النص المفهرس
صفحات 81-100
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ١٨٦/٢: اعلم أن تصانيف الإمام في علم الكلام والفقه والحديث والصرف عديدة، فمما ذكروه: كتاب الصلاة، کتاب المناسك، کتاب الرهن، كتاب الشروط، كتاب الفرائض، كتاب العالم والمتعلم، كتاب الآثار، كتاب المقصود، كتاب الرسالة، كتاب في أن الله تعالى في السماء دون الأرض، كتاب الإرجاء، كتاب الرد على القدرية، كتاب الفقه الأكبر، كتاب الوصية، كتاب الرد على الأوزاعي، فأما كتاب الصلاة فروى الأستاذ أبو محمد الحارثي في ((كشف الآثار الشريفة في مناقب أبي حنيفة))، من طريق الحسن بن صالح، قال: سمعت أبا مقاتل حفص بن مسلم، يقول: أول ما وضع أبو حنيفة رحمه الله تعالى كتاب الصلاة فسمی کتاب العروس، وهذه الحكاية أسندها الموفق في كتاب ((المناقب)) له، انتهى. قلت: ولم نجد نسخته في الفهارس العامة للمخطوطات ولعل هذا الكتاب مندمج ضمن كتاب الأصل للإمام محمد بن الحسن الشيباني فإن المجلد الأول من هذا الكتاب يبدأ من عنوان (كتاب الصلاة)، ثم راوي الكتاب عن محمد بن الحسن الشيباني هو أبو سليمان الجوزجاني يفتتح كتابه بلفظ: عن محمد بن الحسن قال: بينت لكن قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعا. ثم قال رحمه الله: وأما كتاب المناسك، فذكره الخوارزمي في ((جامع المسانيد)) من طريق علي بن مسهر ضمن قصة سفر الأعمش للحج، وفيه: ارجع إلى مصر واسأل أبا حنيفة أن يكتب لي المناسك، فرجعت - ٨١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وسألته فأملى علي ثم أتيت بها إلى الأعمش انتهى. قلت: ذكر هذه القصة الحارثي في (كشف الآثار الشريفة)) ومن طريقه الموفق المكي في ((مناقبه))، وقد ذكر هذا الكتاب الصيمري في ((مناقبه)) ص٧٠، والصالحي في (عقود الجمان)) ص ١٨١، ولعل هذا الكتاب مندمج أيضا في ((كتاب الأصل)) للإمام محمد بن الحسن الشيباني. ثم قال: وأما كتاب الرهن، فذكره من طريق يزيد بن هارون عن ((الخيرات الحسان)) لابن حجر الهيتمي: أنه لما سئل عن النظر في كتبه قال: انظروا فيها، فإني ما رأيت أحدا من الفقهاء يكره النظر في قوله، ولقد احتال الثوري في کتاب الرهن له حتی نسخه، انتهى. قلت: ذكر هذه القصة أيضا الصيمري في ((أخباره)) ص ٦٥، والموفق المكي في ((مناقبه))، وانظر كتاب الرهن من المجلد الثالث من مطبوع ((كتاب الأصل))، للإمام محمد بن الحسن الشيباني. ثم قال: وأما كتاب الشروط فقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجاني أستاذ القدوري: أن ما رسمه أبو حنيفة في الشروط لم يسبقه إليه أحد حكاه الجلبي في كتاب ((إثبات النبوة)) للإمام الشافعي، انتهى. قلت: ذكره الصيمري في ((أخباره)) ص ٨٢، والموفق المكي في ((مناقبه)) ٨٦/٢، ثم قال: وأما كتاب الفرائض فقال الموفق الخوارزمي في ((المناقب)): أن الإمام رحمه الله أول من وضع كتابا في الفرائض، وهو أول - ٨٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني من وضع كتابا في الشروط، وقال: سزكين في ((تاريخ التراث)) ٥٠/٣: رسالة في الفرائض وتوجد نسخته الخطية في مكتبة بتنة الهند ٣٦٢/٢ رقم ٢٥٤٥/ ٣. وأما كتاب العالم والمتعلم فذكره الجلبي في ((كشف الظنون))، والموفق المكي في ((مناقبه))، من طريق أبي مقاتل عن أبي حنيفة، انتهى. وقد ذكره ابن النديم في ((الفهرست)»، وبروكلمان وسزكين في فهارسهما، وذكرا لهذا الكتاب نسخا خطية في مكتبات العالم، وقد طبع هذا الكتاب في الهند سنة ١٣٤٩ هـ في المطبعة الجشتية في بلدة حيدرآباد الدكن، ثم طبع في القاهرة سنة ١٣٦٨ هـ في مطبعة الأنوار بعناية العلامة محمد زاهد الكوثري، ثم طبع في مكتبة الهدى بحلب سنة ١٣٩٢ هـ بعناية محمد رواس قلعه جي وعبد الوهاب الندوي. قلت: وقد دافع عن أبي مقاتل ما رمى به العلامة عبد الرشيد النعماني في تعليقه على مقدمة ((كتاب التعليم)) ص ١٧٤ - ١٧٥، والإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله فيما كتب على العالم والتعليم. ثم قال رحمه الله: وأما كتاب الآثار فهو غير كتاب ((الآثار)) للإمام محمد، وقد اشتهرت روايته في القدماء من أهل العراق من المحدثين، قال الحافظ الأمير ابن ماكولا في باب الحصيني والجصيني من كتاب ((الإكمال)): أحمد بن بكر بن سيف أبو بكر الجصيني ثقة يميل ميل أهل النظر، روى عن أبي وهب عن زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة كتاب الآثار وحدث عن عبدان بن عثمان، انتھی. - ٨٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قلت: هذا يعارض ما سبق مني في تقدمتي على المسند لابن خسرو أن الحافظ ابن حجر العسقلاني ذكر في تقدمته على ((تعجيل المنفعة)) ص١٩ :... والموجود من حديث أبي حنيفة مفردا إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه، انتهى. وكتاب الآثار من تصنيف الإمام أبي حنيفة كما ذكره الحافظ، والرواة عنه من تلاميذه: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد، وحفص بن غياث، ومحمد بن خالد بن محمد الوهبي، وغيرهم كثير، والتقييد في كتاب الحافظ للآثار بالإمام محمد لشهرته ووجوده وكثرة نسخه، وقد ذكرت هذا البحث في تقدمتي على ((المسند)) لابن خسرو فراجعه إن شئت، وما ذكره الشيخ رحمه الله في معجم المصنفین فمن مسامحاته. ثم قال رحمه الله: وأما كتاب المقصود فهو في التصريف قال في ((كشف الظنون)) وقيل لغيره، وجزم البركلي في شرحه أنه للإمام الأعظم. وقال: سزكين في ((تاريخ التراث)) ٥٠/٣: كتاب المقصود في الصرف، وهذا الكتاب نسب إلى أبي حنيفة في زمن متأخر، وتوجد منه مخطوطات كثيرة في مكتبات إستنبول. ثم قال رحمه الله: وأما كتاب الرسالة فهذا الكتاب ذكره ابن النديم البغدادي في كتاب ((فهرست العلماء))، وذكره الجلبي في حرف الراء من كتابه ((كشف الظنون)) وهو رسالة إلى عثمان بن مسلم أبي عمرو البتي - ٨٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني قاضي البصرة، وذكر سزكين في ((تاريخ التراث)) نسخه الخطية في مكتبات العالم، ثم قال: ونشره محمد زاهد الكوثري ١٣٦٨ هـ بالقاهرة. وأما كتاب ((الإمام في أن الله تعالى في السماء دون الأرض)»، فذكره البيهقي في ((الأسماء والصفات)). وأما كتاب ((الإرجاء)) فهذا الكتاب ذكره ابن النديم محمد بن إسحاق البغدادي في فهرست العلماء، وقال: نقض عليه البردعي، ولعله الرسالة السابقة إلى عثمان البتي بسبب اتهامه بأنه من المرجئة. ثم قال: رحمه الله وأما كتاب ((الرد على القدرية)) فذكره ابن النديم أيضا في الفهرست. وأما كتاب ((الفقه الأكبر)) فقد صنف أبو حنيفة في ذلك، انتهى مختصرا. وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في تقدمته على هذه الكتب: و((كتاب الفقه الأكبر)) رواية علي بن محمد الفارسي، عن نصير بن يحيى، عن أبي مقاتل، عن عصام بن يوسف، عن حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، وتمام السند في النسخة المحفوظة ضمن المجموعة رقم (٢٢٦) بمكتبة شيخ الإسلام بالمدينة المنورة، وقد طبع الكتاب مرات و((كتاب الفقه الأبسط)) رواية أبي زكريا يحيى بن مطرف بطريق نصير بن يحيى عن أبي مطيع عن أبي حنيفة وتمام السند في المجموعتين (٦٤م، ٢١٥ م) بدار الكتب المصرية. - ٨٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقد ذكر سزكين في ((تاريخ التراث)) نسخهما الخطية في مكتبات العالم، وقد نشرهما الإمام محمد زاهد الكوثري بالقاهرة. ثم قال رحمه الله: وأما كتاب ((الوصية)) فنسخته ما ذكره الشيخ ابن نجيم المصري في كتاب ((الأشباه والنظائر)) بتمامه، انتهى. قلت: وقد ذكر سزكين في تاريخ التراث النسخ الخطية لبعض الوصايا، وهي وصية الإمام أبي حنيفة لابنه حماد، ثم وصيته إلى تلميذه يوسف بن خالد السمتي البصري، ثم وصيته إلى تلميذه القاضي أبي يوسف، وغالب الوصايا رواها الحارثي في ((كشف الآثار))، والموفق المكي في «مناقبه)). ثم قال رحمه الله: وأما كتاب ((الرد على الأوزاعي)) فهو الذي يعرف بكتاب ((اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة))، وهو كتاب في السير أصله للإمام فرد عليه الأوزاعي، فرد الإمام أبو يوسف على الإمام الأوزاعي، ثم رد الشافعي على أبي يوسف. وأما كتاب الفقه الأبسط فظفرت به في الخزانة المحمدية بساحل بمبئي، وهو مروي من طريق أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، وقد سبق أن سزكين ذكر نسخه الخطية الكثيرة في مكتبات العالم. وقد ذكر سزكين في ((تاريخ التراث)) في تصنيفات الإمام أبي حنيفة القصيدة الكافية النعمانية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر - ٨٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني نسخه الخطية والرسالة منشورة في الهند والترکیا. ثم ذكر دعاء أبي حنيفة في ورقتين ونسخته الخطية في بتنه الهند رقم ٢٧٩١/ ٥ في القرن الثاني عشر الهجري. تنبيه: قال الكردري البزازي في ((كتاب المناقب)): قال الإمام الحارثي في ((كشف الآثار)»: وروايات ابن المبارك بفضائل الإمام ومسائله أكثر من أن توصف، لأنه سمع منه كتبه بواسطة وبلا واسطة، فإن قلت: ليس لأبي حنيفة كتاب مصنف؟ قلت: هذا كلام المعتزلة، ودعواهم أنه ليس له في علم الكلام تصنيف، وغرضهم بذلك نفي أن يكون الفقه الأكبر وكتاب العالم والمتعلم له، لأنه صرح فيه بأكثر قواعد أهل السنة والجماعة، ودعواهم أنه كان من المعتزلة، وأن ذلك الكتاب لأبي حنيفة البخاري غلط صريح، فإني رأيت بخط العلامة مولانا شمس الدين الكردري البراتقيني العمادي هذين، وكتب فيهما أنهما لأبي حنيفة، وقد تواطأ على ذلك جماعة كثيرة من المشايخ، انتهى. وقد أشبع الكلام في الرد على من ينكر أن ليس للإمام أبي حنيفة كتاب العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الرشيد النعماني رحمه الله في تعليقاته ١٩١ - ١٩٦ على مقدمة ((كتاب التعليم)) للشيخ مسعود بن شيبة السندي. - ٨٧ - الفصل الخامس عشر في تابعية الإمام أبي حنيفة رحمه الله اعلم أن هذا البحث اختلف فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أن الإمام أبا حنيفة لم ير أحداً من الصحابة ولا عاصره، والثاني: أنه رأى لكن لم تثبت روايته عن الصحابة، الثالث: ثبتت روايته عن بعض الصحابة. أما الأول: فادعى السيد صديق حسن القنوجي في ((أيجد العلوم)) أنه لم ير أحدا من الصحابة باتفاق أهل الحديث، وإن عاصر بعضهم على رأي الحنفية، انتھی. قلت: هذا خطأ ظاهر وتعصب، وعناد مكشوف ضد الإمام أبي حنيفة رحمه الله وقد كتب سابقا في كتابه ((الحطة)) خلاف ذلك، وهو لا يشعر، وقد ذكر فيه عبارة السيوطي من ((تبييض الصحيفة)) المشتملة لعبارة الولي العراقي وابن حجر العسقلاني المفيد لتابعيته فلعله نسي ما كتب أولا، وهذا مثال للمعارضة الواقعة في تصانيفه، بل تجد أكثر من هذا في تأليف واحد أو في صفحتين أو في صفحة واحدة، ومن عاداته أنه ينقل في تصانيفه كل ما يجد في المنقول عنه وإن كان غلطا صريحا، أو مستحيلا عقليا، أو عاديا إذا يوافق هواه، وقد رد عليه الإمام عبد الحي اللكنوي في ((إبراز الغي)) ٩ - ١٠، و(تذكرة الراشد)) ٢٦٥ فراجعه إن شئت. - ٨٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وقال المحدث الفقيه قيام الدين عبد الباري الأنصاري اللكنوي في ((التعليق المختار)) ص١١٤: الأول: ما لقي أحدا منهم ولا سمع عنه، هذا لم يقبله المحققون، لأنه لا تساعده البراهين العقلية، ولا توافقه الدلائل النقلية، فالعقل لا يقبل أن الإمام كان في زمنه نفر من كبار الصحابة وهو لا يلاقيه، ولا يستفيض من صحبة الصحابة، وقد مر مرارا في بلاد فيها الصحابة ومع ذلك لم يذهب إليهم، وكان الإمام في الكوفة وعمرو بن حريث القرشي الصحابي كان أميرا عليها، وقد أقبل أنس بن مالك غير مرة، وقد حج الإمام خمس عشرة حجة في زمن أبي الطفيل الصحابي وهو بمكة، لأنه جملة ما حج خمسين حجة وعمر سبعين، فإنه ولد سنة ثمانين وتوفي سنة مائة وخمسين، فلو فرضنا أنه حج ابتداء وقت بلوغه خمس عشرة سنة فيكون في حياة أبي الطفيل رضي الله عنه خمس عشرة حجة، فإنه توفي سنة عشر ومائة، فالعجب كيف لم يغتنم صحبة الصحابة العظمى ولم يسمع بلا واسطة أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأعجب منه أنه كان حينئذ ابن ثلاثين وهو سن الوقوف وتفصيل ذلك في شرح سفر السعادة وتنسيق النظام ومقدمة شرح الوقاية وأسماء رجال المشكاة وغيرها من كتب المذاهب الأربعة فإن شئت فارجع إليها. أما النقل فهو متوافر متواتر على إثبات الرؤية، والنقلة ليس كلهم حنفيين حتى يظن فيهم التعصب، وليسوا غير محققين، بل لو نقل منهم واحد لكفى نقله في إثبات الرؤية مثل الخطيب البغدادي، والدار قطني، - ٨٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وابن سعد، والذهبي، وابن حجر المكي، وابن حجر العسقلاني، وولي العراقي، وجلال الدين السيوطي، وأبو معشر حمزة السهمي، واليافعي، والجزري، والتوربشتي، وابن الجوزي، وصاحب ((كشف الكشاف)) وغيرهم، أما الأحناف فهم متفقون على رؤية الصحابة، بل يرون الأحاديث عنه عن الصحابة بلا توسط راو آخر، ورواه عن الإمام مجتهدون محدثون لا يمكن أن يتكلم فيهم، فالحاصل ما قلت: أن الرؤية ثابتة ومتحققة، والروایة علی قول الجمهور، انتهى. والثاني: أنه ثبتت روايته ولقيه بعض الصحابة قال السيوطي في ((تبييض الصحيفة)) ص ١٠: ووقفت على فتيا رفعت إلى الشيخ ولي الدين العراقي صورتها: هل روى أبو حنيفة عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل يعد هو من التابعين أم لا؟ فأجاب بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم يصح له رواية عن أحد من الصحابة، وقد رأى أنس بن مالك فمن يكتفي في التابعي بمجرد رؤية الصحابي يجعله تابعيا، ومن لم يكتف بذلك لا يعده تابعيا. ورفع هذا السؤال إلى الحافظ ابن حجر رحمه الله، فأجاب بما نصه: أدرك الإمام أبو حنيفة جماعة من الصحابة لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة وبها يومئذ من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى فإنه مات بعد ذلك بالاتفاق، وبالبصرة يومئذ أنس بن مالك ومات سنة تسعين أو بعدها، وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به أن أبا حنيفة رأى أنسا، وکان - ٩٠ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني غير هذين في الصحابة بعدة من البلاد أحياء، وقد جمع بعضهم جزءاً فيما ورد من رواية أبي حنيفة عن الصحابة، لكن لا يخلو إسنادها من ضعف، والمعتمد على إدراكه ما تقدم، وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد في ((الطبقات))، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالمدينة، ومسلم بن خالد الزنجي بمكة، والليث بن سعد بمصر والله أعلم، انتھی. وقال الإمام محمد زاهد الكوثري في ((تانيب الخطيب)) ص٣٣: وممن أقر برؤيته أنسا ابن سعد، والدارقطني، وأبو نعيم الأصبهاني، وابن عبد البر، والخطيب، وابن الجوزي، والسمعاني، وعبد الغني المقدسي، وسبط ابن الجوزي، وفضل الله التوربشتي، والنووي، واليافعي، والذهبي، والزين العراقي، والولي العراقي، وابن الوزير، والبدر العيني، وابن حجر في فتيا له نقلها السيوطي في ((تبييض الصحيفة))، والشهاب القسطلاني، والسيوطي، وابن حجر المكي، وغيرهم، فتكون محاولة إنكار كونه تابعيا مكابرة، أو جھلا بنصوص هؤلاء، انتھی. وقد جعل الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) التابعين خمس عشرة طبقة، وقال: آخرهم من لقي أنس بن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من - ٩١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني أهل المدينة، ومن لقي عبد الله بن جزء من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهلي من أهل الشام، انتهى. وقال الإمام عبد الحي اللكنوي في (تذكرة الراشد)) ص٢٦٦ - ٢٦٧: انظر إلى قول القاري المكي في ((طبقات الحنفية)»: قد ثبت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم، والمعتمد ثبوتها کما بينته في «مسند الأنام شرح مسند الإمام)) حال إسناده إلى بعض الصحابة الكرام، فهو من التابعين الأعلام كما صرح به العلماء والأعيان داخل تحت قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ﴾، وفي عموم قوله عليه السلام: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)) رواه الشيخان، ثم اعلم أن جمهور علماء الحديث على أن الرجل بمجرد اللقاء والرؤية يصير تابعيا ولا يشترط أن يصحبه مدة، انتهى. وإلى قوله في ((شرح نخبة الفكر)) عند البحث في تعريف التابعي بمن لقي الصحابي، قال العراقي: وعليه عمل الأكثرين، قلت: وبه يندرج الإمام الأعظم في سلك التابعين، فإنه قد رأى أنسا وغيره من الصحابة على ما ذكره الإمام الجزري في ((أسماء رجال القراء))، والتوربشتي في (تحفة المرشد))، وصاحب ((كشف الكشاف)) في تفسير سورة المؤمنون، وصاحب ((مرآة الجنان)) وغيرهم من العلماء المتبحرين، فمن نفى أنه تابعي فإما من التتبع القاصر أو التعصب الفاتر، انتهى. وإلى قول الذهبي في ((الكاشف)) رأى أنسا، انتهى. وإلى قوله في - ٩٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ((تذكرة الحفاظ)): رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة، انتھی. وإلى قول أبي الحجاج المزي في ((تهذيب الكمال)): رأى أنسا إلخ، وإلى أحمد القسطلاني في ((إرشاد الساري شرح صحيح البخاري)) في باب وجوب الصلاة في الثياب: ومن التابعين الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وابن المسيب، وأبو حنيفة، انتهى. وإلى قول اليافعي في ((مرآة الجنان)): رأى أنساً، انتهى. وإلى قوله بعيده ذكر الخطيب في ((تاريخ بغداد)»: أنه رأى أنس بن مالك، انتهى. وإلى قول الولي العراقي كما نقله السيوطي: قد رأى أنس بن مالك، انتهى. وإلى قول ابن الجوزي: إنما رأى أنس بن مالك بعينه، انتهى. وإلى قول الدارقطني كما نقله السيوطي: لم يلق أحدا من الصحابة إلا أنه رأى أنساً، انتهى. وإلى قول النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) قال الخطيب البغدادي في ((التاريخ)): أبو حنيفة إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق، رأى أنس بن مالك، انتهى. وإلى قول ابن حجر المكي الهيتمي في ((الخيرات الحسان في مناقب النعمان)): صح كما قاله الذهبي: إنه رأى أنس بن مالك وهو صغير، وفي رواية: مرارا، وأكثر المحدثين على أن التابعي من لقي الصحابي وإن لم يصحبه صححه النووي کابن الصلاح، انتھی. وإلى قول ابن عابدين في ((رد المحتار)): على كل فهو من التابعين، وممن جزم بذلك الحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني وغيرهما، وإلى قوله نقلا - ٩٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني عن بعض المحدثين ما وقع للعيني أنه أثبت سماعه عن الصحابة ورده عليه وصاحبه الحافظ قاسم الحنفي، والظاهر أن سبب عدم سماعه ممن أدركه من الصحابة أنه في أول أمره اشتغل بالكتاب حتى أرشده الشعبي بما رأى من باهر نجابته إلى الاشتغال بالعلم، انتهى. وإلى قول السيوطي: قد ألف أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقرئ الشافعي جزءاً فيما رواه أبو حنيفة عن الصحابة، انتهى. وإلى قول الأزنيقي في مدينة العلوم قد ثبت بهذا التفصيل أن الإمام من التابعين. وقال الشيخ ناصر السنة العلامة محمد بن هاشم بن عبد الغفور بن عبد الرحمن السندي التتوي في ثبته المعروف ((بإتحاف الأكابر بمرويات الشيخ عبد القادر)): مما ينبغي أن يعلم أن إمامنا الأعظم ومستندنا الأفخم الأقدم اختص من بين بقية الأئمة الثلاثة أصحاب المذاهب بكونه أدرك زمن جماعة من الصحابة، وبرؤيته لبعضهم وبسماعه الحديث عن بعضهم. أما الأمر الأول فلا خلاف فيه ولا يشك فيه أحد، لأن مولده على القول الصحيح المشهور سنة ثمانين، وكان قرن الصحابة منتهيا إلى رأس المائة إلى سنة مائة وعشرة على خلاف في وفاة أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي، فإنه آخر من مات من الصحابة على التحقيق، فمن الصحابة الذين أدركهم أبو حنيفة الكوفي رحمه الله تعالى عبد الله بن أبي أوفى - ٩٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني رضي الله عنه، قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)): عبد الله بن أبي أوفى أبو معاوية الأسلمي توفي بالكوفة سنة ست أو سبع وثمانين، وجزم أبو نعيم فيما رواه البخاري عنه بسنة سبع، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، انتهى. وقال ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣/ ١٨١: لم يزل عبد الله بن أبي أوفى يسكن بالمدينة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تحول إلى الكوفة وهو آخر من بقي بها من الصحابة، وتوفي بالكوفة سنة ست وثمانين، وقيل سبع وثمانين، انتهى. ومنهم أنس بن مالك الأنصاري خادم النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه قال: في ((الإصابة)): إنه توفي سنة إحدى وتسعين أو ثلاث وتسعين، وكانت إقامته بالمدينة بعد النبي صلى الله عليه وسلم مدة ثم سكن البصرة ومات بها، وهو آخر من مات في البصرة من الصحابة، انتهى. ومنهم عمرو بن حريث رضي الله عنه تعالى عنه قال: في ((أسد الغابة)): عمرو بن حريث القرشي المخزومي يكنى أبا سعيد سكن الكوفة وابتنى بها دارا، وهو أول قرشي اتخذ بالكوفة دارا، ومات سنة خمس وثمانين وولده بالكوفة، انتهى. وقال: في ((الإصابة)) إنه قال البخاري وابن حبان وغير واحد: إنه مات بالكوفة سنة خمس وثمانين، ويقال: مات سنة ثمان وتسعين ولم يثبت، انتهى. ومنهم عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنه، قال: في - ٩٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني ((أسد الغابة)): سكن بمصر وتوفي بها بعد أن عمر عمرا طويلا، وكانت وفاته سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان وثمانين، انتهى. ومثله في ((الإصابة)) إلا أنه صدر بسنة ست وثمانين، وزاد: أنه آخر من مات من الصحابة بمصر، انتهى. ومنهم عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ السيوطي في («تبيض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة)): إن المسمين بعبد الله بن أنيس من الصحابة خمسة، وإن عبد الله بن أنيس الجهني المشهور توفي سنة أربع وخمسين، وذلك قبل مولد أبي حنيفة بدهر، فلعل الذي روى عنه أبو حنيفة واحد آخر غير الجهني، انتھی. ومنهم واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال في ((الإصابة)): كان من أهل الصفة، ثم نزل الشام وشهد فتح دمشق وحمص غيرهما حتى توفي بدمشق، قال أبو مسهر والواقدي وغيرهما: مات سنة خمس وثمانين، وقال سعيد بن خالد: سنة ثلاث وثمانين، وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة، انتهى. قال الشامي في «عقود الجمان»: کونه مات سنة خمس و ثمانین وهو الصحيح، انتهى. ومنهم سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه فإنه مات بالمدينة سنة ثمان و ثمانین، وقيل: بعدها. ومنهم السائب بن خلاد بن سويد قال: في ((أسد الغابة)): هو أنصاري خزرجي من بني كعب بن الخزرج القبيلة المشهورة التي منها سعد بن - ٩٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني عبادة وتوفي السائب سنة إحدى وتسعين، قاله أبو نعيم وابن منده عن الواقدي، انتھی. ومنهم محمود بن الربيع بن سراقة، قال: في ((الإصابة)): هو أنصاري خزرجي سكن المدينة، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس سنين، وقال: عقلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجة مجها من دلو في دارنا، أخرجه البخاري في ((صحيحه)) من طرق عن الزهري عنه، ورواه مسلم في أثناء الحديث، قال أبو مسهر وابن حبان وآخرون: مات محمود بن الربيع سنة تسع وتسعين وهو ابن أربع وتسعین، انتهى. ومنهم محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع، قال: في ((أسد الغابة)): هو أنصاري أوسي حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث، وأقام بالمدينة، ومات سنة ست وتسعین، انتهى. ومنهم عبد الله بن بسر المازني، قال: في ((الإصابة)): هو من أهل حمص، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومات بالشام، وقيل: بحمص من الشام سنة ثمان وثمانين، وقال أبو القاسم بن سعيد: سنة ست وتسعين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة، انتهى. ونحوه في ((أسد الغابة)). ومنهم أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه، قال في ((الإصابة)): اسمه صدي بالتصغیر واسم أبيه عجلان، سكن الشام ومات سنة ست - ٩٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني وثمانين، انتهى. وفي ((أسد الغابة)): أنه سكن بحمص من الشام ومات بها سنة إحدى وثمانين، وقيل: ست وثمانين، انتهى. فعلى كلا القولين أدرك زمنه أبو حنيفة رحمه الله تعالى. ومنهم وابصة بن معبد بن عتبة الأسدي، قال الشيخ قاسم بن قطلوبغا في إملائه على ((مسانيد أبي حنيفة)): إن وابصة مات قرب التسعين، انتهى. وفي ((أسد الغابة)): أن وابصة سكن الكوفة ثم تحول إلى الرقة فأقام بها إلى أن مات بها، انتهى. ومنهم الهرماس بن زياد بن مالك الباهلي أبو حديد، قال الشيخ قاسم في إملائه على مسانيد أبي حنيفة: هو صحابي سكن اليمامة، ومات بها بعد المائة وهو آخر من مات باليمامة من الصحابة، انتهى. ومنهم المقدام بن معديكرب الكندي، قال في ((أسد الغابة)): هو أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنده، مات بالشام سنة سبع وثمانين، انتهى. وقال في ((الإصابة)): نزل حمص ومات سنة سبع وثمانين، وقيل: ست، انتهى. ومنهم عتبة بن عبد السلمي، قال السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)): مات هو في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ابتداء خلافته سنة ست وثمانين، انتهى. ومنهم يوسف بن عبد الله بن سلام، قال في ((الإصابة)): رأى النبي - ٩٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني صلى الله عليه وسلم وهو صغير وحفظ عنه، وقال خليفة بن خياط: توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، انتهى. ولا شك أن خلافة عمر بن عبد العزيز كانت بعد خلافة الوليد. ومنهم أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي رضي الله عنه، قال في ((أسد الغابة)): أدرك من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، نزل الكوفة، وصحب علي بن أبي طالب، وشهد معه مشاهده كلها، فلما توفي علي رضي الله عنه عاد إلى مكة فأقام بها حتى مات، وقيل إنه أقام بالكوفة فتوفي بها، والأول أصح، انتهى. وقال في ((الإصابة)): رأى النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ عنه أحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة، أي: مطلقا، قال مسلم: مات سنة مائة، وقيل: ثنتين ومائة، وقيل: سبع ومائة، وقيل عشر ومائة، وقال: وهب بن جرير عن أبيه أن وفاته كانت بمكة، انتھی. ومنهم السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي ثم المدني رضي الله عنه، ولد في السنة الثانية من الهجرة، وحج هو وأبوه وأمه في حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع سنين، وتوفي سنة ست أو ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين، واختاره الذهبي وصححه الزرقاني في شرح ((الموطأ))، وقال: شيخ الإسلام زكريا في ((شرح ألفية العراقي)) ما محصله أنه قيل: آخر من مات بالمدينة من الصحابة السائب بن يزيد، وقيل سهل بن سعد الساعدي، لكن تأخر منهما موتا بها محمود بن - ٩٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الثاني الربيع، المتوفى سنة تسع وتسعين - بتقديم التاء الفوقية فيهما -، ومحمود بن لبيد توفي سنة خمس أو ست وتسعین، انتھی. ومنهم العداء بوزن العطاء بن خالد بن هوذة العامري رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ في ((الإصابة)): کأنه عمر فإن عند أحمد أنه عاش إلى زمن خروج يزيد بن المهلب، وكان ذلك سنة إحدى أو اثنتين ومائة، انتهى. وقال في ((التقريب)): صحابي أسلم هو وأبوه جميعا وتأخرت وفاته إلى بعد المائة، انتهى. وذكر شيخ الإسلام زكريا في ((شرح الألفية)) أن العداء آخر من مات من الصحابة بالرخيخ من أعمال سجستان، انتھی. ومنهم عكراش بن ذويب بن حرقوص التميمي رضي الله عنه، قال ابن سعد: صحب النبي صلی الله علیه وسلم وسمع منه، وذکر ابن حجر في ((الإصابة)»: أنه عاش إلى أن استكمل المائة، انتهى. قلت: فهؤلاء قد أدرك أبو حنيفة زمنهم من الصحابة وهم أحد وعشرون كما عرفت ولو تتبع لزاد عليهم شيء إن شاء الله تعالى، انتهى. وقد استدرك عليه شيخنا العلامة المحدث عبد الرشيد النعماني في تعليقه على مقدمة كتاب التعليم: ما ذكره الشيخ محمد هاشم عكراشا رضي الله عنه في عداد من أدركهم أبو حنيفة رحمه الله من الصحابة ففيه نظر من جهة أن ما نقله الشيخ عن الإصابة أنه عاش إلى أن استكمل - ١٠٠ -