النص المفهرس

صفحات 181-200

١٢ - كتاب الجنايات
١٨١
٢ - باب الرجل يقتل رجلاً
ففعل رسول الله عَ ◌ّه بالعربيين ما فعل بهم من هذا، فلما حل له من سفك دمائهم ، فكان له أن يقتلهم كيف
أحب، وإن كان ذلك تمثيلا بهم، لأن المثلة كانت حينئذ مباحة، ثم نسخت بعد ذلك، ونهى عنها رسول الله عز الض
فلم يكن لأحد أن يفعلها .
فيحتمل أن يكون فعل باليهودى ما فعل من أجل ذلك، ثم نسخ ذلك بعد نسخ المثلة .
ويحتمل أيضاً أن يكون النبى ◌َ، لم ير ما وجب على اليهودى من ذلك لله تعالى، ولكنه رآء واجباً لأولياء
الجارية ، فقتله لهم .
فاحتمل أن يكون قتله كما فعل ، لأن ذلك هو الذى كان وجب عليه .
واحتمل أن يكون الذى كان وجب عليه، هو سفك الدم بأىّ شىء مما (١) شاء الولى بسفكه به، فاختاروا
الرضخ، ففعل ذلك لهم رسول الله { } .
هذه وجوه يحتملها هذا الحديث ، ولا دلالة معنا، يدلنا أن النبى يمثل أراد بعضها دون بعض.
وقد رُوى عنه ◌ُّل أنه قتل ذلك اليهودى ، بخلاف ما كان قتل به الجارية .
٥٠٠٥ - حدثنا إبراهيم بن أبي داود(٢)، قالا: ثنا أبو يعلى، محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو صفوان، عبد الله بن سعيد
ابن عبد الملك بن مروان، قال ابن أبى داود ، وكان ثقة ، ورفع به عن ابن جريج ، عن معمر ، عن أيوب ،
عن أبى قلابة، عن أنس أن رجلا من اليهود، رضخ رأس جارية على حُلِىٍّ لها، فأمر به النبىِ عَ ◌ّه، أن يرجم
حتى قصِل .
ففى هذا الحديث أن رسول الله تَّ كان قتل ذلك اليهودى رجماً، بقتله الجارية على ما ذكرنا فى هذا الأثر،
وفيما نقدمه من الآثار، وهو رضخه رأسها ، والرجم قد يصيب الرأس وغير الرأس ، فقد قتله بغير ما كان
قبل به الجارية .
فدل ذلك أن ما كان فعل ، كان حلالا يومئذ ، ثم نسخ بنسخ المثلة .
٥٠٠٦ - فما روي عن رسول الله عَ لّه فى نسخ المثلة، ما قد حّشْا نصر بن مرزوق، قال: ثنا ابن أبى مريم،
قال: أخبرنا نافع بن يزيد ، قال: أخبرنى ابن جريج ، عن عكرمة، قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما: نهى
التى تَُّه عن المجثمة ، والمجئمة: الشاة ترمى بالنبل ، حتى تقتل .
٥٠٠٧ - حدّشْا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن معمر. ح.
٥٠٠٨ _ وحرّشًا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغَدّاني،، قالا: أخبرنا شعبة، عن عدى بن ثابت ،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله مُ اللّه قال (( لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً(٣))).
(١) وفى نسخة (ما)».
(٢) وفى نسخة ((مرزوق)).
(٣) (غرضاً) بفتح الغين المعجمة والراء والضاد المعجمة: الشىء الذى ينصب فيرمى إليه.
وإنما نهى عنه لأنه تعذيب الحيوان وإتلاف له ، لأنه إن كان حلالا بصير ميتة ، وإن كان حراماً يخرج عن المنفعة ، كذا
أفاده بعضر الجملة .
...

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٢
٢ - باب الرجل يقتل رجلًا
٥٠٠٩ - حرّشْا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة، فذكر بإسناده مثله .
٥٠١٠ - حدّثْا سلمان بن شعيب، قال: أخبرنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان الثورى، عن عاصم الأحول،
وسماك، عن عكرمة، قال أحدهما، عن ابن عباس، عن النبىِ يَّة ، مثله.
٥٠١١ - مرّثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس
عن رسول الله مرتفع ، مثله.
٥٠١٢ - حدّثْا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: حّشى أبى، عن الأعمش، قال: حّدشن المنهال بن عمرو ،
عن سعيد بن جبير، أو مجاهد قال (مَرَّ ابن عمر بدجاجة قد نصبت ترمى) فقال ابن عمر (سمعت رسول اللهمَّه
ينهى أن يمثل بالبهائم(١)).
٥٠١٣ - حرّشًا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّشى عمى، وهو ابن وهب، قال: حّشى عمرو بن الحارث
وابن لهيعة أن بكير بن عبد الله حدثهما، عن أبيه، عن ابن تعلى أنه قال : غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد
فَأُرِىَ بأربعة أعلاج(٣) من العدو، فأمر بهم عبد الرحمن فقتلوا صبراً بالنبل.
فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصارى، فقال: سمعت رسول الله وَّه ينهى عن قتل الصبر، والذى نفسى بيده ،
لو كانت دجاجة ما صبرتها .
فبلغ ذلك عبد الرحمن ، فأعتق أربع رقاب .
٥٠١٤ - حدّثْا إبراهيم بن أبى داود، قال: ثنا الوهبى، قال: ثنا ابن إسحاق ، عن بُكير، فذكر بإسناده مثله.
٥٠١٥ - حدّثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبر فى يزيد بن أبى حبيب، عن
بكير بن عبد الله بن الأشج، عن أبيه، عن عبيد ابن يعلى، عن أبى أيوب الأنصارى أن النبىٍ حَ يّ، نهى
من صبر الدابة (٣).
قال أبو أيوب : ولو كانت دجاجة ، ما صبرتها .
٥٠١٦ - حدّثْا ابن أبى داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن ، عن عمران
ابن الحسين، قال: كان النبي ◌َ ◌ّ بخطبنا، فيأمرنا بالصدقة ، وينهانا عن المثلة.
٥٠١٧ - حدّثْا ابن أبى داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حميد، عن الحسن ، قال: ثنا سمرة
ابن جندب، قال: قَلْماً خطبنا رسول الله ◌َ ◌ّ خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة، ونهانا فيها عن المثلة .
٥٠١٨ - حرّشا أبو بكرة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم ، قال: ثنا الحسن قال: قال سمرة
إن رسول اللّه يَّ قَلَّا قام فينا يخطب ، إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المثلة .
(١) يمثل بالبهائم ، أى: تنصب فترى أو تقطع أطرافها وهى حية.
.(٢) (أعلاج) يريد بالعلج : الرجل من كفار العجم وغيرهم، والأعلاج جمعه ويجمع على (علوج) أيضاً.
(٢) (صير الداية) هو أن تحبس فترمى بالمنبل حتى تموت. المولوي وصى أحد، سلمه الصمد.

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٣
٢ - باب الرجل يقتل رجلاً
٥٠١٩ - حدّثْا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن هشام بن زيد(١)، عن أنس بن مالك
قال: نهى رسول الله عمر أن تصبر البهائم.
٥٠٢٠ - حدّثْا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدى، قال: ثنا القاسم، يعنى: ابن مالك، عن مسلمة بن نوفل
الثقفي ، قال : ثنا المغيرة بن صفية، عن المغيرة بن شعبة أن النبى محمد له نهى عن المثلة.
٥٠٢١ - حدّثْا ابن أبى عمران، وابن أبى داود، قالا: ثنا عثمان بن أبى شيبة، قال: ثنا غندر(٢)، عن شعبة،
عن مغيرة، عن شِباك، عن إبراهيم، عن هُنَىٌّ بن نويرة، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ◌ِّ قال ((أحسن
الناس فتلة ، أهل الإيمان» .
٥٠٢٢ - حدّشْا ابن أبى داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، ولم يذكر شباكاً
عن ◌ُنَىَّ، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبى عَل ، متله.
فقد ثبت بهذه الآثار نسخ المثلة ، بعد أن كانت مباحة ، على ما قد رويناه فى حديث العرنيين .
فإن قال قائل: لم يدخل ما اختلفنا، نحن وأنتم فيه، من القصاص فى هذا، لأن الله عز وجل قال
﴿وَإِنْ ◌َقَبْتُمْ تَعَقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
قيل له: ليست هذه الآية يراد بها هذا المعنى، إنما أريد بها ما قد روي عن رسول الله مؤلفه، مما رواه ابن عباس
وأبى هريرة رضى الله عنهم .
٥٠٢٣ - حدّشْا فيد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الجمانى، قال: ثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم،
عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لما قتل حمزة ومُثُّل به، قال رسول الله عَل (( لئن ظفرت بهم، لأمثلن
بسبعين رجلا منهم)).
فأنزل الله عز وجل ﴿ وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَقِبُوا بِمِثْلِ مَا ◌ُوقِبْتُمْ بِهِ، وَلَيْنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَـْرُ.
لِلصَّابِرِينَ﴾ فقال رسول الله عَ ◌ّه (( بل نصبر)).
٥٠٢٤ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال. ح.
٥٠٢٥ _ وحدّثْا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قالا: ثنا صالح المرى، عن سليمان التيمى
عن أبى عثمان النهدى، عن أبى هريرة أن رسول الله وَ ال وقف على حمزة حين استشهد، فنظر إلى أمر لم ينظرقط،
إلى أمر أوجع لقلبه منه .
فقال: ((يرحمك الله، إن كنت لَوَسُولاً للرحم، فعولا للخيرات، ولولا حزن من بعدك لسرنى أن أدعك
(١) وفى نسخة (زيد ) .
(٢) (غندر) اسمه محمد بن جعفر المعروف بفندر شباك بكسر أوله ثم موحدة خفيفة ثم كاف، و (حتى) بنون مصغراً،
ابن نويرة بنون مصغر .

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٤
٢ - باب الرجل يقتل رجلاً
حتى تحشر من أفواج شتى(١) وايم(٢) الله، لأمثلن يسبعين منهم سكانك)).
فنزل عليه جبر ئيل، عليه السلام، والتى تَّ واقف بعد، بخواتيم سورة النحل ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَائِبُوا
بِعْلِ مَاءُو ◌ِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْ ثُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّارِينَ) إلى آخر السورة، فصبر رسول الله
وكفّر عن يمينه .
فإنما نزلت هذه الآية فى هذا المعنى ، لا فى المعنى الذى ذكرت .
وقد روى عن رسول الله عَلَّ أنه قال ((لا قَوَدَ إلا بالسيف)).
٥٠٢٦ - حدّثًا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان الثورى، عن جابر، عن أبى مازب ، عن
النعمان، قال: قال رسول الله ◌َّ (( لا فَوَدَ إلا بالسيف)).
فدل هذا الحديث أن القود لكل قتيل(٣) ما كان، لا يكون إلا بالسيف، وقد جاء عن رسول الله ووضع ما قد
هل على ما ذكرنا أيضاً.
٥٠٢٧ - حدّثْا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سليان بن حرب، عن ابن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن
جابر، أن النبى يُفضّل أتى بجراح، فأمرهم أن يستأنوا(٤) بها سنة.
٥٠٢٨ - حدّثْا روح بن الفرج، قال: ثنا مهدي بن جعفر، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن عنبسة بن سعيد،
عن الشعبى، عن جابر، عن النبي ◌َّ قال (( لا يستقاد من الجرح، حتى يبرأ)».
فلو كان يفعل بالجانى كما فعل(٥) كما قال أهل المقالة الأولى، لم يكن للاستيناء معنى، لأنه يجب على القاطع قطع
يده، إن كانت جنايته قطعاً برأ من ذلك المجنى عليه أو مات .
فلما ثبت الاستيناء لينظر ما يؤول إليه الجناية، ثبت بذلك أن ما يحب فيه القصاص، هو ما يثول إليه الجناية،
لا غير ذلك .
فإن طعن طاعن فى يحيى بن أبى أنيسة ، وأنكر علينا الاحتجاج بحديثه، فإن علي بن الدينى قد ذكر عن
◌ُحیی بن سعيد أنه أحب إليه فى حديث الزهرى ، من محمد بن إسحاق .
٥٠٢٩ - وقد حدّشا إسماعيل بن يحيى المزنى، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعى، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن
عبد المجيد الثقفى، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبى الأشعث، عن شداد بن أوس، قال : قال رسول الله
(١) وفى نسخة «أفواه).
(٢) وأيم الله، قال بعض علمائنا، هو بهزة وصل وسكون ياء وضم سيم، مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، وهو اسم
وضع القسم، والتقدير ( يمن اللّه قسمى) وقال سيبويه (بركة الله قسمى) من (اليمن) بمعنى البركة، وذهب الكوفيون إلى أن
(٢) وفى نسخة ((قتل)).
حموته همزة قطع ، وإنما سقطت فى الوصل لكثرة الاستعمال.
(٤) يستأنوا أي: ينتظروا برأها إلى سنة من الاستيناء ، هو الانتظار.
(٥) وفى نسخة ((مثل فعله».

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٥
٣ - باب شبه العمد
ج ((إن الله كتب الإحسان على كل شىء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتلة(١) وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح،
وَلْيُحِدَّ أحدكم شَفْرَته، ولُْرِحْ ذبيحته )).
فأمى النبِ نَّه الناس، بأن يحسنوا القتلة، وأن يريحوا ما أحل الله فهم ذبحه من الأنعام فا أُحِلَّ فهم قتله
من بنى آدم ، فهو أحرى أن يفعل به ذلك .
فإن قال قائل : لا يستأنى(٢) برء الجراح، وخالف ما ذكرنا فى ذلك من الآثار ، فكفى به جهلا فى خلافه ،
كل من تقدمه من العلماء .
وعلى ذلك فإنا نفسد قوله من طريق النظر ، وذلك أنا وأينا وجلا لو قطع يد رجل خطأ فبرأ منها، وجبت عليه
دية اليد ، ولو مات منها وجبت عليه د. النفس، ولم يجب عليه فى اليد شىء، ودخل ما كان يجب فى اليد ، فيما
وجب فى النفس .
فصار الجانى ، كمن قتل، وليس كمن قطع، وصارت اليد لا يجب لها حكم إلا والنفس قائمة ، ولا يجب لها حكم
إذا كانت النفس تالفة .
فصار النظر على ذلك، أن يكون، كذلك، إذا قطع بده عمداً، فإن برأ، فالحكم اليد وفيها القود ، وإن مات
منها، فالحكم للنفس ، وفيها القصاص لا فى اليد، قياساً ونظرًا على ما ذكرنا، من حكم الخطأ .
ويدخل أيضاً على من يقول: إن الجانى يقتل ، كما قتل، أن يقول إذا رماه بسهم فقتله أن ينصب الرامى فيرميه
حتى يقتله، وقد نهى رسول الله عَيّ عن صبر ذى الروح، فلا ينبغى أن يصبر أحد، لنعى النبى تَّم عن ذلك،
ولكن يقتل قتلا ، لا يكون معه شىء من النهى .
ألا ترى أن رجلا لو نكح رجلا فقتله بذلك، أنه لا يجب للولي أن يفعل بالقائل كما فعل، ولكن يجب له أن
يقتله ، لأن نكاحه إياه حرام عليه .
فكذلك صبره إياه فيما وصفنا، حرام عليه ، ولكن له قتله كما يقتل من حل دمه بردة أو بغيرها .
هذا هو النظر، وهو قول أبى حنيفة ، وأبى يوسف، ومحمد ، رحمة الله عليهم أجمعين .
غير أن أبا حنيفة رضى الله عنه، كان لا يوجب القود على من قتل بحجر ، وسنبين قوله هذا ، والححة له
فى باب ((شبه العمد )) إن شاء الله تعالى.
٣ - باب شبه العمد الذي لا قود فيه، ما هو؟
٥٠٣٠ - حدّثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم (٣) عن خالد الحذاء، عن قاسم بن ربيعة بن
جَوْشَنٍ، عن عقبة بن أوس السدوسي، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّه أن رسول الله عَلَّه خطب يوم فتح
(١) القتلة بكسر القاف: الحالة التى عليها فى قتله، كالجلسة والركبة، والإحسان فيها اختيار أسهل الطريق وأقلها إيلاما،
(٣) وفى نسخة ((هشام))
والثغرة بفتح المعجمة وسكون الفاء، فى السكين .. (٢) وفى نسخة ( بستاناً»

١٢٠ - كتاب الجنايات
١٨٦
٣ - باب شبه العمد
مكة، فقال فى خطبته (( ألا إن قتيل خطأ العمد، بالسوط، والعصا، والحجر، فيه دية مغلظة، مائة من الإبل
منها أربعون خَلِفَة، فى بطونها أولادها )).
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا قَوَدّ على من قتل رجلا بعضاً، أو حجر . وممن
قال بذلك أبو حنيفة رضى الله عنه .
وخالفهم فى ذلك آخرون، منهم أبو يوسف ، ومحمد ، رحمة الله عليهما ، فقالوا : إذا كانت الخشبة ، مثلها
يقتل ، فعلى القاتل بها القصاص ، وذلك عمد .
وإن كان مثلها لا يقتل ، ففي ذلك الدية ، وذلك شبه العمد .
وقالوا: ليس فيما احتج به علينا أهل المقالة الأولى، من قول النبي ◌َّه (( ألا إن قتيل خطأ العمد، بالسوط
والعصا والحجر، فيه مائة من الإبل)» دليل على ما قالوا، لأنه قد يجوز أن يكون النبى مَ لّم أراد بذلك، العصا
التى لا تقتل مثلها ، التى هى كالسوط الذى لا يقتل مثله .
فإن كان أراد ذلك، فهو الذى قلنا ، وإن لم يكن أراد ذلك وأراد ما قلتم أنّم، فقد تركنا الحديث، وخالفناه.
فنحن بعد لم تثبت(١) خلافنا لهذا الحديث، إذ كنا نقول: إن من العصا، ما إذا قتل به ، لم يجب به على
القاتل فود .
وهذا المعنى الذى حملنا عليه معنى هذا الحديث، أولى مما حمله عليه أهل المقالة الأولى ، لأن ما حملناه عليه
لا يضاد حديث أنس رضى الله عنه، عن النبي ◌َ له فى إيجابه القوّد على اليهودي، الذى رضخ رأس الجارية بحجر.
وما حمله عليه أهل المقالة الأولى ، يضاد ذلك وينفيه .
ولَأَنْ يحمل الحديث على ما يوافق بعضه بعضاً، أولى من أن يحمل على ما يضاد بعضه بعضاً .
فإن قال قائل: فأنت قد قلت إن حديث أنس رضى الله عنه هذا منسوخ فى الباب الأول، فكيف أثْبَتَّ
العمل به ههنا ؟
قيل له : لم نقل إن حديث أنس رضى الله عنه هذا منسوخ من جهة ما ذكرت ، وقد ثبت وجوب القود والقتل
بالحجر فى(٢) حديث أنس.
وإنما قلت : إن القصاص بالحجر ، قد يجوز أن يكون منسوخاً، لما قد ذكرت من الحجة فى ذلك .
حديث أنس رضى الله عنه فى إيجاب القود عندنا ، غير منسوخ .
وفى كيفية القود الواجب ، قد يحتمل أن يكون منسوخاً على ما فسرنا وبَيَّنًا فى الباب الذى قبل هذا الباب.
فسكان من الحجة للذين قالوا: إن القتل بالحجر ، لا يوجب القود، فى دفع حديث أنس رضى الله عنه
(١) وفى نسخة ((لم تثبت بعد)).
(٢) وفى نسخة ( من )).

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٧
٣ - باب شبه العمد
أنه قد يحتمل أن يكون ما أوجب النبى معَّ من القتل فى ذلك، حقاً لله عز وجل، وجعل اليهودى كقاطع
الطريق، الذى يكون ما وجب عليه حداً من حدود الله عز وجل .
فإن كان ذلك كذلك، فإن قاطع الطريق إذا قتل بحجر أو بعصا ، وجب عليه القتل فى قول الذى يزعم أنه
لا فود على من قتل بعصا ، وقد قال بهذا القول ، جماعة من أهل النظر .
وقد قال أبو حنيفة رضى الله عنه فى الخناق ( إن عليه الدية، وأنه لا يقتل إلا أن يفعل ذلك غير مرة ، فيقتل
ويكون ذلك حداً من حدود الله عز وجل ) .
فقد يجوز أن يكون التي تَّ قتل اليهودى ، على ما فى حديث أنس رضى الله عنه، لأنه وجب عليه القتل
لله عز وجل ، كما يجب على قاطع الطريق .
فإن كان ذلك كذلك ، فإن أبا حنيفة رضى الله عنه يقول: كل من قطع الطريق ، فقتل بعصا أو حجر ،
أو فعل ذلك فى المصر ، يكون حكمه فيما فعل ، حكم قاطع الطريق ، وكذلك الخناق الذى قد فعل ذلك غير
مرة أنه يقتل .
وقد كان ينبغى فى القياس على قوله : أن يكون يجب على من فعل ذلك مرة واحدة ، القتل، ويكون ذلك حدًّا
من حدود الله عز وجل ، كما يجب إذا فعله مراراً، لأنا رأينا الحدود، يوجبها انتهاك الحرمة مرة واحدة ، ثم لا يجب
على من انتهك تلك الحرمة ثانية ، إلا ما وجب عليه فى انتها كها فى البدء.
فكان النظر فيما وصفنا ، أن يكون الجانى الخناف كذلك أيضاً، وأن يكون حكمه فى أول مرة ، هو حكمه
فى آخر مرة ، هذا هو النظر فى هذا الباب.
وفى ثبوت ما ذكرنا ، ما يرفع أن يكون فى حديث أنس رضى الله عنه ، حجة على من يقول ( من قتل رجلا
بحجر فلا قود عليه) .
٥٠٣١° - وكان من حجة أبى حنيفة رضى الله عنه أيضاً فى قوله هذا، ما حرّشا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب،
قال : أخبر فى يونس ، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، عن أبى هريرة ، قال: اقتتلت امرأتان
من هذيل، فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها، فاختصموا إلى رسول الله عَ لّ، فقضى أن دية
جنينها عبداً وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها ، وورثها ولدها ومن معهم.
فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلى: يا رسول الله، كيف أغرم (١) من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق،
ولا استهل ؟ فمثل ذلك بطل(٣).
فقال رسول الله والق ((إنما هذا(٣) من إخوان الكهان)) من أجل سجعه الذى سجعه.
(١) (كيف أغرم) بفتح الراء، أى: أعلى غرامة، أى: دية من لا شرب، أى: لا لبناً ولا ماء.
(٢) (بطل) بفتح الياء الموحدة وتخفيف اللام فعل ماض من (البطلان) وللامام محمد بن الحسن فى موطئه، والنسائى فى مجتياه
( بطل) بضم المثناة التحنائية وفتح العطاء وتشديد اللام ومعناه: يهدر وبلغى ويطل.
(٣) (إنما هذا) أى: القائل المسجع بالهذيان المخالف لحكم القرآن، من إخوان الكهان يضم الكاف وتحديد الهاء: جع
الكامن، أى: واحد منهم، كذا فى كشف المغطاة .

١٢ - كتاب الجنايات
١٨٨
٣ - باب شبه العمد
٥٠٣٢ - حدّثْا الحسين بن نصر، قال: ثنا الفريابى، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إراهيم، عن عبيد
ابن نضلة الخزاعى، عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين(١) ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط فقتلتها.
فقضى رسول الله عَّ بالدية على عصبة القاتلة، وقضى ما فى بطنها بِغُرَّةً، والغرة ، عبد أو أمة.
فقال الأعرابى (أغرم من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح، ولا استهلّ، ومثل ذلك بطل).
فقال (سجع کسجع الأعراب ) .
٥٠٣٣ - حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة، عن منصور، عن إبراهيم، عن
عبيد بن نضلة، عن المغيرة، عن النبى عزبة ، مثله .
قالوا: فهذه الآثار تخبر أن النبى معَ له لم يقتل المرأة القاتلة بالحجر، ولا بعمود (٣) الفسطاط، وعمود الفساط
يقتل مثله، فدل ذلك على أنه لا قود على من قتل بخشبة ، وإن كان مثلها يقتل .
فكان من حجة من خالفهم فى ذلك أن قال: فقد روى حمل عن النبىٍ يَّ خلاف هذا ، فذكر ما حدثنا
ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج ، قال: أخبر نى عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس
أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه نشد الناس (أى سألهم وأقسم عليهم) قضاء (٣) رسول الله عز بة فى الجنين.
فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: إنى كنت بين امرأتين، وإن إحداهما ضربت الأخرى بمسطح(٤) فقتلتها
وجنينها فقضى رسول الله عَّعه فى الجنين بقرة، وأن تقتل مكانها .
٥٠٣٤ - حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا الحميدى، قال: ثنا هشام بن سليمان المخزومى، عن ابن جريج، عن عمرو
ابن دينار، عن طاوس ، عن ابن عباس مثله، غير أنه لم يذكر قوله ( وأن تقتل مكانها).
فهذا حمل بن مالك رضى الله عنه، يروى عن النبى عَلى أنه قتل المرأة بالتى قتلتها بالمسطح .
فقد خالف أبا هريرة والمغيرة رضى الله عنهما، فيما رويا عن النبى يُؤله من قضائه بالدية فى ذلك.
فقد تسكافأت الأخبار فى ذلك .
فلما تكافأت واختلفت، وجــ النظر فى ذلك، لنستخرج من القولين قولا صحيحاً، فاعتبرنا ذلك.
فوجدنا الأمل المجمع عليه أن من قتل رجلا بحديدة عمداً ، فعليه القود ، وهو آثم فى ذلك، ولا كفارة عليه
فى قول أكثر العلماء.
وإذا قتله خطأً ، فالدية على عائلته، والكفارة عليه، ولا إثم عليه فكانت الكفارة تجب حيث يرتفع الإثم .
(١) (امرأتين) وكانتا ضرتين، تحت حمل بن مالك بن النابنة، قاله الإمام العينى.
(٢) بسود الفسطاط، بفتح العين وضم الفاء وهى مثلثة: ضرب من الأبنية فى المغر دون السرادق . المولوى ومى أحد،
(٣) وفى نسخة " بما قضى ء.
سفيه الصمد .
(٤) بمسطح، بكسر الميم: عمود من أعواد الخباء أحَلة اللحم كقاطعة اللحم، هى المسكين والعصا المحددة، والبناء والمياط،
كذا فى القاموس .

4
١٢ - كتاب الجنايات
١٨٩
٤ - باب شبه العمد فيما دون النفس
وترتفع الكفارة حيث يجب الإثم .
ورأينا شبه العمد، قد أجمعوا أن الدية فيه، وأن الكفاره فيه واجبة، واختلفوا فى كيفيتها ما هي ؟
فقال قاتلون: هو الرجل يقتل رجلًا متعمداً بغير سلاح .
وقال آخرون: هو الرجل يقتل الرجل بالشىء الذى لا يرى أنه بقتله، كأنه يتعمد ضرب رجل بسوط أو بشئ.
لا يقتل مثله فيموت من ذلك فهذا شبه العمد عندهم .
فإن كرر عليه الضرب بالسوط مراراً ، حتى كان ذلك مما قد يقتل مثله(١)، كان ذلك عمداً، ووجب
عليه فيه القود . وكل من جعل منهم شبه العمد على جنس من هذين الجنسين أوجب فيه الكفارة .
وقد رأينا الكفارة فيا فد أجمع عليه الفريقان، تجب حيث لا يجب الاثم ، وتنتفي حيث يكون الإثم ، وكان
القاتل بحجر، أو بعصا، أو مثل ذلك يقتل، عليه إنم النفس، وهو فيما بينه وبين ربه، كمن قتل رجلا بحديدة،
وكان من قتل رجلا بسوط، ليس مثله يقتل ، غير آثم إنم القتل » ولكنه آثم إنم الضرب، فكان إثم القتل
فى هذا عنه مرفوعاً ، لأنه لم يرده ، وإنم الضرب عليه مكتوب ، لأنه قصده وأراده.
فكان النظر أن يكون شبه العمد ، الذى قد أجمع أن فيه كفارة فى النفس، هو ما لا إتم فيه ، وهو القتل
بما ليس مثله يقتل، الذى يتعمد به الضرب، ولا يراد به تلف النفس، فيأتى ذلك على تلف النفس.
فقد ثبت بذلك قول أهل هذه المقالة ، وهو قول أبى يوسف، ومحمد ، رحمة الله عليهما .
وقد روى ذلك أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
٥٠٣٥ - حدّثْأ ابن أبى داود، قال: تناعيسى بن إبراهيم البركي، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا الحجاج،
قال: حِّشى زيد بن جبير الجشمى، عن جُرْوَة بن حُمَيل(٢)، عن أبيه، قال: قال عمر بن الخطاب ( يعمد أحدكم
فيضرب أخاه مثل آكلة اللحم) قال الحجاج: يعنى، العصا، ثم يقول (لا قود علىّ، لا أُوْتَى بأحد فعل
ذلك إلا أقدته) . وقد روى عن على رضى الله عنه خلاف ذلك .
٥٠٣٦ - حدّثْا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا شريك، عن أبى إسحاق، عن عاصم بن ضمرة،
عن علي قال ( شبه العمد ، بالعصا والحجر الثقيل، وليس فيهما قود) والله أعلم بالضواب.
٤ - باب شبه العمد
ھلیکون فیما دون النفس، کما یکون في النفس؟
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: لما ثبت عن رسول اللهوَ لّم أن النفس قد يكون فيها شبه محمد، كان كذلك
فيا(٣) دون النفس، وذكر فى ذلك، الآثار التى قد رويناها عن رسول الله عََّّه التى فيها « ألا إن قتيل خطأ العمد،
(١) وفى نسخة («جلته)). (٢) وفى نسخة ((حرقة بن حيفل)) وفى أخرى ((عروة بن محمد». (٣) وفى نسخة ((ما)).

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٠
٥ - باب الرجل يقول عند موته
بالسوط، والعصا، والحجر، فيه مائة من الإبل، منها أربعون خلفة(١) فى بطونها أولادها)).
فكان من حجتنا علیه فى ذلك أنه قد روی عن النی گګ فى النفس ، ما قد روى عنه فيها .
وقد روى عنه فیما دون النفس ، ما يخالف ذلك ، وهو ما قد ذ کرناه باسناده فى أول هذا الكتاب فى خبرٍ
الرَّبَيُّع أنها لطمت جارية، فكسرت تنيتها، فاختصموا إلى رسول الله مَولم فأمر بالقصاص.
وقد رأينا اللطمة إذا أتت على النفس ، لم يجب فيها قود ، ورأيناها فيا دون النفس ، قد أوجبت القواد .
مثبت بذلك أن ما كان فى النفس شبه عمد ، أنه فيا دون النفس عمد على تصحيح هذه الآثار .
وهو قول أبى حنيفة، وأبى يوسف ، ومحمد بن الحسن ، رضوان الله عليهم أجمعين.
٥ -باب الرجل يقول عند موته: إنّ متُ ففلان قتلني
قال أبو جعفر: قد روينا فيا تقدم من هذا الكتاب، أن رسول الله ◌َي لما سأل الجارية التى رضخ رأسها
((من رضخ رأسك، أفلان هو ؟)) فأومت برأسها أى نعم، فأمر رسول الله عَ ل برضخ رأسه بين حجرين.
فذهب قوم إلى هذا الحديث ، فزعموا أنهم الدوه، وقالوا: من ادَّعى - وهو فى حال الموت - أن فلاناً قتله.،
ثم مات، قُبِلَ فوله فى ذلك، وقتل الذى ذكر أنه قتله .
وخالفهم فى ذلك آخرون، فقالوا: قد يجوز أن يكون التى تَلت سأل اليهودى ، فأقر بما ادعت الجارية عليه
من ذلك ، فقتله بإقراره ، لا بدعوى الجارية .
قاعتبرنا الآثار التى قد باءت فى ذلك: هل تجد فيها على شيء من ذلك دليلا ؟
٥٠٣٧ - فإذا ابن أبى داود قد صّشْا قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن
النبى ◌َّ نحوه، وزاد ( قال: فسأله، فأقر بما ادعت، فرضخ رأسه بين حجرين).
٥٠٣٨ - حدّشْا فهد، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسى، قال: ثنا هام، عن قتادة، عن أنس أن يهودياً رضخ رأس
جارية بين حجرين ، فقيل لها : من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودى، فأُتِيَ به فاعترف ،
فأمر به رسول الله رَبّ ، فرضخ رأسه بين حجرين .
ففى هذا الحديث أن رسول الله وَ﴾ إنما قتله بإقراره بما أدُّعِىَ عليه، لا بدعوى الجارية.
وقد بين ذلك أيضاً ما قد أجمعوا عليه .
(١) خلفة، بفتح خاء معجمة وكسر لام: الحامل من النوق، فقوله ( فى بطونها أولادها) تفسير له وتجمع على (خافات)
و (خلالف) وخلفت: إذا حملت، المولوى وصى أحمد ، سامه الصمد .

١٢ - كتاب الجنايات
١٩١
٥ - باب الرجل يقول عند موته
ألا ترى أن رجلا لو ادعى على رجل دعوى فتلا أو غيره ، فسأل المدعى عليه عن ذلك فأومى برأسه ، أى: نعم،
أنه لا يكون بذلك مقراً .
فإِذا كان إيماء الدَّعَى عليه برأسه، لا يكون منه إقراراً يجب به عليه حق، كان إيماء الدَّعِى برأسه
أحرى أن لا يوجب له حقاً .
٥٠٣٩ - وقد حّشْا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: أخبر نى ابن جريح، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس
قال: قال له رسول اللهم ◌َ ثل ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين
على الدعى عليه )) .
فتع رسول الله عَ ◌ّل أن يعطى أحد بدعواه دماً، أو مالا، ولم يوحب للمدَّعِى فيه بدعواه إلا باليمين.
فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معانى الآثار .
وأمَّا وجه ذلك من طريق النظر، فإنهم قد أجمعوا أن رجلا لو ادعى فى حال موته أن له على رجل دراهم ،
ثم مات ، أن ذلك غير مقبول منه، وأنه فى ذلك ، كهو فى دعواه فى حال الصحة .
فالنظر على ذلك ، أن يكون كذلك هو فى دعواه الدم فى تلك الحال ، كهو فى دعواه ذلك فى حال الصحة .
وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف ، ومحمد ، رحمة الله عليهم أجمعين .
٥٠٤٠ - وقد حدّثْا نصر ابن مرزوق، قال: ثنا خالد بن نزار، قال: أخبرنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة
قال : كنت عاملا لابن الزبير على الطائف، فكتبت إلى ابن عباس فى امرأتين كانتا فى بيت بخرزان حريراً لها،
فأصابت إحداهما يد صاحبتها بالإشفى(١) نجرجتها، فخرجت وهي تدمى(٣) وفى الحجرة حدَّاتٌ، فقالت : أصابتنى
فأنكرت ذلك الأخرى .
فكتبت فى ذلك إلى ابن عباس، فكتب إلىَّ: إن رسول اللهم ◌َل فضى إأن اليمين على المدعى عليه،
ولو أن الناس أعطوا بدعواهم، لادَّعى ناس من الناس، دماء رجال وأموالهم، فادعها فاقرأ هذه الآية عليها
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْغَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَ نِهِمْ تَمَعاً قَلِيلاً) الآية، فقرأت عليها الآية ، فاعترفت.
قال نافع : لحمسبت أنه قال : فبلغ ذلك ابن عباس ، فسره .
أفلا ترى أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، قد رد حكمها فى ذلك إلى حكم سائر ما يدعى الناس بعضهم
على بعض، والله أعلم.
(١) بالإشفى، بكسر همزة وسكون هين معجبة وبناء مقصورة: آلة الخرز للأسكاف، كذا فى المجمع وفى القاموس.
الإعفاء : الثقب والسراد يخرز به ويؤنث :
(٢) ((تدمى)، أى: يجرى ههنا دم، وقوله (حداث) أى: جماعة يتحدثون، وهو جمع شاذ، المولوي وصى أحمد :
سامة الصيد .

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٢
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
٥٠٤١ _ أحدمشا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: أخبرنا سفيان. ح
٥٠٤٢ - وحّشْا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا أسباط، عن مطرف بن طريف، عن الشعبى، عن أبى
جحيفة، قال: سألت عليًّا: هل عندكم من رسول الله عَّله سوى القرآن؟.
فقال(١) والذى فلق الحبة(٢) وبرأ النسمة، ما عندها من رسول الله ◌َ لنقل سوى القرآن، وما فى هذه الصحيفة.
قال: قلت، وما فى هذه الصحيفة؟ قال: (العقل(٣) وفكاك الأسير، وأن لا يُقْتَلَ مسلم بكافر)).
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن المسلم، إذا قتل الكافر متعمداً، لم يقتل به، واحتجوا فى ذلك بهذا الحديث.
وخالفهم فى ذلك آخرون ، فقالوا : بل يقتل به .
وكان من الحجة لهم فى ذلك أن هذا الكلام الذى حكاه أبو جحيفة فى هذا الحديث ، عن على رضى الله عنه ،
لم يكن منفرداً(٤) ولو كان منفرداً(٥) لاحتمل ما قالوا، ولكنه كان موصولا بغيره.
٥٠٤٣ - أحدشْ ابن أبى داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبى عروبة، قال: ثنا قتادة، عن الحسن،
عن قيس بن عباد، قال: انطلقت أنا والأشتر(٦) إلى عليّ، فقلنا هل عهد إليك رسول الله عزّ عهداً، لم يعهده
إلى الناس عامة؟ قال: ((لا، إلا ما كان فى كتابى هذا)) فأخرج كتاباً من قراب(٢) سيفه، فإذا فيه ((المؤمنون
تتكافأ دماؤهم، ويسمى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، لا يقتل مؤمن يكافر ، ولا ذو عهد فى عهده،
ومن أحدث حدثاً فعلى نفسه ، ومن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله، والملائكة ، والناس أجمعين».
وهذا هو حديث على رضى الله عنه بتمامه، والذى فيه من نفى قتل المؤمن بالكافر، هو قوله (( لا ينقل مؤمن
بکافر ، ولا دو عهد فی عہده » .
(١) وفى نسخة ((قال)).
(٢) فلق الهبة، أى: شفها فأخرج منها النبات، وبرأ النسمة، بفتحتين أى: خلقها. والنسمة النفس وكل دابة فيها روح
فهى نسمة ، يشير بذلك إلى أن الحلوف به سبحانه هو الذى قطر الرزق وخلق المرزوق وكذلك كان يحلف إذا اجتهد فى يمينه ،
قاله بعض الشراح من عدانا .
(٣) العقل، أى: الدية وأحكامها، يعى فيها ذكر ما يجب لدية النفس والأعضاء من الإبل، وذكر إنسان تودى فيها.
قوله وفكاك الأسير يفتح فاء وكسرها هو ما يحصل به خلاصه، أى: فيها حكمه والترغيب فيه وأنه من أنواع بر يهتم به.
(٥) وفى نسخة « مفرداً)).
(٤) وفى نسخة (مفرداً)).
(٦) الأعلى، هو مالك بن الحارث، والأحارافه، قوله: عهد إليه: أوصى إليه.
(٧) فراب ، بكر القاف: وعاء من جلد، وفى الحديث إمكان زعم من زعم كالشيعة وغيرهم من أنه أوصى إلى على رضى الله عنه
قوله: "تكافاً، أي: تقاوى في القصاس والديات، و(المكفه) النظير والمساوى، وقوله: بذمتهم، الذمة: العهد والأمان.
قوله : أدناهم أى : أقلهم عدداً أو رنة

-،،و ...
١٢ - کتاب الجنايات
١٩٣
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
فاستحال أن يكون معناه، على ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، لأنه لو كان معناه على ما ذكروا، لكان ذلك
لحناً(١) ورسول الله مَّ أبعد الناس من ذلك، ولكان لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذى عهد فى عهده .
فلما لم يكن لفظه كذلك، وإنما هو (( ولا ذو عهد فى عهده)) علمنا بذلك أن ذا العهد، هو المعنىُّ بالقصاص.
فصار ذلك ، كقوله (( لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد فى عهده ، بكافر )).
وقد علمنا أن ذا العهد كافر، فدل ذلك أن الكافر الذى منع النى تَّة أن يقتل به المؤمن فى هذا الحديث،
هو الكافر الذى لا عهد له .
فهذا ممَّا لا اختلاف فيه بين المؤمنين ، أن المؤمن. لا يقتل بالكافر الحربى ، وأن ذا العهد الكافر الذى قد صار
له ذمة ، لا يقتل به أيضاً .
وقد نجد مثل هذا كثيراً فى القرآن، قال الله تعالى ((والَّائِى بَئِسْنَ مِنَ الْتَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ
إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَُّهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرِ وَالَّلَاِّئِى لَمْ يَحِضْنَ)).
فسكان معنى ذلك (( واللائى يئن من الحيض، واللائى لم يحضن، إن ارتبتم، فعدتهن ثلاثة أشهر؟ فقدم وأخر.
فكذلك قوله (( لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهده) إنما مراده فيه، والله أعلى (( لا يقتل مؤمن،
ولا ذو عهد فى عهده ، بكافر ٤ فقدم وأخر .
فالكافر الذى منع أن يقتل به المؤمن ، هو الكافر غير المعاهد .
فإن قال قائل: قوله (( ولا ذو عهد فى عهده)) إنما معناه (( لا يقتل مؤمن بكافر)) فانقطع الكلام، ثم قال
(ولا ذو عهد فى عهده)) كلاماً مستأنفاً أى: ((ولا يقتل المعاهد فى عهده)).
فكان من حجتنا عليه أن هذا الحديث، إنما جرى فى الدماء المسفوك بعضها ببعض، لأنه قال (المسلمون يَد
على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسمى بذمتهم أدناهم) ثم قال (لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد فى عهده)
فإنما أجرى الكلام على الدماء التى تؤخذ (٢) قساساً، ولم يجر على حرمة دم بعهد، فيحمل الحديث على ذلك،
فيذا وجه .
وحجة أخرى أن هذا الحديث إنما روى عن علىّ رضى الله عنه، عن النبي ◌َّه ولا نعلم أنه روى عن غيره
من طريق صحيح ، فهو كان أعلم بعأويله .
وتأويله فيه(٣) إذ كان محتملا عندكم، يحتمل هذين المعنيين ، الذين ذكرتم دليل على أن معناه فى الحقيقة،
هو ما تأوله عليه .
٥٠٤٤ - مرّثًا إبراهيم بن أبى داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّشن الليث، قال: حّشْ عقيل، عن
(١) لحناً، الحن: الميل عن جهة الاستقامة (لحن فى كلامه) إذا مال عن صحيح المنطق. المولوى: وهى أحمد سلمه الجسمد.
(٢) وفى نسخة ((هو فيه»
(٢). وفى نسخة ( تجرى ) .

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٤
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
ابن شهاب أنه قال: أخبرنى سعيد بن المسيب، أن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قال - حين قتل عمر - مررت
على أبى لؤلؤة(١) ومعه هرمزان .
فلما بغتهم(٢) ثاروا(٣) فسقط من ينهم خنجر ، له رأسان ممسكه فى وسطه .
قال: قلت، فانظروا فعله الخنجر الذى قتل به عمر فنظروا، فإذا هو الخنجر الذى وصفب عبد الرحمن .
فانطلق عبيد الله بن عمر، حين سمع ذلك من عبد الرحمن ، ومعه السيف حتى دعا الهرمزان
فلما خرج إليه قال : انطلق، حتى تنظر إلى فرس لى ثم تأخر عنه إذا مضى بين يديه علاء بالسيفب، فلما وجد
مس(٤) السيف قال (لا إله إلا الله) قال عبيد الله ودعوت خفيفة، وكان نصرانياً من نصارى الحيرة، فلما خرج
إلىّ ، علوته بالسيف فصلت(٥) بين عينيه، ثم انطلق عبيد الله ، فقتل ابنة أبى لؤلؤة صغيرة تدعى الإسلام.
فلما استخلف عثمان دعا المهاجرين والأنصار، فقال: أشيروا علي فى قتل هذا الرجل الذى فتق (٦) فى
الدين ما فتق.
فاجتمع المهاجرون فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشدة عليه، ويحثون عمان على قتله وكان فوج(٢) الناس الأعظم
مع عبيد الله يقولون لحفينة والهرمزان أبعدهما الله ، فكان فى ذلك الاختلاف.
ثم قال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن هذا الامن، قد أعفاك (٨) الله من أن تكون بعد ما قد بويعت،
وإنما كان ذلك قبل أن يكون لك على الناس سلطان، فأعرض عن عبيد الله.
وتفرق الناس عن خطبة عمرو بن العاص، وودي الرجلين(4) والجارية.
ففى هذا الحديث أن عبيد الله رضي الله عنه، قتل حفيدة وهو مشرك، وضرب الهرمزان وهو كافر ، ثم كان
إسلامه بعد ذلك .
فأشار المهاجرون ، رضوان الله عليهم، على عثمان، رضى الله عنه، بقتل عبيد الله وعلىّ فيهم .
فمحال أن يكون فول النبى معَ﴾ (( لا بقتل مؤمن بكافر)) يراد به غير الحربى، ثم يشير المهاجرون)، وفيهم
على ◌ّ، على عثمان بنثل عبيدالله بكافر ذى عهد، ولكن معناه، هو على ما ذكرنا، من إرادته الكافر الذى لا ذمة له.
فإن قال قائل: ففى هذا الحديث أن عبيد الله رضى الله عنه، قتل بنتاً لأبى لؤلؤة صغيرة، تدَّعى الإِسلام،
فيجوز أن يكون إنما استحلوا سفك دم عبيد الله بها، لا بحفينة والهرمزان
(١) أبو لؤلؤة هو فلام المغيرة، قائل عمر رضى الله عنه و(الهرمزان) علم لرجل من عظماء العجم.
(٢) وفى نسخة (بلغهم)، ينتهم، أى: البأم " البفتة)» هى الفجاء (و يجته)) كـ(( منته)) فاجأً ..
(٣) ثاروا، أى نهضوا، وتايوا، والخنجر هو البكين، أو العظيمة منها.
(!) وفى شنطة ( حر ه ..
(٥) وق حنيفة ، وصلب .
(٦) فتقى قتقة، شفه الفتق أيضاً: يخفى مصا الجماعة.
(٢) وفى لخة (( فرج)).
(٨) وفى نسخة * قد عناك».
(٩) وفى نسخة "الرجلان)

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٥
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
قيل له : فى هذا الحديث ما يدل على أنه أراد قتله بحفينة والهرمزان، وهو قولهم ((أبعدهما الله)).
فيحال أن يكون عثمان رضى الله عنه أراد أن يقتله بغيرهما، ويقول الناس له ( أبعدهما الله) ثم لا يقول لهم
( إنى لم أرد قتله بهذين، إنما أردت قتله بالجارية) ولكنه أراد قتله بهما وبالجارية.
ألا تراه يقول ( فكثر فى ذلك الاختلاف).
فدل ذلك أن عثمان رضى الله عنه إنما أراد قتله بمن مثل، وفيهم الهرمزان وحفينة .
فقد ثبت بما ذكرنا، ما صح عليه معنى هذا الحديث أن معنى حديثه ، على الأول ، على ما وصفنا، فانتفى أن
يكون فيه حجة ، تدفع أن يقتل المسلم بالذي.
وقد وافق ذلك أيضاً رشده، ما قد روى عن النبى ◌َّ وإن كان منقطعاً .
٥٠٤٥ - حدّثًا ابن مر زوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن، عن
عبد الرحمن بن البيانى، أن النبى ◌َ ◌ّ أُتِىَ برجل من المسلمين، قد قتل معاهدا (١) من أهل الذمة، فأمر به،
فضرب عنقه وقال ( أنا أولى من وفى بذمته).
٥٠٤٦ - حرًّا سليمان بن شعيب قال: ثنا يحيى بن سلام، عن محمد بن أبي حميد المدني عن محمد بن المنكدر، [عن
عبد الرحمن بن البيلماني ] عن النبي ولا مثله. والنظر، عندنا، شاهد لذلك أيضاً، وذلك أنا رأينا الحربي دمه حلال،
وماله حلال، فإذا صار ذمياً، حرم دمه وماله، كحرمة دم المسلم، ومال المسلم.
ثم رأينا من سرق من مال الذي ، ما يجب فيه القطع، قُطعَ، كما يقطع فى مال المسلم .
فلما كانت العقوبات فى انتهاك المال الذى قد حرم بالذمة، كالعقوبات فى انتهاك المال الذى حرم بالإسلام،
كان يجىء فى النظر أيضا أن تكون العقوبة فى الدم الذى قد حرم بالذمة، كالعقوبة فى الذى قد حرم بالإسلام.
فإن قال قائل: فإنا قد رأينا العقوبات الواجبات فى انتهاك حرمة الأموال، قد فرق بينهما وبين العقوبات
الواجبات فى انتهاك حرمة الدم، وذلك أنا رأينا العبد يسرق من مال مولاه، فلا يقطع، وَيَفْتُلُ مولاه فَيُقْتَلُ
فرق بين ذلك فا تنكرون أيضاً أن يكون قد فرق بين ما يجب فى انتهاك مال الذمى ودمه ؟
قيل له : هذا الذى ذكرت ، قد زاد ما ذهبنا إليه توكيداً، لأنك ذكرت أنهم أجمعوا أن العبد لا يقطع
فى مال مولاه، وأنه يقتل بمولاه وبعبيد مولاه .
فا وصفت، من ذلك، كما ذكرت، فقد خففوا أمر المال ، ووكَّدوا أمن الدم ، فأوجبوا العقوبه فى الدم،
حيث لم يوجبوها بالمال .
فلما نجت توكيد أمر الدم، وتخفيف أمي المال، ثم رأيها مال الذى يجب فى انتهاكه، على المسلم من العقوبة،
(١) معاهداء. بكر ماء وتحها، والفتح أشهر وأكثر، فلل فى النهاية (هو من كان بينه وبينك عهد) وأكثر ما يطلق
فى الحديث، على الذمى. الموثوى: ومي أحمد سامه الصمد.

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٦
٦ - باب المؤمن يقتل الكافر متعمداً
كما يجب عليه فى انتهاك مال المسلم، كان دمه أحرى أن يكون عليه فى انتهاك حرمته من العقوبة، ما يكون عليه
فى انتهاك حرمة دم المسلم .
وقد أجمعوا أن ذميا لو قتل ذمياً، ثم أسلم القاتل، أنه يقتل بالذى الذى قتله فى حال كفره ، ولا يبطل
ذلك إسلامه .
فلما رأينا الإسلام الطارئ على القتل، لا يبطل القتل الذى كان فى حال الكفر، وكانت الحدود تمامها أحدها،
ولا يوجد على حال - لا يجب فى البدء مع تلك الحال.
ألا ترى أن رجلا لو قتل رجلا، والمقتول مرتد، أنه لا يجب عليه فى، وأنه لو جرحه وهو مسلم، ثم ارتد
- عياذاً بالله - فمات، لم يقتل.
فصارت ردته التى تقدمت الجناية، والتي طرأت عليها فى دره القتل - سواء.
فكان كذلك فى النظر ، أن يكون القاتل قبل جنايته وبعد جنايته سواء .
ولما(١) كان إسلامه بعد جنايته قبل أن يقتل بها، لا يدفع عنه القود، كان كذلك إسلامه المتقدم لجنابته،
لا يدفع عنه القود .
وهذا قول أبى حنيفة، وأبى يوسف، ومحمد ، رحمة الله عليهم أجمعين.
٥٠٤٧ - وقد حدّثْا إبراهيم بن مر زوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، من النزال(٢)
ابن سبرة قال: قتل رجل من المسلمين رجلا من العباد(٣) فذهب أخوه إلى ممر، فكتب ممر، أن(٤) يقتل ، فجعلوا
يقولون، اقتل جبير(٢) فيقول (حتى يجيء الغيظ) قال: فكتب ممر أن يُودَى ولا يقتل.
فهذا عمر رضى الله عنه فد رأى أيضاً أن يقتل المسلم بالكافر، وكتب به إلى عامله بحضرة أصحاب رسول الله
مَّ فم ينكره عليه منهم مفكر .
فهذا - عندنا - منهم على المتابعة منهم له على ذلك، وكتابه بعد هذا (لا يقتل) فيحتمل أن يكون ذلك كان
منه على أنه كرة أن يبيحه دمه، لما كان من وقوفه عن فتله(٦) وجعل ذلك شبهة منعه بها من القتل، وجعل له
ما يجعل فى القتل العمد الذى تدخله شبهة ، وهو الدية .
وقد قال أهل المدينة ( إن المسلم إذا قتل الذمي ، قتل غيلة على ماله ، أنه يقتل به ).
فإذا كان هذا عندهم، خارجا من قول النبىٍ تَ ◌ّ ((لا يقتل مسلم بكافر ؟»
والتى هي لم يشترط من الكفار أحداً.
فيكما كان لهم أن يخرجوا من الكفار من أريد ماله، كان لمخالفيهم أن يخرج أيضاً من وجبت ذمته .
(١) وفى نسخة (( فكما)).
(٢) تزال بن سبرة يفتح المهملة وسكون الموحدة من الثانية وقيل حسابى.
(٢) وفى نسخة («الكفار)). (٤) وفى نسخة (ه أنه)». (٥) وفى نسخة ((.حنين)» (٦) وفى ضيقة «قتل)).

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٧
٧ - باب القسامة
٧ - باب القسامة(١)
هل تكون على ساكني الدار الموجود فيها القتيل، أو على مالكها؟
٥٠٤٨ - مرّشْا يونس، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع بُشير(٢) بن يسار، عن سهل بن أبى حثمة،
قال : وجد عبد الله بن سهل قتيلا فى قليب (٣) من قلب خبير.
فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل، وعماه ◌ُحُوَيْمَةَ وُحَيْسَةَ، ابنا مسعود رضى الله عنه إلى رسول اللهومَثـ
فذهب عبد الرحمن ليتكلم .
فقال النبى يُّ (( الكُبر(٤) الكُبر)) فتكلم أحد عميه، إما حريصة، وإما محيصة، تكلم الكبير منهما .
قال : يا رسول الله ، إنا وجدنا عبد الله بن سهل فتيلا، فى قليب من قلب خيبر، وذكر عداوة يهود لهم .
قال: (( أفتبرئك يهود بخمسين يمينا أنهم لم يقتلوه؟)) قال: قلت، وكيف رضى بأيمانهم وهم مشركون؟
قال (( فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه)) قالوا: كيف نقسم على ما لم تر؟ فوداه رسول الله ثم في من عنده.
٥٠٤٩ - حدّثْا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار أنه أخبره
أن عبد الله بن سهل الأنصارى ، ومحيصة بن مسعود، خرجا إلى خيبر فتفرقا فى حوائجهما، فقتل عبد الله بن سهل،
فبلغ محيصة .
. فأتى هو وأخوه حويصة، وعبد الرحمن بن سهل، إلى رسول الله ◌َ، فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه(٥)
من أخيه .
فقال رسول الله مواضع ((كبر كبر)).
(١) القسامة يفتح القاف مصدر لـ («أقسم، أو اسم لمصدره، ثم القوم الذين يحلفون سموا به وسببها وجود القتيل فى المحلة
أو فى معناها. وركنها قولهم ((بالله ما قتلناه، ولا علمنا له قائل)، وشرطها أن يكون المقسم رجلا حرا عاقلا. وحكمها القضاء
بوجوب الدية بعد الخلف ، سواء كانت الدعوى فى القتل العمد أو الخطأ. قاله القارى.
(٢) بشير بن يسار. بضم الموحدة وفتح المعجمة و(يسار) بالتحتية وتخفيف المهملة.
(٣) قليب يفتح قاف وكسر لأم هى بير قلب ترابها قبل الطی، يذكر ويؤنت .
(٤) الكبر. بضم فسكون. أى: قدم الأكبر فى أن يبدأ بالكلام، والتكرار للمبالغة والاهتمام فى المرام. قال فى النهاية
فلان أكبر قومه إذا كان أقدمهم فى النسب . المولوي وصى أحد ، سلمه الصمد .
(٥) وفى نسخة ((بمكانه)).

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٨
٧ - باب القسامة
فتكلم حويصة ومحيصة، فذكرا شأن عبد الله بن سهل، فقال لهم رسول الله عَّع ((أتحلفون خمسين يميناً،
أو تستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم ؟)).
قالوا (١) يا رسول الله، لم نشهد ، ولم يحضر ..
قال رسول الله وري (( أفتبر تكم يهود بخمسين يميناً؟)).
قالوا : يا رسول الله ، كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟.
قال مالك: قال يحيى بن سعيد، فزعم بشير أن رسول الله عَ ◌ّ ، وداء من عنده.
٥٠٥٠ - حرّشْا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سعيد بن عبيد الطائى، عن بشير بن يسار، أن رجلا من
الأنصار يقال له سهل بن أبى حثمة، أخبره أن تقرأ من قومه ، انطلقوا إلى خيبر ، فتفرقوا فيها ، فوجدوا
أحد ثم قتيلا .
فقالوا للذين وجدوه عندثم : قتلتم صاحبنا، قالوا : والله ما قتلنا ، ولا علمنا قاتلا.
فانطلقوا إلى نبى الله عَ ب، فقالوا: يا نبي الله، انطلقنا إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلا .
فقال رسول الله رَح (الكُبر الكُبر)) فقال لهم ((تأتون بالبينة على من قتل؟)) قالوا: مالنا بيئة.
قال ((أفيحلفون لكم؟)) قالوا : لا ترضى بأنمان اليهود.
فكره رسول الله وَ ت أن يبطل(٢) دمه، فوداء بمائة من إبل الصدقة.
٥٠٥١ - حّشْأ يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكاً حدثه، عن أبى ليلى(٣) بن عبد الله بن عبد الرحمن،
عن سهل بن أبى حثمة أنه أخبره رجال من كبراء(٤) قومه أن عبد الله بن سهل ومحيصة، خرجا إلى خيبر من جُهْدٍ
أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قتل وطرح فى فقير(٥) أو عين.
فأتى بهوداً، فقال ( أنّم والله قتلتموه) فقالوا: والله ما قتلناه.
فأقبل حتى قدم على قومه، فذكر لهم ذلك ، ثم أقبل هو وأخوه حويصة ، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن سهل .
فذهب محيصة ليتكلم، وهو الذى كان بخير، فقال رسول الله مؤلف لهيصة ((كبر كبر)) يريد السن.
(١) وفى نسخة "قالوا :.
(٢) الصواب أن يقال ((أن يطل دمه)) بدل ((يبطل)).
(٣) أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سبل الأنصارى المدنى، ويقال: اسمه (عبد الله) ثقة من الرابعة، أخرج له
البخارى، وأبو داود ، والنسائى ، وابن ماجة ، كذا فى التقريب.
(٤) وفى نسخة ((كبار)). كبراء قومه، أى: مشايخهم وقدماؤهم، وقوله ((من جهد)) بضم الجيم وفتحها. أى: من
أجل جوع وقحط .
(٥) وفى نسخة («نهر)). فى فقير، بناء فقاف على لفظ ((الفقير)) من الآدميين هو البير القرية القعر الواسعة الفم،
وقيل : الحفرة التى تكون حول النخل، وقال مالك: الفقير: هو البير، قوله ((أو عين) شك من الراوى، قاله القارى.
المواوى ومى أحد ، سلمه المصعد .

١٢ - كتاب الجنايات
١٩٩
٧ - باب القسامة
فتكلم حريصة قبلُ ، ثم تكلم محيصة .
فقال رسول الله عَبِّ (( إما أن بَدُوا صاحبكم، وإما أن يُؤْذِنُوا بحرب».
فكتب إليهم رسول الله وَّ فى ذلك، فكتبوا (( إنا والله ما قتلناه)).
فقال رسول الله عَ لقل لحويصة ومخيصة، وعبد الرحمن ((أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟)) قالوا: لا ،
قال: (( أنتحلف لكم يهود؟» قالوا : ليسوا بمسلمين.
فوداه رسول الله عَلّ من عنده ، فبعث إليهم بمائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار.
قال أبو يوسف رحمه الله: فقد علمنا أن خيبر، كانت للمسلمين، لأنهم افتتحوها، وكانت اليهود ◌ُمَّالهَمْ فيها.
فلما وجد فيها هذا القتيل، جعل رسول الله تَّ القسامة فيه على اليهود السكان، لا على المالكين.
قال: فكذلك نقول: كل قتيل وجد فى دار ، أو أرض، فيها ساكن مستأجر ، أو مستعير، فالقسامة
فى ذلك، والدية على الساكن ، لا على دبها المالك .
وكان أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، رحمهما الله يقولان: المرية والقسامة فى ذلك، على المالك، لا على الساكن.
وكان من حجتهما(١) على أبى يوسف رحمه الله، أن ذلك القتيل، لم يذكر لنا فى هذا الحديث، أنه وجد بخيبر
بعد ما افتتحت ، أو قبل ذلك .
فقد يجوز أن يكون أصيب فيها بعد ما افتتحت ، فيكون ذلك كما قال أبو يوسف رحمه الله .
ويجوز أن يكون أسيب فى حال ما كانت صلحاً بين النبى عَ لَّم وبين أهلها .
فإن كان موجوداً فى حال ما كانت صلحاً، قبل أن تفتتح، فلا حجة لأبى يوسف رحمه الله فى هذا الحديث.
وفى حديث أبى ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، ما يدل أنها كانت يومئذ صفحاً ، وذلك أنه فيه أن
رسول الله وَلَّم قال للأنصار رضى الله عنهم ((إما أن يَدُوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب)) ولا يقال هذا إلا
لمن كان فى أمان وعهد، فى دار مي صلح بين أهلها وبين المدين .
وقد بين ذلك سلمان بن بلال ، فى حديثه عن يحيى بن سعيد .
٥٠٥٢ - مرّشْا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد
[عن بُشَير بن يسار] أن عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد الأنصاري، من بني حارثة، خرجا إلى
خيبر في زمن رسول الله وَالر، وهي يومئذ صلح، وأهلها يهود، فتفرقا لحاجتهما.
فَقُئِلَ عبد الله بن سهل، فَوُجِدَ فى شربه مقتولا، فدفنه صاحبه ثم أقبل إلى المدينة .
فِى أخو المقتول، عبد الرحمن بن سبل، ومحيصة، وحويصة، فذكروا لرسول الله مح له ، شأن عبد الله
ابن سهل ، وكيف قتل .
(١) وفى نسخة ((وكان من حجتنا لهما)).

١٢ - كتاب الجنايات
٢٠٠
٧ - باب القسامة
فزعم بشير بن يسار، وهو يحدث عمن أدرك من أصحاب النبي ◌َّ أنه قال لهم ((تحلفون خمسين يميناً،
وتستحقون دم قتیلكم ، أو صاحبكم ؟)).
فقالوا : يا رسول الله ، ما شهدنا ولا حضرنا .
قال ((أفتبرتكم يهود بخمسين يميناً؟ )) فقالوا: يا رسول الله ، كيف نقبل أنمان قوم كفار ؟
فزعم بشير أن رسول الله عَ ه عَقَله.
فبين لنا هذا الحديث ، أنها كانت فى وقت وجود عبد الله بن سهل فيها قتيلا، دار صلح ومهادنة، فانتفى بذلك
أن يلزم أبا حنيفة، ومحمداً، شىء (١) مما احتج به عليهما أبو يوسف، رحمة الله عليه من هذا الحديث، لأن فتح
خيبر إنما كان بعد ذلك .
قال أبو يوسف رحمة الله عليه: والنظر يدل على ما قلنا أيضاً .
وذلك أنا رأينا الدار المستأجرة والمستعارة، فى يد مستأجرها ومستعيرها لا فى يد ربها .
ألا ترى أنهما وربها، لو اختلفا فى ثوب وجد فيها ، أن القول فيه قولهما، لا قول ربه المار،
فكذلك ما وجد فيها من القتلى ، فهم موجودون فيها ، وهى فى يد مستأجرها ويد مستعيرها ، لا فى بد ربها.
فا وجب بذلك من قسامة ودية ، فعی علی من می فی یده، لا على من لیست فی یده، وإن گان ملکها له .
فكان من حجة محمد بن الحسن رحمه الله فى ذلك، أن قال: رأيت إجماعهم قد دل على أن القسامة تجب
على المالك ، لا على الساكن.
وذلك أن رجلا وامرأته ، لو كانت فى أيديهما دار يسكنانها، وهى الزوج ، فوجد فيها قتيل ، كانت القسامة
والدية على عاقلة الزوج خاصة ، دون عاقلة المرأة .
وقد علمنا أن أيديهما عليهما ، وأن ما وجد فيها من ثياب ، فليس أحدهما أولى به من الآخر إلا لمعنى ليس
من قِبل الملك واليد فى شىء .
فلو كانت القسامة يحكم بها على من الدار فى يده، لحكم بها على المرأة والرجل جميعاً، لأن الدار فى أيديهما ،
ولأنهما سكناها .
فلما كان ما يجب فى ذلك، على الزوج خاصة، دون المرأة، إذ هو المالك لها، كانت القسامة والذية فى كل
المواضع الموجود فيها القتلى ، على مالكها ، لا على ساكنها .
(١) وفى نسخة ((شيئاً)).