النص المفهرس
صفحات 221-240
WW ٢٢١ الرَّجَاءُ والخَوفُ ■ الثَّالِثَةُ: البَاعُ: طُولُ ذِرَاعَي الإنسَانِ وعَضُدَيْه وعَرضُ صَدرِه. قال البَاجِيُّ (١): وهُو قَدرُ أربَعَةِ أذرُعِ، هذا حَقِيقَةُ اللفظِ، والمُرَادُ هُنَا المَجَازُ كَمَا تَقَدَّمَ. وقَولُهُ: ((أَتَيْتُهُ بِأسرَعَ))؛ أي: أسرَعَ (٢) من ذلك. الحديثُ الرابعُ حج وعنهُ قال: قال رسولُ الله وَله: ((أَيَفرَحُ أحَدُكُم بِرَاحِلَتِه إذَا ضَلَّت مِنْهُ، ثُمَّ وجَدَهَا؟ قَالُوا: نَعَم يَا رسولَ الله. قال: والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بیدِه، لَلَّهُ أشَدُّ فَرَحًا بِثَوبَةِ عَبدِهِ إِذَا تَابَ من أحَدِكُم بِرَاحِلَتِهِ إِذَا وجَدَهَا)). رواهُ مسلمٌ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ مسلمٌ(٣) من هذا الوجه، من طَرِيقِ مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. ومن طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. ومن طَرِيقِ زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبي صَالِحٍ، كُلُّهم عن أبي هُرَيْرَةَ. واتَّفَقَ (٢٣٧/٨م) عَلَيه الشيخانِ(٤) من حَدِيثِ(٥) الحَارِثِ [٢٨٣/٢و] بنِ سُويد، عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ. ومن حَدِيثٍ قَتَادَةَ، عن أنَسٍ (٦). وأخرَجَهُ مسلمٌ(٧)، من حَدِيثِ إسحَاقَ بنِ عَبدِ الله بنِ أبي طَلحَةَ، عن أنَسٍ. وزَادَ فيه: (١) المنتقى شرح الموطإ (١٢/١)، (١٢٩/٧). (٢) في الأصل، (م): (بأسرع)). (٣) مسلم (٤/ ٢١٠٢، ٢٦٧٥، ٠٠٠/٢/١). البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢١٠٣/٤) (٢٧٤٤). (٤) في (م): ((طريق)). (٥) البخاري (٦٣٠٩)، ومسلم (٢١٠٥/٤) (٨/٢٧٤٧). (٦) مسلم (٤ /٢١٠٤) (٧/٢٧٤٧). (٧) ٢٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ((قال من شِدَّةِ الفَرَح: اللَّهُمَّ أنتَ عَبدِي وأنَا رَبُّك، أخطَأْ من شِدَّةِ الفَرَحِ)). وأخرَجَهُ مسلمٌ(١) أيضًا، من حَدِيثِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ والنُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ، رضي الله عنهم أجمعین. ■ الثَّانِيَةُ: قال الثَّورِيُّ(٢): قال العُلَمَاءُ: فَرَحُ الله تعالى هُو رِضَاهُ. قال المَازَرِي: الفَرَحُ يَنقَسِمُ على وُجُوهٍ: منها: السُّرُورُ، والسُّرُورُ يُقَارِنُهُ الرِّضَى بِالمَسرُورِ به. قال: فَالمُرَادُ(٣) هُنَا: أنَّ اللهَ تعالى يَرضَى(٤) تَوبَةَ عَبدِهِ أَشَدَّ(٥) مَا يَرضَى واجِدُ ضَالته بِالفَلَاةِ، فَعَبَّرَ عن الرِّضَى بِالفَرَحِ؛ تَأْكِيدًا لِمَعنَى الرِّضَى فِي نَفْسٍ السَّامِعِ ومُبَالَغَةً فِي تَقْرِيرِهِ. انتَهَى. ومَثَّلَ الخَطَّابِي(٦) إطلاقَ الفَرَحِ على الرِّضَى، بِقَولِه تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيِّهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(٧) عن بَعضِهم: أنَّ الفَرَحَ مُعظَمُ السُّرُورِ وغَايَتُهُ، والسُّرُورُ عِبَارَةٌ عن بَسِطِ الوجه وسَعَةِ الصَّدرِ واستِنَارَةِ الوجه. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٨): هذا مَثَلٌ قُصِدَ به بَيّانُ سُرعَةٍ قَبولِ الله تعالى لِتَوبَةِ عَبدِه التَّائبِ، وأَنَّهُ يُقبِلُ عَلَيه بِمَغْفِرَتِهِ وَرَحمَتِه، ويُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ مَن يَفْرَحُ به. ووجهُ هذا المثَلِ(٩): أنَّ العَاصِيَ حَصَلَ بِسَبَبِ مَعصِيَتِهِ في قَبِضَةِ الشَّيْطَانِ وأسرِهِ، وقَد أشرَفَ على الهَلَاكِ، فَإِذَا لَطَفَ اللهُ به وأرشَدَهُ للتَّوبَةِ (١٠)، خَرَجَ من شُؤمِ تِلكَ المَعصِيَةِ، وتَخَلَّصَ من أسرِ الشَّيطَانِ، ومن الهَلَكَةِ التي أشرَفَ عَلَيهَا، (١) مسلم (٢١٠٣/٤، ٢١٠٤) (٥/٢٧٤٥، ٦/٢٧٤٦). (٢) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٦٠، ٦١)، والمعلم بفوائد مسلم (٤٠٨/٢، ٤٠٩). (٣) في (ش): ((والمراد)). (٤) في الأصل: ((رضي)). (٥) في (ك٢، ح): ((وأشد)). (٦) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢٢٣٨/٣). (٧) إكمال المعلم (٢٤٠/٨). (٩) في (م): ((التمثيل)). (٨) المفهم (٧١/٧، ٧٢). (١٠) في (م): ((إلى التوبة)). = الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٢٣ فَأقبَلَ اللهُ عَلَيه بِرَحمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، وبَادَرَ إلى ذلك مُبَادَرَةَ هذا الذي قَد أَشَرَفَ على الهَلَاكِ، لَمَّا عَدِمَ رَاحِلَتَهُ وزَادَهُ، (١الذي قَد١) انتَهَى به الفَرَحُ واستَفَزَّهُ السُّرُورُ إلى أن نَطَقَ بِالمُحَالِ، ولَم يَشعُر به لِشِدَّةِ سُرُورِهِ وَرَحِه. وإلَّا فَالفَرَحُ الذي هُو من صِفَاتِنَا مُحَالٌ على اللهِ وَ؛ لِأَنَّهُ اهتِزَازٌ وطَرَبٌ يَجِدُهُ(٢) الإنسَانُ من نَفسِه؛ عِندَ ظَفَرِهِ بِغَرَضٍ (٣)، يَستَكمِلُ به الإنسَانُ نُقْصَانَهُ، ويَسُدُّ به خَلَّتَهُ، أو يَدفَعُ به عن نَفسِه ضَرَرًا أو نقصًا، وكُلُّ ذلك مُحَالٌ على الله تعالى؛ فَإِنَّهُ (٢٣٨/٨م) الكَامِلُ بِذَاتِهِ، الغَنِيُّ بِوُجُودِه(٤)، الذي لَا يَلحَقُهُ نَقْصُ ولَا قُصُورٌ. ولَكِنَّ هذا الفَرَحَ عِندَنَا لَهُ ثَمَرَةٌ وفَائدَةٌ، وهُو الإقبَالُ على الشَّيءِ المَفْرُوحِ به، وإحلَالُهُ المَحَلَّ الأعلى، وهذا هُو الذي يَصِحُّ في حَقِّه تعالى؛ فَعَبَّرَ عن ثَمَرَةٍ الفَرَحِ بِالفَرَحِ، على طَرِيقَةِ العَرَبِ(٥) في تَسمِيَتِهَا الشَّيءَ بِاسمِ مَا جَاورَهُ(٦)، أو كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وذلك القَانُونَ جَارٍ في جَمِيعِ مَا أطلَقَهُ اللهُ وَ على نَفسِه من الصِّفَاتِ التي لَا تَلِيقُ به؛ كَالغَضَبِ، والرِّضَى، والضَّحِكِ، وَغَيرِ ذلك(٧). انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ: ذَكَرَ في حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ، في ضَربِ هذا المَثَلِ، فَدرًا زَائدًا على مُطلَقٍ وِجِدَانِ ضَالته فَقال: ((اللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبدِهِ المُؤْمن، من رَجُلٍ في أرضٍ دَوِيَّةٍ مُهلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتَهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وشَرَابُهُ فَنَامَ فَاسْتَبِقَظَ وقَد ذَهَبَت، فَطَلَبَهَا حَتَّى أدرَكَهُ العَطَشرُ، ثُمَّ قال: أرجِعُ إلى مَكَانِي الذي كُنتُ فيه، فَأَنَامُ حَتَّى (١ - ١) ليس في: (ك٢، ح). (٢) في (ك٢، ح): ((بحدة)). (٣) في (ش): (بعرض)). (٤) في (ك٢، ح): ((بجوده)). (٥) ينظر: الخصائص (٢٠/١)، والمزهر في علوم اللغة (٢٨٩/١). (٦) في (م): ((جاوزه)). لا شك أن الذي انتصر له المصنف هو مذهب المؤولة، وهو مذهب مرجوح عند أهل (٧) السُّنَّة، ومذهب السلف في هذه الصفات أنها كغيرها من الصفات، تثبت على الوجه اللائق بجلال الله تعالى وعظمته، فلا يجوز تأويل شيء منها، ولا تشبيهه بصفات المخلوقين، ولا تكييفه، ولا تعطيله، ولا تحريفه. وينظر: الرسالة الأكملية ضمن مجموع الفتاوى (١١٩/٦ - ١٢٤)، والواسطية ضمن مجموع الفتاوى (١٣٨/٣، ١٣٩)، ودرء التعارض (٦٢/٦ - ٧٧). ٢٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أُمُوتَ، فَوضَعَ رَأْسَهُ على سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَبِقَظَ وعِندَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا(١) زَادَهُ (٢ وطَعَامَهُ وشَرَابَهُ، فَاللهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ العَبدِ المُؤمن من هذا بِرَاحِلَتِهِ وزَادِه(٢))). وهذا زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ لِرِضَى الله تعالى بِتَويَتِهِ(٣) وقَبولِهَا . ■ الرَّابِعَةُ: الثَّوبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ، يُقَالُ: تَابَ بِالتَّاءِ [٢٨٣/٢ظ] المُثَنَّةِ من فَوقٍ، وثَابَ بِالمُثلَةِ، وآبَ وأَنَابَ: بِمَعنَى رَجَعَ(٤). والمُرَادُ بِالنَّوبَةِ هُنَا: الرُّجُوعُ عن الذَّنب. وقال بَعضُهُم: الثَّوبَةُ أولُ الدَّرَجَاتِ، وكَأَنَّهَا الإقلاعُ، والإنَابَةُ بَعدَهَا، والأوبَةُ أعَزُّهَا وهيَ دَرَجَةُ الأنبياءِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ، أَوَّبُ﴾ [ص: ١٧]، ثُمَّ إِنَّ بَعضَهُم يُفَسِّرُ الثَّوبَةَ بِالنَّدَمِ، وبه عَبَّرَ كَثِيرُونَ، وجَاءَ فيه حَدِيثٌ مَرَفُوعٌ: ((النَّدَمُ تَوبَةٌ)) رَوَاهُ أحمَدُ، والطَّيَالِسِيُّ، وغَيرُهُمَا (٥)، من حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ. وبَعضُهُم يَقُولُ: الإقلاعُ عن الذَّنبِ. وبَعضُهُم يَقُولُ: العَزمُ على أن لا يَعُودَ. [والأكثَرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الأمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَقَالُوا: إنَّ لِلتَّوبَةِ أركَانًا: الإقلَاعُ في الحَالِ، والعَزمُ على أن لَا يَعُودَ](٦) في المُستَقبَلِ، والنَّدَمُ على مَا مَضَى(٧). قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٨): وهذا أكمَلَهَا، غَيرَ أنَّهُ، مَعَ مَا فيه من التَّركِيبِ المَحذُورِ في الحُدُودِ، غَيرُ مَانِعٍ ولَا جَامِعٍ. بَيَانُ الأولُ: أَنَّهُ قَد(٩) يَندَمُ ويُقلِعُ ويَعزِمُ، ولَا يَكُونُ تَائِبًا (١٠) شَرعًا؛ إذ قَد يَفعَلُ ذلك شُحًا على مَالِهِ، أو لِئَلَا يُعَيِّرَهُ النَّاسُ بِذلك، ولَا تَصِحُ الثَّوبَةُ الشَّرعِيَّةُ في (ش): ((و)). (١) (٢ - ٢) ليس في: (ش). (٣) في الأصل: ((توبته)). ينظر: جمهرة اللغة (٢٢٩/١، ٢٥٧)، (١٠١٦/٢)، والمحكم (٥٤١/٩)، (٥١٩/١٠ -٥٢١). (٤) (٥) أحمد (٣٧٦/١)، وأبو داود الطيالسي (٣٨١)، وابن ماجه (٤٢٥٢). ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٦) ينظر: شرح النووي على مسلم (٥٩/١٧)، والمعلم بفوائد مسلم (٤٠٩/٢)، وإكمال (٧) المعلم (٢٤١/٨). المفهم (٦٩/٧، ٧٠). (٨) ليس في: (ك٢، ح). (٩) (١٠) في (ح): («ثابتًا». ٢٢٥ الرَّجَاءُ والخَوفُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ والإخلاصِ؛ فَإِنَّهَا من أعظَمِ العِبَادَاتِ الواجِبَاتِ، ولذلك قال اللهُ تعالى: ﴿تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]. وأمَّا الثَّانِي، (١ قَبَيَانُهُ: أنَّه١ُ) يَخرُجُ منهُ(٢) (٢٣٩/٨م) مَن زَنَا مَثَلًا ثُمَّ قُطِعَ ذَكَرَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى منهُ غَيرُ النَّدَمِ على مَا مَضَى من الزِّنَا. وأمَّا (٣) العَزمُ والإقلاعُ: فَغَيرُ مُتَصَورَينٍ(٤) منهُ، ومَعَ ذلك فَالثَّوبَةُ من الزِّنَا صَحِيحَةٌ في حَقِّه إجمَاعًا . وبهذا اغتَرَّ مَن قال: إنَّ النَّدَمَ يَكفي في حَدِّ الثَّوبَةِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّهُ لَو نَدِمَ ولَم يُقلِعِ، وعَزَمَ على العَودِ: لَم يَكُنْ تَائِبًا اتَّفَاقًا، ولَمَّا فَهمَ بَعضُّ المُحَقِّقِينَ هذا، حَدَّ الثَّوبَةَ بِحَدِّ آخَرَ فَقال: هيَ تَركُ اختِيَارِ ذَنبِ سَبَقَ منك مِثْلُهُ حَقِيقَةً، أو تَقْدِیرًا؛ لِأجلِ الله تعالى. وهذا أسَدُّ(٥) العِبَارَاتِ (٦) وأجمَعُهَا، وبَيَانُ ذلك: أنَّ التَّائبَ لَا بُدَّ أن يَكُونَ تَارِكًا لِلذَّنبِ، غَيرَ أنَّ ذلك الذَّنبَ المَاضِيَ قَد وقَعَ وفَرَغَ منهُ فَلَا يَصِحُّ تَرِكُهُ؛ إذ هُو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ من عَينِهِ لَا تَركًا ولَا فِعلًا، وإِنَّمَا هُو مُتَمَكِّنٌ من مِثلِه حَقِيقَةٌ، وهُو زِنّا آخَرُ مَثَلًا، فَلَو جُبَّ (٧) لَم يَصِحَّ منهُ حَقِيقَةُ(٨) الزِّنَا، بَل الذي يَصِحُّ منهُ: أن يُقَدِّرَ أنَّهُ لَو كَانَ مُتَمَكِّنَا من الزِّنَا لِتَرَكَهُ(٩)، فَلَو قَدَّرْنَا مَن لَم يَقَع منهُ ذَنبٌ لَم يَصِحَّ منهُ إِلَّ اتِّقَاءُ (١٠) مَا يُمكِنُ أن يَقَعَ، لَا تَرْكُ مِثلِ مَا وقَعَ؛ فَيَكُونُ مُتَّقِيًّا لَا تَائِبًا. انتَهَى. فَيُزَادُ فِي الَّوبَةِ رُكنٌ رَابِعٌ (١١)، وهُو أن يَفعَلَ ذلك لِلَّه تعالى؛ فَيَكُونُ لَهَا أربَعَةُ أركانٍ . وقَد قال المَازَرِي(١٢): الثَّوبَةُ من الذَّنبِ النَّدَمُ(١٣) عَلَيه؛ رِعَايَةٌ لَحِقَ اللهِعَلَّ . (١ - ١) في (ش): ((فشانه أن)). (٣) في (ش): ((وإنما)). (٥) في (م): ((أشد)). في (ش): ((وجب)). (٧) (٩) في (م): ((تر که)). (١١) ليس في: (ك٢، م). (١٣) ليس في: (ك٢، م). (٢) في (م): ((عنه)). (٤) في (م): ((مقصودین)). (٦) في (ك٢، ح): ((العبادات)). (٨) في (م): (ترك)). (١٠) في (ك٢، ح): ((إبقاء)). (١٢) المعلم بفوائد مسلم (٤٠٩/٢). = ٢٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحَكَى شَيخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحِيمِ الإِسَوِيُّ كَذْتُ: التَّصرِيحَ بِاشْتِرَاطِ أن يَكُونَ ذلك لِلَّه تعالى عن أهلِ الأصُولِ، وأنَّهُم مَثَّلُوهُ بِمَا إذَا قَتَلَ ولَدَهُ ونَدِمَ لِكَونِهِ ولَدَهُ، وَبِمَا إِذَا بَذَلَ(١) الشَّحِيحُ مَالًا في مَعْصِيَةٍ ونَدِمَ؛ لِأَجَلِ غَرَامَةِ المَالِ، واللهُ أعلمُ. ثُمَّ الاقتِصَارُ على هَذِهِ الأركَانِ الأربَعَةِ إِنَّمَا هُو فِيمَا إذَا كَانَت المَعصِيَةُ بَيْنَ العَبدِ وبَينَ الله تعالى، فَإِن تَعَلَّقَت بِآدَمِيٍّ: فَلا بُدَّ من أمرٍ خَامِسٍ، وهُو الخُرُوجُ عن تِلكَ المَظلِمَة . قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): ورُوِيَ عن(٣) ابنِ المُبَارَكِ: أنَّ من شَرطِ الثَّوبَةِ الخُرُوجَ عن مَظَالِمِ العِبَادِ. قال: ولَعَلَّهُ يُشِيرُ إلى كَمَالِهَا وَتَمَامِهَا (٤)، لَا أنَّهُ لَا تَصِحُ في ذلك الذَّنبِ. قُلتُ: ولَعَلَّهُ لَم يُرِد الخُرُوجَ عن مَظَالِمِ العِبَادِ مُطلَقًّا، بَل في ذلك الذَّنبِ الذي تَابَ منهُ. وبِتَقدِيرِ إِرَادَتِهِ الخُرُوجَ عنهَا [٢٨٤/٢ و] مُطلَقًّا: فَهُو مَبنِيٌّ على قَولِ مَن يَرَى: أنَّهُ لَا تَصِحُ الثَّوبَةُ من بَعضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعضٍ، وهُو مَحكِيٌّ عن المُعتَزِلَةِ (٥)، والصَّحِيحُ خِلَافُهُ، واللهُ أعلَمُ. ■ الخَامِسَةُ: فيه قَبولُ الله تعالى تَوبَةَ العَبدِ إذَا وقَعَت على الوجه المُعتَبرِ شَرعًا. وهُو كذلك، إلّا أنَّهَا إذَا كَانَت تَوبَةَ الكَافِرِ من كُفرِه (٢٤٠/٨م): فَهِيَ مَقطُوٌ بِقَبولِهَا، وإِن كَانَت سِواها من أنواعِ التَّوبَةِ فَهَل قَبولُهَا مَقطُوعٌ به، أم (٦) مَظْنُونٌ؟ فيه خِلَافٌ لِأهلِ السُّنَّةِ، واختَارَ إِمَامُ الحَرَمَينِ (٧) أنَّهُ مَظْنُونٌ. قال الثَّورِيُّ(٨): وهُو الأصُّ. (١) في (ك٢، ح): («ابدل)). (٣) ليس في: (ش). (٢) إكمال المعلم (٢٤٢/٨). (٤) في (م): ((وتمام أمرها)). ينظر: لوامع الأنوار للسفاريني الحنبلي (٣٨٣/١ - ٣٨٤). (٥) (٦) في (م): ((أو)). ينظر: البرهان في أصول الفقه (١٠٣/١)، ونهاية المطلب (٥٥٣/١١). (٧) شرح النووي على مسلم (٦٠/١٧). (٨) الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٢٧ قال أبو القَاسِم القُشَيرِيُّ(١): التَّائبُ من الذَّنبِ على يَقِينٍ، ومن قَبولِ التَّوبَةِ على خَطَرٍ؛ فَيَنْبَغِي أَنَ يَكُونَ دَائِمَ الحَذَرِ، والله أعلم. ■ السَّادِسَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ (٢): في قَولِه: ((قال: من شِدَّةِ الفَرَحِ)) إلى آخِرِهِ، فيه أنَّ مَا قالهُ الإنسَانُ من مِثلِ(٣) هذا من دَهَشٍ وذُهُولٍ غَيرُ مُؤَاخَذٍ به، وكذلك حِكَايَتُهُ عنهُ(٤) على طَرِيقٍ عِلمِيٍّ وفَائدَةٍ شَرعِيَّةٍ، لَا على الهُزءِ والمُحَاكَاةِ والعَبثِ(٥) لِحِكَايَةِ النبيِ نَّهِ إِيَّاهُ، وَلَو كَانَ(٦) مُنكَرًا مَا حَكَاهُ. الحديثُ الخَامِسُ وعنهُ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «لَيسَ أحَدُكُم بِمُنجِیه عَمَلُهُ، ولَكِن سَدِّدُوا وقَارِبوا. قَالُوا: ولَا أنتَ بَا رسولَ الله؟ قال: ولَا أَنَا، إِلَّا أن يَتَغَمَّدَنِي اللهُ (٧ بِرَحمَةٍ وفَضْلٍ (٧))). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ(٨) من طَرِيقِ أبي عُبَيَدٍ مَولى ابنِ أَزهَرَ. وأخرَجَهُ البخاريُّ(٩) من طَرِيقِ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ. وأخرَجَهُ مسلمٌ(١٠) من طَرِيقٍ بُسرِ بنِ سَعِيدٍ، ومُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، وأبي صَالِحٍ؛ كُلُّهُم عن أبي هُرَيرَةَ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه حُجَّةٌ لِمَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ تعالى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ (١١) (١) الرسالة القشيرية (ص٤٧). (٣) في (م): ((قبيل)). (٤) في (ح): ((عنده)). (٥) في (م): ((والعيب)). (٦) ليس في: (ك٢). (٧ - ٧) في (م): ((برحمته وفضله)). (٨) البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٧٥/٢٨١٦). (٩) البخاري (٦٤٦٣). (١٠) مسلم (٧١/٢٨١٦ - ٧٤، ٧٦). (١١) ليست في (ك٢، ح). واستشكل مكانها في (ك٢). (٢) إكمال المعلم (٢٤٥/٨). = ٢٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ من الأشيَاءِ، لَا ثَوابٌ ولَا غَيْرُهُ، بَل العَالَمُ مُلكُهُ، والدُّنيَا والآَخِرَةُ في سُلطَانِهِ، يَفْعَلُ فيهمَا مَا يَشَاءُ، فَلَو عَذَّبَ المُطِيعِينَ والصَّالِحِينَ أجمَعِينَ وأدخَلَهُم النَّارَ كَانَ عَدلًا منهُ، وإذَا أكرَمَهُم ونَعَّمَهُم وأدخَلَهُم (١) الجَنَّةَ فَهُو فَضلٌ(٢) منهُ. ولَو نَعَّمَ الكَافِرِينَ وأدخَلَهُم الجَنَّةَ؛ كَانَ لَهُ ذلك(٣)، لَكِنَّهُ أخبَرَ، وخَبَرُهُ صِدقٌ، أنَّهُ لَا يَفْعَلُ هذا، بَل يَغْفِرُ لِلمُؤمنينَ ويُدخِلُهُم الجَنَّةَ بِرَحمَتِه، ويُعَذِّبُ الكَافِرِينَ ويُدخلُهُم(٤) النَّارَ عَدلًا منهُ، فَمَن نَجَا ودَخَلَ الجَنَّةَ فَلَيسَ بِعَمَلِه؛ لِأَنَّهُ لَا يَستَحِقُّ على الله تعالى بِعَمَله شَيْئًا، وإِنَّمَا هُو بِرَحمَةِ الله وفَضلِه(٥) . وذَهَبَت المُعتَزِلَةُ إلى إِيجَابٍ ثَوابِ الأعمَالِ على الله تعالى(٦). وحَكَّمُوا العَقلَ، وأوجَبوا مُرَاعَاةَ الأصلَحِ (٢٤١/٨م)، ولَهُم في ذلك خَبٌّ عَرِيضٌ، تعالى اللهُ عن اختِرَاعَاتِهِم الْبَاطِلَةِ المُنَابِذَةِ لِنُصُوصِ الشَّرِعِ(٧). ■ الثَّالِثَةُ: فَإِن قُلتَ: كَيفَ الجَمِعُ بَينَ هذا وبَينَ قَوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُوْرِقْتُمُوهَا [الزخرف: ٧٢]، ونَحوِهمَا من الآيَاتِ الظَّاهرَةِ في دُخُولٍ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ الجَنَّةِ بِالأعمَالِ الصَّالِحَةِ؟ قُلتُ: مَعنَى الآيَاتِ: أنَّ دُخُولَ (٨) الجَنَّةِ بِسَبَبِ الأعمَالِ، ثُمَّ التَّوفيقُ (١) في الأصل: ((وأدلهم)). (٢) في (ك٢، ح): ((فضلًا)). وفي (م): ((بفضل)). (٣) بعده في (ك٢، ح): ((ولكن له ذلك و)). في (ش)، وشرح النووي: ((ويخلدهم)). وبعده في الأصل، وشرح النووي: ((في)). (٤) وينظر: دليل الفالحين لابن علّان (٢٩١/٢)، ومرعاة المفاتيح (٨٩/٨). (٥) في (ك٢): ((بفضله)). وفي (ح): ((وتفضله)). ينظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص١ - ٣٠)، والانتصار في الرد (٦) على المعتزلة للعمراني اليمني (٦٨/١)، والعين والأثر في عقائد أهل الأثر للبعلي (ص٣٨). (٧) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٥٩/١٧، ١٦٠، وإكمال المعلم (٣٥٢/٨). (٨) في (ح): ((دخوله)). = ٢٢٩ الرَّجَاءُ والخَوفُ لِلأعمَالِ والهدَايَةِ لِلإِخلاصِ فيهَا وقَبولِهَا، بِرَحمَةِ الله وفَضلِه؛ فَيَصِحُ(١) أنَّهُ لَم يَدْخُل(٢) بِمُجَرَّدِ العَمَلِ، وهُو المُرَادُ في هذا الحديثِ وغَيرِهِ، ويَصِحُّ: أنَّهُ دَخَلَ بِالأعمَالِ؛ أي: بِسَبَبها، وهيَ من(٣) الرَّحمَةِ(٤)، واللهُ أعلمُ. ■ الرَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((بِمُنجِيه))، يَجُوزُ فيه إسكَانُ النُّونِ وتَخفيفُ الجِيمِ، وفَتَحِ النُّونِ وتَشدِيدِ الجِيمِ. يُقَالُ: نَجَاهُ وأنجَاهُ، يَتَعَدَّى بِالهَمزِةِ (٥) والتَّضعِيفِ. ■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((وَلَكِن(٦) سَدِّدُوا))، هُو بِالسِّينِ المُهمَلَةِ؛ أي: اطلُبوا السَّدَادَ، وهُو الصَّوابُ، وذلك بَينَ الإفرَاطِ والتَّفْرِيطِ؛ (٧لَا غُلُو ولَا تَقِصِيرَ(٧). وقَولُهُ: ((وقَارِبوا))؛ أي: إن عَجَزْتُم عن السَّدَادِ فَقَارِبوهُ(٨)؛ أي: اقرَبوا منهُ، وهُو مِثلُ قَولِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ (٩): ((استَقِيمُوا ولَن(١٠) [٢٨٤/٢ظ] تُحصُوا))؛ أي: وُجُوهَ الاِسْتِقَامَةِ؛ فَغَايَةُ الأمرِ: أن تَقدِرُوا على مُقَارِبَةِ الاِستِقَامَةِ. وهذا الذي ذَكَرَتُهُ في مَعنَى قَولِه: ((وقَارِبوا): هُو الذي ذَكَرَهُ النَّووِيُّ(١١). وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٢): سَدِّدُوا في الأعمَالِ؛ أي: اعمَلُوهَا مُسَدَّدَةً، لَا غُلُو فِيهَا ولَا تَقصِيرَ، وقَارِبوا في أزمَانِهَا، بِحَيثُ لَا يَكُونُ فيهَا (١٣ قِصَرٌ ولَا تطَوِيلٌ(١٣). انتَھَى. ومُقْتَضَاهُ: مُسَاواةُ قَولِهِ (١٤): ((وقَارِبوا)) لِقَولِهِ: ((سَدِّدُوا (١٥)) في المَعنَى. (١) في الأصل: ((فصح)). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٤) شرح النووي على مسلم (١٦١/١٧)، وينظر: كشف المشكل (١١٠/٣)، وشرح البخاري لابن بطال (١٨٠/١٠). (٥) في (م): ((بالهمز)). (٧ - ٧) ليس في: (ح). (٩) أحمد (٢٧٦/٥)، والدارمي (٦٥٥)، وابن ماجه (٢٧٧) من حديث ثوبان. (١٠) في الأصل: ((ولكن)). (١١) شرح النووي على مسلم (١٦٢/١٧). (١٢) المفهم (١٣٩/٧). (١٣ - ١٣) في (م): ((قصير ولا طويل)). (١٤) بعده في الأصل، (ح): ((قوله)). (١٥) في (م): ((وسددوا)). (٢) بعده في (ش): ((الجنة)). (٦) ليس في: (م). (٨) في الأصل، (ش): ((فقاربوا)). ٢٣٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وعِبَارَةُ القَاضِي عِيَاضٍ (١)، بَعدَ تَفسِيرِ السَّدَادِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهُو مَعنَى ((قَارِبوا))؛ أي: اقرَبوا من الصَّوابِ والسَّدَادِ (٢) ولَا تَغْلُوا؛ فَدِينُ الله سَمِحَةٌ حَنِیفیةٌ. انتَھَی. وصَدرُ كَلَامِه يُوافِقُ(٣) كَلَامَ القُرطُبي، وآخِرُهُ يُوافِقُ كَلَامَ النَّوِيِّ. واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُم(٤): ((ولَا أنتَ))، قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): كَأنَّهُ وقَعَ لَهُم أنَّ النبي ◌َِّ؛ لِعَظِيمِ(٦) مَعرِفَتِهِ بِالله وكَثْرَةِ عِبَادَاتِهِ(٧): أنَّهُ يُنجِيه عَمَلُهُ، فَرَدَّ النبيِنَّر ذلك(٨)، وسَوى بَيْنَهُ وبَينَهُم في ذلك المَعنَى، وأخبَرَ أنَّهُ عن فَضلِه ورَحمَتِهِ لَا يَستَغنِي. ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((إلَّا أن يَتَغَمَّدَنِ اللهُ بِرَحمَةٍ(٩))؛ أي: يُلِسُنِيهَا وَيَغْمُرُنِي بها(١٠)، ومنهُ غَمَدتُ السَّيفَ وأغمَدتُهُ(١١): إذَا جَعَلته في غِمدِه(١٢) وسَتَرتُهُ به(١٣)، والله أعلم. (١) إكمال المعلم (٣٥٤/٨). (٢) ليس في: (ك٢). (٣) في (ح): ((موافق)). (٤) في (م): ((قوله)). المفهم (١٣٩/٧، ١٤٠). (٥) في الأصل، (م): ((لعظم)». (٦) في (ش): «عبادته)). (٧) ليس في: (ك٢، ح). (٨) (٩) في (م): ((برحمته)). (١٠) في (م): ((فيها)). (١١) هو قول أبي عبيد في الغريب في تأويل قوله: ((يتغمدني)) (١٦٦/٣)، ونقله عنه ابن بطال في شرح البخاري (١٨١/١٠). (١٢) في (ك٢): ((علاقة))، وفي (ح): ((غلافه)). (١٣) شرح النووي على مسلم (١٦١/١٧، ١٦٢). الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٣١ (٢٤٢/٨م) الحديث السادس وعنهُ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((دَخَلَت امرأةٌ النَّارَ من جَرًّا (١) هرَّةٍ لَهَا أو هرٍّ، رَبَطَتهَا، فَلَ هيَ أطعَمَتهَا وَلَا هيَ أرسَلَتهَا تُرَمِّمُ من خَشَاشِ الأرضِ؛ حَتَّى مَاتَت هَزْلًا)». فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ من هذا الوجه: مسلمٌ(٢)، عن مُحَمَّدٍ بِنِ رَافِعٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ . واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ (٣)، من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ عن سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ. وأخرَجَهُ مسلمٌ (٤) أيضًا، من طَرِيقِ هِشَامٍ بنِ عُروةَ، عن أبيه. ومن طَرِيقٍ الزُّهرِيِّ، عن حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ. كُلُّهم(٥)، عن أبي هُرَيْرَةَ(٦). ■ الثَّانِيَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧): هَذِهِ المَرأةُ التي رَآهَا النبي في النَّارِ: هِيَ (٨) امرأةٌ طَوِيلَةٌ من بَنِي إسرائيلَ. قُلتُ(٩): كَذَا (١٠) في رِوايَةٍ لِمسلمٍ، وفي أخرَى لَهُ: أنَّهَا حِميَرِيَّةٌ. وسَنَذْكُرُهُمَا(١١) بَعدَ ذلك، وحِميَرُ قَبيلَةٌ من العَرَبِ (١٢)، ولَيسُوا من بَنِي إسرائيلَ(١٣). في (م): ((جراء)). وهما لغتان. (١) مسلم (١٣٥/٢٦١٩)، و(ص١٧٦٠) (٠٠٠/٢٢٤٣). (٢) البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢ / عقب ١٣٤)، و(ص١٧٦٠) (٠٠٠/٢٢٤٢). (٣) (٤) مسلم (ص١٧٦٠) (١٥٢/٢٢٤٣)، (٠٠٠/٢٢٤٣). (٥) ليس في: (ش). (٦) بعده في (ش): ((انتهى)). (٧) المفهم (٥٤٤/٥). (٨) في (ح): (وهي)). (١٠) ليس في: الأصل. (٩) ليس في: (م). (١١) في (م): ((وسنذكرها)). يعني: في الفائدة العاشرة من هذا الحديث. (١٢) ينظر: المفصل في تاريخ العرب (١٦/٢)، (٦/٨). (١٣) قال في الفتح (٣٥٧/٦): ولا تضاد بينهما؛ لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا = ٢٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: ((من جَزَّا (١))، بِفَتحِ الجِيمِ وتَشدِيدِ الرَّاءِ مَقصُورٌ (٢)، ويَجُوزُ [فيه المَدُّ أيضًا، يُقَالُ: فَعَلتُهُ من جَرَّاك، ومن جَرَّائك، (٣ ومن جَرِيرَتِك٣َ)؛ أي: من أجلِك. ويَجُوزُ](٤) في قَولِه: أجلِك، فَتَحُ الهَمزَةِ وكَسرُهَا . ■ الرَّابِعَةُ: ((الهِرُّ»، ذَكَرُ السِّنَّورِ (٥)، والأنثَى هرَّةٌ؛ فَتَرَدَّدَ(٦) فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ هَل كَانَ ذَكَرًا أو أنثى؟ ويُجمَعُ الهرُّ على هرَرَةٍ (٧ كَقِرِدٍ وقِرَدَةٍ(٢)، والهرَّةُ على هرَرٍ كَقِرِبَةٍ وَقِرَبٍ(٨). ■ الخَامِسَةُ: هذا الحديثُ صَرِيحٌ، في أنَّ هَذِهِ المَرأةَ إِنَّمَا عُذْبَت بِسَبَبٍ قَتْلِ هَذِهِ الهرَّةِ بِالحَبسِ وتَركِ الطَّعَامِ. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٩): يَحتَمِلُ أن يَكُونَ هذا العَذَابُ بِالنَّارِ، أو يَكُونَ بِالحِسَابِ على ذلك؛ فـ((مَن نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ))(١٠)، أو تَكُونَ هَذِهِ المَرأةُ كَافِرَةٌ، فَعُذِّبَت (١١) بِكُفرِهَا، وزِيدَت عَذَابًا بِسَيِّئ(١٢) أعمَالِهَا، وكَانَ (١٣) منها هذا إذ(١٤) لَم تَكُن مُؤمنَةً فَتُغْفَر(١٥) (٢٤٣/٨م) صَغَائِرُهَا بِاجتِنَابِ الكَبَائِرِ . وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٦) هَل كَانَت كَافِرَةً، أو لا؟ كُلٌّ مُحتَمَلٌ. وقال النَّووِيُّ(١٧): الصَّوابُ: أنَّهَا كَانَت مسلمَةً، وأنَّهَا دَخَلَتِ النَّارَ في اليهودية؛ فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى، وقد وقع ما يدل على ذلك في = كتاب البعث للبيهقي (١٩٠). (١) في (م): ((جراء)). (٣ - ٣) من (ك٢، ش). (٦) في (ك٢، ح): ((فردد)). (٨) ينظر: الصحاح (٨٥٣/٢)، وتهذيب اللغة (٢٣٦/٥)، والجراثيم لابن قتيبة (٢٨٣/٢). إكمال المعلم (١٧٨/٧، ١٧٩). (٩) (١٠) هذا لفظ حديث أخرجه البخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٨). (١١) في (ش): ((وعذبت). (١٢) في (ك٢، ح): ((بسبب)). (١٤) في (ح): ((إذا)). (١٣) في (ك٢، ح): ((فكان)). (١٥) فى الأصل: ((فيغفر)). (١٧) شرح النووي على مسلم (٢٤٠/١٤). (٢) في (م): ((مقصورة)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٥) ينظر: حياة الحيوان الكبرى للدميري (٥٢٠/٢ - ٥٢٨) - دار الكتب العلمية. (٧ - ٧) في (ك٢، ح): ((كقردة)). (١٦) المفهم (٥٤٤/٥). = الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٣٣ بِسَبَبٍ(١) الهرَّةِ، كَمَا هُو ظَاهرُ(٢) الحديثِ. وهَذِهِ المَعصِيَةُ لَيسَت صَغِيرَةً، بَل صَارَت بِإِصرَارِهَا كَبِيرَةً، وَلَيسَ في هذا الحديثِ أنَّهَا تُخَلَّدُ فِي النَّارِ. قُلتُ: ومن هُنَا استَدَلَّ به المُصَنِّفُ تَظْلَفُ على تَرجِيحِ جَانِبِ الخَوفِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: [٢٨٥/٢ ,] قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): فَإِن كَانَت كَافِرَةً، ففيه دَلِيلٌ على أنَّ الكُفَّارَ مُخَاطَبونَ بِالفُرُوعِ ومُعَاقَبونَ على تَركِهَا، وإن لَم تَكُن كَافِرَةٌ: فَقَد تَمَخَّضَ (٤) أنَّ سَبَبَ تَعذِيبها في النَّارِ حَبسُ الهرَّةِ إلى أن مَاتَت جُوعًا؛ فَفيه من الفِقه (°أنَّ الهر٥َّ) لَا يُتَمَلَّكُ، وأَنَّهُ لَا يَجِبُ إطعَامُهُ إلَّا على مَن حَبَسَهُ. قُلتُ: لَيسَ فيه دَلِيلٌ على أنَّهُ لَا يُتَمَلَّكُ(٦)؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا حَكَى فيه واقِعَةٌ خَاصَّةً، وهيَ تَعذِيبُهَا على حَبسِهِ؛ حَتَّى أفضَى إلى تَلَفِهِ، ولَا دَلَالَةَ فيه على حُكمٍ غَيْرِ حَالَةِ الحَبسِ، هَل فيهَا إثمّ بِسَبَبِ تَركِ الإنفَاقِ لِكُونِهِ مَمِلُوكًا أم لا؟. وقال النَّووِيُّ(٧): فيه وُجُوبُ نَفَقَّةِ الحَيَوانِ على مَالِكِه. انتَهَى. وفيه نَظَرِّ، فَإِنَّهُ لَيسَ فيه (٨) تَصرِيحٌ بِأنَّ الهرَّةَ كَانَت مَملُوكَةً لَهَا، لَكِنَّهُ أقرَبُ مِمَّا ذَكَرَهُ القُرطُبي؛ لِإِمكَانِ اسْتِنبَاطِ كَونِهَا مَمِلُوكَةً(٩) لَهَا من الإضَافَةِ في قَولِه: (لَهَا))؛ فَإِنَّ ظَاهرَهَا المِلكُ. وأيضًا فَقَد يَكُونُ استِدلَالُهُ(١٠) بِطَرِيقِ القِيَاسِ، ووجهُهُ: أنَّهَا إذَا (١١) مُذِّبَت على إتلافِهَا بِالحَبسِ، دَلَّ ذلك على أنَّهَا مُحتَرَمَةٌ، وحِينَئِذٍ فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا إذَا مُلِكَت كَسَائِرِ المُحتَرَمَاتِ (١٢). (١) بعده في (م): ((هذه)). (٣) المفهم (٥٤٤/٥). (٥ - ٥) ليس في: (ش). (٧) شرح النووي على مسلم (٢٤١/١٤). (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١) ليس في: (ش). (١٢) في (ش): ((المحرمات)). (٢) بعده في (م): ((هذا)). (٤) في (ش): ((تمحص)). (٦) في الأصل: ((يملك)). (٨) ليس في: (ح). (١٠) في (ش): ((استدلالًا)). = 5 ٢٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأمَّا الاِستِدلَال به على أنَّهَا(١) لَا تُملَكُ: فَضَعِيفٌ جِدًّا، لَا وجهَ لَهُ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّابِعَةُ: قَد يُستَدَلُّ به على أنَّ مُجَرَّدَ(٢) رَبِطِ الحَيَوانِ المَمْلُوكِ لَيسَ حَرَامًا؛ لِأِنَّهُ لَم يُرَتِّب الذَّمَّ إِلَّ على تَركِ إطعَامِهَا وإرسَالِهَا . وقال النَّووِيُّ(٣): فيه دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ قَتلِ الهرَّةِ، وتَحْرِيمِ حَبسِهَا بِغَيرِ طَعَامٍ أو شَرَابٍ. ■ الثَّامنةُ: قَولُهُ: (تُرَمِّمُ)) (٤)، رُوِيَ بِوجهَينِ : أحَدُهُمَا: ((تَرَمَّمُ))(٥): بِفَتحِ التَّاءِ والمِيمِ الأولى وتَشدِيدِهَا؛ [على حَذْفٍ إحدَى التَّاءَينِ . والثَّانِي: ((تُرَمِّمُ)) (٦): بِضَمِّ التَّاءِ وكَسرِ المِيم الأولى(٧) وتَشدِيدِهَا](٨)، والمُرَادُ (٩): تَنَاوُلُ (١٠) ذلك بِشَفَتَيَهَا (١١). ■ التَّاسِعَةُ: قَولُهُ: ((من خَشَاشِ الأرضِ))، هُو بِفَتحِ الخَاءِ المُعجَمَةِ وكَسرِهَا وضَمِّهَا؛ ثَلَاثُ لُغَاتٍ، حَكَاهُنَّ في ((المَشَارِقِ))(١٢). قال النَّوِيُّ(١٣): والفَتحُ أشهَرُ. قال: ورُوِيَ بِالحَاءِ المُهمَلَةِ، والصَّوابُ المُعجَمَةِ، وهيَ هَوامُّ الأرضِ وحَشَرَاتُهَا، ويَدُلُّ لِذلك قَولُهُ في رِوايَةٍ لِمسلمٍ في (١) ليس في: (ك٢، ح). واستشكل عليها في (ك٢). (٢) بياض في (ك٢)، وليس في: (ح). (٣) شرح النووي على مسلم (٢٤٠/١٤). مأخوذة من المرمة، وهي الشفه. أفاده صاحب المفهم (٦٠٦/٦). (٤) (٦) من (ش، ك٢). ليس في: الأصل، (م). (٥) (٧) لیس في: (ك٢، ح). ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٨) (٩) ليس في: (ح). (١٠) في شرح النووي على مسلم: ((تتناول)). (١١) في الأصل، (ك٢): ((بشفتها)). وقد ذكر النووي في شرحه (١٧٣/١٦): أنها في أكثر النسخ - يعني: نسخ مسلم: ((ترمرم)) براءين. (١٢) مشارق الأنوار (٢٤٧/١). (١٣) شرح النووي على مسلم (٢٤٠/١٤). الرَّجَاءُ والخَوفُ ٢٣٥ = (صَحِيحِه): ((من حَشَرَاتِ (٢٤٤/٨م) الأرضِ)). وقِيلَ: صِغَارُ الطَّيرِ. وقِيلَ: المُرَادُ به نَّبَاتُ الأرضِ. قال النَّوِيُّ: وهُو ضَعِيفٌ، أو غَلَطُ. العَاشِرَةُ: فيه دَلِيلٌ على أنَّ بَعضَ النَّاسِ مُعَذَّبٌ بِدُخُولِ النَّارِ فِي زَمَنِ النبي ◌َّهِ، ولَو لَم تَكُن إِلَّ هَذِه الرِّوايَةُ لَأَمكَنَ تَأوِيلُهَا على مَعنَى (١): أنَّهَا سَتَدخُلُ، وأنَّ ذلك الأمرَ لَمَّا كَانَ مُحَقِّقَ الوُقُوع أخبَرَ به قَبلَ وُقُوعِه، كَمَا في قَوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] ونَظَائِهِ(٢)، لَكِن في حَدِيثِ الكُسُوفِ في (الصَّحِيحِ))(٣)، من حَدِيثِ جَابِرِ: ((وعُرِضَت (٤) عَلَيَّ النَّارُ: فَرَأيتُ فيهَا امرَأةً من بَنِي إِسرائيلَ تُعَذَّبُ في هرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَم تُطعِمِهَا ولَم تَدَعهَا تَأْكُلُ من خَشَاشِ الأرضِ، وَرَأيت أبَا ثُمَامَةَ عَمَرَو بنَ مَالِكِ يَجُرُّ قُصْبَهُ(٥) في النَّارِ)). وفي بَعضِ ألفَاظِه: ((ورَأيتُ في النَّارِ امرأةً حِمبَرِيَّةً سَودَاءَ طَوِيلَةً))، ولَم يَقُل: ((من بَنِي إسرَائيلَ))، وفي لَفِظٍ آخَرَ: ((لَقَد جِيءَ بِالنَّارِ، وذلك حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأْخَّرت مَخَافَةَ أن يُصِيبَنِي من لَفِحِهَا؛ وحَتَّى رَأيتُ فيهَا صَاحِبَ المِحجَنِ يَجُرُّ قُصبَهُ(٦) فِي النَّارِ، كَانَ (٧) يَسرِقُ الحَاجَّ(٨) بِمِحِجَنِهِ، فَإِن فُطِنَ لَهُ قال: إِنَّمَا (٩) تَعَلَّقَ بِمِحِجَنِي، وإن غُفِلَ عِنْهُ ذَهَبَ به، وحَتَّى رَأيتُ فيهَا صَاحِبَةَ(١٠) الهرَّةِ التي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمهَا ولَم تَدَعهَا تَأْكُلُ من خَشَاشِ الأرضِ؛ حَتَّى مَاتَت جُوعًا»، وفي ((الصَّحِيحِ)) (١١) أيضًا، من حَدِيثٍ عَائِشَةَ في الكُسُوفِ: ((وَلَقَد (١٢) رَأيتُ جَهَنَّمَ (١) ليس في: الأصل. (٢) ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة (٢٤١/١)، وغرائب التفسير لبرهان الدين الكرماني (٥٩٩/١)، وزاد المسير لابن الجوزي (٤٢٧/٤). (٤) في (ك٢، ح): ((فعرضت)). (٣) مسلم (٩/٩٠٤، ١٠). في (ش): ((قصبته)). وفي (ح): ((قصبة)). (٥) (٦) في (ش): ((قصبته)). وفي (ح): ((قصبة)). (٧) في (م): ((كأنه)). (٨) في (ك٢، ح): ((الناس)). (٩) في (ك٢، ح): ((إنها)). (١٠) كتبها في (٢٥): ((صاحب)). واستشكلها . (١١) البخاري (١٢١٢)، (٤٦٢٤)، ومسلم (٣/٩٠١). (١٢) في (ش): ((لقد)). ٢٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَحطِمُ (١) بَعضُهَا بَعضًا، حِينَ رَأيْتُمُونِي تَأْخَّرَتُ، ورَأيتُ فيهَا عَمَرَو بنَ لُحَيٍّ، وهُو الذي سَيَّبَ السَّوائبَ))، وهذا صَرِيحٌ فِي مُشَاهَدَتِهِ وَّرَ [٢٨٥/٢ظ] لِذلك. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُهُ: ((هَزْلًا))، ضَبَطْنَاهُ ورَوينَاهُ بِضَمِّ الهَاءِ وإسكَانٍ الزَّايِ. وبَجُوزُ فيه: فَتحُ الهَاءِ أيضًا، وهُو [الهُزَالُ. قال في ((المُحكَم)) (٢): هَزَلَ الرَّجُلُ والذَّابَّةُ هُزَالًا، [وهَزَلَ هُو(٣) هَزلًا وهُزْلًا (٤). و٥)قال في الصِّحَاح(٦):](٧) الهُزَالُ: ضِدُّ السِّمَنِ، يُقَالُ: هَزَلَت الدَّابَّةُ هُزَالًا، على](٨) مَا لَم يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وهَزَلْتُهَا أَنَا هَزْلًا. (٩) واللهُ أعلم٩ُ). (١) في (ك٢، ح): ((تحطم)). (٢) المحکم لابن سيدہ (٢٣٢/٤). (٣) في (م): ((يهزل)). في (م): ((هزالًا)). (٤) (٥) لیس في: (م). الصحاح (١٨٥٠/٥). (٦) (٧) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (٩ - ٩) من (ش). القَدَرُ ٢٣٧ القَدَرُ = عن الأعرج، عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِّر قال: «تَحَاجَّ آدَم ومُوسَى، فَحَجَ آدَمَ (٢٤٥/٨م) مُوسَى. فَقال مُوسَى: أنتَ آدَم الذي أغويتَ النَّاسَ، وأخرَجتَهُم من الجَنَّةِ. فَقال آدَم: أنتَ مُوسَى الذي أعطَاكُ اللهُ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ، واصطَفَاك على النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ(١)؟ قال: نَعَم. قال: فَتَلُومُنِي على أمرٍ قَد قُدِّرَ عَلَيَّ قَبلَ أن أُخلَقَ؟». وعنْ هَمَّام، عن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: «تَحَاجَّ آدَم ومُوسَى صَلَى اللهُ عَلَيهِمَا وسَلَّمَ، فَقال لَهُ مُوسَى: أنتَ آدَمُ الذي أغويتَ النَّاسَ وأخرَجتَهُم من الجَنَّةِ إلى الأرضِ، وقال لَهُ آدَم: أنتَ مُوسَى الذي أعطَاكُ اللهُ عِلمَ كُلِّ شَيءٍ، واصطَفَاك على النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ(٢)؟ قال: نَعَم. قال أتَلُومُنِي على أمرٍ كَانَ قَد كُتِبَ عَلَيَّ أن أُفعَلَ من قَبلِ أن أخلَقَ، قال: فَحَاجَّ آدَم مُوسَى)). وفي رِوايَةٍ لِلشيخينِ: ((قَبَلَ أن أخلَقَ بِأُربَعِينَ سَنَةً)). وفي رِوايَةٍ لِمسلم: ((احتَجَّ آدَم ومُوسَى عِندَ رَبهمَا)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأولى: مسلمٌ(٣) من طَرِيقِ مَالِكٍ، والبخاريُّ(٤) من طَرِيقِ سُفَيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ؛ كِلَاهُمَا، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ. (١) في (م): ((برسالاته)). (٣) مسلم (١٤/٢٦٥٢). (٢) في (م): ((برسالاته)). (٤) البخاري (٦٦١٤م). ٢٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأخرَجَهُ مسلمٌ(١) أيضًا (٢) من طَرِيقِ (٢٤٦/٨م) الحَارِثِ بنِ(٣) أبي ذُبابٍ(٤)، عن يَزِيدَ بنِ هُرمُزَ، والأعَرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((احتَجَّ آدَم ومُوسَى عِندَ رَبهمَا فَحَجَّ آدَم مُوسَى، قال مُوسَى: أنتَ آدَم الذي خَلَقَك اللهُ بيدِهِ، ونَفَخَ فيك(٥) من رُوحِه، وأسجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ، وأسكَنَك في جَنَّتِهِ، ثُمَّ أهَبَطتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِك إلى الأرضِ، قال(٦) آدَم: أنتَ مُوسَى الذي اصطَفَاك اللهُ بِرِسَالَتِهِ(٧)، وبِكَلَامِه(٨)، وأعطَاك الألواحَ فِيهَا تِبَيَانُ(٩) كُلِّ شَيءٍ، وقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَم (١٠ وجَدتَ اللّه١٠َ) وَت كَتَبَ الثَّورَاةَ قَبلَ أن أخِلَقَ؟ قال مُوسَى: بِأربَعِينَ عَامًا، قال آدَمِ: فَهَل وجَدتَ فيهَا: ﴿وَعَصَ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، قال: نَعَم، قال: أَقَتَلُومُنِي على (١١) أن عَمِلتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ دَى عَلَيَّ (١٢) أن أعمَلَهُ قَبلَ أن يَخلُقَنِي بِأْرِبَعِينَ سَنَّةً؟ قال رسولُ اللهِ وَ طِّ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)). وأخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: مسلمٌ(١٣) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. واَّفَقَ عَلَيه الأئمَّةُ السُّنَّهُ(١٤) خَلَا الترمذيَّ من طَرِيقِ عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ. واتَّفَقَ عَلَيه الشيخانِ(١٥) أيضًا من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن حُمَيدٍ بِنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، ومن طَرِيقِ أَيُّوبَ بنِ النَّجَّارِ، عن يَحيَى بنِ أبي كُثَيِّرٌ عن (١) مسلم (١٥/٢٦٥٢). (٣) في (ش): ((بن)). (٥) ليست في الأصل. (٧) في (م): ((برسالاته)). (٩) في (ك٢، ح): ((بينات)). (١١) ليست في (ك٢، ح). (١٣) مسلم (٢٦٥٢ / عقب ١٥). (٢) ليست في (م). (٤) في (م): ((ذئاب)). (٦) في (م): ((فقال)). (٨) في (م): ((وكلامه)). (١٠ - ١٠) في الأصل: ((وحدت)). (١٢) ليست في (ك٢، ح). (١٤) البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (١٣/٢٦٥٢)، وأبو داود (٤٧٠١)، والنسائي في الكبرى (١١١٨٧)، وابن ماجه (٨٠). (١٥) البخاري (٣٤٠٩، ٧٥١٥)، ومسلم (١٥/٢٦٥٢). القَدَرُ ٢٣٩ = أبي سَلَمَةَ(١). وانفَرَدَ به مسلمٌ(٢) من طَرِيقِ هِشَامِ بنِ حَسَّانَ، عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ ◌ُّهُم، عن أبي هُرَيْرَةَ. [وقال ابنُّ عَبدِ البَرِّ(٣): هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ من جِهَةِ الإسنَادِ، لَا يَخْتَلِفُونَ في ثُبُوتِهِ، رَواهُ عن أبي هُرَيرَةً](٤) جَمَاعَةٌ من التَّابِعِينَ، ورُوِيَ من وُجُوهٍ عن النبيِ وَّهِ مِن رِوايَةِ الثِّقَاتِ الأئمَّةِ الإثْبَاتِ، ورَواهُ الزُّهرِيُّ فَاختَلَفَ أصحَابُهُ عَلَيه في إسنَادِهِ؛ فَرَواهُ إبراهيمُ بنُ [سَعدٍ، وشُعَيبُ بنُ أبي حَمزَةَ، (٥عن الزُّهرِي٥ِّ)، عن حُمَيدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبي هُرَيرَةَ، وَرَواهُ عُمَرُ بنُ](٦) سَعِيدٍ (٧)، عن الزُّهرِيِّ(٨)؛ عن أبي سَلَمَةَ، وسَعِيدٍ، عن أبي هُرَيرَةَ، ومنهُم مَن يَجعَلُهُ عن مَعمَرٍ (٩)، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيرَةَ، ومنهُم مَن يَروِيه عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ، عن أبي هُرَيرَةً(١٠)، وكُلُّهُم يَرفَعُهُ، وهيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ لِلِقَاءِ الزُّهرِيِّ جَمَاعَةٌ من أصحَابٍ أبي هُرَيْرَةَ. انتَهَى. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: (تَحَاجَّ آدَمُ ومُوسَى))؛ أي: تَنَاظَرَا وأقَامَ كُلٌّ منْهُمَا حُجَّته (١١) على مَطلُوبِه، والحُجَّةُ: (٢٤٧/٨م) الذَّلِيلُ والْبُرِهَانُ. وقَولُهُ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى))؛ أي: غَلَبَهُ بِالحُجَّةِ، قال النَّووِيُّ(١٢): هَكَذَا (١) البخاري (٤٧٣٨)، ومسلم (٢٦٥٢ / عقب ١٥). (٢) مسلم (٢٦٥٢ / عقب ١٥). ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (٦) أخرجه البزار (٣٠٧/١٥) ح (٨٨٣٣)، وقال: ولا نعلم روى هذا الحديث عن الزهري، عن الأعرج إلا عمر بن سعيد. وقد رواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة، وعن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. انتهى. (٨) كذا في النسخ، وبعده في (م): ((وسعيد)). والكلام هكذا غير مستقيم، فبعده في التمهيد: ((عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه معمر، عن الزهري)). (٩) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٠٦٧)، ومن طريق عبد الله بن أحمد في السُّنَّة (٥٥٠) (١٠) البزار (٣٧٢/١٤) (عقب/ح ٨٠٨٥). (١٢) شرح النووي على مسلم (٢٠١/١٦). (٣) التمهيد (١٢/١٨، ١٣). (٥ - ٥) ليس في: (ش). (٧) (١١) في (م): ((حجة)). = ٢٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الرِّوايَةُ في جَمِيعِ كُتُبِ الحديثِ بِاتِّفَاقِ النَّاقِلِينَ والرُّواِ والشُّرَّاحِ وأهلِ الغَرِيبِ بِرَفْعِ آدَمَ، وهُو فَاعِلٌ. انتَھَى. وقَولُهُ [٢/ ٢٨٦و] في آخَرِ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((فَحَاجَّ آدَمُ مُوسَى)) كَذَا وقَعَ في رِوايَتِنَا من طَرِيقِ هَمَّامٍ، ولَم يَسُق مسلمٌ لَفظَهُ، وكَأنَّهُ أطلَقَ فَحَاجَّ؛ يَعنِي(١): فَحَجَّ (٢آدَم مُوسَى٢)، فَقَد تَخرُجُ المُفَاعَلَةُ(٣) عن بَابها جَمعًا بَينَ الرِّوايَتَينِ، وهَذِه المُحَاجَّةُ يَحتَمِلُ أن تَكُونَ بِرُوحَيهمَا(٤)، ويَحتَمِلُ أن تَكُونَ بِجَسَدِهمَا، وقَد وقَعَ في ذلك خِلَافٌ. فَقال أبو الحَسَنِ القَابِسِيُّ(٥): التَّقَت أرواحُهُمَا في السَّمَاءِ، فَوقَعَ الحِجَاجُ بَيْنَهُمَا . وكَلَامُ ابْنِ عَبدِ البَرِّ (٦) يُوافِقُ ذلك، فَإِنَّهُ قال: إنَّ رُوحَهُ لَم تَجتَمِعِ بِرُوحٍ مُوسَى، ولَم يَلتَقِيَا، واللهُ أعلَمُ، إلَّا بَعدَ الوفَاةِ وبَعدَ رَفع أرواحِهِمَا في عِلِّيِّينَ، وكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا كَنَحوِ التِقَاءِ نَبِيْنَا وَّهِ بِمَن لَفِيَهُ في المِعرَاجِ من الأنبياءِ على مَا جَاءَ في الأثَرِ الصَّحِيحِ، وإن كَانَ ذلك عِندِي لَا يَحتَمِلُ تَكبِيفًا، وإنَّمَا فيه التَّسلِيمُ لِأَنَّا لَم نُؤْتَ من جِنسٍ هذا العِلمِ إلَّا قَلِيلًا. انتَهَى. وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٧): ويَحتَمِلُ أنَّهُ على ظَاهرِهِ، وأنَّهُمَا اجتَمَعًا بِأشخَاصِهمَا، وقَد (٨) جَاءَ في حَدِيثِ الإسرَاءِ؛ أنَّ النبي ◌َّ﴿ اجتَمَعَ بِالأنبياءِ في السَّمَواتِ وفي بَيتِ المَقدِسِ وصَلى بهم، ولا يَبعُدُ أنَّ اللهَ أحيَاهُم كَمَا جَاءَ في الشُّهَدَاءِ. (١) في (ش): ((بمعنى)). (٢ - ٢) ليس في: (ك٢، ح، ش). (٣) في (ك٢، ح): ((الفاعلة)). (٤) في (ح، ش): ((بروحهما)). (٥) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣١٤/١٠)، وإكمال المعلم (١٣٧/٨)، وشرح النووي على مسلم (١٦/ ٢٠٠). (٦) التمهيد (١٦/١٨). (٨) في (ك٢): ((وقال)). (٧) إكمال المعلم (١٣٧/٨).