النص المفهرس
صفحات 61-80
مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول يزاحمونهم في الفتوى إلى أن اختلفت الآراء وظهر شاهل البدع والأهواء، وافقوهم بغير خلاف، ونقلوا أحكام الدين منهم إلى الخلاف محبين سنة الأسلاف حاوين مآثر الأشراف، ولما كانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد ومعرفة أحكامها لازمة إلى يوم التناد، وكانت ظواهر النصوص غير موفية ببيانها بل لا بد لها من طريق واف بشأنها اضطروا إلى الاجتهاد بالرأي فاجتهدوا وأسسوا قواعد الأصول وشيّدوا فعزموا على تعيين المذاهب ومهّدوا مستفیضین بما روي عن رسول الله صلی الله عليه وسلم أنه لما بعث معاذا رضي الله عنه قاضيا إلى اليمن، قال له: بم تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسوله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد فيه برأيي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسولِهِ بما يرضى به رسولُهُ، ثم إن علماء الدين والأئمة المجتهدين بذلوا جهدهم في تحقيق المسائل الشرعية وتدقيق النظائر الفرعية واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلة الأربعة، فاتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة؛ قوام الدين بهم، وثبات الشرع بفقههم. فمنهم أصحاب الطبقة العالية في الاجتهاد، وهم الذين صار الدين منهم أقوى عماد، وصفوا المسائل على حسب قواعد أصولهم، وهذّبوا مسائل الاجتهاد مع تنقيح طرق النظر على مذاهبهم يستبدون في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس من غير تقليد لا في - ٦١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الفروع ولا في الأصول لأحد من الناس وحالهم متفاوتة في اشتهار مذهبهم في الأمصار، واشتهر آثار عملهم في الأقطار والأمصار: إمامنا الأعظم أبو حنيفة نعمان الكوفي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن، (ومحمد بن عبد الرحمن) الأوزاعي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني، ولكن الله خصّ من بينهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل بهداية، بحيث منع العلماء تقليد غيرهم ولم يدر مثلهم في غيرهم من المجتهدين إلى الآن لانضباط مذاهبهم أو الانقراض أصحاب غيرهم وتعدّر نقل مذهبهم، والحاصل أن هولاء الأربعة انخرقت بهم العادة على معنى الكرامة عناية من الله بهم إذا قيست أحوالهم بأحوال أضرابهم. فاشتهار مذاهبهم في ظهور الآفاق، واعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق، واجتماع القلوب على الأخذ بها على مرّ الدهور دون ما سواها بما يشهد بصلاح نيّتهم، وحسن طويّتهم، وجبل سيرتهم، لا سيما الإمام الأعظم والقرم الهمام الأقدم سراج الأمة وتاج الملة وقمر الأئمة أبو حنيفة نعمان بن ثابت ثبّته الله في أخراه بالقول الثابت قد خصه الله تعالى بعناية وجمع من الفضائل في ذاته ما لم يجمع نبذ منها في غيره، مع كونه من التابعين دون غيره، وجعله مقتدى شريعته إلى آخر الدهر ونهايته، حتى شاع علمه، واشتهر مذهبه بكثرة المجتهدين في ذاهبي ما يذهبه، وأظهر علوم الشرع بين المسلمين، ونشر أحكام الفروع بين - ٦٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول المؤمنين، فإنه أول من فرّع في الفقه، وألّف ودوّن كتب الفروع، وصنف باتفاق أصحابه الملازمين إلى درسه من مشاهير العلماء والمجتهدين واجتماع أضرابه المختلفين إلى مجلسه من جماهير الفضلاء المتقدمين كأبي يوسف المتقدم في الأخبار واللسان، ومحمد المتقدم في الفقه والإعراب والبيان، وزفر بن الهذيل الفقيه النبيه في القياس، وحسن بن زياد المسلم في السؤال والتفريع بين الناس، وعبد الله بن المبارك الصائب في رأيه، ووكيع بن الجراح المفسر الزاهد النصاح، وحفص بن غياث بن طلق الفطن الذكي في القضاء بين الخلق، ويحيى بن زكريا بن أبي زائده في جمع الحديث وضبط الفروع له فرائده، وأسد بن عمرو القاضي، ونوح بن أبي مريم الجامع، وأبي مطيع البلخي، ويوسف بن خالد السمتي وغيرهم جمیعا. ثم أقر بفضله الخصوم وسلموا له في كل العلوم حتى قال الإمام مالك حين سئل عنه عن أبي حنيفة: رأيته رجلا لو كلّمك في هذه السارية يرى أن يجعلها ذهبا لقام بحجته، وقال مالك: إن أبا حنيفة لأهل الفقه خير مونس، وقال الشافعي: الناس كلهم عيال أبي حنيفة في الفقه، وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيرا ما يذكر ويترحّم عليه ويبكي في زمن محنته، وكل واحد من هولاء الأئمة، وإن كان إمام متفقا عليه لكنهم لم يصلوا إلى معشار ما وصل إليه، فأصحابنا الحنفية عاملهم الله بألطافه الخفية هم السابقون في علم الكتاب والسنة، وملازمة التقوى، ومجانبة - ٦٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الهوى والبدعة، ولزوم طريق السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون، ومضى عليه السلف الصالحون. فالطريق المتناهي في أصول الشريعة وفروعها على الكمال هو طريق أصحابنا بحمد الله المهيمن المتعال، انتهى إليهم الدين بكماله وقام الشرع بفتواهم إلى آخر الدهر بخصاله، ثم إن أصحابنا كثرهم الله تعالى إلى يوم التناد تفرقوا في القرى والبلاد، فمنهم أصحابنا المتقدمون في العراق كبغداد وهو دار الخلافة ودار العلم والإرشاد، ومنهم مشايخ بلخ، ومشايخ خراسان، ومشايخ سمرقند، ومشايخ بخارى، ومنهم مشايخ وخلايق من بلاد أخرى كالري، وشيراز، وأصبهان، وطوس، وزنجان، وهمدان، واسترآباد، وبسطام، ومرغينان، وفرغان، ودامغان، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر، وخراسان، وآذربيجان، ومازندران، وخوارزم، وغزنة، وكرمان إلى بلاد الهند، وجميع ما وراء النهر، والله تعالى أعلم، وغير ذلك من مدائن عراق العرب، وبلاد عراق العجم، ونشروا علم أبي حنيفة إملاء وتذكيرا وتصنيفا، واستفاد الناس منهم على اختلاف طبقاتهم فبلغت كثرة الفقهاء إلى حد لا يحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلة للحد والإحصاء، وكانوا يتفقهون ويجتهدون ويستفيدون ویفیدون ويجيبون الوقائع، ويؤلون البدائع، ويفتون في النوازل، ويجمعون المسائل. - ٦٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول فبقي نظام العالم وانتظام أهاليه على أحسن النظام، ورقى رواجه على كرور الليالي ومرور الأيام إلى حين قدر الله المهيمن المنان على ما قضاه من خروج جنغيز خان فوضع السيف، وقتل العباد، وخرب العامر، وأهلك البلاد، ومشى عليهم مشي الموسى على الشعر، وسعى عليهم سعي ... على الزرع الأخضر، وقدم خوارزم وأغارها، وقتل سلطانها محمد خوارزم شاه، وأبادها وهدم أركانها، وخرب بنيانها، والشيخ نجم الدين الكبرى رزق بالشهادة في هذه الواقعة العظمى بيد هذه الفتنة الكافرة الفاجرة الطاغية في سنة ست عشرة وستمائة، فكان مما كان في القرى والأمصار من قضاء الله العزيز القهار فإن الله تصريفا في عباده، ولا بدّ أن ينفذ فيهم سهم مراده، ولا مفر من القضاء، ولا محيد عما قدر الله وقضى، ثم تلا بنوه وذروه وأكدوا فعله وأيدوه حتى قصد هلاكو الكافر ابن جنغير الفاجر ببغداد بجيش عرمرم في زمان الخليفة المعتصم آخر الخلفاء العباسية في سنة ست وخمسين وستمائة، ونزل على بغداد وقتل الخليفة وهجم عسكر التتر الفجرة الخلافة، وقتلوا من كان ببغداد من الفقهاء وسائر المسلمين، وبقيت بلاد المسلمين بلا خليفة ثلاث سنين وكان ذلك ... وزيره ابن العلقمي نور الدين الخبيث الرافضي فانقرضت الدولة العباسية من العراق، وسقى الدهر أهلها كأس الفراق بالسيف والدم المحراق، وانعكس حال العلم في هذه الأيام، وارتحل بقية - ٦٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الشيوخ من أهاليه إلى أرض مصر وبلاد الشام، فساروا بأهلهم إلى دمشق المحروسة مقتبسين بيا قوم ادخلوا الأرض المقدسة، وكانت هذه الديار في هذا العصر على حسن النظام ببركة معدلة سلاطين العرب في هذه الأيام، فقدم الفقهاء إليها من البلدان وترجل المطية للنفقة إليها من كل مكان إلى أن حدث فيما تعد سلاطين الجراكسة، وصار أطوار النظام منتكسة وأحوال الزمان منعكسة، فارتحل العلم وأهاليهم إلى بلاد الروم واجتمع فيها ذو الفضائل وأرباب العلوم ببركة سلطنة الخواقين العثمانية وسيرة معدلة القوانين الخاقانية. وقال مسعود بن شيبة السندي في ((مقدمة كتاب التعليم)) ٣٤٩ - ٣٥٠: ولم تزل الخلفاء الراشدون المهديون من آل العباس بن عبد المطلب ذابّين عن هذا المذهب معتقدين لأصوله عاملين بفروعه ناصرين لأصحابه أولهم المنصور والمهدي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمعتضد والمقتدر والمطيع والقادر والقائم والمقتفي وكانوا جميعا من المبرزين في علم الأصول والفروع من أهل النظر والفتيا على مذهب أبي حنيفة، وكذلك السلاطين من آل طاهر وآل سامان وآل الليث وآل الصغير وآل سبكتغين وآل سلجوق الذين كانوا ملوك الإسلام وسلاطين الأرض كانوا على مذهب أبي حنيفة منتمين إليه متعصبین له إلی یومنا هذا. وأما البلاد فكانت الكوفة وأعمالها والبصرة وقراها والأهواز وما - ٦٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول حواها وعامة بغداد وأكثر أهل شیراز وجمیع أهل كرمان ومكران وخراسان وتركستان بأسرها وما وراء النهر إلى أقصى بلاد الترك والسند والهند والروم والدروند والبلغر وسقسين وكاشغر وغور وعزجة وسجستان والزنج والحبشة وأكثر أهل اليمن وخلق من أهل دمشق وبلاد حوران بأسرها وغيرها، وظهر مذهب الشافعي حين قهر نظام الملك، وكانت فتنته على أصحاب أبي حنيفة ومالك أشد من الديلم وقد قتلوا منهم خلقا کثیرا. وقال ابن عابدين الشامي في حاشيته ((رد المحتار على الدر المختار)) ٥٦/١: فالدولة العباسية وإن كان مذهبهم مذهب جدهم فأكثر قضاتها ومشايخ إسلامها حنفية يظهر ذلك عن تصفح كتب التواريخ وكان مدة ملكهم خمسمائة سنة تقريبا، وأما الملوك السلجوقيون وبعدهم الخوارزميون فكلهم حنفيون وقضاة ممالكهم غالبها حنفية، وأما ملوك زماننا سلاطين آل عثمان أيد الله دولتهم ما كرّ الجديدان فمن تاريخ تسعمائة إلى يومنا هذا لا يولّون القضاء وسائر مناصبهم إلا للحنفية. وقال قيام الدين عبد الباري الأنصاري اللكنوي في ((التعليق المختار)) ص٥٣: فلم يبق مذهب من المذاهب المتبعة إلا وكان رأسه ورئيسه من أتباع أبي حنيفة، ولم يكن منصب من المناصب الشرعية ولا محكمة من - ٦٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول المحاكم القضائية والعدلية إلا كان لتلامذته قدم راسخ فيها فمنهم من حصلت له مناصب قصوى، ورفع إلى درجات على من أمر القضاء والفتوى، حتى في بغداد التي هي كرسي الخلافة ومركز الإمامة أمثال أبي يوسف وتلامذته قلدوا القضاء، وأول من لقب في الإسلام قاضي القضاة هو القاضي أبو يوسف فكان قضى على مذهبه ومذهب أستاذه، وكذا الإمام محمد قلد القضاء بمرو فانتشر مذهب الإمام في جميع الأقطار لا بمجرد قضايا تلاميذه بل لقوة دليله وتوسعته في المذاهب وتوسطه في طرق الأئمة، فشاع مذهبه في العراقين وديار بلخ وخراسان وسمرقند وبخارى والري وشيراز وطوس وزنجان وهمدان واسترآباد وبسطام ومرغينان وفرغان ودامغان وغيرها من المدن الداخلة في إقليم ما وراء النهر وخراسان وآذربيجان ومازندران وخوارزم وغزنة وكرمان إلى بلاد الهند فلم يزل يشيع مذهب الأحناف في الأطراف والأكناف شيوعا بالعلماء وتصانيفهم ودرسهم وتقليدهم القضاء إلى سنة ست عشرة وستمائة. وكذلك توجه بعض الفقهاء لما أخرجوا من بغداد إلى بلاد الهند والسند والبخارى والفرغانة، وتربوا في ظل حماية السلطنة الإسلامية، أما في ممالك الأفاغنة فالسلطنة إلى الآن بحمد الله محفوظة مأمونة تحت أذيال الأمير الأفغاني، وأما في الهند والسند فلم يبق الحكومة المطلقة لأهل الإسلام، ومع ذلك بقي كثير من المسائل الفقهية على وفق مذهبنا - ٦٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول الحنفية، والعلماء أكثرهم الله موجودون في الممالك وجود كثرة، ويخدمون العلم والفقه خدمة كبيرة، وأما ما بقي من الممالك الإسلامية بحسب الاسم مثل بخارى تحت سطوة مملكة روسيا ومملكة النظام ومملكة بهوبال وغيرها من الممالك في الهند تحت سيطرة إنكلترا، فإنهم وإن كانوا تابعين لهم في كثير من القوانين بل ليس لهم اقتدار إلا بحسب الظاهر، ولا يستطيعون أن يرفعوا أيديهم إلا بإذن المسيطرة لكن قوانينهم الداخلية والفقه المحلي هو الفقه الحنفي، والقضاء على مذهب الأحناف، والولاة حنفيون والعلماء ينتسبون إلى أبي حنيفة رحمه الله، فلا نعلم مملكة إسلامية غير ما هي في بعض النواحي اليمنية وبعض الممالك الغربية فإنهم يحكمون بالفقه الحنبلي والفقه المالكي، فالمذهب الحنفي أكثر المذاهب شيوعا وأكثرها اتباعا وأقدمها زمانا، لأن الإمام من التابعين، وهذا لم يثبت لغيره من المجتهدين وآخرها انقراضا حسب ما صرح به بعض أهل الكشف. وقال محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي في ((الفكر السامي)) ٤/ ٥٥٥ - ٥٥٦: إنه أكثر الأئمة اتباعا في الدنيا كلها كما قدمنا ذلك، وقد وفقت الآن على إحصاءٍ لأتباع الأئمة الأربعة ذكرته جريدة السعادة في عددها (٣٥٦٧) عن بعض الإحصائيين قالت: إن أتباع أبي حنيفة (١١٨) مليوناً، والشافعي (٣٧) مليوناً، ومالك (٣٠) مليوناً، وابن حنبل (٣) ملايين، الجميع (٢٢٤) مليوناً قائلة: أن مجموع هؤلاء سنية، - ٦٩ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ونسبتهم من مجموع الإسلام الذي هو (٢٤٣) يكون (٩١) في المائة، والذي عند غيرها أن الإسلام أكثر من هذا العدد بكثير لكن على كل حال الكل يسلم أن الحنفية هم أكثرية الإسلام، ولم يبلغوا الثلثين من الأمة خلافا لابن سلطان، وهذه الأغلبية تكفي في وجه تلقيبه بالأعظم: والمَرءُ في ميزانِهِ أَتباعُهُ فَاقِدُر بِذَا قَدَرَ النَّبِيِّ محمَّدٍ - ٧٠ - الفصل السابع في طريقة تدوين مذهب الأحناف اعلم أن الإمام أبا حنيفة مع إمامته في العلوم من الفقه والأصول والحديث مع أنواعه ومع قدرته على استخراج المسائل من مصادر الشريعة الإسلامية لم يستبد بنفسه فيه، بل جعل عدداً كبيراً من أكابر المحدثين والفقهاء الذين تتلمذوا عليه شركاء في تدوين هذا العمل الموسوعي، يقول عنه الإمام أبو بكر عتيق بن داود اليماني كما حكاه عنه الموفق المكي في (مناقبه)) ٢/ ٨٢ - ٨٣ ق: فهو الإمام المقدم والحبر المفخم ورباني العلم ومعدن الفهم ودوحة العلم وجربومته وعنصر الفقه وأرومته إمام الأئمة وسراج الأمة ضخم الدسيعة السابق إلى تدوين علم الشريعة، فكان أول من دونه وحفظه، وأتقنه، ثم أيده الله بالتوفيق والعصمة منّاً منه سبحانه على هذه الأمة ورحمة، فجمع له ما لم يجمع لإمام بعده ولا قبله من الأصحاب الذين في العلم والفهم لب اللباب، منهم ذو الفقه والدراية المعترف له بعلم الحديث والرواية إمام المسلمين وقاضي قضاتهم أجمعين أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومنهم ذو الفهم والبيان الماهر في الفقه وعلم اللسان محمد بن الحسن الشيباني، ومنهم ذو الفهم الباهر والعلم الزاهر الفقيه الماهر زفر بن الهذيل التميمي، ومنهم اليقظ النبيه والمفهم النقيه الورع النزيه الحسن بن زياد اللؤلؤي، ومنهم الفقيه البصير المقر له بعلم - ٧١ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول التفسير الورع النصّاح وكيع بن الجراح، ومنهم النقيه ذو اللسان القول المعترف له بعلم طرق سنن الرسول الورع الماجد الزاهد بن الزاهد عبد الله بن المبارك المروزي، ومنهم الفقيه الإمام المقدم في علم الكلام بشر بن غياث المريسي مع شيخه من نظرائهم ذوي فقه، وفهم وورع وفضل وعلم كعافية بن يزيد الأودي، وداود الطائي، ويوسف بن خالد السمتي، ومالك بن مغول البجلي، ونوح بن أبي مريم وغيرهم، وهؤلاء الذين ذكرتهم عيون عصرهم وقرعاء دهرهم ذووا فهم وبصيرة وفقه وعلم بالحديث والسيرة، أهل العلم بتفسير الكتاب والنحو والحساب، جبال العلم، ومعدن الفقه والفهم، أهل المقالات لا ينعقد الإجماع دونهم في جميع الحالات فأي فقيه أو إمام له أصحاب كهولاء، فمن رام مساماتهم بغيرهم قلت له كما قال الفرزدق لجریر: أُولئِكَ أصحابي فجئنِي بمثلهم إذا جمعتنَا يَا جريرُ المجامِعُ فوضع أبو حنيفة رحمه الله مذهبه شورى بينهم لم يستبد بنفسه دونهم اجتهادا منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين، فكان يلقي مسألة مسألة يقبلهم ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم شهرا أو أکثر من ذلك حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول کلها، فإذا كان كذلك كان المذهب الذي وضع شورى بين هؤلاء الأئمة أولى وأصوب وإلى الحق أقرب والقلوب إليه أسكن وبه أطيب من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى - ٧٢ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول رأيه، ثم لم يعاجل المنية أبا حنيفة رحمه الله حتى بلغ من مذهبه الأمنية، وكان من توفيق الله له أن أمهله فأخّر له أجله حتى تصفح ما وضعه من المذهب وتأمّله فهذّبه ولخّصه وقدره، ولم يجعله ذا أقوال ولا ذا وجوه واختلاف وأحوال بل تحرّى فيه الصواب وقطع فيه الجواب، انتهى. وقال صاحب ((الفتاوى السراجية)) ص١٥٩: إن أبا حنيفة رضي الله عنه قد وضع المذهب شورى ولم يستبد بوضع المسائل، وإنما كان يلقيها على أصحابه مسألة مسألة فيعرف ما كان عندهم ويقول ما عنده، ويناظرهم حتى يستقر أحد القولين فيثبته أبو يوسف حتى أثبت الأصول کلها. وحكى الشعراني في ((الميزان الكبرى)) ٥٩/١: عن الإمام أبي جعفر الشرماري عن شقيق البلخي: أنه كان يقول: كان الإمام أبو حنيفة من أورع الناس وأعلم الناس وأعبد الناس وأكرم الناس وأكثرهم احتياطا في الدين وأبعدهم عن القول بالرأي في دين الله عز وجل، وكان لا يضع مسألة في العلم حتى يجمع أصحابه عليها ويعقد عليها مجلساً، فإذا اتفق أصحابه كلهم على موافقتها للشريعة قال لأبي يوسف ضعها في الباب الفلاني. وأسند الصيمري في ((أخباره)) ص١٤٩: عن إسحاق بن إبراهيم، قال: كان أصحاب أبي حنيفة يخوضون معه في المسألة، فإذا لم يحضر عافية - ٧٣ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية، فإذا حضر عافية ووافقهم، قال أبو حنيفة: أثبتوها وإن لم يوافقهم، قال أبو حنيفة: لا تثبتوها. وأسند الحافظ ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٨٠٦: من طريق سليمان بن عمران، قال: حدثني أسد بن الفرات، قال: كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا الكتب أربعين رجلا، فكان في العشرة المتقدمين أبو يوسف وزفر بن الهذيل وداود الطائي وأسد بن عمرو ويوسف بن خالد السمتي ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة وهو الذي كان یکتبها لهم ثلاثین سنة. وأسند الحافظ ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ٨٠٧: من طريق نوح أبي سفيان، قال: قال لي المغيرة بن حمزة: كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا معه الكتب أربعين رجلا كبراء الكبراء. وأسند ابن أبي العوام أيضا ٨٠٥: من طريق أسد بن الفرات، قال: قال لي أسد بن عمرو: كانوا يختلفون عن أبي حنيفة في جواب المسألة فيأتي هذا الجواب وهذا الجواب ثم يرفعونها إليه ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب - أي من قرب -، وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الدیوان. وأسند الصيمري في ((أخباره)) ص١٥٢ من طريق إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، قال: قال أبو حنيفة يوما: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون، منهم - ٧٤ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتيا، ومنهم اثنان يؤدبان القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر. وأسند الصيمري أيضا في ((أخباره)) ص١٥٢ من طريق نجيح، قال: ثنا ابن كرامة، قال: كنا عند وكيع يوما فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما، ومثل يحيى بن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل في حفظهم للحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة والعربية، وفضیل بن عياض وداود الطائي في زهدهما وورعهما، من كان هؤلاء جلساءه لم يكن يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردّوه. وقال البزدوي في ((أصوله)) ٣ - ٤: قد صح عن أبي يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن ستة أشهر فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. وروى السمعاني في ((الأنساب)) ٤٨٤/٣: عن أحمد بن حنبل، أنه قال: إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم يسمع مخالفتهم، فقيل له: من هم، قال: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس، وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار، ومحمد بن الحسن بالعربية. وقال قيام الدين الأنصاري اللكنوي في ((التعليق المختار على كتاب الآثار)) ص ٥٢: فإذا تأملت في هذا الاختيار علمت مزية فقه الأحناف، - ٧٥ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول فمن ثمّ صار مذهب الأحناف مجموعة أقوال الإمام وأصحابه بخلاف مذهب سائر المجتهدين، فإن مذهب كل واحد منهم ما قال هو بنفسه، فالشافعية مذهبهم أقوال الإمام الشافعي، وكذا المالكية والحنابلة، أما الأحناف فإن مذهبهم قول الإمام وأقوال أصحابه، يفتون بأقوى منها ولا يخرجون عن تقليد الإمام أبي حنيفة وإن اتبعوا بقول زفر، فضلا عن الصاحبين رحمهم الله أجمعين؛ لأن مذهبه كان شورى بينهم، انتھی. * تذييل: في طريقة أبي حنيفة في تفقيه أصحابه والبحث والسبر والنخل والتميز ما ذكره الحافظ ابن أبي العوام في ((فضائل أبي حنيفة)) ١٧٨ من طريق أبي سليمان الجوزجاني، قال: أنبا محمد بن الحسن، قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى بغداد، فاجتمع أصحابه جميعا وفيهم أبو يوسف وزفر وأسد بن عمر وعامة الفقهاء المتقدمين من أصحابه، فعملا مسألة أيّدوها بالحجاج وتأثقوا في تقويمها، وقالوا: نسأل أبا حنيفة أول ما يقدم، فلما قدم أبو حنيفة كان أول مسألة سئل عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير ما عندهم، فصاحوا به من نواحي الحلقة: يا أبا حنيفة! بلدتك الغربة، فقال لهم: رفقاً رفقاً، ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول، قال: بحجة أم بغير حجة؟ قالوا: بل بحجة، قال: هاتوا، فناظرهم فغلبهم بالحجاج حتى ردّهم إلى قوله، وأذغنوا أن الخطأ منهم، فقال لهم: - ٧٦ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول أعرفتم الآن؟ قالوا: نعم، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن قولكم هو الصواب وأن هذا القول خطأ؟ قالوا: لا يكون ذلك، قد صح هذا القول، فناظرهم حتى رد هم عن القول، فقالوا: يا أبا حنيفة! ظلمتنا والصواب كان معنا، قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ والأول خطأ والصواب في قول ثالث؟ فقالوا: هذا ما لا يكون، قال: فاستمعوا واخترع قولاً ثالثاً، وناظرهم عليه حتى ردهم إليه، فأذعنوا وقالوا: يا أبا حنيفة! علمنا، قال: الصواب هو القول الأول الذي أجبتكم به لعله كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج من هذه الثلاثة الأنحاء، ولكل منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب فخذوه وارفضوا ما سواه. حدثنا عبد الله بن محمد بن النضر الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن مالك بن سليمان الهروي (أنبأ أبي)، قال: سمعت زهير بن معاوية، يقول: كنت عند أبي حنيفة رحمة الله عليه والأبيض بن الأغر يقايسه في مسألة يديرونها فيما بينهم، فصاح رجل من ناحية المسجد ظننته من أهل المدينة، فقال: ما هذه المقايسات دعوها، فإن أول من قاس إبليس، فأقبل عليه أبو حنيفة فقال: يا هذا، وضعت الكلام في غير موضعه، قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ اُسْجُدُواْ إیلیس رد علی الله أمره، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ لَِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ﴾ و﴿ قَالَ ءَ أَسْجُدُ خَلَقْتَ - ٧٧ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول طِينًا ﴾ فاستكبر ورد على الله تعالى أمره وكل من رد على الله أمره فهو كافر، وهذا القياس الذي نحن فيه نطلب فيه اتباع أمر الله تبارك وتعالى لأنا نردّه إلى أصل أصَّله الله سبحانه وتعالى (في الكتاب)، أو إلى سنةٍ سنّها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو إلى اتفاق الصحابة والتابعين فنجتهد في ذلك حتى نرده إلى كتاب الله عز وجل أو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى قول الأئمة من الصحابة والتابعين، فلا نخرج من أمر الله، ويكون العمل على الكتاب والسنة والإجماع، واتبعنا أيضاً في ردنا إلى الكتاب والسنّة والإجماع أمر الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِِّ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ فنحن ندور حول الاتباع فتعمل بمأمور الله تعالى، وإبليس خالف أمر الله تعالى وردّ عليه فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطتُ يا أبا حنيفة، وتبت فنور الله قلبك كما نورت قلبي. وأسند الحارثي في (كشف الآثار)) ٦٦٣: عن عبد الله بن محمد بن النضر الهروي، قال: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، قال: كان أبو حنيفة رحمة الله عليه إذا جلس جلس حوله أصحابه: القاسم بن معن، وعافية بن يزيد، وداؤد الطائي، وزفر بن الهذيل رحمة الله عليهم وأشكالهم، كانوا يتطارحون مسألة فيما - ٧٨ - مقدمة الموسوعة الحديثية المجلد الأول بينهم، فيرفعون أصواتهم ويكثر كلامهم فيها، فإذا أخذ أبو حنيفة رحمة الله عليه في الكلام سكتوا أجمع [فلم يتكلموا حتى يفرغ من كلامه، فإذا فرغ اشتغلوا بتحفظ ما تكلم به في المسألة](١)، فإذا أحكموها أخذوا في مسألة أخرى. (١) من المناقب للمكي (٩٣/٢ / ب) من طريق الحارثي في الكشف. - ٧٩ - الفصل الثامن في سرد كتب أحاديث الإمام أبي حنيفة من الآثار والمسانيد والأربعينيات والمنتخبات والأجزاء اعلم أن من جمع أحاديث الإمام أبي حنيفة وكتب فيها ينقسم إلى قسمين: * القسم الأول: من تتلمذ عليه ورواها عنه مباشرة دون واسطة. وهذه هي طبقة تلاميذه وأصحابه الذين رووا عنه أحاديثه وكتبه وعدد هذه الطبقة كثير. ذكر المعروفين منها الحارثي في ((كشف الآثار الشريفة))، والحافظ الصالحي في ((عقود الجمان))، والمصادر التي اشتملت على أحاديث هذه الطبقة فقدت غالبها، وأما الموجود منها فهي قليلة وهي كالتالي: ١ - الآثار للإمام محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله، المتوفى سنة ١٨٩ هـ. قال الحافظ ابن حجر في تقدمة كتابه ((تعجيل المنفعة)) ص١٩ : والموجود من حديث أبي حنيفة مفرداً إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه. - ٨٠ -