النص المفهرس

صفحات 321-340

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
سمعت وكيعا يقول: انتبهنا بعد كبر السن وفناء العمر وذهاب الفقهاء،
كنت أتبين الزيادة في قدر ما كنت أجلس إلى أبي حنيفة رحمة الله عليه
فکیف لو كنت أدمت مجالسته.
وروى الحارثي في ((كشف الآثار)) ٨٦٥:
عن جيهان بن خيب، قال: سمعت علي بن حكيم السمر قندي،
يقول: سمعت وكيعاً يقول: كنا نتعلم مسائل أبي حنيفة خمساً خمساً كما
يتعلم الصبيان القرآن في الكُتَّاب(١).
فهذه الآثار المروية عند الحارثي في الكشف تدل على علاقته بإمام
الأئمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت واحترامه لأقواله ومسائله والأخذ من
أحاديثه بل كان هو حنفياً في الفروع كما أسند الصيمري في ((أخباره))
ص١٤٩، ومن طريقه الخطيب في ((التاريخ)) ٤٧١/١٣ من طريق حسين بن
حبان عن يحيى بن معين، قال: ما رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل
القبلة ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة،
وكان قد سمع منه شيئاً كثيراً.
قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد القطان: يفتي بقول أبي حنيفة
أيضاً، انتهى.
قلت: ذكره الصيمري في طبقات أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه.
(١) هي: مدرسة صغيرة لتعليم الصبيان القراءة والكتابة وتحفيظهم القرآن.
- ٣٢١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
وأسند ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص٢١١ من طريق عباس الدوري،
قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: ما رأيت مثل وكيع وكان يفتي برأي
أبي حنيفة، انتهى.
قلت: ذكره الذهبي في ((السير)) ١٤٨/٩، و((تذكرة الحفاظ)) ٣٠٧/١،
والقرشي في ((الجواهر)) ص٤٢٤، وابن تقي الدين في ((آكام المرجان))
٢٠٥/١، وابن الأثير في ((جامع الأصول)) ١٢ / ٩١٧.
فلو اطلع الباحث على ما ذكره الحارثي من الآثار في ترجمة وكيع
ابن الجراح وغيره من كتب التراجم والطبقات والمناقب يحكم من أول
الأمر أن ما ساقه الخطيب في مثالب الإمام أبي حنيفة من أباطيله وهي
من المناكير المكذوبة على وكيع بن الجراح فإنه لا يجتري في إمامه وشيخه
وأستاذه الطعن في مسائله وأحاديثه.
وبالرغم من ذلك أن ما ساقه الخطيب من القصة قد رجع عنه سفيان
الثوري كما أسند الحارثي في ((الكشف)) ٢٨٠٧:
عن أبيه، قال: حدثنا أبو طاهر أسباط بن اليسع، قال: كتبت إلى بشر بن
يحيى أسأله عن قول عبد الله بن المبارك، ما كان يقول في الإيمان، وهل
كان يقول: إني مؤمن، وهل كان يكفر من ترك الصلاة متعمداً يوماً أو
یومین أو أكثر، لأن عندنا قوماً یروون عنه أشياء ننكرها من قوله، فکتب
إليّ أن عبد الله كان يقول: إني مؤمن، وكان لا يستثني، وكان يأمر بإعادة
الصلاة إذا تركها عمداً، ففي هذا دليل على أن لا يكون بتركها كافراً إلا
- ٣٢٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
أن يجحد، فإن جحد كفر، وكان عبد الله اعتراه رأي من مضى من
الكوفيين في أمر الإيمان، فخرج مع حماد بن أبي حنيفة فناظره في ذلك
حتى بين له أن الذي كان وقع في قلبه من هذا الكلام الذي يروي عن
سفیان خطأ، فتركه ورجع عنه، وکتب عند جرير وعنده مهران الرازي،
وكان معروفاً بخدمة سفيان، فقال: سمع سفيان يقول: أنا مؤمن وأهل
الدعوة كلهم مؤمنون، وكان عندنا رجل يقال له راهويه بن قيس، وكان
معروفاً بخدمة سفيان الثوري قال: سمعت سفيان رجع عن الاستثناء،
وقال: الناس كلهم مؤمنون إلا من أظهر غير الإيمان.
وأسند الحارثي في ((الكشف)) ضمن قصة طويلة في الرد على سفيان
الثوري في استثنائه ورجوعه عنه، يقول الحارثي في ((الكشف)) ٢٨٦٦:
حدثنا محمد بن علي بن سهل المروزي، قال: حدثنا النضر بن محمد بن
سیّار السیاري، قال: سمعت یحیی بن نصر بن حاجب، يقول: كان أبو طالب
مذكّراً يذكر الناس ويعظهم، وكان مذهبه مذهب العدل، قال: فبينا هو
يذكر الناس في المسجد فجاء سفيان الثوري وجلس وولّى ظهره إليهم
كأنه كاره لصنيع أبي طالب، وكان على سفيان الثوري خف كبير عليه
صرم(١) غليظ يشبه خفاف الحمالين، و کسی أغلظ ما یکون في حر شدید،
وکان سفيان الثوري يستثني في إيمانه، فلما جلس سفيان تلك الجلسة فطن
(١) أي: الجلد.
- ٣٢٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
له أبو طالب، فرفع صوته يا لابس الخفين في غير حينه تدعي السنة وقد
جهلت أفضل النعمة، يا لابس الخفين إذا سئلت عن الإيمان تشك فيه،
فما أنت قائل لمنكر ونكير إذا سألاك في القبر على الإيمان؟ تقول:
لا أدري، إذاً يضربانك ضربة يتقعقع جميع عظامك ومفاصلك، أما
سمعت قول أبي الكهول المرسلين نوح صلوات الله وسلامه عليه وعلى
محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين إذا قيل له: ﴿أَنَّوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ
قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِىِّ لَوْ تَشْعُرُونَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٤] فسماهم مؤمنين مع ارتفاع معرفته
بسريرتهم، فأنت تعلم سريرة نفسك فلا تسمي نفسك مؤمناً، أو ما
سمعت قول الخليل إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إذ قال له ربه:
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] فلو كان يجوز الاستثناء لكان الخليل به
قائلاً، والله ما أردت بهذا الخلاف لنا، إنما أردت الخلاف للنبيين وجميع
المرسلين، ولو أن نوحاً وإبراهيم عليهما السلام بين أظهرنا لخالفتهما يا
لابس الخفين في غير حينه، فقام الثوري وقال: من سلط هذا عليّ، ومن
الذي يستثني في إيمانه، أنا مؤمن وأهل الدعوة مؤمنون.
وأسند الحارثي في ((كشف الآثار)) ٣٤٥٦:
عن عبد الصمد، يقول: سمعت مكي بن إبراهيم، يقول: كنت في
مجلس سفيان الثوري في المسجد الحرام، فقام إليه رجل من أهل بلخ
- ٣٢٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
أعمى أسكاف يقال له: عمير، فقال: يا سفيان أنت مؤمن؟ قال: نعم أنا
مؤمن وسؤالك إياي بدعة قال: وقام رجل آخر فقال: يا سفيان أنت
مؤمن؟ قال: نعم، وهؤلاء مؤمنون وأشار بيده إلى الطوّاف.
وقصة معاذ في إنكاره على الاستثناء رواها الحارثي في الكشف ٢٩٠٤:
عن محمد بن رجّاز بن قريش، قال: حدثنا المختار بن سابق، قال:
حدثني أحمد بن حماد، قال: حدثني الحسن بن رشيد، قال: حدثني
أبو حنيفة، عن جوّاب التيمي، عن [أبي] مسلم قال: لما قدم معاذ بن
جبل حمص جاءه شاب من أهل حمص فسأله عن رجل كفّ عن المعاصي
وأدى الأمانة وصدق الحديث وبر بوالديه ووصل رحمه غیر أنه كان يشك
في الله وفي رسوله؟ فقال معاذ: هيهات حبط كل حسنة عملها، قال: فما
قلت في رجل عمل بالمعاصي وركب المحارم وأتى الفواحش غير أنه كان
يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال: هذا أرجو له وأخاف
عليه، قال: يقول الشاب: والله لئن كانت الأولى لا ينفع معها حسنة، فهذه تهدم
كل سيئة، ثم ولّى فقال معاذ: ما أزعم أن بالبلد أحداً أفقه من هذا
الشاب(١).
وطريف من طرائف أبي حذيفة في الرد على الاستثناء، رواه الحارثي
في ((الکشف)) ٢٨٩٨:
(١) (المسند)) للحارثي ١٣٤٦، و((المسند)) لابن خسرو ١٥١.
- ٣٢٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
حدثني محمد بن داود أبو الفضل البخاري، قال: حدثنا
أحمد بن زهير، قال: سمعت أبا حذيفة إسحاق بن بشر، يقول: حضرت
المأمون أمير المؤمنين ليلة من الليالي، وكان الفضل بن سهل جعلني من
خاصة نفسه، و[كان] يقربني ويُدنیني، فمكّن لي عنده منزلة جليلة، فكنت
أحضره في الخلوات وفي الليالي، فحضرنا عنده ليلة من الليالي وحضر
النضر بن شميل، فلما فرغنا من الطعام قال المأمون: خوضوا في العلم،
قال أبو حذيفة: فقلت للنضر: ما تقول في الإيمان؟ قال: أقول إني مؤمن
إن شاء الله، فقلت له بأي حجة قلت ذلك؟ قال: من الكتاب، قلت له:
أورده حتى أعلم ذلك، فقال: قال الله لنبيه: ﴿لَتَدْخُلُنَّالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ
اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] قال أبو حذيفة: فقلت له: حيث نزلت هذه
الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان داخلاً في الحرم أو خارجاً
منه؟ فقال النضر: كان خارجاً من الحرم، فقلت له: فإن كنت خارجاً من
الإيمان فاستثناؤك جائز، قال: فضحك المأمون وخجل النضر (١).
وقصة ذبح شاة ابن عمر رواها الحارثي في ((الكشف)) ١٦٣٧:
حدثنا محمد بن عبد الله، قال: حدثنا الحسن بن عثمان، قال: أخبرنا
اللؤلؤي، عن عمر بن ذر، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عمر رضي
الله عنهما، أنه أراد أن يذبح شاة له، فمر به رجل، فقال له ابن عمر
(١) ((المناقب)) للمكي ٩٨/٢/ ق.
- ٣٢٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
رضي الله عنهما: يا عبد الله أمؤمن أنت، أمسلم أنت؟ فقال: نعم إن
شاء، فقال: امض ثم مرّ به رجل آخر، فقال له: يا عبد الله أمؤمن أنت
أمسلم أنت؟ فقال: نعم والحمد لله، فقال: دونك هذه الشاة فاذبحها.
والحاصل أن ما ساقه الخطيب هو منكر ومكذوب على وكيع
وسفيان الثوري.
وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥١٠/١٥:
أخبرني الخلال، قال: حدثنا علي بن عمر بن محمد المشتري، قال:
حدثنا محمد بن جعفر الأدمي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، قال: حدثنا
طاهر بن محمد، قال: حدثنا وكيع، قال: اجتمع سفيان الثوري،
وشريك، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، فبعثوا إلى أبي حنيفة، قال:
فأتاهم، فقالوا له: ما تقول في رجل قتل أباه؟ ونكح أمه؟ وشرب الخمر
في رأس أبيه؟ فقال: مؤمن، فقال له: ابن أبي ليلى: لا قبلت لك شهادة
أبدا، وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك أبدا، وقال له شريك: لو كان لي
من الأمر شيء لضربت عنقك، وقال له الحسن بن صالح: وجهي من
وجهك حرام أن أنظر إلى وجهك أبدا.
قلت: فيه محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة أبو بكر الآدمي، ترجم
له الخطيب في ((التاريخ)) ١٤٧/٢ وقال: قال محمد بن أبي الفوارس:
وكان قد خلط فيما حدث.
- ٣٢٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
وترجم له الذهبي في ((الميزان)) ٥٠٢/٣، والحافظ في ((اللسان))
٦٦٠١، وشيخه أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي المعروف بأبي عصيدة،
قال ابن حجر في ((التقريب)): لين الحديث.
فإسناد هذا الخبر ضعيف، وهو منكر، ويدل على نكارته وبطلانه أن
مشايخ هذه القصة شريك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والثوري
والحسن بن صالح من رواة أهل السنة والجماعة.
والمسألة معقودة لإثبات عقيدة فرقة الخوارج الضالة المكفرة، فإن
المسلم يخرج من الإسلام بارتكاب الكبيرة ويدخل في الكفر عندهم.
والجواب الذي صدر من الإمام أبي حنيفة رحمه الله هو الجواب من
جميع أئمة أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة لا يكون كافراً.
تم الردود من قبل هؤلاء المشائخ بكلمات شنيعة على الإمام أبي حنيفة
رحمه الله مع أنه ثبت عنهم المدح والثناء والتبجيل، كما ذكرتها في فصل
التوثيق، وهي محاولة كبيرة لإثبات الفكر الخارجي باختلاق هذا الخبر،
ولا تخفى نكارة هذا الخبر وفظاعتها على أجهل هذه الأمة، فكيف خفي
على الخطيب وأتباعه الحشوية مختلقي هذا الخبر المكذوب على وكيع بن
الجراح، وهو بريء من هذا السوء، ولا يتصور هذا من قبله فإنه من
خواص الإمام أبي حنيفة رحمه الله كما سبق.
ثم نذكر بعض نقول أئمة أهل السنة والجماعة أن مرتكب الكبيرة لا
یکون كافراً.
- ٣٢٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه في ((الفقه الأكبر)) ١٠٢: ولا
نكفر مسلماً بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها.
وقال القاري في شرحه عليه: أي كما يكفر الخوارج مرتكب الكبيرة.
وقال ابن قدامة في ((لمعة الاعتقاد)) ١٧٠: ولا ننزل أحداً من أهل
القبلة جنة ولا ناراً إلا من نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنا
نرجو للمحسن ونخاف على المسيء ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب
ولا تخرجه عن الإسلام بعمل.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٠/ ٩٢:
وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي ذر لما قال له النبي صلى الله عليه
وسلم عن جبريل: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؛ وإن زنى وإن
سرق وإن شرب الخمر على رغم أنف أبي ذر))، وثبت في الصحاح
حديث أبي سعيد وغيره في الشفاعة في أهل الكبائر وقوله: ((أخرجوا من
النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ مثقال حبة من إيمان مثقال ذرة
من إيمان))، فهذه النصوص كما دلت على أن ذا الكبيرة لا يكفر مع
الإيمان وأنه يخرج من النار بالشفاعة خلافا للمبتدعة من الخوارج في
الأولى، ولهم وللمعتزلة في الثانية نزاع، فقد دلت على أن الإيمان الذي
خرجوا به من النار هو حسنة مأمور بها وأنه لا يقاومها شيء من
الذنوب. اهـ
وفي ((الجوهرة المنيفة)) في شرح وصية الإمام أبي حنيفة لملا حسين
- ٣٢٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
ابن إسكندر الحنفي ص٥٧ في مبحث المؤمن لا يكفر بالفسق:
قال المصنف أبو حنيفة رضي الله عنه: العاصون من أمة محمد
صلى الله عليه وسلم كلهم مؤمنون وليسوا بكافرين. أقول: إن العبد
المؤمن لا يكون كافراً بالفسق والمعصية، لأن الإيمان إقرار وتصديق،
والإقرار والتصديق باق فيكون الإيمان باقياً إلا أن تكون المعصية موجبة
للكفر فيكون الإيمان زائلاً لأن الكفر يزيل الإيمان كما سبق.
وفي ((شرح الفقه الأكبر)) للشيخ أبي المنتهى أحمد بن محمد المغنيساوي ١٤٠ :
ولا نزيل عنه - أي: عن المسلم الذي ارتكب كبيرة غير مستحل -
اسم الإيمان ونسميه مؤمنا حقيقة. أشار الإمام به إلى أن المسلم يسمى
مؤمناً حقيقة، وهذا يدل على اتحاد الإسلام والإيمان، أي: كالظهر والبطن
ويجوز أن يكون مرتكب الكبيرة مؤمنا فاسقاً غير كافر، الفسق هو:
الخروج عن طاعة الله تعالى بارتكاب الكبيرة، قال صدر الشريعة:
فالكبيرة كل ما يسمى فاحشة كاللواطة ونكاح منكوحة الأب أو ثبتت لها
بنص قاطع عقوبة في الدنيا والآخرة. وقالت المعتزلة: مرتكب الكبيرة
فاسق لا يجوز أن يكون مؤمنا ولا كافراً، وأثبتوا منزلة بين المنزلتين، أي
بين الكفر والإيمان.
وقال الخطيب في ((التاريخ)) ٥٣٦/١٥:
أخبرنا ابن رزق، قال: حدثني عثمان بن عمر بن خفيف الدراج،
- ٣٣٠ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البصلاني، وأخبرنا البرقاني، قال:
قرأت على أبي حفص ابن الزيات: حدثكم عمر بن محمد
الکاغدي، قالا: حدثنا أبو السائب، قال: سمعت وکیعا، يقول: وجدنا
أبا حنيفة خالف مائتي حدیث.
قلت: هذا أيضاً مكذوب على وكيع بن الجراح.
والدليل على نكارته وبطلانه أولاً: أنه لم يتعمد مخالفة أحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا هو ولا أحد من الأئمة بل هو لعن
على من خالفها، كما روى ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص٢٥٩ إثر
حديث قيل له: أتخالف النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لعن الله من
يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، به أكرمنا الله وبه استنقذنا.
وقد دافع عن الأئمة ورد على من اتهموهم بمخالفة أحاديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته ((رفع الملام عن
أئمة الأعلام» ص٨٨:
وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولا عاما -
يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته دقيق ولا
جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله
عليه وسلم. وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء
- ٣٣١ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
حديث صحيح بخلافه، فلا بد من عذر في تركه وجميع الأعذار ثلاثة
أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
الثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول:
أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن
يكون عالما بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه - وقد قال في تلك القضية
بموجب ظاهر آية أو حديث آخر؛ أو بموجب قياس؛ أو موجب
استصحاب - فقد يوافق ذلك الحديث تارة، ويخالفه أخرى. وهذا السبب
هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث.
فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من
الأمة.
السبب الثاني:
أن يكون الحديث قد بلغه، لكنه لم يثبت عنده.
إما لأن محدثه، أو محدث محدثه، أو غيره من رجال الإسناد مجهول
عنده أو متهم أو سيئ الحفظ. وإما لأنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا؛ أو لم
- ٣٣٢ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد
متصل.
قلت: ومحصله أن يكون للحديث طريقان: أحدهما: صحيح،
وثانيهما: غير صحيح، فيبلغ هذا الحديث بعض الأئمة من الطريق الذي
لم يصح، فلا يعمل به، ويبلغ آخرين من الطريق الصحيح فيعملون به،
ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة تعليق القول بموجب الحديث
على صحته، فيقول: قَولي في هذه المسألة كذا، وقد روي فيها حديث
بكذا، فإن كان صحيحاً فهو قولي.
والسبب الثالث: أن يكون للحديث طريق واحد ولكنه يختلف فيه
الأئمة فيراه بعضهم صحيحاً لعدم القادح لديه في متنه أو سنده، وهذا
باب واسع، وللعلماء بالرجال وأحوالهم، وفي فهم المرويات ودلالتها
كسائر العلماء في الفنون الأخرى من الاختلاف.
والسبب الرابع: أن يكون الحديث قد بلغه أو ثبت عنده ولكنه نسيه
وهذا كثير في السلف والخلف.
والسبب الخامس: أن يبلغه الحديث ولكنه يرى أن دلالته على الحكم
قد عارضها ما يدل على أنها ليست بمراده، مثل معارضة العام بالخاص
أو المطلق بالمقيد إلى غير ذلك من أنواع التعارض.
والسبب السادس: أن يبلغه الحدیث ولكنه يرى نسخه بدليل آخر إلى
غير ذلك، انتهى ملخصاً.
- ٣٣٣ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
وثانياً: هذا من الغريب جداً أن وكيع بن الجراح من خواص تلاميذ
الإمام أبي حنيفة رحمه الله فإنه خدم أحاديث الإمام أبي حنيفة رحمه الله
وجعل مسندا خاصاً لأحاديثه كما سبق ذكره في أول المقدمة، فكيف
يتهمه بمخالفة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثالثاً: أنه ساق الخطيب بهذا السند بمخالفة هذا القدر من الأحاديث
ولم يذكر حديثاً واحدا ليقع مثالا للمخالفة، فهذا من قبيل الجروح المبهمة
دون ذكر دليل، وهي لا تفيد الخصوم في شيء.
وقد ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه باباً خاصاً لهذا وجمع فيه نحو مائة
وخمسة وعشرين حديثاً ثم إن الردود والأجوبة أثبتت أن هذا ليس
فيه مخالفة للأحاديث في الواقع، بل هو ما كان ظنه المصنف بالمخالفة
وأمثل ما كتب فيه ((النكت الطريفة)) للإمام محمد زاهد الكوثري
رحمه الله.
ورابعاً: أن المجتهد يكون أسيرا للدليل وتختلف شروط قبول الأخبار
عند الأئمة في المصطلح.
وقد لاحظته في نصوص رفع الملام ومن ضرورة ذلك الأخذ
بأحاديث لم يأخذ بها آخرون، فالذي لاحظ له من علم أصول الفقه
يظنه مخالفاً للأحاديث، وهي من فروع الاجتهاد، وهي لا تقف عند
الإمام أبي حنيفة رحمه الله فقط بل تتجاوز إلى غيره من الأئمة المجتهدين
ولا تنحصر في ...... بل تتجاوز إلى أكثر من ذلك بكثير.
- ٣٣٤ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
وقال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٥٥:
أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدثنا حنبل،
قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا و کیع، قال: حدثنا أبو حنيفة، أنه سمع
عطاء إن كان سمعه.
قلت: هذا خلاف ما عليه مترجمو الإمام أبي حنيفة حتى قال الخطيب
في أول الترجمة ٣٢٤/١٣: رأى أنس بن مالك، وسمع عطاء بن أبي رباح،
ثم أورد في المثالب هذا الخبر المكذوب على وكيع بن الجراح، وليس هذا
موضع الاختلاف في سماع أبي حنيفة عن عطاء بن أبي رباح، بل أجمع
كل من المزي في ((تهذيب الكمال)) ٤١٩/٢٩، والذهبي في ((تاريخ
الإسلام)) ٩٩٠/٣، و((العبر)) ١/ ١٦٤، واليافعي في ((مرآة الجنان))
٢٤٢/١، وابن تغري في ((النجوم الزاهرة)) ١٣/٢، وابن حجر في
((تهذيب التهذيب)) ٤٤٩/١٠، وعبد الحي الحنبلي في ((شذرات الذهب))
٢٣٠/٢، وغيرهم سماع أبي حنيفة عن عطاء، وقد وقع ذكر هذا السند
- أبو حنيفة عن عطاء بن أبي رباح - في الموسوعة الحديثية لمرويات
الإمام أبي حنيفة رحمه الله أكثر من مائة مرة، وقد توفي عطاء بن أبي رباح
بمكة سنة مائة وأربع عشرة وقد حج الإمام أبو حنيفة خمساً وخمسين حجة،
وتوفي الإمام سنة خمسين ومائة، فلا يتصور عدم لقاء عطاء بن أبي رباح وما
ذكره عبد الله في كتاب ((السنة)) زوراً مثالبه من طريق وكيع لو يراجع ما
صح عنه في باب التوثيق، من تقدمة هذا الكتاب.
- ٣٣٥ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
عبد الرحمن بن مهدي
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥ / ٥٦٤:
أخبرني الأزهري، قال: حدثنا أبو المفضل الشيباني، قال: حدثنا
عبد الله بن أحمد الجصاص، قال: حدثنا إسماعيل بن بشر، قال: سمعت
عبد الرحمن بن مهدي، يقول: ما أعلم في الإسلام فتنة بعد فتنة الدجال
أعظم من رأي أبي حنيفة.
قلت: فيه محمد بن عبد الله بن محمد أبو المفضل الشيباني الكوفي
الكذاب، قال الخطيب في ((التاريخ)) ٤٦٦/٥: كان يروي غرائب الحديث
وسؤالات الشیوخ، فکتب الناس عنه بانتخاب الدارقطني ثم بان كذبه
فمزقوا حديثه وأبطلوا روايته، وكان بعد يضع الحديث.
وقال الأزهري: كان دجالاً كذاباً ما رأينا له أصلا قط.
وترجم له الذهبي في ((الميزان)) ٦٠٧/٣، وابن حجر في ((اللسان))
٧٠/٨.
فإسناد هذا الخبر تالف ومتنه منكر ومكذوب على عبد الرحمن بن
مهدي.
وهذا خلاف ما ثبت عنه من المدح والثناء له كما ذكرته في فصل
التوثیق.
- ٣٣٦ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
يقول رحمه الله كما في ((كشف الآثار)) ١٧٩٩: أبو حنيفة قاضي قضاة
العلماء من قال لك سوى ذلك فأرمه في كناسة بني سليم.
وقال كما في ((الكشف)) ١٨٠٠ كان أكثر اعتماده على قول مالك
وربما أجاب بقول أبي حنيفة رحمه الله.
فهذا الخبر من المناكير التي اختلقها الخطيب أو أحد رواة الخبر
الحشوية فهو مكذوب على عبد الرحمن بن مهدي.
شعبة بن الحجاج
قال الخطيب في ((التاريخ)) ١٥/ ٥٧٣:
أخبرنا العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن أحمد، قال: حدثنا العقيلي، قال:
حدثني عبد الله بن الليث المروزي، قال: حدثنا محمد بن يونس الجمال،
قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت شعبة، يقول: كف من تراب
خير من رأي أبي حنيفة.
قلت: فيه محمد بن يونس أبو عبد الله الجمال البغدادي، قال محمد
ابن جهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث،
وقال ابن عدي: هو ممن يسرق حديث الناس، حكاه المزي في ((تهذيبه))،
وقال ابن حجر في ((التقريب)): ضعيف ولم يثبت أن مسلماً روى عنه.
وقد ثبت عن شعبة له المدح والثناء والتوثيق كما ذكرته في فصل
- ٣٣٧ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
التوثيق وقد روى ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص١٩٦ عن شبابة بن سوار
يقول: كان شعبة حسن الرأي في أبي حنيفة، وقد سئل يحيى بن معين عن
أبي حنيفة فقال: ثقة، ما سمعت أحداً ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج
يكتب إليه أن يحدث ويأمره، وشعبة شعبة، فهذا الخبر مع ضعف إسناده
منكر ومكذوب على شعبة بن الحجاج.
وقد ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب ((السنة)) زوراً عن شعبة اللعن
على الإمام، ويكفي لبطلان هذه الرواية كونها في كتاب ((السنة)) فإن
شعبة من أحسن الناس ثناء على أبي حنيفة.
وقال الشيخ محمد أحمد عاموه في ((الكلمات الشريفة)) ص ٢٩٠:
ولعن شخص معين لا يكون فيه نص في الشرع على أنه من أهل
النار يعد ذنبا عظيماً في شريعة الإسلام ولو كان الملعون عامياً جلفاً
فكيف يكون لعن إمام من أئمة الدين.
فأين عقلك يا مدبر العصر وأنت لا تدري ما الذي يخرج من رأسك.
وكيف يصدر هذا اللعن من مثل حماد ومثل شعبة وهما هما في
الدین.
ومعلوم أن أول ما يجب أن يستفيده حامل الحديث النبوي من
الحديث الشريف هو كريم الطبع، ولين الجانب، والتلطف بالمسلمين،
والابتعاد عن هجر القول، فضلاً عن الشتم، واللعن، والحرص على عدم
- ٣٣٨ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
الخوض فيما لا يعنيه، واحترام الأكابر، وإجلال العلماء، والترضي على
سلف الأمة، والترحم على أئمة المسلمين، وذكرهم بخير كأنه عاش مع
النبي صلی الله عليه وسلم وعاشره، وتربى بسيرته في إرشاد الأمة.
أما من أوغل في الباطل بفظاظة وغلظة وبذاءة فهو من أجهل خلق
الله بسنة نبي الرحمة والهدى صلى الله عليه وسلم وسيرته وأبعدهم من
صدق الانتماء إليه صلی الله عليه وسلم.
عبد الله بن المبارك
قال الخطيب في ((التاريخ)) ٥١٦/١٥:
أخبرنا طلحة بن علي بن الصقر الكتاني، قال: أخبرنا محمد بن
عبد الله الشافعي، قال: حدثني أبو شيخ الأصبهاني، قال: حدثنا
الأثرم، وأخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن
عبد الله بن خلف الدقاق، قال: حدثنا عمر بن محمد الجوهري،
قال: حدثنا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله، يقول: قال
ابن المبارك: ذكرت أبا حنيفة يوما عند الأوزاعي فأعرض عني، فعاتبته،
فقال: تجيء إلى رجل يرى السيف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم
فتذكره عندنا؟.
أخبرنا ابن دوما النعالي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم،
قال: حدثنا أحمد بن علي الأبار، قال: حدثنا الحسن بن علي
- ٣٣٩ -

مقدمة الموسوعة الحديثية
المجلد الثاني
الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن
أبي رزمة، عن ابن المبارك، قال: كنت عند الأوزاعي، فذكرت أبا حنيفة،
فلما كان عند الوداع، قلت: أوصني، قال: قد أردت ذلك، ولو لم
تسألني، سمعتك تطري رجلا يرى السيف في الأمة، قال: فقلت: ألا
أخبرتني؟.
قلت: الخبر الأول فيه عمر بن محمد بن عيسى الجوهري، قال
الخطيب في ((التاريخ)) ٢٢٥/١١: في بعض حديثه نكرة ثم ذكر تفرده
بالحديث المنكر الموضوع، وقال الذهبي في ((الميزان)) ٦١٧٩: هذا موضوع.
ومع هذا يخالف ما روى ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٨٥.
قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن
حماد، قال: حدثني أحمد بن القاسم البرتي، قال: حدثني ابن أبي رزمة،
قال: سمعت أبا وهب، قال: سمعت أبا يحيى، قال: قلت للنضر بن
محمد: أبو حنيفة كان يرى السيف؟ قال: معاذ الله.
وفي ((عمدة القاري)) ٢٢١/١٤ ذكر عياض: أجمع العلماء على
وجوب طاعة الإمام في غير معصية وتحريمها في المعصية ... انتهى.
والأوزاعي كان من حساد أبي حنيفة في بداية أمره كما ذكره الحارثي
في «کشف الآثار)» ٢٧٩٦.
حدثنا داود بن أبي العوام، قال: حدثنا وهب، قال: سمعت أبا وهب
- ٣٤٠ -