذكر أن أصوله العتق غرقت فاستدرك نسخها، سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست فقال: كان يسرد الحديث من حفظه وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها ليظن أنها عتق والكلام فيه طويل. والخبر منكر ومكذوب على عبد الله بن المبارك يدل على كذب هذا الخبر إكثاره الأحاديث عن شيخه وأستاذه إمام الأئمة في هذه الموسوعة. وقال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٣ : أما قوله: إن في نفسه شيئا من تلك الصلاة، فلا يعلم الغيب إلا الله، - ٣٥٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ما يدري أي شيء هو الذي كان في نفسه، وأما الأحاديث التي رواها عن أبي حنيفة فإن كانت من أقوال أبي حنيفة فينبغي أن يبينها لنجيب عما أنكره، وإن لم تكن من أقوال أبي حنيفة فليس الطعن في ذلك على أبي حنيفة. قلت: وقد سبق الرد على الفقرة الأخيرة. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سليمان المؤدب، قال: أخبرنا أبو بكر ابن المقرئ، قال: حدثنا سلامة بن محمود القيسي، قال: حدثنا إسماعيل بن حمدویه البیکندي، قال: سمعت الحميدي، يقول: سمعت إبراهيم بن شماس، يقول: كنت مع ابن المبارك بالثغر، فقال: لئن رجعت من هذه لأخرجن أبا حنيفة من كتبي. قلت: هذا خبر منكر مكذوب على عبد الله بن المبارك، وإبراهيم ابن شماس من حساد أبي حنيفة وأعدائه كما قاله الحارثي في ((كشف الآثار)) ٢٨٠٠. ويقول العلامة محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٢٩٣: وإبراهيم بن شماس ذلك المتعبد الغازي، لا يعلم من أبي حنيفة شيئا وإنما يعاديه عداء، وليس هو ممن يعلم مواطن الضعف أو القوة في الفقه، وإنما يسمع شيئا من إخوانه المرابطين، فيسايرهم فيما يقولون، وليس أدل على ذلك أنه على علو طبقته لم يُخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة، ومن أخرج عنه ممن سواهم لم يُكثر عنه، وإنما الرجل - ٣٥٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني بطل مغوار متعبد متعصب، إذا أصر على الطلب ربما يعد ابن المبارك معلقاً على مشيئة الله سبحانه. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرنا العتيقي، قال: أخبرنا يوسف بن أحمد الصیدلاني، قال: حدثنا محمد بن عمرو العقيلي، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن جناد، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، قال: حدثنا إبراهيم بن شماس، قال: سمعت ابن المبارك، يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة. قلت: هذا الخبر أيضاً منكر مكذوب على عبد الله بن المبارك، يدل على نكارته وكذبه مصادر ترجمته من كتب التراجم والمناقب، وقد رد على هذه الأخبار المنقولة من إبراهيم بن شماس الحارثي في ((كشف الآثار)) إثر ٢٨٠٠: وقال: حدثنا عبد الله بن عبيد الله، قال: حدثنا شيبة بن هشام وإسحاق بن عبد الله، عن علي بن الحسن، قال: سمعت عبد الله، يقول: ما اختلفت إلى سفيان حتى جعلت علم أبي حنيفة في كفي، وقبض أصابعه. وقد روينا في هذا الباب قبل هذا في هذا الجنس كثيراً، وقد كان أوقع إبراهيم بن شماس في الناس في تأويل تأوله على عبد الله، أن عبد الله ترك أبا حنيفة حتى انتصب به أصحاب عبد الله ففسقوه وردوا عليه - ٣٥٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني و كذبوه حتى أنكر ذلك وتبرأ منه بکیر ذلك اشتغلنا به بإيراد هذه الحكايات وما أشبهها، وله موضع في غير هذا الكتاب تأتي بها إن شاء الله مستقصی في کل نوع فيه. قال أبو زيد عمران بن فرینام: سمعت بعض أصحابنا یذکر قال: قیل لأحمد بن مردويه: إن إبراهيم بن شماس يذكر أن عبد الله ترك أبا حنيفة، فغضب، وقال: قُل لإبراهيم: إن ثلاثة وثلاثين كتاباً من كتب عبد الله تكذبك، فكان تأوّل على عبد الله ثم أنكر جميع ذلك لما أنكر عليه وصرفه إلى غيره وسمعت غير واحد يذكر عن الشيخ أبي عبد الله، قال: سمعت أبا إسحاق الخلال، قال: قلت لإبراهيم بن شماس: بلغني أنك قلت: ترك عبد الله أبا حنيفة؟ فقال: معاذ الله! ما قلت من هذا شيئاً. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقال حدثني أبي، قال: حدثنا أبو بكر الأعين، عن الحسن بن الربيع، قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة. كذا رواه لنا، وأظنه عن عبد الله بن أحمد عن أبي بكر الأعين نفسه والله أعلم. قلت: فيه عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني، قال - ٣٥٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أبو داود: ابني عبد الله كذاب، قال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فيه والخبر منكر ومكذوب على عبد الله بن المبارك، ودليل كذبه ونكارته سبق. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، قال: أخبرنا محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن الحسين البلخي، يقول: سمعت محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: لحديث واحد من حديث الزهري أحب إلي من جميع كلام أبي حنيفة. قلت: إن كان المراد بالحديث حديث الرسول صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر، فلا خلاف فيه لأحد من المسلمين وإن أريد به كلام الزهري فالخبر شاذ ومنكر، يروي الحارثي في الكشف: ٢٨٠٤ - حدثنا عمران بن فرينام ومحمد بن عبد الله بن سهل وإبراهيم بن منصور قالوا: حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: سمعت أبي، يقول: قال عبد الله: إذا اجتمع أبو حنيفة وسفيان رحمة الله عليهما فمن يطيقهما. ٢٨٠٥ - حدثنا أبي وعبد الله بن عبيد الله قالا: سمعنا أبا عبد الله - ٣٥٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني محمد بن أحمد بن حفص، يقول: سمعت أبا وهب، يقول: قال عبد الله: لولا أن الله تعالى تدارکني بأبي حنيفة وسفيان لكنت بدعیّاً. ٢٨٠٦- حدثنا عبد الله بن محمد الطواويسي، قال: حدثنا حامد بن آدم، قال: حدثني محمد بن أعين، قال: سمعت عبد الله، يقول: كتبت كتب أبي حنيفة، فما فاتني منه إلا القليل. قال الملك المعظم أبو المظفر في ((السهم المصيب في كبد الخطيب)) ص١١٤ : إن كان الحديث الذي يحدثه الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم فكل المسلمين يقولون هذا ويعتقدونه، بل يعتقدون أن لفظة واحدة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم خير من كل ما تكلم به الخلق، إلا أن يظن أن في المسلمين من لا يعتقد هذا فمكافأته عمن يظن به ذلك على الله، وإن كان الحديث من كلام الزهري فما اعتد أحد بكلام الزهري ولا عمل به، ولا نعرف مذهبا يقال له مذهب الزهري. قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣: أخبرنا ابن دوما، قال: أخبرنا ابن سلم، قال: حدثنا الأبار، قال: حدثنا علي بن خشرم، عن علي بن إسحاق الترمذي، قال: قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث. أخبرنا البرقاني، قال: قرئ على عمر بن بشران، وأنا أسمع: - ٣٦٠ -