النص المفهرس

صفحات 281-300

البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
٢٨١
=
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قَد تَبَيَّنَّ بِبَقِيَّةِ الرِّوايَاتِ: أنَّ الزَّوجَتَينِ أقَلُّ مَا يَكُونُ لِسَاكِنٍ
الجَنَّةِ من نِسَاءِ الدُّنْيَا، وأنَّ أقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُ من الحَورِ العِينِ سَبِعُونَ زَوجَةٌ (١).
وأمَّا أكثَرُ ذلك: فَلَا حَصرَ لَهُ، وفي ((الصَّحِيحِ))(٢)، عن أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ،
عن النبي ◌َّ، قال (٨/ ٢٧١م): ((إَّ لِلمُؤْمن في الجَثَّةِ لَخَيمَةً من لُؤْلُؤَّةٍ واحِدَةٍ مُجَوفَةٍ،
طُولُهَا سِتُونَ مِيلًا، لِلمُؤمن فيهَا أهلُونَ يَطُوفُ عَلَيهم المُؤمن: فَلَا يَرَى بَعضُهُم
بَعضًا)»، وفي رِوايَةٍ: (((٣في كُلِّ زَاوِيَةٍ منهَا٣) أهلٌ لِلمُؤمن لَا يَرَاهُم الآخَرُونَ)).
ورَوى الترمذيُ (٤)، من رِوايَةٍ ثَورِ(٥) بنِ أبي فَاخِتَةً(٦)، عن ابنِ عُمَرَ، قال:
قال رسولُ اللهِ وَلَّ: ((إنَّ أدنَى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً: لَمَن يَنظُرُ إلى جِنَانِه(٧) وأزواجِه
ونَعِيمِهِ وخَدَمِه وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألفِ سَنَّةٍ، وأكرَمُهُم على الله مَن يَنظُرُ إلى وجهه غَدوةً
وعَشِيَّةً)).
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((يَرَى مُخَّ سَاقِهِمَا من ورَاءِ اللحم))؛ يَعنِي: من
شِدَّةِ صَفَاءِ لَحمِ السَّاقَيْنِ، كَمَا يُرَى السِّلكُ في جَوفِ الدُّرَّةِ الصَّافيةِ.
ورَوى الترمذيُّ من حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ مَرفُوعًا (٨): ((إِنَّ المَرأةَ من نِسَاءِ أهلِ
الجَنَّةِ: يُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِن وَرَاءِ سَبعِينَ حُلَّةً، حَتَّى يَرَى مُثَّهَا، وذلك بِأنَّ(٩) اللهَ
تعالى يَقُولُ: ﴿كَنَهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ
[الرحمن: ٥٨]. فَأْمَّا البَاقُوتُ: فَإِنَّهُ
٥٨
حَجَرٌ، لَو أدخَلت فيه سِلكًا ثُمَّ اسْتَصفَيتَهُ، لَرَأيته من ورائه)).
وفي هذا زِيَادَةٌ، وهيَ صَفَاءُ الخُلَلِ ورِقَّتُهَا، [٢٩٢/٢ظ] بِحَيثُ يُرَى المُخُّ من
ورَائها أيضًا، ولَو كَثُرَ عَدَدُهَا.
(١) في (ح): ((درجة)).
(٣ - ٣) ليس في: (ك٢، ح).
(٢) البخاري (٣٢٤٣)، ومسلم (٢٣/٢٨٣٨).
(٤) الترمذي (٣٣٣٠/٢٥٥٣).
(٥) في الترمذي، وتحفة الأشراف (٣٢٥/٥)، وتهذيب الكمال (٤٢٩/٤): ((ثوير)). لكن جاء
في حاشية ابن المهندس من تهذيب الكمال: ((صوابه ثور))، كما أشار محققو التهذيب.
(٦) في (ك٢، ح): ((ناجيه)). وهو تصحيف. وينظر: نتائج الأفكار (٤٢/٤).
(٧)
في (ك٢، ح): ((ختامه)).
الترمذي (٢٥٣٣). ومداره على عطاء بن السائب، واختلف عليه فيه.
(٨)
(٩) في (م): ((أن)).

5
٢٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(١الخَامِسَةَ عَشَر١َ): قَولُهُ: ((قُلُوبُهُم على قَلبٍ واحِدٍ»، بِالإِضَافَةِ وتَركِ
التَّنِينِ؛ أي: على قَلبٍ شَخصٍ واحِدٍ، يُرِيدُ: أنَّهَا مُطَهَّرَةٌ عن مَذمُومِ الأخلاقِ
مُكَمَّلَةٌ بِمَحَاسِنِهَا(٢)، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةَ عَشَرَ: قَولُهُ: ((يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكرَّةً وعَشِيَّةً))؛ أي: بِقَدرِهمَا،
فَأوقَاتُ الجَنَّةِ من الأيَّامِ والسَّاعَاتِ تَقدِيرِيَّاتٌ؛ فَإِنَّ ذلك إِنَّمَا يَجِيءُ من اختِلَافِ
الليلِ والنَّهَارِ وسَيرِ الشَّمسِ والقَمَرِ، ولَيسَ في الجَنَّةِ شَيءٌ من ذلك.
■ السَّابِعَةَ عَشرَ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): هذا التَّسبيحُ لَيسَ عن
تَكَلِيفٍ وإلزام؛ لِأَنَّ الجَنَّةَ لَيسَت مَحَلَّ(٤) تَكلِيفٍ، وإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ جَزَاءٍ، وإِنَّمَا
هُو عن تَيَسِيرٍ والهَامِ، كَمَا قال في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((يُلهَمُونَ التَّسبيحَ والتَّحمِيدَ
والتَّكبيرَ، كَمَا يُلهِمُونَ النَّفَسَ)).
ووجهُ التَّشبيه(٥): أنَّ تَنَفُسَ الإنسَانِ لَا بُدَّ لَهُ منهُ، ولَا كُلِفَةَ عَلَيه(٦) ولَا مَشَقَّةَ
في فِعِلِه، وآحَادُ التَّنَفُّسَاتِ مُكتَسَبَةٌ لِلإِنسَانِ، وجُملَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّه؛ إذ يَتَمَكَّنُ
(٧) من ضَبطِ قَلِيلِ الأنْفَاسِ ولَا يَتَمَكَّن٧ُ) من جَمِيعِهَا، فَكذلك يَكُونُ ذِكرُ الله عَلَ على
ألسِنَةِ أهلِ الجَنَّةِ.
وسِرُّ ذلك: أنَّ قُلُوبَهُم قَد تَنَورَت بِمَعرِفَتِهِ، وأبصَارَهُم قَد تَمَتَّعَت بِرُؤْيَتِهِ،
وقَد غَمَرَتهُم سَوابِغُ نِعمَتِهِ (٨)، وامتَلَأت أفئدَتُهُم بِمَحَبَّتِه، فَألسِنَتُهُم مُلَازِمَةٌ
(٢٧٢/٨م) ذِكرَهُ، ورَهينَةُ شُكرِه (٩)، فَإِنَّ مَن أحَبَّ شَيئًا أكثَرَ من ذِكرِه، انتَهَى. والله
أعلم.
(١ - ١) ليس في: (ك٢، ح). وعليه سيختل ترتيبهما فيما يلي.
(٢) في (م): ((لمحاسنها)).
(٣) المفهم (٧/ ١٨١).
(٤) في (م): ((بمحل)).
(٥) في (ك٢، ح): ((الشبه)).
(٦) ليس في: (ك٢، ح).
(٧ - ٧) ليس في: (ك٢، ح).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((نعمه)).
(٩) في (ش): ((بتفكره))، وفي المفهم: ((بشكره)).

البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
٢٨٣
SS
=
الحديثُ الرَّابِعُ
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (لَقِيدُ سَوطِ أحَدِكُم من الجَنَّةِ خَيرٌ
مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرضِ)). رَواهُ البخاريُّ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: رواهُ البخاريُّ(١) من حَدِيثِ(٢) هلَالِ بنِ عَلِيٍّ، عن
عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي عَمرَةً(٣)، عن أبي هُرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((لَقَابُ قَوسِ أحَدِكُم في
الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ أو تَغْرُبُ(٤)).
وأخرَجَهُ أيضًا، من حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ، بِلَفِظِ(٥): ((مَوضِعُ سَوطٍ في
الجَنَّةِ خَيرٌ من الدُّنيَا ومَا فِيهَا)).
ومن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكِ رَُّهِ، بِلَفِظِ(٦): (لَقَابُ قَوسِ أحَدِكُم، أو مَوضِعُ
قِدِّه(٧) من الجَنَّةِ خَيرٌ من الدُّنيَا ومَا فيهَا)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((لَقِيدُ سَوطِ أحَدِكُمْ))، هُو بِكَسرِ القَافِ؛ أي: قَدرُ،
يُقَالُ: بَيْنِي وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمحٍ وقَادُ رُمحٍ؛ أي: قَدرُ رُمحٍ، وهُو بِمَعنَى قَولِه في الرِّوايَةِ
الأخرَى: ((لَقَابُ قَوسِ أَحَدِكُمْ))، يُقَالُ: بَينَهُمَا قَابُ قَوسِنٍ(٨)، وقِيبُ قَوسِنٍ،
بِكَسرِ القَافِ؛ أي: قَدرُ قَوسِ(٩).
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١٠): ويَحْتَمِلُ قَدَرَ رَمْيَتِهَا (١١).
قُلتُ: هذا الإِحْتِمَالُ بَعِيدٌ، مُخَالِفٌ لِقَولِهِ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((لَقِيدُ سَوطٍ
البخاري (٢٧٩٣).
(١)
(٢) في (م): ((طريق)).
(٤) في (ك٢، ح): ((غربت)).
(٦)
البخاري (٢٧٩٦).
في (م): ((قوسين))، وكذا ما يليها .
(٨)
(٩) ينظر: إصلاح المنطق (ص٧٢)، والصحاح (٢٠٧/١)، وجمهرة اللغة (١٠٢٦/٢).
(١١) في (م): ((رميتهما)).
(١٠) مشارق الأنوار (١٩٣/٢، ١٩٧).
(٣)
في (ك٢، ح): ((حمزة)).
(٥)
البخاري (٢٨٩٢).
(٧) في (م): ((قیدە)).

=
٢٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أحَدِكُم))، وقَولُهُ في حَدِيثٍ أَنَسٍ: ((مَوضِعُ قِدِّه)). وهو بِكَسرِ القَافِ وتَشدِيدِ الدَّالِ،
والمُرَادُ بِالقِدُ هُنَا: السَّوطُ، كَمَا في الرِّوايَةِ الأخرَى.
وهُو في الأصلِ: سَيرٌ يُقَدُّ من جِلدٍ غَيرِ مَدبوغٍ، وسُمِّيَ السَّوطُ بِذلك؛ لِأَنَّهُ
يُقَدُّ؛ أي: يُقطَعُ طُولًا، والقَدُّ الشَّقُّ بِالطُولِ(١).
قال في ((الصِّحَاح))(٢): والقِدَّةُ أخَصُّ منهُ.
وحَكَى في ((المَشَارِقِ))(٣) قَولًا آخَرَ: أنَّ المُرَادَ بِالقِدِّ هُنَا: الشِّرَاكُ.
■ الثَّالِثَةُ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ في لَفِظِه تَقدِيرٌ؛ أي: لَقَدرُ المَوضِعِ الذي
يَسَعُ سَوطَهُ من الجَنَّةِ. ويَحتَمِلُ: أن لَا يُقَدَّرَ ذلك. وعلى كِلَا الاحتِمَالَيْنِ فَفيه
تَعِظِيمُ شَأنِ الجَنَّةِ، وأنَّ الْيَسِيرَ منهَا، وإن لَم يُنْتَفَع به في العَادَةِ، خَيرٌ من مَجْمُوعٍ
الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا وجَمِيعِ مَا فِيهَا .
الزَّابِعَةُ: (٢٧٣/٨م) قَولُهُ فِي رِوايَتِنَا: ((خَيرٌ مِمَّا بَينَ السَّمَاءِ والأرضِ))،
وقَولُهُ في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ أو تَغْرُبُ))، وقَولُهُ في الرِّوايَةِ
الأخرَى: ((من الدُّنيَا ومَا فيهَا))، كُلُّهَا تَرجِعُ إلى مَعنَى واحِدٍ، ويُرَادُ بها شَيءٌ
واحِدٌ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والأرضِ تَطْلُعُ عَلَيه الشَّمسُ وتَغرُبُ، وهُو عِبَارَةٌ
عن [٢٩٣/٢ و] الدُّنيا.
وتَقَّدَّمَ(٤) في حَدِيثِ: ((الأعمَالُ بِالنِّيَّاتِ)): أنَّ لِلمُتَكَلِّمِينَ(٥) قَولَينِ في حَقِيقَةِ
الدُّنيًا :
أحَدُهُمَا: أنَّهَا مَا على الأرضِ من الهَواءِ(٦) والجَوّ.
والثَّانِي: أَنَّهَا كُلُّ المَخلُوقَاتِ من الجَواهرِ والأعرَاضِ. واللهُ أعلمُ.
(١) المحكم لابن سيده (١١٢/٦)، والفائق للزمخشري (١٦٦/٣). وينظر: غريب الحديث
لابن قتيبة (٤٣٣/١)، ولابن الجوزي (٢٢٢/٢)، والنهاية (١١٨/٤).
(٢)
الصحاح للجوهري (٢/ ٥٢٢).
(٤)
في الفائدة الثانية والخمسون منه.
ينظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (ص٤٤٣).
(٥)
(٦) في (ش): ((الهوى)).
(٣) مشارق الأنوار (١٧٢/٢).

البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
٢٨٥
=
الحديث الخامس
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وَّتْ قال: أعدَدتُ لِعِبَادِي
الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأْتِ، ولَا أذُنُ سَمِعَت، ولَا خَطَرَ على قَلبٍ بَشَرٍ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ البخاريُ(١) من طَرِيقٍ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ، عن مَعمَرٍ،
عن هَمَّامِ.
وأَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ(٢) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، و(٣) من طَرِيقٍ
الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ؛ ثَلَاثَتُهُم، عن أبي هُرَيْرَةَ ◌َُله.
■ الثَّانِيَةُ: مَعنَاهُ: أنَّ اللهَ تعالى اذَّخَرَ في الجَنَّةِ من النَّعِيمِ والخَيرَاتِ
واللذَّاتِ، مَا لَم يَطَّلِع عَلَيه أحَدٌ من الخَلقِ بِطَرِيقٍ من الظُّرُقِ، فَذَكَرَ الرُّؤْيَّةَ
والسَّمعَ؛ لِأَنَّهُ يُدرَكُ بهمَا أكثَرُ المَحسُوسَاتِ، والإدرَاكُ بِالذَّوقِ والشَّمِّ واللمسِ
أَقَلُّ من ذلك، ثُمَّ زَادَ على ذلك أنَّهُ لَم يَجعَل لِأحَدٍ طَرِيقًا إلى (٤) توهُّمِهَا بِفِكرٍ
وخُطُورٍ على قَلبٍ، فَقَد جَلَّت وعَظُمَت عن أن يُدرِكَهَا فِكرٌ وخَاطِرٌ، ولَا غَايَةَ
فَوقَ هذا في إخفَائها والإخَارِ عن عِظَمِ شَأْنِهَا على طَرِيقِ الإجمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): وقَد تَعَرَّضَ بَعضُ النَّاسِ لِتَعيِينِهِ، وهُو تَكَلُّفٌ
يَنْفيه(٦) الخَبَرُ نَفْسُهُ(٧)؛ إذ قَد نَفَى عِلمَهُ والشُّعُورَ به عن كُلِّ أحَدٍ.
قال: ويَشْهَدُ لَهُ ويُحَقِّقُهُ قَولُهُ؛ أي: في رِوايَةٍ (٢٧٤/٨) ((الصَّحِيحَينِ)): ((بَلَهَ
مَا أَطْلَعَكُم عَلَيه))؛ أي: دع مَا أطلَعَكُم عَلَيه؛ يَعنِي: أنَّ المُعَدَّ المَذكُورَ غَيرُ الذي
(١) البخاري (٧٤٩٨).
(٢) البخاري (٣٢٤٤، ٤٧٧٩)، ومسلم (٢٨٢٤/ ٢).
ليس في: (ك٢، ح). والحديث من هذا الطريق عند البخاري (٤٧٨٠)، ومسلم
(٣)
(٣/٢٨٢٤).
(٤) في (ك٢، ح): أي)). وفي (م): ((إلا)). (٥) المفهم (١٧٢/٧).
(٦) في (ش): ((بقية)).
(٧) في (ك٢، ح): ((بنفيه)).

=
٢٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أطلَعَ عَلَيه أحَدًا من الخَلقِ، وبَلهَ: اسمٌ (١) من أسمَاءِ الأفعَالِ بِمَعنَى دَع، هذا هُو
المَشْهُورُ فيهَا، وقِيلَ: هِيَ بِمَعنَى غَيْرُ، وهذا تَفْسِيرُ مَعنَى.
قال النَّووِيُّ(٢): ومَعنَاهُ: دَع عنك(٣) مَا أطلَعَكُم عَلَيه، فَالذي لَم يُطلِعكُم
عَلَيه (٤أعظَمُ، فَكَأنَّهُ أضرَبَ عنهُ اسْتِقِلَالًا في جَنبٍ مَا لَم يُطلِع٤ِ) عَلَيهِ. وقِيلَ:
مَعنَی بَله: كَيفَ.
■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: رَوى أبو دَاوُد، والترمذيُّ وصَحَّحَهُ(٥)، وغَيرُهُمَا من
حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ بنِ عَمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رَظُه، عن رسولِ الله وَّل
قال: ((لَمَّا خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ، أرسَلَ جِبرِيلَ إلَيهَا، فَقال: انظُر إلَيهَا وإلى ما أعدَدتُ
لِهِلِهَا فِيهَا، قال: فَجَاءَهَا، فَنَظَرَ إلَيهَا وإلى مَا أَعَدَّ اللّهُ لِأهلِهَا فيهَا. قال: فَرَجَعَ إلَيه،
فَقال: وعِزَّتِك لَا يَسمَعُ بها أحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا، فَأَمَرَ بها فَحُفَّت بِالمَكَارِهِ فَقال: ارجِع
إِلَيهَا فَانظُر إلى مَا أعدَدت ◌ِأهلِهَا فِيهَا، فَرَجَعَ إلَيهَا، فَإِذَا هِيَ قَد حُفَّتُ بِالمَكَارِهِ
فَرَجَعَ إلَيه، فَقال: وعِزَّتِك لَقَد خِفتُ أن لَا يَدخُلَهَا أَحَدٌ)).
فَقَد دَلَّ هذا الحديثُ على أنَّ اللهَ تعالى قَد أطلَعَ جِبِرِيلَ لَّهُ على مَا أَعَدَّ
لِعِبَادِهِ فيهَا، فَقَد رَأْتُهُ عَيْنٌ.
قُلتُ: الجَوابُ عنهُ من أوجُهِ:
أحَدِهَا: أنَّهُ تعالى خَلَقَ فيهَا بَعدَ رُؤيَةٍ جِبرِيلَ عَ لَّهُ أَمُورًا كَثِيرَةً لَم يَطَّلِع
عَلَيْهَا جِبرِيلُ ولَا غَيرُهُ، فَتِلكَ الأمُورُ هيَ المُشَارِ إلَيْهَا في هذا الحديثِ.
ثَانِيهَا: أنَّ المُرَادَ بِالأعيُنِ والآذَانِ: أعيُنُ البَشَرِ وآذَانُهَا؛ بِدَلِيلٍ قَولِه:
((لَا خَطَرَ على قَلبٍ بَشَرٍ)).
فَأَمَّا المَلَائِكَةُ، فَلَا مَانِعَ من اطَلَاعِ بَعضِهم على ذلك.
ثَالِفُهَا: أنَّ ذلك يَتَجَدَّدُ لَهُم في الجَنَّةِ في كُلِّ وقتٍ، ويَدُلُّ لَهُ مَا رَواهُ
الترمذيُّ وابنُ مَاجَه(٦) عن أبي هُرَيرَةَ، عن رسولِ اللهِوٍَّ فَذَكَرَ حَدِيثًا في
(١) في (ك٢، ح): ((أيتكم)).
(٣)
ليست في (م).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦٦/١٧).
(٤ - ٤) في (ك٢، ح): ((أطلعكم)).
(٥) أبو داود (٤٧٤٤)، والترمذي (٢٥٦٠). (٦) الترمذي (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٤٣٣٦).

البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
٢٨٧
=
أثْنَائِه: ((ويَقُولُ رَبُّنَا: قُومُوا إلى مَا أعدَدتُ لَكُم من الكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيتُم،
فَنَأْتِي سُوقًا(١) قَد (٢) حَقَّت به المَلَائِكَةُ مَا لَم تَنظُر العُيُونُ إلى مِثْلِهِ، وَلَم تَسمَعِ
الأذَانُ، ولَم يَخطُر على القُلُوبِ؛ فَيَحمِلُ(٣) لَنَا مَا اشْتَهَينَا)) الحديثَ.
ولَا يَمنَعُ من ذلك [٢٩٣/٢ظ] قَولُهُ: ((أعدَدت))؛ لِأنَّ هذا لَمَّا كَانَ مُحَفَّقَ
الوُقُوعِ، نَزَلَ مَنْزِلَةَ الواقِعِ .
(٢٧٥/٨م) الحديثُ السادسُ
﴿ وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: («نَارُكُم هَذِهِ مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزءٌ
واحِدٌ من سَبعِينَ جُزءًا من حَرِّ جَهَنَّمَ. قَالُوا (٤): واللهِ إِن كَانَت(٥) لَكَافِيةً
يا رسولَ الله. قال: فَإِنَّهَا فُضِّلَت عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزءًا، كُلُّهُنَّ مِثلُ
حَرِّهَا(٦)).
وعن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ قال: «نَارُ بَنِي آدَمَ
التي يُوقِدُونَ (٧) جُزءٌ من سَبعِينَ جُزءًا من نَارِ جَهَنَّمَ، فَقَالُوا: يَا رسولَ الله
إِن كَانَتْ لَكَافيةً، فَقال: إنَّهَا فُضِّلَت عَلَيهَا بِتِسعَةٍ وسِتِّينَ جُزءًا).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٨) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ.
والترمذيُ (٩) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ؛ كِلَاهُمَا، عن مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ.
وأخرَجَهُ البخاريُّ من طَرِيقِ مَالِكِ.
في (ش): ((شوقًا)).
(١)
في الأصل: ((فتحمل)). وفي (م): ((فنحمل)).
(٣)
في (ك٢، ح): ((فقالوا)).
(٤)
في الأصل: ((جزئها)).
(٦)
مسلم (٢٨٤٣).
(٨)
الترمذي (٢٥٨٩).
(٩)
(٢) في (ك٢، ح): ((وقد)).
(٥) في (ح): (لكانت)).
(٧) في (ك٢، ح، ش): ((توقدون)).

=
٢٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ومسلمٌ (١) من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الحِزَامِيِّ؛ كِلَاهُمَا عن
أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ؛ كِلَاهُمَا عن أبي هُرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قَالَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٢): مَعنَى الحديثِ: أنَّهُ لَو جُمِعَ
كُلُّ(٣) مَا في الوُجُودِ من النَّارِ التي يُوقِدُهَا(٤) بَنُو آدَمَ، لَكَانَت جُزءًا من أجزَاءِ
جَهَنَّمَ المَذْكُورَةِ.
وبَيَانُهُ: أنَّهُ لَو (٥) جُمِعَ حَطَبُ الدُّنيَا فَوقدَ(٦) كُلُّهُ حَتَّى صَارَ نَارًا، لَكَانَ
الجُزءُ الواحِدُ من أجزَاءِ نَارِ جَهَنَّمَ الذي هُو من سَبعِینَ جُزءًا، أشَدُّ من حَرِّ نَارٍ
الدُّنْيَا، كَمَا بِيَّنه(٧) في آخِرِ الحديثُ.
وقَولُهُم: (٢٧٦/٨م) ((واللهِ إن كَانَت لَكَافيةً)). إن في مِثلِ هذا المَوضِعِ مُخَفَّفَةٌ
من الثَّقِيلَةِ عِندَ البَصرِيِّينَ، وهَذِه اللامُ: هِيَ المُفَرِّقَةُ بَيْنَ إن النَّافيةِ، والمُخَفَّفَةِ من
الثَّقِيلَةِ، وهيَ عِندَ الكُوفيينَ بِمَعنَى: مَا، واللامُ بِمَعنَى: إلَّا، تَقدِيرُهُ عِندَهُم: مَا
كَانَت إلَّا كَافِيةً.
وعِندَ البَصرِيِّينَ: إِنَّهَا كَانَت كَافِيَةٌ، فَأْجَابَهُم النبيُّ وَّرَ بِأنَّهَا كَمَا فُضِّلَت
عَلَيْهَا في المِقْدَارِ، والعَدَدِ بِتِسْعَةٍ وسِتِينَ جُزءًا، فُضِّلَت عَلَيْهَا في شِدَّةِ الحَرِّ بِتِسعَةٍ
وتِسعِينَ ضِعفًا. انتَهَى.
قُلتُ: كَذَا وقَفتُ عَلَيه في نُسخَةٍ صَحِيحَةٍ من ((المُفهم) عَلَيهَا خَظُّ
المُصَنِّفُ ((وتسعِينَ))، وصَوابُهُ: وسِتِّينَ فَهُو الذي في الحديثِ، ولَّعَلَّ ((التِّسعِينَ))
سَبِقُ فَلَمٍ من نَاسِخِ، ومَا ذَكَرَهُ من أنَّ المَذكُورَ أولًا بِالنِّسَبَةِ لِلِقَدرِ(٨) والعَدَدِ،
البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٣٠/٢٨٤٣).
(١)
(٢)
المفهم (٧/ ١٨٧).
ليست في (ك٢، ح).
(٣)
(٤)
في (ش): ((توقدها)).
(٥)
ليست في (ك٢، ح).
في (م): ((فأوقد)).
(٦)
في (م): «نبینه».
(٧)
في (ش): ((إلى القدر)).
(٨)

٢٨٩
البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
وثَانِيًا بِالنِّسَبَةِ للخَرِّ (١)، غَيرُ مُتَعَيِّنٍ.
والذي يَظهَرُ: أَنَّ الكَلَامَ المَذكُورَ(٢) أولًا وثَانِيًا، إنَّمَا هُو بِالنِّسَبَةِ إلى
الحَرِّ(٣).
ولهذا قال في الأولِ: ((جُزءٌ واحِدٌ من سَبعِينَ جُزءًا من حَرِّ جَهَثَّمَ)). ولَا
يَضُرُّ تَأْكِيدُ الكَلَامِ وتَكرِيرُهُ؛ فَإِنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لمَّا (٤) ذَكَرَ تَفْضِيلَ جَهَنَّمَ في
الحَرِّ بهذِه الأجزَاءِ(٥)، وقال الصَّحَابَةُ: إنَّ حَرَّ نَارِ الدُّنيَا كَانَ كَافِيًا في العُقُوبَةِ
والإِنتِقَامِ، أَّدَ النبيِ وَّهِ مَا أخبَرَ به أولًا بَعدَ سُؤَالِ الصَّحَابَةِ، وقال: إنَّهَا فُضِّلَت
عَلَيهَا بهذا القَدرِ في الحَرِّ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: الإشَارَةُ في قَولِهِ: ((هَذِه) يَحتَمِلُ أن يَكُونَ لِلقَرِيبِ لِحُضُورِهَا
ومُشَاهَدَتِهَا(٦)، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِلتَّقلِيلِ، والاحتِقَارِ وقَولُهُ: ((مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ))،
تَابِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ بَدَلًا أو عَطفَ بَيَانٍ، واللهُ أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: فيه مَعَ مَا قَبلَهُ: تَرجِيحُ جَانِبِ الرَّحمَةِ؛ لِأنَّ النَّارَ التي هيَ
النِّقمَةُ المُعَدَّةُ لِأهلِ المُخَالِفَةِ مُقَدَّرَةٌ، قَد عَرَفَ نِسَبَةَ زِيَادَتِهَا على نَارِ الدُّنيا،
بِخِلَافِ الجَنَّةِ التي هيَ النِّعمَةُ المُعَدَّةُ لِأهلِ الطَّاعَةِ، لَا تَقْدِيرَ لَهَا، ولَا نِسبَةَ من
نَعِيمِ الدُّنيَا، ولَم تنحَصِر(٧) في قَدرٍ مَخصُوصٍ كَمَا تَقَدَّمَ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى
أعلمُ.
(١) في الأصل، (م): ((إلى الحر)).
(٢) ليست في (ك٢، ح).
(٣)
في (ك٢، ح): ((للحر)).
في (م): ((ما)).
(٤)
في الأصل: ((الأشياء)».
(٥)
(٦)
في (ح): ((وشاهد لها)).
(٧) في (ك٢، م): ((تنحصر).

٢٩٠
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثُ السابعُ
فجّ وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ رُِّهَا، قالت(١): قال رسولُ الله ◌َّةٍ:
((خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ من مَارِجٍ من نَارٍ، وخُلِقَ آدَم مِمَّا
(٨/ ٢٧٧م) وُصِفَ لَكُم)). رَواهُ مسلمٌ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٢) من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعَمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ. [٢٩٤/٢ و]
■ الثَّانِيَةُ: النُّورُ: جِسمٌ لَطِيفٌ مَشرِقٌ. وفَسَّرَهُ صَاحِبُ ((الصِّحَاحِ) (٣):
بِالصِّيَاءِ(٤).
وذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّ الضِّيَاءَ أبلَغُ منهُ بِدَلِيلٍ قَوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاةً
وَالْقَمَرَ ثُورًا﴾ [يونس: ٥] وأمَّا قَوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]
حَيثُ شَبَّهَ هُدَاهُ(٥) بِالنُّورِ، ولَم يُشبههُ(٦) بالضياء(٧).
(٨ُفَأَجِيبُ عنهُ بِأَنَّهُ: لَو شُبه٨) بِالصِّيَاءِ، لَزِمَ أَلَّا يَضِلَّ أحَدٌ، بِخِلَافِ النُّورِ
كَضَوءِ القَمَرِ؛ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَهُ الضَّلَالُ لِمَن أرَادَ اللهُ تعالى ذلك منهُ، ويُطلَقُ النُّورُ أيضًا
على جَمِيعِ النَّارِ، ولَيسَ مُرَادًا هُنَا، ولَم يَنحَصِرِ النُّورُ فِي ضَوءِ النَّارِ، فَالمَلَائِكَةُ
خُلِقُوا من ضَوءٍ لَا من نَارٍ، واللهُ أعلَمُ بِنَوعِ ذلك الضَّوءِ، ولَو كَانَ من ضَوءِ نَارٍ لَم
يَلْزَمِ عَلَيهِ مَحذُورٌ، فَالمَخلُوقُ من ضَوءِ النَّارِ غَيرُ مَخلُوقٍ من النَّارِ، واللهُ أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: ((الجَانُّ»: الجِنُّ، ((ومَارِجُ النَّارِ)): بِكَسرِ الرَّاءِ وبِالجِيمِ: لَهَبُهَا
(١) في (ك٢، ح): ((قال)).
(٣)
الصحاح (٨٣٨/٢).
(٢) مسلم (٦٠/٢٩٩٦).
(٤) في (ش): ((بالضوء)).
(٥) في (ك٢، ح): ((هداه).
(٦) في الأصل: ((يشبه)).
(٧) ليست في (ح).
(٨ - ٨) ليس في: (ك٢، ح). وفي (ش): ((شبهه)).

٢٩١
البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
المُختَلِطُ بِسَوادِهَا، قالهُ المَازَرِي، وابنُ الأثِيرِ، والنَّووِيُّ(١)، وغَيْرُهُم(٢).
وقال في ((الصِّحَاح))(٣): نَارٌ لَا دُخَانَ لَهَا.
وقال في ((المَشَارِقٍ)) (٤): اللهَبُ المُختَلِطُ، وقِيلَ: نَارٌ دُونَ الحِجَابِ منهَا
هَذِهِ الصَّواعِقُ، وحُكِيَ في ((الإكمَالِ))(٥) هذا الثَّانِي عن الفَرَّاءِ.
الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((وخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُم)؛ أي: من طِينٍ كَمَا ذُكِرَ
ذلك في آيَاتٍ عَدِيدَةٍ، واللهُ أعلمُ.
الحديثُ الثامنُ
وعن جَابِرِ رَُّه، عن النبيِّ ◌َِّ: ((يُخرِجُ اللهُ من الثَّارِ قَومًا
فَيُدخِلُهُم الجَنَّةَ».
وفي لَفظٍ لَهُ: ((قَومٌ يَخرُجُونَ من النَّارِ فَيَدخُلُونَ الجَنَّةَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٦) من هذا الوجه من طَرِيقِ سُفَيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ (٧) من طَرِيقِ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ بِلَفِظِ: ((إنَّ اللهَ يُخرِجُ قَومًا
من النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ)). زَادَ البخاريُّ: ((كَأَنَّهُم الثَّعَارِيرُ)). قُلْت: ومَا الثَّعَارِيرُ؟ قال:
((الضَّغَابيس))(٨) كِلَاهُمَا عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن (٢٧٨/٨م) جَابِرٍ .
(١) في (ك٢، ح): (والثوري)).
شرح النووي على مسلم (١٢٣/١٨، ١٢٤)، والمعلم (٤٥٧/٢)، والنهاية في غريب
(٢)
الحدیث (٣١٥/٤).
(٤) مشارق الأنوار (٣٧٦/١).
الصحاح (٣٤١/١).
(٣)
وإكمال المعلم (٥٤٥/٨).
(٥)
(٦)
مسلم (٣١٧/١٩١).
البخاري (٦٥٥٨)، ومسلم (٣١٨/١٩١).
(٧)
في (٢٥، ح): ((الضغانيس)). وفي (م): ((الضغابيث)).
(٨)

٢٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأخرَجَهُ مسلمٌ(١) من حَدِيثٍ يَزِيدَ الفَقِيرِ، عن جَابِرٍ بِلَفِظِ: ((إنَّ قَومًا
يَخْرُجُونَ من النَّارِ يَحتَرِقُونَ فِيهَا، إلَّا دَارَاتِ وُجُوههم حَتَّى يَدخُلُونَ الجَنَّةَ)).
وفي لَفِظٍ لَهُ قال: ((يَعْنِي فَيَخرُجُونَ كَأَنَّهُم عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، فَيَدخُلُونَ نَهرًا
من أنهَارِ الجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فيه، فَيَخرُجُونَ كَأَنَّهُم القَرَاطِيسُ)).
وأخرَجَ(٢) مسلمٌ(٣) أيضًا من طَرِيقِ أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ
فيه: ((ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ ويَشِفَعُونَ، حَتَّى يَخرُجَ من النَّارِ مَن قال: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وكَانَ في قَلبه من الخَيرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الجَنَّةِ، وَتَجعَلُ أهلُ الجَنَّةِ
يَرُشُّونَ عَلَيهِم المَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الشَّيءَ(٤) في السَّيلِ ويَذْهَبُ حُرَاقُهُ(٥)، ثُمَّ
يَسألُ(٦) حَتَّى تُجْعَلَ (٧) لَهُ الدُّنْيَا وعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا)).
■ الثَّانِيَةُ: فيه رَدُّ على الخَوارِجِ الذينَ يَزْعُمُونَ أنَّ أصحَابَ الكَبَائِ
يَخْلُدُونَ(٨) في النَّارِ، ولَا يَخْرُجُ منهَا (٩) مَن دخل(١٠) فيهَا؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ في إخرَاجِ
قَومٍ من النَّارِ بَعدَ دُخُولِهم فيها .
ومَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ: أنَّ مَن مَاتَ مُوحِّدًا دَخَلَ الجَنَّةَ قَطعًا على
كُلِّ حَالٍ، فَإِن كَانَ سَالِمًا من المَعَاصِي كَالصَّغِيرِ، والمَجنُونِ الذي اتَّصَلَ جُنُونُهُ
بِالبُلُوغِ، والتَّائبِ تَوبَةً صَحِيحَةٌ من الشِّركِ، أو غَيرِهِ من المَعَاصِي إِذَا لَم يُحدِث
مَعْصِيَةً بَعدَ تَوبَتِه، والمُوفَّقُ الذي لَم يُبتَلَ بِمَعصِيَةٍ أصلًا، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَدخُلُونَ
الجَنَّةَ، ولَا يَدخُلُونَ النَّارَ أصلًا. لَكِنَّهُم يَرِدُونَهَا خَاصَّةً، والوُرُودُ على الصَّحِيحِ:
هُو المُرُورُ على الصِّرَاطِ وهُو مَنصُوبٌ على ظَهرِ جَهَنَّمَ.
وأمَّا مَن مَاتَ (١١) من أهلِ الكَبَائرِ عن غَيرِ تَوبَةٍ، فَهُو في مَشِيئَةِ الله تعالى،
مسلم (٣١٩/١٩١، ٣٢٠).
(١)
(٣)
مسلم (٣١٦/١٩١).
(٥)
في (م): ((بحراقه».
في (ك٢، ح، ش): ((يجعل)).
(٧)
(٩) في (ك٢، ح): ((منهم)).
(١١) في (ك٢، ح): ((تاب)).
(٢) في (م): ((وأخرجه)).
(٤) في (م): ((الحب)).
(٦) في (م): ((يسيل)).
(٨) في (ش): ((مخلدون)).
(١٠) في (م): ((يدخل)).

٢٩٣
البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
فَإِن شَاءَ عَفَا عنهُ وأدخَلَهُ الجَنَّةَ بِلَا عَذَابٍ، وألحَقَهُ بِالقِسم الأولِ. وإن شَاءَ عَذَّبَهُ
القَدرَ الذي يُرِيدُهُ، ثُمَّ يُدخِلُهُ الجَنَّةَ، فَلَا يَخلُدُ في النَّارِ (١) أَحَدٌ مَاتَ على
التَّوحِيدِ، ولَو عَمِلَ (٢) من المَعَاصِي٢) مَا عَمِلَ، [كَمَا أنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ مَاتَ
على الكُفرِ، ولَو عَمِلَ من أعمَالِ البِرِّ مَا [٢٩٤/٢ظ] عَمِلَ](٣).
■ الثَّالِثَةُ: قَد تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الأخرَى أَنَّ إخرَاجَ هَؤُلَاءِ بِالشَّفَاعَةِ، وقَد
أجمَعَ عَلَيْهَا أهلُ السُّنَّةِ، ومَنَعَ منهَا الخَوارِجُ وبَعضُ المُعتَزِلَةِ على مَذْهَبهم الفَاسِدِ
في تَخلِيدِ أهلِ الكَبَائِرِ في النَّارِ، والشَّفَاعَاتُ الأخرَوِيَّةُ خَمسٌ، لَا يُنكِرُ هَؤُلَاءِ
منهَا قِسمَينِ وهُمَا: الشَّفَاعَةُ العُظمَى لِلإِرَاحَةِ من هَولِ المَوقِفِ (٢٧٩/٨م) وتَعجِيلِ
الحِسَابِ (٤)، والشَّفَاعَةُ في زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ لِأَهلِهَا .
وإِنَّمَا أنكَرُوا ثَلَاثَةَ أقسَامٍ: هَذِهِ، وهيَ إخرَاجُ قَومٍ من النَّارِ بَعدَ دُخُولِهم
فِيهَا، والشَّفَاعَةُ في إدخَالِ قَومِ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ ولَا عَذَّابٍ، وفي قَومٍ حُوسِبوا
واستَوجَبوا النَّارَ فَيُشْفَعُ في عَدَمِ دُخُولِهِم إِيَّاهَا .
الزَّابِعَةُ: الثَّعَارِيرُ(٥): بِالنَّاءِ المُثَلَّئَةِ، والعَينِ المُهمَلَةِ، وبَعدَ الألفِ
رَاءَانٍ (٦) مُهمَلَتَانِ بَينَهُمَا (٧ يَاءٌ مُثَنَّاةً(٧) من تَحتٍ، قَد عَرَفتَ تَفْسِيرَهَا في الحديثِ
بِالضَّغَابِيسِ وهيَ بِالضَّادِ والغَينِ المُعجَمَتَينِ، وبَعدَ الألِفِ بَاءٌ مُوخَّدَةٌ، ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ
من تَحتٍ، ثُمَّ سِينٌ مُهمَلَةٌ.
قال في ((المَشَارِقٍ))(٨): قال ابنُ الأعرابي: هيَ قِتَّاءٌ صِغَارٌ.
(١) بعده في (ش): ((إلا من مات على الكفر، ويخرج منها كل من ... )).
(٢ - ٢) ليس في: (ش).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). وينظر: شرح النووي على مسلم (٢١٧/١).
(٤) في (ش): ((الحسنات)).
(٥) في (ش): ((التعارير)).
(٦) في (ش): ((دال)).
(٧ - ٧) في (ش): ((ثاء مثلثة)).
(٨) مشارق الأنوار (١٣٣/١).

5
٢٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال أبو عُبَيدٍ(١): هيَ شِبهُ قِئَّاءٍ صَغِيرٍ يُؤْكَّلُ؛ يَعنِي: الضَّغَابيسَ [وهيَ
الشَّعَارِيرُ أيضًا بِالشِّينِ؛ أي: المُعجَمَةِ. وقال غَيرُهُ: الثَّعَارِيرُ: واحِدُهَا تُعرُورٌ بِضَمِّ
الثَّاءِ، وهيَ رُؤُوسُ الطَّرائيث(٢) تَكُونُ بَيضَاءَ شُبهوا بها. وقِيلَ: هِيَ شَيءٌ يَخرُجُ
في أصُولِ السَّمَرِ.
قال: والضَّغَابيس (٣)] (٤) شِبهُ العَرَاجِينِ، تَنْبُتُّ في أصُولِ الثُّمَام(٥).
قال: والشعَارِيرُ(٦): الطَّرَائِيثُ(٧)، والظُرُتُوتُ (٨): نَبَاتٌ كَالقُطْنِ مُستَطِيلٌ،
وقِيلَ: الثَّعَارِيُ(٩) شِبهُ العَسَالِيجِ(١٠) يَنْبُتُ في الثُّمَامِ.
وفي ((الجَمْهَرَةِ)) (١١): الْظُرِئُوتُ: نَبَتِّ يَنْبُتُّ في الرَّمَلِ.
وقال الأصمَعِيُّ (١٢): الضَّغَابيس (١٣) نَبتٌ يَنْبُتُ في أصُولِ الثُّمَامِ(١٤) يُشبه
الهليُونَ(١٥) يُسلَقُ ويُؤكَلُ بِالخَلِّ والزَّيتِ.
وقِيلَ: هُو نَبتْ بِالحِجَازِ (١٦) يَنْبُتُ في أجوافٍ (١٧) الشَّجَرِ وفي الإذخِرِ؛
(١) الغريب المصنف (٣٥٩/١).
في (م): ((الضرائيت))، وهي غير منقوطة في (ك٢). وفي المشارق: ((الضراثيث)).
(٢)
(٣)
في (م): ((والضغانيس)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥)
في الأصل: ((التمام)).
في المشارق: ((الثعارير)). وينظر: تهذيب اللغة (٢٩٦/٢)، والصحاح (٦٠٥/٢).
(٦)
في (ك٢، ح): ((الطرابيث)).
(٧)
(٨) في (ك٢، ح): ((والطرابوث)). وفي (ش): ((الطرتوت)). وبعده في (م): ((بضم الثاء)).
(٩) في (ش): ((التعادير)).
(١٠) العسلوج: الغصن ابن سنة، ويقال: عروق الشجر. ينظر: معجم العين للخليل
(٣١٥/٢)، وتهذيب اللغة (٢٠٠/٣).
(١١) جمهرة اللغة ((٤٢٠/١).
(١٢) ينظر: غريب الحديث لابن قتيبة (٢٧١/١)، وتهذيب اللغة (١٩٣/٨ - ١٩٤).
(١٣) في (ك٢، ح): ((الطغانيس)). وفي (م): ((الضغابيث)).
(١٤) في الأصل: ((التمام)).
(١٥) هو الكراث. ينظر: العين للخليل (٣٤٩/٥).
(١٦) بعده بين معكوفين في (م): ((يخرج قدر شبر أرق من الأصابع، رخص لا ورق له،
أخضر في غُبرة)). وكذا في المشارق. ونقلت في النسخ بعد ذلك بجملةٍ.
(١٧) في (م): ((أجناب)).

٢٩٥
البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
[يخرج قدر شبر في دقة الأصابع أوراقٌ منها لا ورق له أخضر في غبرة](١) فيه
حُمُوضَةٌ يُؤكَلُ نِيئًا (٢).
[وقيل: يُسمى بذلك ما دام رطبًا، فإذا اكتمل؛ أي: تمَّ طولُه، فهو: الثَّعاريرُ.
وقيل: الثَّعاريرُ: هو شيء أسفل الضغابيس](٣).
وقِيلَ الثعارير: هُو الأقِطُ مَا دَامَ رَطبًا. ووجَدتُ للقَابِسِيِّ(٤): صَدَفَ
الجَوهَرَ، وقَد يُعَضِّدُ هذا قَولُهُ في (٥الحديثِ الآخَرِ: ((كَأَنَّهُم اللَّؤْلُؤُ))(٥).
وقَولُهُ في الحديثِ: ((فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الثَّعَارِيرُ، وكَأَنَّهُم الضَّغَابِيسُ(٦)).
يَدُلُّ على أنَّهُ مَا ذَكَرِنَا قَبلُ، انتهى.
وفيه مَا يُفَرِّقُ في كَلَام غَيرِهِ، والمَشهُورُ مَا ذَكَرَهُ أولًا من أنَّ الضَّغَابِيسَ(٧)
صِغَارُ القِنَّاءِ.
■ الخَامِسَةُ: قال (٢٨٠/٨م) ابنُ الأَثِيرِ في ((النِّهَايَةِ)) (٨): شُبهوا بِالقِنَّاءِ
الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ القِثَّاءَ ينمي (٩) سَرِيعًا. وقِيلَ: هيَ رُؤُوسُ الطَّرَائِيثِ (١٠) تَكُونُ
بَيَضَاءَ، شُبهوا (١١) بِبَيَاضِهَا، واحِدُهَا ظُرُئُوتٌ، وهُو نَبتٌ يُؤْكَلُ.
قُلتُ: ويَظهَرُ عِندِي في الحديثِ الذي نَحنُ في شَرِهِ: أنَّهُم شُبهوا بها في
صِغَرِهَا وحَقَارَةٍ قَدرِهَا، فَإِذَا أَنشِئُوا خَلقًّا لِلجَنَّةِ، صَارَت لَهُم بَهِجَةٌ ونَضَارَةٌ،
وقَدْرٌ(١٢)، لَا(١٣) يُعَبَّرُ عن قَدرِهِ، واللهُ أعلمُ.
(١) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(٢) بعده في (م) بين معكوفين: ((فإذا اكتهل فهي)).
(٣) ما بين المعكوفين ليس في: (م).
(٤) في (م): ((القابسي)) وبعده بين معكوفين: أنه (( ?? )).
(٥ - ٥) ليس في: (ك٢، ح)، والحديث: أخرجه البخاري (٧٤٣٩) من حديث أبي سعيد
الخدري ظه، وهو جزء من حديث الشفاعة الطويل.
(٦) في (ح): ((الضغانيس)).
(٨) النهاية في غريب الحديث (٢١٢/١).
(١٠) في (ش): ((الطراثيت)).
(١٢) في (ش): ((وقدرا)).
(٧) في (ح): ((الضغانيس)).
(٩) في الأصل: ((يتمنى)).
(١١) ليست في الأصل.
(١٣) ليست في (م).

=
٢٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ويَدُلُّ لِذلك قَولُهُ في روايتِهِ الأخرَى: ((فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُم عِيدَانُ السَّمَاسِمِ،
فَيَدخُلُونَ نَهرًّا من أنهَارِ الجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فيهِ، فَيَخرُجُونَ كَأنَّهُمِ القَرَاطِيسُ)).
والسَّمَاسِمُ: بِالسِّينَينِ المُهمَلَتَينِ: الأولى مَفتُوحَةٌ، والثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، جَمعُ سِمسِمٍ،
وهُو المَعْرُوفُ الذي يُستَخرَجُ منهُ الشَّيرَجُ(١) .
قال ابنُ الأثِيرِ في ((النِّهَايَةِ))(٢): وعِيدَانُهُ تَرَاهَا إذَا فُلِعَت وتُرِكَت لِيُؤْخَذَ حَبُّهَا
دِقَاقًا سُودًا كَأنَّهَا مُحَتَرِقَةٌ.
ثُمَّ قال: ومَا أشبَهَ أن تَكُونَ اللفظَةُ(٣) مُحَرَّفَةً، ورُبَّمَا كَانَت كَأَنَّهُم عِيدَانُ
السَّماسَمِ(٤)؛ أي: وهُو بِحَذْفِ المِيمِ وفَتحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ أيضًا، خشبٌ(٥) أسود
کَالأبُنُوسِ .
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): لَا يُعرَفُ(٧) مَعنَى السَّمَاسِمِ هُنَا.
وَلَعَلَّ صَوابَهُ السَّاسَمُ(٨)، وهُو أشبَهُ، وهُو عُودٌ أسودُ، وقِيلَ: هُو الأبَنُوسُ.
وقال صَاحِبُ ((المَطَالِع)) (٩): قال بَعضُهُم: السَّمَاسِمُ كُلُّ نَبتٍ ضَعِيفٍ
كَالسِّمسِمِ والكُزبَرَةِ. وقال آخَرُونَ: لَعَلَّهُ السَّمأسِمُ (١٠) مَهمُوزٌ، وهُو الأبَنُوسُ
شَبَّهَهُم به في سَوادِهِ. انتَهَى، واللهُ أعلمُ.
■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((يَحْتَرِقُونَ فيهَا إلَّا دَارَاتٍ وُجُوههم))، هُو جَمِعُ دَارَةٍ،
وهيَ: [٢٩٥/٢و] مَا يُحِيطُ بِالوجه من جوانبه.
ومَعنَاهُ: أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ دَارَةَ(١١) الوجه؛ لِكَونِهَا مَحَلَّ السُّجُودِ، وفي
(١) في الأصل: ((السيرج)). والشيرج: الدهن الأبيض، ويقال للعصير والنبيذ قبل أن يتغير:
شيرج أيضًا، وهو تعريب شيره. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب (ص٢٤٧)،
والمصباح المنير (٣٠٨/١).
(٢) النهاية في غريب الحديث (٤٠٠/٢). (٣) مكانها بياض في الأصل.
(٤)
في (م): ((الساسم)).
(٥) في (م): ((حب).
(٧) في الأصل: ((تعرف)). وفي (م): ((نعرف)).
(٦)
إكمال المعلم (١/ ٥٧٢).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((السماسم)).
(١٠) في الأصل، (م): ((السآسم).
(٩) ينظر: مشارق الأنوار (٢٢١/٢).
(١١) في (ش): ((دراة)).

البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ
٢٩٧
=
حَدِيثٍ آخَرَ في ((الصَّحِيحِ)) (١): ((حَرَّمَ اللهُ على النَّارِ أن تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ)).
وظَاهرُهُ: أَنَّهَا لَا تَأكُلُ شَيئًا من أعضَاءِ السُّجُودِ السَّبعَةِ المَأمُورِ بِالسُّجُودِ
عَلَيْهَا؛ وهيَ الجَبهَةُ واليَدَانِ والرُّكبَتَانِ والقَدَمَانِ، وَكَذَا قالهُ (٢بَعضُ العُلَمَاءِ(٢).
وأنكَرَهُ القَاضِي عِيَاضٌ(٣)، وقال: المُرَادُ بِأثَرِ السُّجُودِ الجَبهَةُ خَاصَّةً (٤).
وقال النَّوِيُّ(٥): المُختَارُ الأولُ(٦)، وجَمَعَ بَينَهُ وبَينَ هذا الحديثِ: بِأنَّ
هَؤُلَاءِ القَومَ مَخصُوصُونَ من جُمْلَةِ الخَارِجِينَ من النَّارِ، بِأنَّهُ لَا يَسلَمُ منهُم من
النَّارِ إلَّا دَارَاتُ الوُجُوه.
وأمَّا غَيرُهُم فَتَسلَمُ جَمِيعُ أعضَاءِ السُّجُودِ منْهُم عَمَلًا بِعُمُومِ هذا الحديثِ،
فَيُعْمَلُ بِالعَامِّ إِلَّا مَا خُصَّ، واللهُ أعلمُ.
قُلتُ: وبِتَقدِيرِ أن يُحمَلَ على الجَبهَةِ خَاصَّةً، فَفي هذا الحديثِ زِيَادَةٌ عَلَيهِ؛
لِنَّ دَارَاتِ الوُجُوه أوسَعُ من الجَبهَةِ، واللهُ أعلَمُ [٢٩٥/٢ظ].
وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ، وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا(٧).
(١) مسلم (٢٩٩/١٨٢).
(٢ - ٢) مكانه بياض في (ح).
(٣) إكمال المعلم (١/ ٥٦٠، ٥٦١).
شرح النووي على مسلم (٢٢/٣).
(٥)
(٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (٥٠/٣).
(٦) مكانها بياض في (ح).
(٧) بعده في الأصل: ((فرغه، وهو الجزء الثاني، من ((طرح التثريب في شرح التقريب))،
كاتبه لنفسه، ثم لمن شاء اللهُ من بعده: علي بن أبي بكر بن محمد الشهير بابن
التكروري المالكي، في يوم السبت المبارك، الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة
الحرام، عام اثنين وعشرين وثمانمائة، غفر اللهُ له، ولوالديه، ولمشايخه، ولمن نظر
فيه، ودعا له بالمغفرة والرحمة، ولجميع المسلمين أجمعين، وصلّى اللهُ على سيدنا
محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمدُ لله رب العالمين.
مكتوبٌ على نسخة الأصل بخط المصنف، أبقاه اللهُ لي وللمسلمين ما شاء اللهُ: هذا
آخر ما تيسرت كتابته، ونسألُ اللهَ النفعَ بذلك، وأن يخلصنا من جميع المهالك،
ونحمدُ اللهَ تعالى، ونصلي على رسوله محمد رَّيه، وآله وصحبه أجمعين، ونسأله أن
يتوفانا مسلمين، ويجعلنا من حزبه المتقين، والحمدُ لله ربُّ العالمين.
فرَغْ منه مؤلفُه أحمدُ بنُ عبد الرحيم ابن العراقي، لطف اللهُ به، يوم الأربعاء الرابع من
شهر ربيع الآخرة سنة ثماني عشرة وثمانمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل)).

فهرس الموضوعات
٢٩٩
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
أبواب الأدب
· الحديث الأول: حديث ابن عمر: ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون ... ))
* فيه فوائد:
٥
الأولى: تخريج الحديث
٥
الثانية: النهي في الحديث للإرشاد
٥
الثالــة: معنى الحديث
٦
■ الحديث الثاني: حديث ابن عمر: ((الشوم في ثلاث ... ))
* فيه فوائد:
٧
الأولى: تخريج الحديث
٧
الثـالـثـة: اختلاف الناس في معنى الحديث
٩
الرابعة: الجمع بين حديث الباب وحديث الفرار عن الطاعون
١٥
٩
الخامسة: دلالة الحصر في الحديث
١٥
السادسة : تحرير لفظة: الفرس
١٧
السابعة: المراد بقوله: المرأة
١٧
الثامنة: المراد بقوله: الربع
١٧
■ الحديث الثالث: حديث ابن عمر: ((اقتلوا الحيات ... ))
* فيه فوائد:
١٨
الأولى: تخريج الحديث
١٨
الثانــة : ترجمة أبي لفافة
٢٠
الثـالـثـة: المراد بقوله: الحيات
٢٠
الرابعة: الأمر بقتل الحيات
٢١
الثانية: كلام اللغويين في معنى الشوم

٣٠٠
طرح التثريب في غَزْجِ التَّقْرِیبِ
الموضوع
الصفحة
الخامسة: المراد بقوله: ((وذا الطفيتين))
٢٢
السادسة: معنى قوله: ((الأبتر))
٢٢
السابعة: تأويل قوله: ((يلتمسان البصر))
٢٣
الثامنة: معنى قوله: (يستسقطان الحبل))
٢٣
التاسعة: اختلاف العلماء في قتل ذوات البيوت
٢٤
العاشرة: التمسك بالعموم حتى يرد مخصص
٢٧
الحادية عشر: لا يضر الشك في المخبر في هذا الحديث
٢٨
الثانية عشر: معنى قوله: ((يطارد حية)»
٢٨
الثالثة عشر: قول الصحابي نهى عن كذا ــ له حكم الرفع
٢٩
الرابعة عشر: شرطا النهي عن قتل ذوات البيوت
٣٠
■ الحديث الرابع: حديث أبي هريرة: ((إذا انتعل أحدكم ... ))
* فيه فوائد:
٣٢
الأولى: تخريج الحدیث
٣٢
الثانـــة: مشروعية لبس النعال
٣٢
٣٢
الثـالــة: استحباب الابتداء باليمين
٣٣
الرابعة: تقديم اليسرى في النزع إكرام للأولى
الخامسة: كلام القاضي ابن العربي
٣٤
السادسة: استحباب الموالاة في اللبس والنزع
٣٤
■ الحديث الخامس: حديث أبي هريرة: ((لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ... ))
فيه فوائد:
٣٥
الأولى: تخريج الحديث
٣٥
الثانية: النهي عن المشي في نعل واحدة
٣٦
الثالثة: تبويب الترمذي على الحديث
٣٦
الرابعة: سبب النهي
٣٩
الخامسة: كلام ابن الأثير في معنى النعال
٤٠
السادسة: كلام ابن عبد البر في معنى قوله: ((لينعلهما))
٤١
السابعة: اختلافهم في ضبط قوله: ((لينعلهما))
٤٢
الثامنة: المراد بالشسع
٤٣
التاسعة: دلالة التقييد بتلك الحالة
٤٤