النص المفهرس
صفحات 101-120
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني المائة ليس معناه أنه عاش إلى رأس مائة سنة فيصح إدراك الإمام له رضي الله عنه بل معناه أنه استكمل المائة من عمره، فقد قال الحافظ في التقريب عكراش بن ذويب السعدي صحابي قليل الحديث عاش مائة سنة ... ثم قال السندي رحمه الله: وأما الأمر الثاني أعني رؤيته لبعض الصحابة، فقد قال الحافظ الناقد الذهبي: إن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك رضي الله عنه، وصرح الحافظ ابن حجر بمثله في ((تهذيب التهذيب))، وذكر محمد بن سعد في طبقاته، حدثنا الموفق سيف بن جابر قاضي واسط، قال: سمعت أبا حنيفة يقول: قدم أنس بن مالك الكوفة، ونزل النخع وكان يخضب بالحمرة وقد رأيته مرارا. وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر: في فتاواه إنه قد أورد ابن سعد بسند لا بأس به: أن أبا حنيفة رأى أنسا رضي الله تعالى عنه، قال: وهو المعتمد عليه في رؤيته لبعض الصحابة، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجي بمكة، والليث بن سعد بمصر، وقال السيوطي: وقفت على فتوى رفعت إلى الشيخ الولي العراقي ... وقد سبق. قلت: ولا شك أن القول الصحيح الذي عليه أكثر العلماء هو الاكتفاء بمجرد الرؤية في التابعي كما يكتفى به في الصحابي. ثم اعلم أن باب المناقب يثبت بالحديث الضعيف أيضاً كفضائل - ١٠١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الأعمال كما صرح به ابن حجر الهيتمي المكي في فتاواه وعبارته: الحديث الضعيف يكون حجة في فضائل الأعمال اتفاقا، وكذا في المناقب، انتهى ولهذا أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((الإصابة في الصحابة)) كل من ثبتت صحبته برواية ضعيفة، وقال في خطبته: إني أوردت في القسم الأول من وردت صحبته بطريق الرواية سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، انتهى. فإذا كان شرف الصحبة يثبت بالحديث الضعيف فكيف بالتابعية مع أن الطريق المروي في رؤية أبي حنيفة لأنس ليست ضعيفة، بل سنده لا بأس به كما تقدم التصريح بذلك عن الحافظ ابن حجر، ولفظ لا بأس به من ألفاظ التعديل والتزكية للراوي كلفظ مأمون وصدوق وأمثالهما كما صرح به في ((التحرير)) وشروح النخبة وغيرها من كتب أصول الفقه وعلوم الحديث، فيكون ذلك السند أحسن حجة على رؤية أبي حنيفة لأنس رضي الله عنه وعلى کونه تابعیا. وقال الملا علي القاري في شرح ((مسند أبي حنيفة)): قد ثبت أن الإمام أبا حنيفة كان يوم وفاة أنس رضي الله تعالى عنه ابن ثلاث عشرة سنة أو إحدى عشرة، وقد تردد الإمام مرارا إلى البصرة، وكذلك أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني رضي الله تعالى عنه مات بمكة سنة مائة، أو مائة واثنتين، وهو آخر من مات من الصحابة في جميع الأرض باتفاق المحدثين، وأول حج حجه الإمام أبو حنيفة مع والده سنة ست وتسعين، ومن - ١٠٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني كمال البعد العادي أن مثلهما يكون في بلد دخله الإمام وهو لا يراه، مع أن الناس في ذلك الزمن لقلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يقصدون زیارتهم من أماكن بعيدة ومسافات مدیدة، انتھی. قلت: وأظهر منه رؤيته لعبد الله بن أبي أوفى وعمرو بن حريث رضي الله تعالى عنهما، لأن الأول كان في الكوفة مدة سبع أو ست سنين من عمر أبي حنيفة، والثاني كان فيها مدة خمس سنين من عمره أو أزيد، وليبعد كل البعد أن يكون الصحابي هذه المدة في بلدته وهو لا يراه، وأما رؤيته لغير هؤلاء فسيأتي في الأمر الثالث، انتهى كلام السندي رحمه الله. والثالث: ثبتت روايته عن بعض الصحابة قال العلي القاري في ((مناقب الإمام أبي حنيفة)): وقد ثبت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم، والمعتمد ثبوتها كما بينته في ((مسند الأنام)) حال إسناده إلى بعض الأصحاب الكرام، فهو من التابعين الأعلام. وقال الخوارزمي في ((جامع المسانيد)) ١ / ٢٢: اتفق العلماء على أنه روى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم اختلفوا في عددهم، وقال: إمام الظاهرية داود الظاهري في رسالته التي كتب في مناقب الإمام رضي الله تعالى عنه: وأدرك بالسن عشرين من الصحابة وروى عن ثمانية منهم. - ١٠٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال الشيخ المحدث الفقيه قيام الدين عبد الباري الأنصاري في ((التعليق المختار)) ص١١٨: القول الثالث: أن الإمام لقي الصحابة وروى عنهم، وقد بلغت رواياته خمسين، منها غير واحد عن أنس بن مالك خاصة، واتفق علماؤنا على هذا القول الثالث منهم العلامة شيخ الإسلام محمود العيني والملا علي القاري والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي والمتأخرون من علمائنا قد أثبتوا روايته عن الصحابة بأبين وجوه في تصانيفهم، فمن شاء فليطالعها، وقال الكردري: أصحابه أثبتوه بالأسانيد وقد جمعوا مسنداته فبلغ خمسين حديثا يرويه الإمام عن الصحابة الكرام ... فهذا القول مقبول بوجوه: الأول: اتفاق العلماء كما علم من عبارة الخوارزمي، والثاني: ألف الإمام أبو معشر عبد الكريم الشافعي جزءا في مروياته التي روى الإمام عن الصحابة بغير واسطة ولم يقدح، غاية ما يقال: إن بعض رواته ضعيف كما فهم من كلام ابن حجر، ولكن الضعيف مقبول في فضائل الأعمال ومناقب الرجال، ثم يقوى الأمر المشترك وهو لقاؤه الصحابة بكثرة الطرق، والثالث: قد روى كثير من المجتهدين والمحدثين من الأحناف أمثال شيخ الإسلام محمود العيني، وأثبتوا سماع الإمام حتى یروی قریب خمسين من الروايات كما علم سابقا، فلا وجه لعدم قبول أقوال هؤلاء الكبار، بل الوقوف على أقوال الإمام كما يحصل لهؤلاء لا يمكن لغيرهم، لأن أهل البيت أدرى بما فيه، فالإنكار لا يعد إلا مجادلة أو مكابرة، بل قولهم لو لم يقبل يشكل الأمر فإن أحوال - ١٠٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الأئمة لا يثبت إلا بأقوال أصحابهم، فكيف يقبل أقوال هؤلاء في حق أئمتهم، والرابع: هذا القول مثبت، ومخالفه ناف، والمثبت مقدم على النافي كما مر، والخامس: أن راوي الإرسال مقدم على راوي الانقطاع كما مر، ولقبول هذا القول وجوه أخری ترکناها خوفا للإطناب، لأن ما ذكرنا ههنا ففيه الكفاية للمنصف، ولا يفيد التكثير للمتعصب، أما أن الإمام بمن لقي من الصحابة وكم عدتهم فاختلف العلماء في ذلك، ولکن علم بعد التفحص أنه بلغ عدد من يحتمل لقاؤه عشرين من الصحابة، انتھی. وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في ((الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)): إنه أدرك زمان العرب واستقامة اللسان، فعاصر جريرا والفرزدق، ورأى أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وقد توفي أنس سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، والظاهر أن أبا حنيفة ما رآه وهو في المهد، وإنما رآه بعد التمييز، فدل على أن أبا حنيفة كان من المعمرين وتأخرت، وفاته إلى سنة خمسين ومائة، وقد جاوز السبعين(١) في العمر، وهذا يقتضي أنه بلغ الحلم، وأدرك بعد موت رسول الله. وقد عقد الصيمري الحنفي شيخ الخطيب البغدادي في ((أخباره)) (١) في بعض النسخ: (التسعين) والصواب ما أثبتناه. - ١٠٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ص٤: من لقي أبو حنيفة من الصحابة رضي الله عنهم، وما رواه عنهم، ثم روى عن أنس أحاديث، وروى عن عبد الله بن الحارث وقال: قال لنا أبو بكر هلال: وقد أدرك أبو حنيفة من الصحابة أيضا عبد الله بن أبي أوفى وأبا الطفيل عامر بن واثلة وهما صحابيان. وقال السيوطي في (تبييض الصحيفة)) ص٨ - ١٠: قد ألف الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقرئ الشافعي جزءاً فيما رواه الإمام أبو حنيفة عن الصحابة ذكر فيه قال أبو حنيفة: لقيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن جزء الزبيدي، وجابر بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عجرد رضي الله عنهم. وقال الموفق المكي في ((مناقبه)) ١/ ٢٠ ق: الباب الثالث في ذكر من لقي من الصحابة وروايته عنهم، ثم ذكر من طريق الجعابي ... قال: رأيت أنس بن مالك في المسجد قائما يصلي. ثم ذكر الأحاديث السبعة التي رواها أبو حنيفة عن سبعة من الصحابة، ثم ذكر طريق آخر للأحاديث السبعة عن سبعة من الصحابة. وقال الشيخ العلامة محمد هاشم التتوي في ثبته كما سبق. وأما الأمر الثالث: أعني روايته عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمنهم من يثبته، ومنهم من ينفيه، ومحصل ما ذكره المثبتون أنه - ١٠٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني روى عن: عبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، وعمرو بن حريث، وعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وواثلة بن الأسقع بن كعب، وأبي الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي رضي الله عنهم. قالوا: روى عن عبد الله بن أبي أوفى حديثا واحدا وهو أنه قال أبو حنيفة: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة))، أخرجه الحافظ ابن خسرو البلخي بثلاث طرق، والقاضي أبو بكر بن عبد الباقي الأنصاري في مسنديهما لأبي حنيفة، قال الشامي في ((عقود الجمان)): إن عبد الله بن أبي أوفى كان بالكوفة مدة سبع سنين من عمر أبي حنيفة فلعله سمع منه، انتهى. وقال الخوارزمي في ((مسنده)): إن عُمُر أبي حنيفة عند وفاة ابن أبي أوفى كانت سبع سنين وهو بالكوفة، فلا مانع من صحة روايته عنه، ولا وجه لمنعه فإن مذهب المحدثين أن رواية ابن خمس سنین صحیحة، انتھی. قالوا: وروى عن أنس ثلاثة أحاديث: الأول: قال أبو حنيفة: سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم))، الثاني: قال أبو حنيفة: سمعت أنسا رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الدال على الخير كفاعله))، الثالث: قال أبو حنيفة: سمعت أنسا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن - ١٠٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الله تعالى يجب إغاثة اللهفان)»، أخرج الثلاثة ابن خسرو البلخي، والأول والثالث ابن عبد الباقي الأنصاري في مسنديهما لأبي حنيفة من عدة طرق، قال الخوارزمي: وكان عمر أبي حنيفة يوم مات أنس أكثر من عشر سنين بالاتفاق، فأي مانع من صحة روايته عنه؟ وأي حجة لمن أنكر سماعه منه؟ وإنه شهادة على النفي لا دليل عليه انتهى. قلت: وقد تقدم عن ابن سعد دخول أنس الكوفة ورؤية أبي حنيفة له فليتذكر. قالوا: وروى عن عبد الله بن أنيس حديثا واحدا، قال أبو حنيفة: ولدت سنة ثمانين وقدم عبد الله بن أنيس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكوفة سنة أربع وتسعين ورأيته وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((حبك الشيء يعمي ويصم))، أخرجه ابن خسرو، وقد تقدم عن الحافظ السيوطي أنه قال: عبد الله بن أنيس هذا غير الجهني المشهور. قالوا: ((وروى عن عبد الله بن الحارث بن جزء حديثا، قال أبو حنيفة: ولدت سنة ثمانين، وحججت مع أبي سنة ست وتسعين وأنا ابن ست عشرة سنة، فلما دخلت المسجد الحرام رأيت حلقة عظيمة، فقلت لأبي: حلقة من هذه؟ فقال: حلقة عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمت إليه فسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من تفقه في دين الله كفاه - ١٠٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الله تعالى ما أهمه، ورزقه من حيث لا يحتسب)»، أخرجه ابن خسرو والأنصاري والخوارزمي. قالوا: وروى عن واثلة بن الأسقع حديثين، الأول: قال أبو حنيفة: سمعت واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تظهر الشماتة لأخيك فیعافيه الله تعالى ويبتليك))، أخرجه الثلاثة المذكورون، الثاني: قال أبو حنيفة: عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا یریبك». قال الفاضل الشامي في ((عقود الجمان)): إن رواية أبي حنيفة عن عبد الله بن جزء وواثلة بن الأسقع لم تثبت؛ لأن سند هذه الأحاديث لم تصح إلى أبي حنيفة، بل وقع في إسنادها بين ابن خسرو وأمثاله، وبين أبي حنيفة بعض من لا يحتج بقولهم مع أنه قد علم أن ابن جزء سكن بمصر، ومات بها سنة ست وثمانين، فكيف تصح روايته عنه في سنة ست وتسعين، وأن واثلة بن الأسقع سكن دمشق الشام ومات بها، وعمر أبي حنيفة إذ ذاك خمس سنين أو ثلاث ولم يثبت دخوله الكوفة، انتهى. قلت: فمحصل الكلام في هذا المقام أن رؤية أبي حنيفة لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ثابت لا شك فيه، والظاهر أن رؤيته لعبد الله بن أبي أوفى وعمرو بن حريث كذلك كما قدمنا ولا ينكرها إلا متعصب معاند، وأما رؤيته لغيرهم فمحتمل ممكن، وأما روايته الحديث عن - ١٠٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الصحابة فمختلف فيه، والظاهر ثبوتها عمن ثبتت له رؤيته فليتذكر، وقال البدر العيني في شرحه على ((معاني الآثار)) للطحاوي بعد أن ذكر ثبوت رؤية أبي حنيفة لعبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك وروايته الحديث عنهما: وأما قول ابن الأثير وابن خلكان ومن سلك مسلكهما من أن أبا حنيفة لم يلق أحدا من الصحابة ولا أخذ عنه فذلك من باب التعصب المحض، انتهى كلام الإمام السندي. وقد فات الإمام السندي رحمه الله ذكر صحابي روى عنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله وهو عبد الله بن أبي حبيبة الأنصاري الصحابي، قال العلامة السيد محمد أمين الشهير بابن عابدين في ثبته ((عقود اللآلي في أسانيد العوالي)): ذكر المشائخ في إثباتهم حديثا مسلسلا بالأئمة الحنفية غير هذا الحديث، يعني حديث أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية أوصى إلى صاحبه بتقوى الله ... الحديث، بسند آخر رواه الإمام أبو حنيفة عن عبد الله بن أبي حبيبة الأنصاري الصحابي قال: سمعت أبا الدرداء يقول: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أبا الدرداء! من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وجبت له الجنة))، قلت: وإن زنى وإن سرق ... وقد أطال الكلام الكوراني في ((مسالك الأبرار)) في ذلك، ونقله عنه شيخ الشيوخ أحمد آفندي المنيني في ثبته، وحاصله أن إدراكه لجماعة منهم ورؤيته لبعضهم - ١١٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ثابت صحيح، وأما روايته عمن رآهم فصححها بعضهم وضعفها آخرون، فهو من التابعين رضي الله عنه، وقال الشهاب المنيني: هذا الحديث يشهد لمن أثبت رواية أبي حنيفة عن الصحابة، فإن عبد الله بن أبي حبيبة عده الحافظ ابن حجر في الصحابة، قال في ((الإصابة)): واسمه الأدرع بن الأزعر الأنصاري الأوسي، قال ابن أبي داود: شهد الحديبية، وذكر البخاري وابن حبان وغيرهما في الصحابة، وقال البغوي: وكان يسكن قباء، انتهى. وهذا الحديث رواه الإمام محمد وأبو يوسف في آثاريهما، وعبد الله بن أبي حبيبة رجل آخر غير الصحابي المذكور روی عنه مالك، وزعم ابن حجر وتبعه الزرقاني أن الذي روى عنه أبو حنيفة هو هذا دون ذلك، والله تعالى أعلم، انتهى. وقال الإمام محمد هاشم السندي في ثبته، وأما من قال: إنه أدرك من الصحابة جابر بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وعائشة بنت عجرد، فلم يصب، لأن جابرا مات سنة تسع وسبعين، ومعقلا مات في آخر خلافة معاوية وكانت وفاة معاوية سنة ستين، فكيف يتصور إدراك أبي حنيفة لهما. وأما ما رواه أبو حنيفة عن جابر فهو من المراسيل كذا قال الحافظ الخوارزمي في مسانید أبي حنيفة. وأما عائشة بنت عجرد فقد أدركها أبو حنيفة، وروى عنها، لكنها ليست بصحابية بل هي تابعية صرح به ابن الأثير في ((أسد الغابة»، - ١١١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني والذهبي في ((الميزان))، والحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان))، انتهى. قلت أثبت يحيى بن معين سماعها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكره الحافظ في ((اللسان)) وقد روى عنه الإمام أبو حنيفة وسفيان الثوري، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، فليست هي بمجهولة كما ادعاه الشافعي في ((الأم))، وتبعه ابن الأثير والذهبي وابن حجر لإمامهم فيه، وفي ((مجمع البحار)): أما عدد أصحابه صلى الله عليه وسلم فمن رام حصره فقد رام حصر أمر بعيد، ولا يعلمه إلا الله لكثرتهم من أول البعثة إلى موته عليه الصلاة والسلام، فعدم علم بعض أهل العلم بصحابية شخص لا يستلزم عدم صحابيته، لأن عدم علم الشيء لا يستلزم عدمه في نفس الأمر، أقول: قد اختلف في كونها صحابية فاختار الخوارزمي صحابيتها، وابن حجر والذهبي تكلما فيها، والمثبت مقدم على النافي لأن معه زيادة علم فلا يعارض عدم علم البعض علم غيره، انتهى. قلت: وقد قدح أئمة الحديث في هذه الروايات بسبب أحمد بن الصلت الحماني، ويوجد عند ابن عبد البر في ((العلم)) ١ / ٤٥ سند ليس فيه أحمد بن الصلت الحماني، فثبت أنه لم ينفرد بروايته، وأبو العباس أحمد ابن الصلت کم روی عنه الدارقطني في سننه ساكتا علیه، وألف كتابا في ((فضائل أبي حنيفة)) أطنب فيه إلى الغاية قال الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تأنيب الخطيب)) ص٣٢٦: وعن أحمد بن الصلت الحماني هذا يقول ابن أبي خيثمة لابنه عبد الله: اکتب عن هذا الشیخ یا بني فإنه کان یکتب - ١١٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني معنا في المجلس منذ سبعين سنة، وفي إسناده علو، وفي شيوخه كثرة، وقد أخذ عنه أناس لا يحصون كثرة وبينهم أئمة أجلة، لكن ذنب الرجل أنه ألف كتابا في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنون أن يصفو الجو للأبار الذي كانوا حملوه على تدوين مثالب لأبي حنيفة إفكا وزورا، فتحاملوا على الحماني هذا ليسقطوا رواياته، بل تجد الخطيب يطعن في أحمد بن عطية في مواضع من كتابه ثم يسوق روايات في مناقب أبي حنيفة بطريقه فقط، مع أنها مروية بطرق غير طريقه ليلقي في خاطر القارئ أنها روايات كاذبة، وهذا خبث بالغ، ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابا من الرواة يركضون وراءه يرددون صدی الطاعن أيا كانت قيمة طعنه، ولهم موقف في القيامة رهيب لا يغبطون علیه. - ١١٣ - الفصل السادس عشر في توثيق الإمام أبي حنيفة رحمه الله اعلم أنه قد أجمع السلف والخلف من الأئمة والعلماء الأعلام على توثيق الإمام أبي حنيفة، والثناء عليه من الورع، والزهد، والتقوى، والعبادة، ووفور العقل، وحفظ الأحاديث وتفسيرها، ودقة مداركه واستنباطاته، وبالتالي بعض نصوص أئمة الجرح والتعديل في توثيقه والثناء عليه: ١- يحيى بن معين أسند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٢١٢: عن محمد بن نوح أبي الحسن الجنديسابوري، قال: حدثني جعفر بن محمد الطنافسي، قال: قلت لیحیی بن معین: یا أبا زکریا، کان أبو حنيفة یکذب؟ قال: كان أبو حنيفة أنبل من أن يكذب. وأسند الحافظ بن خسرو في مقدمة («مسنده)) ١١: عن الشيخ أبي منصور الشيخي، قال: أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أحمد، قال: سمعت يحيى بن معين يقول وهو يُسأل عن أبي حنيفة: أثقة هو في الحديث؟ فقال: نعم ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وهو أجل قدراً من ذلك، وسئل عن أبي يوسف فقال: هو صدوق ثقة. - ١١٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وأسند أبو نعيم في مقدمة ((مسنده)) ٢٣: عن الحسن بن منصور إجازة، وحدثني عنه محمد بن إسحاق، ثنا أحمد بن محمد بن علي، قال: سمعت يحيى بن معين، وذكر أبو حنيفة عنده فقال: هو أنبل من أن یکذب. وأسند الحارثي في ((كشف الآثار)) ١٢٦٢: عن رجاء بن سعيد النسفي، قال: حدثنا يحيى بن أحمد بن داود اللؤلؤي، قال: سمعت یحیی بن معین، يقول: أبو حنيفة صدوق في الحديث، وأبو يوسف صدوق في الحدیث، ثم سكت فلم يجاوز عن هذین. وأسند الصيمري في ((أخبار أبي حنيفة)) ص ٨٠: عن عبد الله بن محمد، قال: ثنا القاضي أبو بكر مكرم بن أحمد، قال: ثنا الحسين بن علي ابن حبان، عن أبيه، قال: قيل لأبي زكريا يحيى بن معين: أيما أحب إليك الشافعي أم أبو حنيفة أم أبو يوسف؟ قال: أما الشافعي فلا أحب حديثه، وأما أبو حنيفة فقد حدث عنه قوم صالحون، وأما أبو يوسف فلم يكن من أهل الكذب كان صدوقا، فقيل له: فأبو حنيفة كان يصدق في الحدیث، قال: نعم صدوق. وأسند الصيمري في ((أخبار أبي حنيفة)) ص٢٩: عن عمر، قال: ثنا مكرم، قال: ثنا أحمد بن عطية الكوفي، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: كان أبو حنيفة أعقل من أن يكذب، ما سمعت أحدا يصفه ويذكره بمثل ما كان ابن المبارك يصفه ويذكره به من الخير. - ١١٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وأسند الصيمري في ((أخبار أبي حنيفة)) ص ٨٠: عن عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: ثنا مكرم، قال: ثنا محمد بن علي بن العباس البزاز، قال: حدثني قاسم المعشري، والحسين بن فهم، وغيرهما قالوا: سمعنا يحيى بن معين يقول: الفقهاء أربعة أبو حنيفة وسفيان ومالك والأوزاعي. وأسند الخطیب في (التاریخ)) ٤١٩/١٣: عن ابن رزق، قال: حدثنا أحمد بن علي بن عمر بن حبيش الرازي، قال: سمعت محمد بن أحمد بن عصام، يقول: سمعت محمد بن سعد العوفي، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا ما يحفظ، ولا يحدث بما لا يحفظ. وأسند الخطيب في ((التاريخ)» ٤١٩/١٣: عن التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن حمدان بن الصباح، قال: حدثنا أحمد بن الصلت الحماني، قال: سمعت يحيى بن معين وهو يسأل عن أبي حنيفة: أثقة هو في الحديث؟ قال: نعم، ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وهو أجل قدرا من ذلك. وأسند الخطيب في ((التاريخ)) ٤١٩/١٣: عن الصيمري، قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم المقرئ، قال: حدثنا مكرم بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن عطية، قال: سئل يحيى بن معين: هل حدث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقا في الحديث والفقه، مأمونا على دين الله. وأسند الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص: ١٩٧ عن أحمد بن - ١١٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الحسن الحافظ، قال: نا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن أبي حنيفة فقال: ثقة ما سمعت أحدا ضعفه، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث ويأمره وشعبة شعبة. وقال المزي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من ((تهذيب الكمال)) ٧٠٣٤: قال محمد بن سعد العوفي: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يُحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة في الحديث. وقال أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن يحيى بن معين: كان أبو حنيفة لا بأس به. وقال مرة: كان أبو حنيفة عندنا من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً. وقال الذهبي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من ((تاريخ الإسلام)) ٩٩١/٦: قال صالح بن جزرة وغيره: سمعنا ابن معين يقول: أبو حنيفة ثقة. وروى أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز عن ابن معين قال: لا بأس به، لم يُتهم بالكذب، لقد ضربه يزيد بن عمر بن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضياً. وأسند الصيمري في ((أخبار أبي حنيفة)) ص ٨٠: عن عمر بن إبراهيم، قال: ثنا مكرم، قال: ثنا أحمد بن عطية، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركت الناس. - ١١٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وبهذا الإسناد قال: سئل يحيى هل حدث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم كان أبو حنيفة ثقة صدوقا في الحديث والفقه، مأمونا على دين الله. ٢- يحيى بن سعيد القطان في ((تاريخ)) ابن معين ٦٠٧/٣: يقول ابن معين: قال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ربما رأينا الشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسناه فقلنا به. وأسند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) (١٦٨): عن محمد ابن جعفر بن أعين، قال: سمعت يعقوب بن شيبة، يقول: سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: إذا استحسنت - والله - الشيء من قول أبي حنيفة أخذت به. وأسند ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ١٦٩: عن أبي بشر، قال: سمعت العباس بن محمد بن حاتم، يقول: قال: وحدثنا أبو معمر، قال: ثنا عباس بن محمد، قال: سمعت یحیی بن معین یقول: سمعت یحیی بن سعيد القطان يقول: لا نكذب - والله - ربما استحسنا الشيء من قول أبي حنيفة فنذهب إليه، وقال مرة أخرى: ربما سمعنا بالشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسناه فأخذنا به. - ١١٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وروى الحارثي في ((الكشف)) ١٧٥٠: عن محمد بن المنذر الأعمش البلخي، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ربما استحسنا أقاويل أبي حنيفة فأفتينا به. وأسند الخطيب في ((التاريخ)) ٣٤٦/١٣: عن علي بن القاسم الشاهد، قال: حدثنا علي بن إسحاق المادرائي، قال: سمعت أبا جعفر بن أشرس، يقول: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى القطان، يقول: لا نكذب الله، ربما آخذ بالشيء من رأي أبي حنيفة. وأسند الخطيب في ((التاريخ)) ٣٤٦/١٣: عن العتيقي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عمر بن نصر بن محمد الدمشقي بها، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أحمد بن علي بن سعيد القاضي، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان، يقول: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى إلى قول الکوفیین، ویختار قوله من أقوالهم، ویتبع رأیه من بین أصحابه. وأسند الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ٢٠٢: عن محمد بن علي السامري المقري، قال: نا أحمد بن منصور الرمادي، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: لا نكذب الله عز وجل كم من شيء حسن قاله أبو حنيفة، وربما استحسنا الشيء من رأيه فأخذنا به، - ١١٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قال يحيى بن معين: وكان يحيى بن سعيد يذهب في الفتوى مذهب الکوفیین. وأسند الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص: ٢٠٢: عن عبد الوارث، قال: نا قاسم، قال: نا أبو بكر أحمد بن زهير بن أبي خيثمة، قال: نا يحيى بن معين، قال: سمعت رجلا سأل يحيى بن سعيد القطان عن أبي حنيفة فما تزين عند من كان عنده أن يذكره بغير ما هو عليه وقال: والله إنا إذا استحسنا من قوله الشيء أخذناه. وأسند الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص: ٢٠٢: عن حكم بن منذر بن سعيد رحمه الله، قال: يوسف بن أحمد بن يوسف، قال: ونا أحمد ابن الحسين البركاني، قال: نا أبو بكر بن أبي خيثمة، قال: سمعت يحيى ابن معين قال: سمعت رجلا سأل يحيى بن سعيد القطان عن أبي حنيفة قال: ما نتزين عند الله بغير ما يعلمه الله عز وجل فإنا والله إذا استحسنا من قوله الشيء أخذنا به. وأسند الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص: ٢٠٢: عن أحمد بن محمد بن أحمد، قال: نا أحمد بن الفضل بن العباس، قال: نا محمد بن جرير الطبري، قال: نا عباس، قال: سمعت يحيى بن معين، يقول: سمعت يحيى ابن سعيد القطان، يقول: لا نكذب الله ربما ذهبنا إلى الشيء من قول أبي حنيفة فقلنا به. - ١٢٠ -