النص المفهرس
صفحات 261-280
أشرَاطُ السَّاعَةِ ٢٦١ = وقال الخَطَّابيُّ، في هذا الحديثِ(١): لَا يُنكَرُ(٢) أن يَكُونَ لَهَا اسْتِقِرَارٌ مَا، تَحتَ العَرشِ، من حَيثُ لَا نُدرِكُهُ ولَا نُشَاهِدُهُ، وإنَّمَا هُو ◌َخَبَرٌ عن غَيبٍ، [فَلَا نُكَذِّبُ به ولَا نُكَيِّفُهُ](٣)؛ لِنَّ عِلمَنَا لَا يُحِيطُ به. قال: ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ المَعنَى: أنَّ عِلمَ مَا سَألتَ(٤) عنهُ من مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ فِي كِتَابٍ كُتِبَ فيه مَبَادِئ أمُورِ العَالَمِ ونِهَايَتُهَا، والوقتُ الذي تَنْتَّهي إِلَيهِ مُدَّتُهَا؛ فَيَنقَطِعُ دَورَانُ الشَّمسِ وتَستَقِرُّ عِنَدَ ذلك، فَيَبطُلُ فِعلُهَا، وهُو المَعرُوفُ(٥) المَحْفُوظُ (٦) الذي بَيَّنَ فيه أحوالَ الخَلقِ والخَلِيقَةِ وآجَالَهُم(٧) ومَآلَ أمُورِهم، واللهُ أعلَمُ بِذلك، انتَهَى. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٨): كَثُرَت أقوالُ النَّاسِ في مَعنَى مُستَقَرِّ الشَّمسِ. وأشبَهُ مَا يُقَالُ فيه: إنَّهُ عِبَارَةٌ عن انتِهَائهَا (٩) إلى أن تُسَامِتَ (١٠) جُزءًا من(١١) العَرشِ مَعلُومًا، بِحَيثُ تُخضَعُ عِندَهُ وتُذَلَّلُ (١٢)، وهُو المُعَبَّرُ عنهُ بِسُجُودِهَا، وتَستَأذِنُ فِي سَيرِهَا المُعتَادِ لَهَا من ذلك المَحَلِّ؛ مُتَوقّعَةً أَلَا يُؤْذَنَ لَهَا في ذلك، وأن تُؤمَرَ بِالرُّجُوعِ من حَيثُ جَاءَت، وبِأن تَطْلُعَ من مَغرِبها، فَإِن كَانَتِ الشَّمسُ تَعْقِلُ نُسِبَ ذلك كُلُّهُ إِلَيْهَا، وإن كَانَت لَا تَعقِلُ فَعَلَ ذلك المَلَائِكَةُ المُوَّلُونَ بها . ■ الزَّابِعَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(١٣): هذا الحديثُ على ظَاهِرِهِ عِندَ أهلٍ الحديثِ والفِقه والمُتَكَلِّمِينَ من أهلِ السُّنَّةِ، خِلَافًا لِمَن تَأولَهُ من المُبتَدِعَةِ والبَاطِنِيَّةِ. [٢٨٩/٢ و] (١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١٨٩٣/٣). (٢) في (م): ((ننكر)). (٣) في (ك٢، ح): ((فلا تكذيب، ولا تكفير)). (٤) في (م): ((سئلت)). (٦) في (م): ((المخطوط)). (١٠) أي: توازي وتحازي. وينظر: جمهرة اللغة (٣٩٨/١)، وتهذيب اللغة (٧٥/١٣). (٨) المفهم (٣٤٤/٧). (١١) بعده في (ك٢، ح): ((تحت)). (١٢) في المفهم: ((وتدل)). وأشار في الحاشية إلى أنها في نسخة: ((وتذلل)). (١٣) إكمال المعلم (١/ ٤٧٥). (٥) في أعلام الحديث: ((اللوح)). (٧) في (ك٢، ح): ((وأحوالهم)). (٩) في (ك٢، ح): ((إتيانها)). ٢٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الخَامِسَةُ: مَعنَى الْآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكَافِرَ لَا يَنفَعُهُ بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ من مَغرِبها الإِيمَانُ، وأنَّ العَاصِيَ لَا يَنفَعُهُ بَعدَ ذلك الثَّوبَةُ واكتِسَابُ الخَيرِ، بَل يُخْتَمُّ(١) على كُلِّ أحَدٍ بِالحَالَةِ التي هُو عَلَيهَا . [وقال ابنُ عَطِيَّةَ(٢): قَولُهُ: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِ إِيمَنِهَا خَيْرً﴾ [الأنعام: ١٥٨]: يُرِيدُ: جَمِيعَ أعمَالِ البِرِّ، فَرِضَهَا ونَفْلَهَا](٣). ■ السَّادِسَةُ: [سَبَبُ ذلك: أنَّ هذا أولُ قِيَامِ السَّاعَةِ، وبُدُوِّ التَّغَيُّرَاتِ في العَالَمِ العُلوِيِّ؛ فَإِذَا شُوهدَ (٢٦٠/٨م) ذلك وعُويِنَ: حَصَلَ الإيمَانُ الضَّرُورِيُّ، وارتَفَعَ الإِيمَانُ بِالغَيبِ الذي هُو مُكَلَّفٌ به. ( السَّابِعَةُ: ](٤) ظَاهرُ الآيَةِ والحديثِ: استِمرَارُ هذا الأمرِ، وهُو مَنعُ قَبولِ الإِيمَانِ والتَّوبَةِ بَعدَ ذلك. وكَانَ شَيخُنَا الإِمَامُ أبو حَفصِ البُلقِينِيُّ كَّتُهُ يَقُولُ: إنَّه(٥) إذَا تَرَاخَى الحَالُ بَعدَ ذلك، وبَعُدَ العَهدُ بهذِه الآيَةِ، وتَنَاسَاهُ أكثَرُ النَّاسِ: قُبِلَت الثَّوبَةُ والإيمَانُ بَعدَ ذلك؛ لِزَوالِ الآيَةِ التي تَضطَرُّ النَّاسَ إلى الإيمَانِ. وهذا يَحتاجُ إلى دَلِيلٍ، ومَا أَظُنُّ الزَّمَانَ يَتَرَاخَى بَعدَ ذلك، ولَا يَبقَى فيه مُهلَةٌ وتَطَاوُلٌ؛ بِحَيثُ يَطُولُ العَهدُ بِذلك قَبَلَ يَومِ القِيَامَةِ، والهُ أعلَمُ. (١) في الأصل: ((يحتم). (٢) المحرر الوجيز (٤٣١/٢). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٥) من الأصل، (ش). البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ ٢٦٣ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ الحديثُ الأولُ عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ◌َّ، من أهلِ الكِتَابِ، فَقال: يَا أَبَا القَاسِمِ، أَبَلَغَك أنَّ اللهَ رَكْ يَحمِلُ الخَلَائِقَ على إصبَع، والسَّمَاواتِ على إِصَبَع، والأرضِينَ على أصبُع، والشَّجَرَ على إصبَعَّ، والثَّرَى على أصبع؟ قَّال: فَضَحِكَ رسولُ اللهِوَلِ حَتَّى بَدَت نَواجِّذُهُ. قال: فَأَنزَلَ اللهَّ رَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَّدْرِهِ﴾ الآبَةُ [الزمر: ٦٧])). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أنَّفَقَ عَلَيْه الشيخانِ (١) من هذا الوجه، من (٢٦١/٨م) طَرِيقٍ الأعمَشِ، عن إبرَاهيمَ، عن عَلقَمَةَ، عن عَبدِ الله، بِلَفِظِ: ((يُمسِلُكُ))(٢) وفيه: ((والشَّجَرَ والثَّرَى على إصبَع)). وفيه: (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ)). وفيه بَعدَ ذِكرٍ ضَحِكِه، ثُمَّ قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ﴾. وفي لَفِظٍ لِمسلمٍ: ((والشَّجَرَ على إصبَعٍ، والثَّرَى على إصبَعِ))، كَمَا في رِوايَتِنَا. وفي لَفِظِ لَهُ: ((والجِبَالَ على إصبَعِ))، بَدَلَ الخَلَائِقِ، وفي لَفِظِ لَهُ: («تَصدِيقًا لَهُ(٣)، تَعَجُّبًا لِمَا قال)». (١) البخاري (٧٤١٥، ٧٤٥١)، ومسلم (٢١/٢٧٨٦، ٢٢). (٢) مكانها في (م): ((إن الله يمسك)). (٣) ليس في: (ك٢، م). ٢٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ واَّفَقَا عَلَيه(١) أيضًا، من طَرِيقٍ مَنصُورٍ. وانفَرَدَ به البخاريُّ(٢)، من طَرِيقٍ الأعمَشِ. كِلَاهُمَا، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدَةَ، عن عَبدِ الله. لَفِظُ البخاريِّ: ((إنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إلى النبيِّ وَّهِ، فَقال: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ يُمسِكُ السَّمَاواتِ على إصبَعٍ، والأرضِينَ على إصبَعِ، والجِبَالَ على إصبَع، والشَّجَرَ على إصبَعِ، (٣ والخَلَائقَ علىَّ إصبَع٣)، ثُمَّ يَقُولُ: أنَّ المَلِكُ. فَضَحِكَ رسَوَّلُ اللهِ وَهـ حَتَى بَدَتَّ نَواجِذُهُ، ثُمَّ قَرَأْ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]))، وفي لَفِظِ لَهُ، بَعدَ ذِكرٍ: ((السَّمَاواتِ))، ((والأرضِ والشَّجَرِ على إصبَع، والمَاءَ والثَّرَى على إصبَعِ، وسَائرَ الخَلَائقِ على إصبَعِ))، ولَم يَذْكُر الجِبَالَ. وَلَفظُ مسلمٍ في ((السَّمَاواتِ، والأرضِين (٤) مِثْلُهُ. ثُمَّ قالَ: ((والجِبَالَ والشَّجَرَ على إصبَع، وَالمَاءَ والثَّرَى على إصبَعٍ، وسَائرَ الخَلقِ على إصبَعِ)). وفي رِوايَةٍ لَهُمَا: ((فَضَّحِكَ رسولُ الله ◌ِ؛ تَعَجُّبَّاً وتَصدِيقًا لَهُ)). ■ الثَّانِيَةُ: قال الخَطَّابي(٥): الأصلُ في هذا وفيمَا أشبَهَهُ من أحَادِيثِ الصَّفَاتِ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثبَاتُ ذلك، إلّا أن يَكُونَ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، أو خَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِه، فَإِن لَم يَكُونَا فيمَا يَثبُتُ من أخبَارِ الآحَادِ (٦) المُسنَدَةِ إلى أصلٍ في الكِتَابِ أو السُّنَّةِ المَقْطُوعِ بِصِحَّتِهَا، أو بِمُوافَقَةٍ مَعَانِيهَا، ومَا كَانَ بِخِلَافِ ذلك، فَالتَّوقُفُ [٢٨٩/٢ظ] عن إطلاقِ الاسم به هُو الواجِبُ، ويُتَأولُ(٧) حِينَئِذٍ، على مَا يَلِيقُ بِمَعَانِي الأصُولِ المُتَّفَقِ عَلَيهَا مَعَ نَفيِ النَّشبيه. وذِكرُ الأصَابِعِ لَم يُوجَد في شَيءٍ من الكِتَابِ ولَا السُّنَّةِ التي شَرِطُهَا مَا وصَفْنَاهُ، ولَيسَ مَعنَى اليَدِ في الصِّفَاتِ بِمَعنَى الجَارِحَةِ، حَتَّى يُتَوهَّمَ بِثُبُوتِهَا ثُبُوتُ (١) البخاري (٤٨١١، ٧٤١٤، ٧٥١٣)، ومسلم (١٩/٢٧٨٦، ٢٠). (٢) البخاري (٧٤١٤). (٣ - ٣) ليس في: (ك٢، م). (٤) في (م): ((والأرض)). (٥) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١٨٩٨/٣ - ١٩٠٣). (٦) في (ش): ((الأحاديث)). (٧) في الأصل: ((وتأول)). وفي (ش): ((وتناول)). وهذا الكلام فيه بعد عن طريقة السلف، وقد تقدم التنبيه عليه مرارًا، فلينتبه إليه. البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ ٢٦٥ = الأصَابِعِ، بَل هُو تَوقِيفٌ شَرعِيٌّ أطلَقنَا الإِسَمَ فيه على مَا جَاءَ به الكِتَابُ؛ من غَيرِ تكييفٍ ولَا تَشبيهِ. وقَد رَوى هذا الحديثَ(١) غَيرُ واحِدٍ من أصحَابٍ عَبدِ الله؛ فَلَم يَذْكُرُوا فيه قَولَهُ: ((تَصدِيقًا لِقَولِ الحَبرِ)). واليَهُودُ مُتَّهَمَةٌ(٢) فيمَا يَدَّعُونَهُ مُنَزَّلًا في الثَّورَاةِ بِألفَاظِ تَدْخُلُ في بَابِ التَّشبيه، لَيسَ القَولُ بها من مَذَاهبِ المسلمِينَ، وقَد ثَبَتَ عن رسولِ الله وَ﴾، أنَّهُ (٢٦٢/٨م) قال: ((مَا حَدَّثَكُم أهلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدَّقُوهُم ولَا تُكَذِّبوهُم، وقُولُوا: آمَنَا بِمَا أنزَلَ اللهُ من كِتَابٍ))(٣) . والنبيُّ وَّهِ أولى الخَلقِ بِأن يَكُونَ قَد استَعمَلَهُ مَعَ هذا الخَبرِ(٤). والدَّلِيلُ على هذا: أنَّهُ لَم يَنطِق فيه(٥) بِحَرفٍ تَصدِيقًا لَهُ أو تَكَذِيبًا، إنَّمَا ظَهَرَ منهُ في ذلك الضَّحِكُ المُخَيِّلُ لِلرِّضَى مَرَّةً، ولِلتَّعَجُّبِ والإنكَارِ أخرَى، ثُمَّ ثَّلَا الآيَةَ، وهيَ مُحتَمِلَةٌ لِلوجهَينِ، ولَيْسَ فِيهَا لِلأُصبُعِ ذِكْرٌ. وقَولُ مَن قال من الرُّواةِ: ((تَصدِيقًا لِقَولِ الحَبرِ)). ظَنُّ وحُسبَانٌ، والأمرُ(٦) فيه ضَعِيفٌ(٧)؛ إذ كَانَ لَا تُمحَضُ شَهَادَتُهُ(٨) لِأَحَدِ الوجهَينِ، ورُبَّمَا استُدِلَّ بِحُمرَةٍ اللونِ على الخَجَلِ، وبِصُفرَتِه على الوجَلِ، مَعَ جَوازٍ كَونِ الحُمرَةِ لِهَیجِ دَمِ، والصُّفْرَةِ لِثَورَانِ خَلِطِ؛ فَالاِستِدلَالُ بِالضَّحِكِ في مِثلِ هذا الأمرِ الجَسِيمِ غَيْرُ سَائغٍ، مَعَ تَكَافُئِ وجهَي الدَّلَالَةِ. ولَو صَحَّ الخَبَرُ كَانَ مُتَأولاً(٩) على نَوعِ مَجَازٍ، ويَكُونُ المَعنَى في ذلك على تَأْوِيلِ قَولِهِ رَ: ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٢٧]: أنَّ قُدرَتَهُ على طَيِّهَا (١٠) بعده في (م): ((عن)). (١) في أعلام الحديث: ((مشبهة)) . (٢) (٣) أحمد (١٣٦/٤)، وأبو داود (٣٦٤٤) عن أبي نملة الأنصاري. (٤) في (ك٢، م)، وأعلام الحديث: ((الحبر)). (٥) في الأصل: ((به)). (٦) في (م): ((والقول)). (٧) في الأصل، (م): ((ضعف)). (٨) في الأصل: ((شهادة)). (٩) في الأصل، (م): ((مقولًا)). (١٠) في (ش): ((ظنها)). = ٢٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وسُهُولَةِ الأمرِ في جَمعِهَا، بِمَنزِلَةٍ مَن جَمَعَ شَيئًا في كَفِّه، فَاستَخَفَّ حَمَلُهُ، فَلَم يَشْتَمِلُ(١) بِجَمِيعِ كَفِّه عَلَيه، لَكِنَّهُ نَقَلَهُ بِبَعضِ أصَابِعِهِ. وقَد يُقَالُ في الأمرِ الشَّاقٌ، إذَا أضِيفَ إلى الرَّجُلِ القَوِيِّ: إنَّهُ يَأْتِي عَلَيه بِأُصبُع واحِدَةٍ، وأنَّهُ يَعمَلُهُ بِخِنصَرِهِ، ومَا أشبَهَ ذلك من الكَلَامِ الذي يُرَادُ به الإِسْتِهَانَةُ(٢) في القُدرَةِ عَلَيه والاستِهِزَاءُ به، وكَقَولِ الشَّاعِرِ(٣): الرُّمحُ لَا أملَأُ كَفِّي به يُرِيدُ: أنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ أن يَجمَعَ كَفَّهُ فَيَشْتَمِلَ بها كُلِّهَا على الرُّمحِ، لَكِن يَطعَنُ به خَلسًا بِأطرَافِ أصَابِعِهِ. قال: ويُؤَكِّدُ (٤) مَا ذَهَبنَا إلَيه: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ، سَمِعتُ رسولَ اللهِوَهل يَقُولُ: (يَقْبِضُ اللهُ الأرضَ، ويَطوِي السَّمَواتِ بيمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أينَ مُلُوكُ الأرضِ؟)). فَهِذَا قَوْلُ النبيِ نَّهِ وَلَفِظُهُ، جَاءَ على وِفَاقِ الآيَةِ، لَيسَ فيهِ ذِكرُ الأصَابِعِ، وتَقْسِيمِ الخَلِيقَةِ على أعدَادِهَا؛ فَدَلَّ(٥) أنَّ ذلك من تَخْلِيطِ اليَهُودِ وتَحرِيفِهم، وأنَّ ضَحِكَ رسولِ اللهِ وَّهِ إِنَّمَا كَانَ على مَعنَى الثَّعَجُّبِ منهُ، والنَّكِيرِ (٦) لَهُ، واللهُ أعلَمُ(٧). انتَهَى. (١) في (م): ((یمسكه)). (٢) في الأصل، (م): ((الاستهزاء)). (٣) صدر بيت من السريع، عجزه: واللبد لا أتبع تزواله والبيت منسوب لعمرو بن معد يكرب، وهو في ديوانه (ص١٩٧)، وينسب أيضًا لابن زيّابة التيمي. ينظر: ديوان الحماسة (٣٧/١)، وخزانة الأدب (١١٤/٥)، والكامل للمبرد (٢٨٧/١). (٤) في الأصل، (م): ((ویؤید)). في (ك٢، ح): ((يدل)). وبعده في (م): ((على)). (٥) في الأصل، وأعلام الحديث: ((والتنكير)). (٦) قال ابن التين: لقد تكلَّف الخطابيُّ في تأويل الإصبع، وبالغ حتى جعل ضحكه وَل (٧) تعجبًا وإنكارًا لما قال الحَبْر، وأتى في معناه ما لم يأت به السلفُ والصحابةُ، وهم أعلم بما رَوَوْا، وردّ ما جاء في الرواية الأخرى: ((فضحكِوَ ﴿ تعجبًا وتصديقًا)) . = ٢٦٧ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ وتَبِعَهُ على ذلك القُرطُبي في ((المُفهم) (١)؛ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ مُلَخَّصَةٍ. قُلتُ: ويَدُلُّ على (٢ انتِفَاءِ الأصَابِع٢): اختِلَافُ الرِّوايَاتِ فيمَا(٣) على كُلِّ واحِدٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ؛ فَدَلَّ على أنَّ ذلك تَجَوُّزُ وتَقرِيبٌ لِلفَهم (٤)، في الدَّلَالَةِ على عَظِيمٍ قُدَرَتِه تعالى، بِتَقْدِيرِ أن يُصَدِّقَ النبيِ وَِّ ذلك. وقال النَّوِيُّ(٥): هذا من أحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وقَد سَبَقَ فيهَا (٦المَذهَبَانِ: ٦) (٢٦٣/٨م) التَّأوِيلُ، والإمسَاكُ عنهُ مَعَ الإِيمَانِ بها، واعتِقَادِ أنَّ الظّاهرَ منهَا غَيرُ مُرَادٍ؛ وكلا القولين ليس من أقوال السلف !. فَعلى قَولِ المُتَأوَّلِينَ: يَتَأولُونَ الأصَابِعَ هُنَا على الاقتِدَارِ، والنَّاسُ يَذْكُرُونَ الأصبُعَ(٧) في مِثْلِ(٨) هذا لِلمُبَالَغَةِ، والِإِحْتِقَارِ؛ فَيَقُولُ أحَدُهُم: بِأصبُعِي أقتُلُ(٩) زَيدًا؛ أي: لَا كُلفَةٌ عَلَيَّ فِي قَتِلِه. وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ [٢٩٠/٢و] أصَابِعُ بَعضٍ مَخلُوقَاتِه، وهذا غَيرُ مُمتَنِعٍ. والمَقصُودُ: أنَّ يَدَ الجَارِحَةِ مُستَحِيلَةٌ، ثُمَّ قال: ظَاهرُ(١٠) الحديثِ أنَّ النبي ◌َّ صَدَّقَ الخَبَرَ في قَولِه. قال القَاضِي عِيَاضٌ (١١): وقال بَعضُ المُتَكَلِّمِينَ(١٢): لَيسَ ضَحِكُهُ وتَعَجُّبُهُ وتِلَاوتُهُ الآيَةَ تَصدِيقًا لَهُ، بَل هُو رَدُّ لِقَولِهِ، وإِنكَارٌ وتَعَجُّبٌ من سُوءِ اعتِقَادِهِ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْيَهُودِ الَّجْسِيمُ، فَفَهمَ منهُ ذلك(١٣). بأنه على قدر ما فهم الراوي. انتهى بمعناه. ينظر: فتح الباري (٥٥١/٨)، وعمدة = القاري (١٤٤/١٩)، وتحفة الأحوذي (١١٣/٩). (١) المفهم (٣٨٩/٧) وما بعده. (٢ - ٢) في (ح): (انتفاع أصابع)). (٣) في (م): ((فيها)). (٤) في (ح، ش): ((لكنهم)). (٥) شرح النووي على مسلم (١٢٩/١٧ - ١٣١)، وإكمال المعلم (٣١٦/٨، ٣١٧). (٧) ليس في: (ش). (٦ - ٦) في (ك٢، ح): ((المذهب أنّ)). (٩) في (ك٢، ح): ((أقبل)). (٨) ليس في: الأصل. (١١) من الأصل، (م). (١٠) بعده في (ش): ((هذا)). (١٢) ينظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص٢٤١ - ٢٤٥). (١٣) قال الإمام ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١٧٨/١): وقد أجلَّ اللهُ نبيَّه وَِّ عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته بما ليس من صفاته؛ فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل = = ٢٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقَولُهُ: (تَصدِيقًا لَهُ))، إنَّمَا هُو من كَلَامِ الرَّاوِي على مَا فَهمَ، والأولُ: أظهَرُ(١). انتَھَى. ■ الثَّالِثَةُ: (الثَّرَى))، بِفَتح الثَّاءِ المُثَلَّثَةِ مَقصُورٌ: التُّرَابُ النَّدِيُّ، قالهُ أهلُ اللُّغَةِ (٢) . ومُرَادُهُم: الذي نَدَاوتُهُ أصلِيَّةٌ لِتَسَقُّلِهِ، وكَونِهِ لَيسَ على وجه الأرضِ. ويَدُلُّ لِذلك مَا حَكَاه في ((الصِّحَاحِ))(٣) من قَولِهِم: التَّقَى الثَّرَيَانِ؛ أي: جَاءَ المَطَرُ فَرَسَخَ في الأرضِ حَتَّى التَّقَى هُو ونَدَى الأرضِ. وفي جَعلِه في هَذِهِ الرِّوايَةِ الثَّرَى مُفرَدًا عن الأرضِ، نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ جُزءٌ منهَا، واللهُ أعلمُ. ■ الرَّابِعَةُ: النَّواجِذُ، بِالنُّونِ والجِيمِ(٤) والذَّالِ المُعجَمَةِ، جَمعُ نَاجِذٍ، وهُو آخِرُ الأضرَاسِ. ولِلإِنسَانِ أربَعَةُ نَواجِذَ في أقصَى الأسنَانِ بَعدَ الأرحَاءِ(٥)، ويُسَمَّى ضِرسُ الخُلُمِ؛ لِنَّهُ يَنْبُتُ بَعدَ البُلُوعِ وكَمَالِ العَقلِ، يُقَالُ(٦): ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَواجِذُهُ: إِذَا استَغْرَقَ(٧) فيه. الخَامِسَةُ: ظَاهرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ(٨) هيَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِه النكير والغضب على المتكلم - يعني في زعمهم - ضحكًا تبدو منه نواجذه ... لا يصف = النبيَّ وَّ بهذه الصفة مؤمنٌ مصدق برسالته. (١) الصواب في هذا الباب: إثبات ما أثبته النبي مر على الوجه اللائق بذات الرب سبحانه من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، وهذا هو مذهب السلف. ينظر: رد سعيد بن عثمان على المريسي (٣٦٩/١ - ٣٨٣) - الرشد، والرد على الجهمية لابن منده ح (١٨ - ٢٥). (٢) ينظر: معجم العين للخليل (٢٣٢/٨)، تهذيب اللغة (٨٣/١٥). (٣) الصحاح للجوهري (٢٢٩١/٦). (٤) لیس في: (ك٢، ح). (٥) في (م): («الأرجاء)). والأرحاء واحد رحّى. ينظر: المحكم (٤٣٩/٣)، والمغرب في ترتيب المعرب للخوارزمي (ص١٨٦). (٦) ينظر: معجم العين للخليل (٩٥/٦)، وجمهرة اللغة (٤٥٤/١)، وتهذيب اللغة (١٢/١١). (٨) في (ش): ((القضية)). (٧) في (ش)، والصحاح: ((استغرب)). ٢٦٩ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ الآيَةِ، والذي في ((الصَّحِيحَينِ)) ظَاهرُهُ(١): أنَّ الآيَةَ نَزَلَت قَبلَ ذلك، وأنَّهُ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ اسْتَشْهَدَ بها عِندَ هذا الكَلَامِ (٢)، والله تعالى أعلمُ. الحديث الثاني جَ وعن هَمَّام، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ أدنَى مَقْعَدٍ أحَدِكُم من (٣) الجِّنَّةِ: أن يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَّنَّى، ويَتَمَّنَّى، فَيُقَالُ لَهُ: هَل تَمَنَّيت؟ فَيَقُولُ: نَعَم. فَيَقُولُ (٨/ ٢٦٤م): فَإِنَّ(٤) لَك مَا تَمَنَّيت ومِثْلَهُ مَعَهُ)). رَوَاهُ مسلمٌ. وفي الحديثِ الطَّوِيلِ لهُمَا، من حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ: ((ذَلِكَ لَكَ(٥) وعَشرَةُ أمْثَالِهِ)). فیه فَوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٦)، من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ. واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ (٧) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن عَطَاءِ بنِ يَزِيدَ، عن أبي هُرَيْرَةَ؛ في أثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ(٨)، وفيه في آخَرِ أهلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ: ((فَإِذَا دَخَلَهَا، قال اللّهُ لَهُ(٩): تَمَنَّهْ. فَيَسألُ رَبَّهُ ويَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِن كَذَا وَكَذَا؛ حَتَّى إِذَا انقَطَعَت به الأمَانِيُّ قال اللهُ وَتَ: ذلك لَك ومِثْلُهُ مَعَهُ)). (١) في (ك٢، ح): ((ظاهر)). (٢) ينظر: المحرر الوجيز (٥٤٠/٤ - ٥٤١)، وزاد المسير (٨٢/٣ - ٨٣)، وأسباب النزول للواحدي (٢٤٩/١ - ٢٥٠) - الحلبي. في الأصل: ((في)). (٣) في (م): ((إن)). (٤) في (ك٢، ح): ((له)). (٥) مسلم (٣٠١/١٨٢). (٦) البخاري (٨٠٦)، ومسلم (٣٠٠/١٨٢). (٧) في (ش): ((الرواية)). (٨) ليس في: (ش). (٩) = S ٢٧٠ طرح التثريب في شَرَّحِ التَّقْرِيبِ قال عَطَاءُ بنُ يَزِيدَ: وأبو سَعِيدِ الخُدرِيِّ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ: لَا يُرَدُّ عَلَيه من حَدِيثِهِ(١) شَيئًا(٢)، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبو هُرَيْرَةَ: ((إنَّ اللهَ وَّ قال لِذلك الرَّجُلِ: ومِثْلُهُ مَعَهُ)). قال أبو سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: ((وعَشَرَةُ أمْثَالِه مَعَهُ))، يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قال أبو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظت إلَّا قَولَهُ: ((ذلك لَك، [ومِثْلُهُ مَعَهُ)). قال أبو سَعِيدٍ: أشهَدُ أَنِّي حَفِظتُ من رسولُ اللهِوَِّ قَولَهُ: ((ذَلِكَ لَك](٣) وعَشَرَةُ أمثَالِه)). وفي ((الصَّحِيحَينِ)) (٤)، من حَدِيثِ عَبِيدَةَ، عن ابنِ مَسعُودٍ نَظُه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنِّي لَأَعلَمُ آخَرَ أهلِ النَّارِ خُرُوجًا منهَا، وآخَرَ أهلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، رَجُلٌ يَخرُجُ من النَّارِ حَبوًّا، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وتعالى لَهُ: اذهَب فَادخُلٍ الجَنَّةَ)). وفيه: ((فَإِنَّ لَك مِثْلَ الدُّنيَا وعَشَرَةَ أمْثَالِهَا، أو أنَّ لَك عَشَرَةَ أمثَالِ الدُّنَا)). وفي رِوايَةٍ لِمسلم من هذا الوجه: ((فَيُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ. (٢٦٥/٨م) فَيَتَمَنَّى، فَيُقَالُ لَه: لَك الذي تَمَثَّيْت وَعَشَرَةُ أضعَافِ الدُّنيَا)). ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((إنَّ أدنَى مَقْعَدِ أحَدِكُم من الجَنَّةِ))، مَعنَاهُ: أنَّ أقَلَّ أهلٍ الجَنَّةِ حَظًّا وأضيَقَهُم مَقعَدًا وأنزَلَهُم مَرَتَبَةً مَن كَانَت هَذِه(٥) صِفَتُهُ. وفي حَدِيثٍ [٢/ ٢٩٠ظ] ابنِ مَسعُودٍ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أدنَى أهلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً. وفي حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، من رِوايَةِ النُّعمَانِ بنِ أبي عَيَّاشٍ عنهُ، وهُو في ((صَحِيحِ مسلم) (٦) أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إنَّ هذا أدنَى أهلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً))(٧). (١) في الأصل، (م): ((أحاديثه)). (٢) ليس في: (ك٢، ح). ما بين المعكوفين ليس في: (م). (٣) (٤) البخاري (٧٥١١)، ومسلم (٣٠٩/١٨٦). (٥) ليس في: (ك٢، ح). (٦) مسلم (٣١١/١٨٨). ليس في: (ك٢، ح). (٧) ٢٧١ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ ورَوى الترمذيُ(١) عن أبي سَعِيدٍ قال: قال رسولُ اللهِوَّر: ((أدنَى أهلٍ الجَنَّةِ: الذي لَهُ ثَمَانُونَ ألفَ خَادِمِ، واثْنَتَانِ وسَبعُونَ زَوجَةً، ويُنصَبُ لَهُ قُبَّةٌ(٢) من لُؤْلُقٍ وزَبَرَجَدٍ وَيَاقُوتٍ، كَمَا بَيْنَ الجَّابِيةِ(٣) إلى صَنعَاءَ)). ■ الثَّالِثَةُ: فيه استِحِبَابُ التَّمَنِّي في الآخِرَةِ، وأنَّ كَرَاهَةَ ذلك خَاصَّةٌ بِالدُّنيَا . وقَد تَقَدَّمَ أنَّ في ((الصَّحِيحَينِ)): ((حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ من كَذَا و(٤) كَذَ)). ومَعنَاهُ: أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ تَمَنَّ من الشَّيءِ القُلَانِيّ ومن الشَّيءِ الآخَرِ، يُسَمِّيَ لَهُ أجنَاسَ (٥)مَا يَتَمَنَى(٥)، وهذا من عَظِيمِ رَحمَتِهِ وَعَ لَهُ. ] الزَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٦): قال العُلَمَاءُ: وجهُ الجَمعِ بَينَ قَولِه في حَدِيثٍ أبي هُرَيرَةَ: ((ومِثْلُهُ مَعَهُ))، وقَولُهُ في حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ: (وَعَشَرَةُ أمْثَالِه)): أنَّ النبيِ وَ﴿ أعلَمَ أولًا بِمَا في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ تَكَرَّمَ اللهُ تعالى فَزَادَ مَا في رِوايَةٍ أبي سَعِيدٍ؛ فَأخبَرَهُ(٧) به النبيُّ ◌َّهِ، ولَم يَسمَعَهُ أبو هُرَيْرَةَ. انتَهَى. وقَولُهُ في حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ في ((صَحِيحِ مسلم): (لَك الذي تَمَنَّيت وعَشَرَةُ أضعَافِ الدُّنْيَا))، قَد يُقَالُ: إنَّ فيه زِيَادَةً على حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. ووجهُهُ: أَنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أعلَمَ بِتِلِكَ الزِّيَادَةِ بَعدَ ذلك. وقَد يُقَالُ: هُو مُوافِقٌ لحديثِ أبي سَعِيدٍ، بِأن يَكُونَ الذي تَمَنَّهُ قَدرَ الدُّنيَا فَأْعِطِيَهُ، وأعطِيَ عَشَرَةُ أمثَالِه أيضًا، وهُو عَشَرَةُ أمثَالِ الدُّنْيَا؛ فَلَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا . ويَدُلُّ لِذلك قَولُهُ فِي رِوايَةِ ابنِ مَسعُودٍ في ((الصَّحِيحَينِ)): ((فَإِنَّ لَك(٨) مِثْلَ الدُّنيَا وعَشَرَةِ أمْثَالِهَا»، فَلَمَّا عَبَّرَ عنهُ(٩) في إحدَى الرِّوايَتَينِ: بِالذي تَمَنَّاهُ، وفي (١) الترمذي (٢٥٦٢). وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين. (٢) في (م): ((فيه)). (٣) قرية في الشام من أعمال دمشق. ينظر: معجم البلدان (٩١/٢). (٥ - ٥) ليس في: (ك٢، ح). (٤) في الأصل: ((ومن)). (٦) شرح النووي على مسلم (٢٤/٣، ٢٥). (٧) في (م): ((فأخبر)). (٨) في (ك٢، ح): ((ذلك)). (٩) ليس في: الأصل. = ٢٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الأخرَى: بِمِثلِ الدُّنيَا؛ دَلَّ على أنَّ الذي تَمَنَّاهُ مِثلُ الدُّنيَا تَوفيقًا بَيْنَ الرِّوايَتَينِ، والضّعفُ: بِمَعنَى المِثلِ على المُختَارِ عِندَ أهلِ اللُّغَةِ (١). وفي ((صَحِيحٍ مسلمٍ)) (٢) (٢٦٦/٨م) وغَيرِهِ، عن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ مَرْفُوعًا، قال: ((سَأَلَ مُوسَى وَّهِ رَبَّهُ: مَا أدنى أهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً؟ قال: هُو رَجُلٌ يَجِيءُ بَعدَ مَا أدخِلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادخُلِ الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أي رَبِّ كَيفَ، وقَد نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُم، وأخَذُوا أَخَذَاتِهم؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرَضَى أن يَكُونَ لَك مِثْلُ(٣) مُلِكِ مَلِكِ من مُلُوكِ الدُّنَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ(٤). فَيَقُولُ: لَك ذلك، ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ ومِثْلُهُ(٥)، فَقال في الخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ (٦). فَيَقُولُ: هذا(٧) لَك وعَشَرَةُ أمْثَالِهِ، ولَك مَا اشتَهَتِ نَفسُك ولَذَّتِ عَينُك. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قال: رَبِّ فَأْعلَاهُم مَنزِلَةً؟ قال: أولئكَ الذينَ أَرَدتُ غَرَستُ كَرَامَتَهُم بيدَيَّ، وخَتَمتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، ولَم تَسمَع أذُنٌ، ولَم يَخطُّر على قَلبٍ بَشَرٍ)). قال: ومِصدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ رَتْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ تَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٧]. قال النَّووِيُّ(٨): المُرَادُ أنَّ أحَدَ مُلُوكِ الدُّنيَا لَا يَنتَهي مُلكُهُ إلى جَمِيعٍ الأرضِ، بَل يَملِكُ بَعضًا منهَا، ثُمَّ منهُم مَن يَكثُرُ الْبَعضُ الذي يَملِكُهُ، ومنهُم مَن يَقِلُّ؛ فَيُعطِي هذا الرَّجُلَ مِثلَ أحَدٍ مُلُوكِ الدُّنَا خَمسَ مَرَّاتٍ، وذلك كُلُّهُ قَدرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: لَك عَشَرَةُ أمثَالٍ هذا. قال: فَتَعُودُ مَعنَى هَذِه الرِّوايَةِ إلى مُوافَقَةِ الرِّوايَاتِ المُتَقَدِّمَةِ، (٩ ولله الحَمد٩ُ)، وهُو أعلَمُ. [٢٩١/٢ و] (١) ينظر: تهذيب اللغة (٣٠٤/١)، والمحكم (٤١٢/١). (٢) مسلم (١٨٩/ ٣١٢). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٤) رسمها في (ك٢، ح): ((ربي)). (٥) ليس في: (م). (٦) رسمها في (ك٢، ح): (ربي)). (٧) ليس في: (ك٢، ح). شرح النووي على مسلم (٤١/٣، ٤٢). (٩ - ٩) ليس في: (ش). (٨) كهـ ٢٧٣ البَعتُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ الحديث الثالث وعن هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((أولُ زُمرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورُهُمَّ(١) على صُورَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ، لَا يَبصُقُونَ فِيهَا، ولَا يَمْتَخِطُونَ فِيهَا، وَلَا يَتَغَوطُونَ فيهَا، آنِيَتُهُم وأمشَاطُهُم الذَّهَبُ والفِضَّةُ، ومَجَامِرُهُم من أُلُوةٍ، ورَشِحُهُم المِسلك، وبِكُلِّ واحِدٍ منهُم زَوجَتَانٍ، بَرَى مُخَّ سَاقِهِمَا من ورَاءِ اللحم من الحُسنِ، لَا اخْتِلَافَ بَينَهُم، ولَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُم على قَلبٍ واحِدٍ، ويُسَبِّحُونَ اللهَ بُكرَةً (٢٦٧/٨م) وعَشِيَّةً)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٢)، من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرَجَهُ البخاريُّ، والترمذيُ(٣)، من طَرِيقٍ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ؛ كِلَاهُمَا عن مَعَمَرٍ، عن هَمَّامٍ. واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ(٤)، من طَرِيقِ عُمَارَةَ بنِ القَعقَاعِ، عن أبي زُرعَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وزَادَ(٥) بَعدَ قَولِه، لَيلَةَ البَدرِ: (ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُم على أشَدِّ كَوكَبٍ دُرِّيِّ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً)). ولَيسَ فيه قَولُهُ: ((ولِكُلِّ واحِدٍ منهُم زَوجَتَانٍ)) (٦ إلى آخِرِهِ، وفي آخِرِه٦): (وأزواجُهُم الحَورُ العِينُ، على خَلقِ (٧) رَجُلٍ واحِدٍ، على صُورَةِ أبيهم آدَمَ؛ سِتُّونَ ذِرَاعًا في السَّمَاءِ)). وأخرَجَهُ البخاريُ (٨) أيضًا، من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، في (م): ((صورتهم)). (١) (٢) مسلم (١٧/٢٨٣٤). (٣) البخاري (٣٢٤٥)، والترمذي (٢٥٣٧). البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (١٥/٢٨٣٤). (٤) (٥) بعده في (م): ((فیه». (٦ - ٦) ليس في: (ك٢، ح). (٧) ليس في: (ك٢، ح). (٨) البخاري (٣٢٤٦). = ٢٧٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَةَ. وفيه: ((والذينَ على إثرِهم(١) كَأَشَدِّ كَوكَبٍ إِضَاءَةً)). وأخرَجَهُ مسلمٌ (٢) أيضًا، من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ. وفيه: ((والتي تَلِيهَا على أضواٍ كَوكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ)). وأخرَجَهُ(٣) أيضًا، من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ، ◌ِلَفِظِ: ((أولُ زُمرَةٍ تَدخُلُ (٤) الجَنَّةَ من أمَّتِي: على صُورَةِ القَمَرِ لَّيْلَةَ البَدرِ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُم على أشَدِّ نَجِمٍ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً، ثُمَّ هُم بَعدَ ذلك مَنَازِلُ))، الحديثَ. وذَكَرَ عن شَيخِه أبي بَكرِ ابنِ أبي شَيبَةَ: ((على خُلُقِ رَجُلٍ))؛ أي: بِضَمِّ الخَاءِ، واللام، وعن شَيخِه أبي كُرَيبٍ: ((على خَلقِ رَجُلٍ))؛ أي: بِفَتحِ الخَاءِ وإسگانِ اللام(٥). ■ الثَّانِيَةُ: الزُّمرَةُ: الجَمَاعَةُ، وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٦)، من حَدِيثٍ سَهلِ بنِ سَعدٍ مَرفُوعًا: ((لَيَدخُلَنَّ من أمَّتِي سَبعُونَ ألفًّا الجَنَّةَ، أو سَبِعُمِائَةٍ(٧) ألفٍ (٨)، لَا يَدخُلُ أولُهُم حَتَّى يَدخُلَ آخِرُهُم، وُجُوهُهُم على صُورَةِ القَمَرِ لَيلَةً البَدرِ))، فَتَبَيَّنَ (٩) بهذِه الرِّوايَةِ عَدَدُ هَذِهِ الزُّمَرَةِ. ■ الثَّالِثَةُ: وفيه دَلِيلٌ على دُخُولِ أهلِ الجَنَّةِ إلَيهَا جَمَاعَةً بَعدَ جَمَاعَةٍ، وقَد صَرَّحَ به في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ (٢٦٨/٨م) إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣]، وذلك بِحَسَبِ الفَضلِ وتَفَاوُتِ الدَّرَجَاتِ، فَمَن كَانَ أفضَلَ كَانَ إلى الجَنَّةِ أسبِقَ، وأولُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَبِينَا مُحَمَّدٌ ◌َِ. (١) في (م): ((أسرهم)). (٢) مسلم (١٤/٢٨٣٤). (٣) مسلم (١٦/٢٨٣٤). (٤) في (ك٢، ح): ((تلج)). ينظر: إكمال المعلم (٣٦٨/٨)، والمفهم (١٨٢/٧)، وشرح النووي (١٧٢/٧). (٥) البخاري (٣٢٤٧). (٦) رسمها في (ش): ((سبع مائة)). (٧) (٨) أشار في حاشية (م) أنها في نسخة: ((ضعف)). (٩) في (م): ((فبين)). محر ٢٧٥ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ وفي الحديثِ الصَّحِيحِ (١): ((آَتِي يَومَ القِيَامَةِ (٢ جَابَ الجَنَّة٢ِ)، فَأَسْتَفْتِحُ. فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَن أنتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِك أمِرتُ أن لَا أفْتَحَ لِأحَدٍ قَبَك)). ■ الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((على صُورَةِ القَمَرِ))؛ أي: صِفَتِه؛ أي: أنَّهُم في إشرَاقٍ وُجُوههم على صِفَةِ القَمَرِ لَيلَةَ تَمَامِه وكَمَالِه، وهيَ لَيْلَةُ أربَعَ عَشْرَةَ، وبِذلك سُمِّيَ القَمَرُ بَدرًا في تِلكَ الليلَةِ. وقَد ورَدَ في هذا المَعنَى مَا يَقْتَضِي مَا هُو أبلَغُ من ذلك: فَرَوى الترمذيُّ(٣)، من حَدِيثِ سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍٍ مَرفُوعًا: ((لَو أنَّ رَجُلًا من أهلِ الجَنَّةِ الطَّلَعَ فَبَدَا أسَاوِرُهُ، لَطَمَسَ ضَوءَ الشَّمسِ، كَمَا تَطْمِسُ الشَّمسُ ضَوءَ(٤) النُّجُومِ)). ■ الخَامِسَةُ: اقتَصَرَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ على ذِكرِ صِفَةِ الزُّمرَةِ الأولى، وبَيَّنَ في الرِّوايَةِ الأخرَى أَنَّ الثَّانِيَةَ: ((على أشَدِّ كَوكَبِ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً)) . وفي الدُّرِّيِّ: ثَلاثُ لُغَاتٍ، قُرِئَ بهنَّ في السَّبعِ(٥): الأكثرُونَ: دُرِّيٌّ: بِضَمِّ الدَّالِ وتَشدِيدِ (٦) اليَاءِ، بِلَا هَمزٍ. والثَّانِيَةُ: بِضَمِّ الدَّالِ، مَهمُوزٌ مَمدُودٍ. والثَّالِئَةُ: بِكَسرِ [٢/ ٢٩١ظ] الدَّالِ، مَهمُوزٌ مَمدُودٌ. وهُو الكَوكَبُ العَظِيمُ، قِيلَ: سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِه كَالذُّرٌ. وقِيلَ: لِإِضَاءَتِه. وقِيلَ: لِشَبَهِه بِالدُّرِّ؛ في كَونِهِ أرفَعَ من بَاقِي النُّجُومِ، كَالدُّرِّ أرفَعُ الجَواهر(٧). (١) مسلم (١٩٧/ ٣٣٣). (٢ - ٢) ليس في: (ك٢، ح). (٣) الترمذي (٢٥٣٨). وقال: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد، إلا من حديث ابن لهيعة. (٤) ليس في: (ك٢، ح). (٥) ينظر: النشر (٢٤٩/٢). (٦) بعده في (م): ((الراء و)). شرح النووي على مسلم (١٦٨/١٧)، وينظر: المشارق (٢٥٥/١)، وعمدة القاري (٧) (١٥٨/١٥). = ٢٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وبَيَّنَ بِقَولِه في رِوايَةٍ أخرَى: (ثُمَّ هُم بَعدَ ذلك مَنَازِلُ))(١): أنَّ دَرَجَاتِهم في إشرَاقِ اللونِ مُتَفَاوِتَةٌ(٢)، بِحَسَبٍ عُلُوِّ دَرَجَاتِهِم وتَفَاوُتِ فَضلِهم. ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: ((لَا يَبصُقُونَ فيهَا، ولَا يَمتَخِطُونَ فيهَا، وَلَا يَتَغَوطُونَ فيهَا))، هيَ صِفَةُ أهلِ الجَنَّةِ مُطلَقًا، ولَا يَخْتَصُّ ذلك(٣) بِالزُّمرَةِ الأولى، وقَد دَلَّ على ذلك (٤) الرِّوايَةُ التي بَيَّنَ فيهَا صِفَةَ الذينَ يَلُونَهُم، وأَشَارَ إلى بَقِيَّةِ المَنَازِلِ، والله أعلم. ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((آنِيَتُهُم الذَّهَبُ، والفِضَّةُ))، يَحتَمِلُ: أن(٥) لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُم النَّوعَينِ . ويَحْتَمِلُ: أَنَّ لِبَعضِهم الذَّهَبَ ولِبَعضِهم الفِضَّةَ. وفي الحديثِ الصَّحِيحِ (٦): ((جَنَتَانٍ من ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا ومَا فيهمَا، وجَنَتَانٍ من فِضَّةِ آنِيَتُهُمَا ومَا فيهمَا)). ■ الثَّامنةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧): قَد يُقَالُ: أَيُّ حَاجَةٍ في الجَنَّةِ لِلأمشَاطِ(٨)، و(٩) لَا تَتَلَبَّدُ شُعُورُهُم ولَا تَتْسِخُ(١٠)، وأيُّ حَاجَةٍ لِلبَخُورِ، ورِيحُهُم أطيَبُ من المِسكِ؟ ويُجَابُ عن ذلك: بِأَنَّ نَعِيمَ أهلِ الجَنَّةِ وكِسوتُهُم لَيسَ عن دَفعِ (١١) أَلَمٍ (١٢) (١) بعده في (م): ((أي)). (٢) في (ك٢، ح): ((متقاربة)). (٣) ليس في: الأصل. (٤) لیس في: (ك٢، ح). (٥) بعده في (م): ((يكون)). البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (٢٩٦/١٨٠) من حديث أبي موسى الأشعري. (٦) المفهم (٧/ ١٨٠). (٧) في (ك٢، ح): ((للامتشاط)). (٨) (٩) ليس في: (م). (١٠) في (م): ((تنسح)). (١١) في (ك٢، ح): ((رفع)). (١٢) ليس في: (ك٢، ح). ٢٧٧ البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ اعتَرَاهُم، فَلَيسَ أكلُهُم عن جُوعٍ، ولَا شُربُهُم عن ظَمَأٍ، ولا تَطيّبُهُم عن نَتْنِ، وإنَّمَا هِيَ لَذَّاتٌ مُتَوالِيَةٌ ونِعَمٌ مُتَتَابِعَةٌ، وحِكمَةُ (٢٦٩/٨م) ذلك: أنَّ اللهَ تعالى نَعَّمَهُم في الجَنَّةِ (١ بنَوعِ مَا١) كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ به في الدُّنْيَا، وزَادَهُم على ذلك مَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّ الله ◌َ. انتَهَى. التَّاسِعَةُ: ((المَجَامِرُ)»: بِفَتحِ المِيمِ، وبالجِيمِ(٢): يَكُونُ جَمِعَ مِجمَرٍ : بِكَسرِ (٣) المِيمِ، [وإسكّانِ الجِيمِ، وفَتحِ المِيمِ الثَّانِيَةِ، وهُو الذي يُوضَعُ فيه النَّارُ لِلبَخُورِ، ويَكُونُ جَمِعَ مُجمَرٍ: بِضَمِّ المِيمِ](٤)، والبَاقِي كذلك، وهُو الذي يُتَبَخَّرُ به، وأعِدَّ لَهُ الجَمرُ(٥)، وهُو المُرَادُ في هذا الحديثِ(٦). ((والأُلُوةُ)): بِفَتحِ الهَمزَةِ وضَمِّهَا، وضَمِّ اللامِ، وفَتحِ الواوٍ وتَشدِيدِهَا: هُو العُودُ الذي يُتَبَخَّرُ به، وهُو العُودُ الهندِيُّ، وهَمزَتُهُ أَصلِيَّةٌ. وقِيلَ: زَائِدَةٌ؛ أي: إنَّ(٧) بَخُورَهُم العُودُ، وهُو الألَنجُوجُ المَذكُورُ فِي رِوايَةٍ أخرَى في الصَّحِيحِ، وهُو(٨) بِفَتحِ الهَمزَةِ واللامِ وإسكانِ النُّونِ وضَمِّ الجِيمِ. ويُقَالُ فيه أيضًا: يَلَنجُوجُ، بِالْيَاءِ أولُهُ بَدَلُ الهَمزَةِ. ويُقَالُ فيه (٩) أيضًا: ألَنجَجُ(١٠)، بِحَذفِ الواوِ التي بَينَ الجِيمَينِ، والألفُ (١ - ١) في (ك٢، ح): (بما)). (٢) في (م): ((والجيم)). (٣) في (م): ((بضم)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٥) في (ح): ((الخمر)). النهاية في غريب الحديث (٢٩٣/١). (٦) ليس في: (ش). (٧) (٨) ليس في: (ش). (٩) في (ش): ((له)). (١٠) وفيه لغةٌ رابعةٌ وهي: أنجوج. قال في المشارق (٣٢/١): لا تعرف. وقال في الفتح (٨٠/١): وهم. وينظر: العين للخليل (٢٢/٦)، والمحكم (٢٢٠/٧)، واللسان (٣٧٥/٢). فقد أثبتوها . = ٢٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والنُّونُ فيه زَائِدَتَانٍ؛ كَأنَّهُ يَلِجُ في تَضَوُّعِ (١) رَائحَتِهِ وانِتِشَارِهَا(٢). فَإِن قُلتَ: إِنَّمَا تَفُوحُ رَائحَةُ العُودِ بِوضعِه في النَّارِ، كَمَا قال الشَّاعِرُ (٣): لَوَلَا اشتِعَالُ النَّارِ فیمَا حاولت(٤) مَا كَانَ يُعرَفُ طِيبُ نَشرِ (٥) العُودِ والجَنَّةُ لَا نَارَ فيهَا؟ قُلتُ: قَد يَشْتَعِلُ(٦) بِغَيرِ نَارٍ، وقَد تَفُوحُ رَائحَتُهُ بِلَا اشْتِعَالٍ، وَلَيسَت أمُورُ الآخِرَةِ على قِيَاسِ أمُورِ الدُّنيَا (٧)، وهذا الطَّيرُ يَشتَهيه الإنسَانُ فَيَنْزِلُ مَشوِيًّا بِلَا شَيٍّ بِنَارٍ وَلَا غَيرِهَا (٨)، واللهُ أعلمُ. ■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((ورَشحُهُم المِسُكُ))، بِفَتحِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ، وإسكَانِ الشَّينِ المُعجَمَةِ، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ؛ أي: إنَّ العَرَقَ الذي يَتَرَشَحُ منهُم رَائحَتُهُ كَرَائحَةٍ المِسكِ، وهُو قَائِمٌ مَقَامَ التَّغَوُّطِ والبَولِ من غَيرِهم، كَمَا قال في حَدِيثٍ آخَرَ: (لَا يَبُولُونَ ولَا يَتَغَوطُونَ، وإِنَّمَا هُو عَرَقٌ بَجرِي من أعرَاضِهم مِثلُ المِسِكِ))(٩)؛ يَعنِي: من أبدَانِهِم، ولَمَّا كَانَت أغذِيَةُ الجَنَّةِ في غَايَةِ اللطَافَةِ والاعتِدَالِ، لَا عَجمَ لَهَا (١) في (ح): ((تصوغ)). (٢) النهاية (٦٣/١، ٢٨٠/٤). وينظر: الغريب المصنف لأبى عبيد (٤٢٠/٢)، وكشف المشكل (٤٧٣/٣). (٣) البيت من الكامل، وينسب لأبي تمام الطائي، وهو في ديوانه (٢٧٨). في (م): ((جاورت)). ينظر: العقد الفريد (١٧٥/٢)، والموازنة بين أبي تمام والبحتري (٤) (ص١٣٨)، والتمثيل والمحاضرة للثعالبي (٢٦٦/١). (٥) المشهور في رواية البيت: ((عَرفٍ)). (٦) في الأصل: ((يشعل)). (٧) ينظر: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم (ص١٨٧ - ١٩٣) - ط. المدني، وزاد المعاد (٣٤٩/٤). (٨) أخرج هذا المعنى: تمام في فوائده (١١٠٣)، وأبو نعيم في صفة الجنة (٣٤١)، والبيهقي في البعث والنشور (٣٠٧) من حديث ابن مسعود مرفوعًا. وإسناده ضعيف جدًّا. وينظر: فتح الباري (٣٢٤/٦)، والدر المنثور (٢٣٢/١٣)، (١٨٥/١٤)، والسلسلة الضعيفة (١٤ /٦٤٠ح (٦٧٨٤). (٩) أخرجه أحمد (٣٦٧/٤، ٣٧١) من حديث زيد بن أرقم. البَعثُ وذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ ٢٧٩ = ولَا تَفلَ، لَم يَكُن لَهَا فَضلَةٌ تُستَقْذَرُ، بَلِ تُستَطَابُ وتُستَلَذَّ؛ فَعَبَّرَ عنهَا بِالمِسكِ الذي هُو أطيَبُ طِيبٍ أهلِ الدُّنيَا . ا الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((ولِكُلِّ واحِدٍ منهُم زَوجَتَانٍ))، هَكَذَا هُو فِي هَذِه الرِّوايَةِ في جَمِيعِ الظُرُقِ بِالتَّاءِ، وهيَ لُغَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في الأحَادِيثِ، وكَلَامِ العَرَبِ(١). والأكثَرُ: حَذفُهَا، وبه جَاءَ القُرآنُ العَزِيزُ، وأكثرُ الأحَادِيثِ(٢). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: استَدَلَّ به أبو هُرَيْرَةَ، رضي الله (٢٧٠/٨م) عنه، على أنَّ النِّسَاءَ في الجَنَّةِ [٢٩٢/٢و] أكثرُ من الرِّجَالِ، فَفي ((صَحِيحِ مسلم))(٣)، عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قال: ((إِمَّا تَفَاخَرُوا، وإمَّا تَذَاكَرُوا، الرِّجَالُ أَكثَرُ فِيَّ الجَنَّةِ أم النِّسَاءِ؟ فَقال أبو هُرَيرَةَ: أو(٤) لَم يَقُل أبو القَاسِمِ وَلَهَ: ((إنَّ أولَ زُمرَةٍ تَدخُلُ(٥) الجَنَّةَ على صُورَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، والتي تَلِيهَا على أضوءِ كَوكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاءِ، لِكُلِّ امرِئٍ منهُم زَوجَتَانِ اثْنَتَانٍ، يَرَى مُخَّ سُوقِهِمَا من ورَاءِ اللحم، ومَا في الجَنَّةِ أعزَبُ)). وفي رِوايَةٍ لَهُ: ((اختَصَمَ الرِّجَالُ والنِّسَاءُ، أَيُّهُم في الجَنَّةِ أكثَرُ؟ فَسَأْلُوا(٦) أَبَا هُرَيْرَةَ؛ فَذَكَرَهُ)). فَإِذَا خَلَتِ الجَنَّةُ من(٧) العُزَّابِ، وكَانَ لِكُلِّ واحِدٍ زَوجَتَانٍ كَانَ النِّسَاءُ مِثلَي الرِّجَالِ. ويُعَارِضُهُ الحديثُ الآخَرُ: ((إِنِّي رَأيْتُكُنَّ أكثَرَ أهلِ النَّارِ)(٨). وفي الحديثِ الآخَرِ: ((اطََّعتُ في النَّارِ، فَرَأيتُ أكثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ)). (١) ينظر: إصلاح المنطق (ص٢٣٥)، والمحكم (٥٢٦/٧)، وتهذيب اللغة (١٠٤/١١)، مشارق الأنوار (٣١٣/١). (٢) شرح النووي على مسلم (١٧١/١٧). (٣) مسلم (١٤/٢٨٣٤، ٠٠٠). (٤) في الأصل، (م): (لو)). (٥) في (ك٢، ح): ((تلج)). (٦) في (ك٢، ح): «فسأل)). في (م): ((عن)). (٧) البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد، ومسلم (١٣٢/٧٩) من حديث ابن عمر. (٨) = S ٢٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وكِلَاهُمَا في ((الصَّحِيحِ))(١). والجَمِعُ بَينَهُمَا: أنَّهُنَّ أكثَرُ أهلِ الجَنَّةِ وأكثَرُ أهلِ النَّارِ لِكَثْرَتِهِنَّ. قال القَاضِي عِيَاضٌ (٢): يَخرُجُ من مَجمُوعٍ هذا: أنَّ النِّسَاءَ أكثَرُ ولَدِ آدَمَ. قال: وهذا كُلُّهُ في الآدَمِيَّاتِ، وإلَّا فَقَد جَاءَ أنَّ لِلواحِدِ من أهلِ الجَنَّةِ من الحَورِ العَدَدَ الكَثِيرَ. قُلتُ: وقَد تَقَدَّمَ من عِندِ الترمذيِّ(٣)، من حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ: ((إنَّ أدنى أهلٍ الجَنَّةِ الذي(٤) لَهُ اثْنَتَانِ وسَبِعُونَ زَوجَةً)). فَإِن قُلتَ: كَيفَ اقْتَصَرَ في هذا الحديثِ على ذِكرِ زَوجَتَينِ؟ قُلتُ: الزَّوجَتَانِ من نِسَاءِ الدُّنْيَا، والزِّيَادَةُ على ذلك من الحُورِ العِينِ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): بهذا يُعلَمُ أنَّ نَوعَ النِّسَاءِ المُشْتَمِلَ(٦) على الحُورِ والآدَمِيَّاتِ في الجَنَّةِ أكثَرُ من نَوعِ (٧رِجَالِ بَنِي ٧) آدَمَ، ورِجَالُ بَنِي آدَمَ أكثَرُ من نِسَائهم، وعن هذا قال عَلَيه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((أَقَلُّ سَاكِنِي الجَنَّةِ النِّسَاءُ، وأكثَرُ سَاكِنِي جَهَنَّمَ النِّسَاءُ)) (٨)؛ يَعِنِي: نِسَاءَ بَنِي آدَمَ، هُنَّ أَقَلُّ في الجَنَّةِ وأكثَرُ فِي النَّارِ . قُلتُ: وإِذَا قُلنَا بِالأولِ، إنَّ لِكُلِّ واحِدٍ منهُم زَوجَتَينٍ من نِسَاءِ الدُّنيًا: فَيُشكِلُ على ذلك قَولُهُ: ((أقَلُّ سَاكِ الجَنَّةِ النِّسَاءُ))؟ ولَعَلَّ رَاوِيَهُ رَواهُ بِالمَعنَى في فَهمِه فَأخطأ، فَهِمَ (٩) من كَونِهِنَّ أكثَرَ سَاكِنِي (١٠ جَهَنَّمَ: أَنَّهُنَّ أَقَلُّ سَاكِنِي ١٠) الجَنَّةِ. وقَد تَقَدَّمَ أنَّ ذلك لَا يَلزَمُ، وأَنَّهُنَّ أكثَرُ سَاكِنِي الجِهَتَيْنِ مَعًا لِكَثِرَتِهِنَّ، واللهُ أعلمُ. (١) البخاري (٢٩)، ومسلم (٩٤/٢٧٣٧) من حديث ابن عباس. (٣) في (م): ((الزبيدي)). (٢) إكمال المعلم (٣٦٦/٨). (٤) سواد في (ح). (٥) المفهم (١٨١/٧). (٧ - ٧) مكانها في (م): ((الرجال من)). (٩) في (ش): ((وهم)). (١٠ - ١٠) ليس في: (ك٢، ح). (٦) بعده في (ك٢، ح): ((زيادة على)). (٨) مسلم (٢٧٣٨).