النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الطِّبُّ والرُّقَى سَهلِ بنِ حُنَيْفٍ، أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال: ((مَا يَمنَعُ أحَدَكُمْ إِذَا رَأى من أخِيه مَا يُعجِبُهُ من نَفسِهِ أو مَالِهِ: أن يُبَرَِّكَ عَلَيهِ؛ فَإِنَّ العَينَ حَقٌّ)). رَواهُ الطَّبَرَانِيُّ، وابنُ السُّنِّيِّ، وغَيْرُهُمَا(١). ورَوى البَزَّارُ في ((مُسنَدِه))، وابنُ السُّنِّيِّ(٢)، من حَدِيثِ أَنَسٍ، (٣ أنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال٣): ((مَن رَأى شَيئًا فَأُعجَبَهُ: فَقال: مَا شَاءَ اللهُ، لَا قُوةَ إلَّا بِالله؛ لَم يَضُرَّهُ». قال: «كَانَ النبي ورَوى ابنُ السُّنِّيِّ(٤) أيضًا، عن سَعِيدٍ بنِ حَكِيمٍ ( إِذَا خَافَ أن يُصِيبَ شَيْئًا بِعَينِهِ، قال: اللَّهُمَّ بَارِك فيه [٢/ ٢٧٢ظ]، ولَا تَضُرُّهُ)). ورَوى ابنُ السُّنِّيِّ(٥) أيضًا، عن عَامِرٍ بنِ رَبِيعَةً قال: قال رسولُ الله وَّةٍ: (إِذَا رَأْى أحَدُكُم من نَفسِهِ ومَالِهِ (٦مَا يُعجِبُهُ(٦) فَلَيَدعُ بِالْبَرَكَةِ)). وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٧)، عن أهلِ العِلمِ: أنَّ التَّبَرِيكَ أن يَقُولَ (٢٠٣/٨م): اللَّهُمَّ بَارِك فيه، وعن بَعضِهم: أن يَقُولَ: تَبَارَكَ اللهُ أحسَنُ الخَالِقِينَ. وقال النَّوِيُّ في ((الأذكَار)) (٨): ذَكَرَ القَاضِي حُسَينٌ(٩) من أصحَابِنَا في كِتَابِه: ((التَّعلِيقِ فِي المَذهَبِ)): ((أنَّ بَعضَ الأنبياءِ نَظَرَ إلى قَومِه يَومًا فَاستَكثَرَهُم (١) الطبراني في المعجم الكبير (٨٢/٦) ح (٥٥٨١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٠٥). (٢) البزار (٧٣٣٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٠٧). (٣ - ٣) ليس في: (ك٢، ح). (٤) ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٠٨). (٥) ابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٠٦). وأبو يعلى (٧١٩٥)، والحاكم (٢٤٠/٤). (٦ - ٦) في (م): ((وأعجبه ما أعجبه)). وفي التخريج: ((وأخيه ما يعجبه)). (٧) التمهيد (٦٩/١٣، ٧٠). (٨) الأذكار للنووي ص٣١٩). (٩) أخرج أحمد (٣٣٢/٤) عن صُهَيب مرفوعًا: (( ... إن نبيًا كان فيمن قبلكم أعجبته أمته، فقال: لن يروم هؤلاء شيء. فأوحى الله إليه أن خَيِّرهُم .. )) الحديث، وفيه: ((فمات في ثلاث سبعون ألفًّا)). قال ابن علّان في شرحه للأذكار (٦/ ٢٧٠): ((أخرجه في أماليه في باب ما يقول بعد الصلاة ... )). ثم ذكر هذا الحديث، ثم قال: ((فيحتمل أنه أشار إلى هذه القصة، ويحتمل أنه أراد غيرها)). = ١٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأعجَبوهُ، فَمَاتَ منهُم في سَاعَةٍ سَبعُون (١) ألفًا؛ فَأوحَى اللهُ تعالى إلَيه: إِنَّك عِنتهم، ولَو أنَّك إذ عِنتهم حَصَّنتهم لَم يَهلِكُوا. قال: وبِأيِّ شَيءٍ أحَصِّنُهُم؟ فَأوحَى اللهُ إلَيه تَقُولُ: حَصَّنتُكُم بِالحَيِّ القَيُّومِ الذي لَا يَمُوتُ أَبَدًا، ودَفَعت عنكُم السُّوءَ بِألفِ لَا حَولَ ولَا قُوَ إِلَّ بِالله العَلِيِّ العَظِيمِ)). قال المُعَلِّقُ عن القَاضِي حُسَينٍ: وكَانَ عَادَةُ القَاضِي ◌َخْتُهُ إِذَا نَظَرَ إلى أصحَابه فَأعجَبَهُ سَمتُهُم وحُسنُ حَالِهِم حَصَّنَهُم بهذا. قُلتُ: لَو نَقَلت لَنَا هَذِهِ القِصَّةَ عن ذلك النبي، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، إلى نَبينَا عَلَيهِمَا الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لَتَلَقَّيْنَاهَا بِالقَبولِ، وتَأولنَا قَولَهُ: ((عِنتهم))، أو قَولَهُ في ذلك الحديثِ المُتَقَدِّم: ((إنَّهُ يَحْضُرُهَا حَسَدُ(٢) ابنِ آدَمَ))، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَت الإصَابَةُ بِالعَينِ مُتَضَمنةً(٣) لِحَسَدٍ، لَا يَجُوزُ صُدُورُهَا مِن نَبِي لِاسْتِحَالَةِ المَعَاصِي على الأنبياءِ، ولَكِن لَم يَتْبُت لَنَا ذلك، وهَذِه قَضِيَّةٌ(٤) مَذكُورَةٌ بِغَيرِ إسْنَادٍ(٥). والظّاهرُ: أنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عن بَنِي إسرائيلَ، فَلَا يَجُوزُ قَبِولُهَا إلّا (٦) إن لَم يَكُن فِيهَا غَضَاضَةٌ على الأنبياءِ عَلَيهِم الصَّلاةُ والسَّلَامُ، ومَا كَانَ يَنْبَغِي ذِكرُهَا لِلِقَاضِي ولَا لِلنَّوِيِّ. وإِنَّمَا ذَكَرتِهَا لِلذِّكرِ الذي فيهَا؛ فَإِنَّهُ حَسَنٌ يَقْتَضِيهِ الشَّرعُ، فَيَنْبَغِي العَمَلُ به، واللهُ أعلمُ. ■ التَّاسِعَةُ: وأرشَدَ النبي وَّه إلى طَرِيقٍ آخَرَ يُزَالُ به الضَّرَرُ بَعدَ وُقُوعِه (٧) وهُو الإِسْتِرِقَاءُ(٧)، فَفي ((الصَّحِيحَينِ))(٨) عن أمِّ سَلَمَةَ، ((أنَّ النبيَّ ◌ِ لَّ رَأى في بَيْتِهَا جَارِيَةً في وجههَا سُفعَةٌ، فَقال: استَرِقُوا لَهَا(٩)؛ فَإِنَّ بها النَّظْرَةَ)). (١) ليس في: (ك٢، ح). (٢) في (م): ((حينئذٍ)). (٣) في (ك٢، ح): ((منقصة)). (٤) في (ك٢، ح): ((قصة)). فيه نظر، وينظر: مصنف عبد الرزاق (٩٧٥١)، والترمذي (٣٣٤٠)، ومعجم الطبراني (٥) الكبير (٤٠/٨) ح (٧٣١٨)، وسنن البيهقي (٩/ ١٥٣). (٦) ليس في: الأصل، (م). (٧ - ٧) ليس في: (ك٢، ح). (٨) البخاري (٥٧٣٩)، ومسلم (٥٩/٢١٩٧). (٩) ليس في: (ك٢، ح). ١٦٣ الطِّبُّ والرُّقَى قال العُلَمَاءُ: النَّظرَةُ: العَينُ. يُقَالُ: صَبِي مَنُورٌ؛ أي: أصَابَتُهُ عَيْنٌ. قال الخَطَّبي(١): ويُقَالُ: عُيُونُ الجِنِّ أنفَذُ من أسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وقَد رَوينَا (٢): ((أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ سَمِعُوا قَائِلًا من الجنِّ(٣) يَقُولُ: قَتَلنَا سَيِّدَ الخَزرَجَ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ رَمَيْنَاهُ بِسَهِمَينٍ فَلَم نُخطٍ (٤) فُؤَادَهُ فَتَأْولَهُ بَعضُهُم: فَقال: أي: أصَبَاهُ بِعَيْنَيْنِ. وأرشَدَ النبيِ ﴿ إلى الاستِعَاذَةِ من ذلك قَبلَ وُقُوعِه، فَفي ((صَحِيحٍ البخاريِّ))(٥)، عن ابنِ عَبَّاسٍ: ((أنَّ النبي ◌َِّ كَانَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ والحُسَينَ: أعِيذُكُمَّا بِكَلِمَاتِ الله الثَّامَّةِ من كُلِّ شَيطَانٍ وهَامَّةٍ ومن كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ، ويَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بها إسمَاعِيلَ وإسحَاقَ)). ورَوى الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ مَاجَه(٦)، (٢٠٤/٨م) عن أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ قال: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَلَهَ يَتَعَوذُ من الجَانِّ وعَينِ الإنسَانِ، حَتَّى نَزَلَت المُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا أن نَزَلَت(٧) (٨أخَذَ بهمَا٨)، وتَرَكَ مَا سِواهُمَا)). قال الترمذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذَكَرَ في التَّفسِيرِ في قَوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ @ [الفلق: ٥] : أنَّ المُرَادَ به: العَينُ. · العَاشِرَةُ: فيه النَّهيُّ عن الوشمِ، وهُو بِفَتحِ الواوِ وإسكّانِ الشِّينِ المُعجَمَةِ: وهو (٩) أن تُغرَزَ إبرَةٌ أو مِسَلَّةٌ أو نَحوهُمَا في مَوضِع من البَدَنِ كَالشَّفَةِ (١) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٢١٣٠/٣). (٢) عبد الرزاق (٦٧٧٨)، ومن طريقه الطبراني (١٦/٦) ح (٥٣٥٩)، وغيرهما. وكل ما في الباب مراسيل عن قتادة ومحمد بن سيرين، ونظرائها. وينظر: مجمع الزوائد (٤٨٧/١)، والمطالب العالية (١٧٧/٢). (٣) في (م): ((الحي)). في (م): ((تخط)). (٤) (٦) الترمذي (٢٠٥٨)، والنسائي (٥٥٠٩)، وابن ماجه (٣٥١١). وينظر: تحفة الأشراف (٤٥٨/٣). (٥) البخاري (٣٣٧١). (٧) في (م): ((نزلتا)). (٨ - ٨) في (ك٢، ح): ((إحداهما))، وفي (ش): ((أخذهما)). (٩) من (ش). = = ١٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أو المِعصَم أو غَيرِهِمَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، ثُمَّ يُحشَى ذلك المَوضِعُ بِالكُحلِ أو النُّورَةِ فَيَخْضَّرُ، وقَد يُفْعَلُ ذلك بِدَارَاتٍ ونُقُوشٍ [٢٧٣/٢ و]، وقَد يُقَلَّل (١) وقَد يَكثُرُ وهُو حَرَامٌ (٢). قال أصحَابُنَا: ويَصِيرُ المَوضِعُ المَوشُومُ نَجِسًا(٣)، فَإن أمكنَت إزَالَتُهُ بِالعِلَاجِ وجَبَت، وإن لَم يُمكِن إلَّا بِالجَرحِ: فَإِن خَافَ منهُ التَّلَفَ أو فَواتَ عُضوٍ أو مَنفَعَةَ عُضوٍ أو شَيئًا فَاحِشًا في عُضوٍ ظَاهرٍ (٤) لَم تَجِب إزَالَتُهُ، وإِذَا تَابَ لَم يَبْقَ عَلَيهِ إِثْمٌّ، وإن لَم يَخَف شَيْئًا من ذلك لَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ ويَعْصِي بِتَأْخِيرِهِ، وسَواءٌ في هذا كُلِّهِ الرَّجُلُ والمَرأةُ(٥). فَإِن قُلتَ: مُجَرَّدُ النَّهي عنهُ لَا يَدُلُّ على تَحرِيمِه؟. قُلتُ: هُو مُحتَمِلٌ لِذلك(٦)، وقَد دَلَّ على تَحرِيمِه، بَل على أنَّهُ كَبِيرَةٌ لُعِنَ فَاعِلُهُ، كَمَا هُو ثَابِتٌ في ((الصَّحِيحَينِ))، واللهُ أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةً: الجَمِعُ بَيْنَ هَاتينٍ(٧) الجُملَتَينِ من الرَّاوِي، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ بَينَهُمَا مُنَاسَبَةٌ(٨)، ويَدُلُّ على ذلك أنَّهُ لَم يَحِكِ لَفظَ النُّبوةِ في الثَّانِي(٩) مِنْهُمَا، واللهُ تعالى أعلَمُ. (١) في (ك٢، ح): ((يقل)). (٢) شرح النووي على مسلم (١٠٦/١٤)، وينظر: معالم السنن (٢٠٩/٤، ١٩٢)، وكشف المشكل (٢٧٣/١)، وإكمال المعلم (٦٥٣/٦). (٣) في (م): ((مجسًا)). (٤) في (ش): ((طاهر)). شرح النووي على مسلم (١٠٦/١٤). (٦) في (ش): «ذلك لذلك)). (٥) (٧) في (م): ((هذين)). قال ابن حجر: ويحتمل أن يقال: المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلّا منهما يحدث في (٨) العضو لونًا غير لونه الأصلي. وتعقبه العيني، واستظهر: أن يكون النبي وير سئل في مجلس واحد عنهما، فجمعهما الراوي عند التحديث. ينظر: الفتح (٢٠٣/١٠)، وعمدة القاري (٢٦٧/٢١). (٩) في (م): ((الثانية)). الرُّؤيَا ١٦٥ الرُّؤيَا الحديثُ الأولُ عن هَمَّام، عن أبي هُرَيْرَةَ رَُّبه، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزءٌ من سِتٍَّ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبوةِ)). وعن الأُعرَجِ، عن أبي هُرَيرَةَ، عن النبي ◌ِِّ، مِثْلَهُ. ولَم يَسُقِ مَالِكٌ لَفِظَهُ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَهُ من الطَّرِيقِ الأولى: (٢٠٥/٨م) ((مسلمٌ)) (١)، وأخرَجَهُ ((البخاريُ))(٢) من رِوايَةِ إبراهيمَ بنِ سَعدٍ. و(مسلمٌ)) أيضًا، و((ابنُ مَاجَه))(٣) من رِوايَةٍ مَعمَرٍ. كِلَاهُمَا عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ. وأخرَجَهُ ((مسلمٌ)) (٤) أيضًا من رِوايَةِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، ومن رِوايَةٍ يَحَى بنِ أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ. وأخرَجَهُ ((البخاريُّ)»(٥) أيضًا من رِوايَةِ عَوفِ الأعرابي. و(مسلمٌ)) أيضًا، و((الترمذيُّ))(٦) من رِوايَةِ أَيُّونَ(٧) السَّخِيَانِيُّ. كِلَاهُمَا عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ. (١) مسلم (٠٠٠/٢٢٦٣). (٢) البخاري (٦٩٨٨). مسلم (٨/٢٢٦٣)، وابن ماجه (٣٨٩٤). (٣) (٤) مسلم (٠٠٠/٢٢٦٣). البخاري (٧٠١٧). (٥) (٦) مسلم (٦/٢٢٦٣)، والترمذي (٢٢٧٠). (٧) ليس في: (ك٢، ح). = ١٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ كُلُّهُم (١) عن أبي هُرَيْرَةَ. وفي بَعضِ ظُرُقِ رِوايَةٍ (٢) ((مسلم)) هَذِهِ (خَمسَةٌ)). ■ الثَّانِيَةُ: الرُّؤْيَا، مَقصُورَةٌ(٣) مَهِمُوزَةٌ، ويَجُوزُ تَرِكُ هَمَزِهَا؛ كَنَظَائِرِهَا . قال المَازَرِيُّ(٤): مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ في حَقِيقَةِ الرُّؤيَا أنَّ اللهَ تعالى يَخلُقُ في قَلبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ، كَمَا يَخلُقُهَا فِي قَلْبِ الْيَقِظَانِ، وهُو ◌َ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا يَمنَعُهُ نَومٌ وَلَا يَقَظَّةٌ، فَإِذَا خَلَقَ هَذِه الاعتِقَادَاتِ، فَكَأنَّهُ جَعَلَهَا عَلَمًّا (٥) على (٦) أمُورٍ أَخَرَ تَلحَقُهَا في ثَانِي الحَالِ، أو كَانَ قَد خَلَقَّهَا، فَإِذَا خَلَقَ في قَلبِ النَّائِمِ الطَّيَرَانَ، ولَيسَ بِطَائِرٍ، فَأكثَرُ مَا فيه أنَّهُ اعتَقَدَ أمرًا على خِلَافِ مَا هُو، فَيَكُونُ ذلك الإِعتِقَادُ عَلَمًا على غَيرِهِ، كَمَا يَكُونُ خَلقُ اللهِ وَ الغَيمَ عَلَمَا على المَطَرِ، والجَمِيعُ خَلقُ الله تعالى، ولَكِن(٧) يَخلُقُ الرُّؤْيَا والاعتِقَادَاتِ التي جَعَلَهَا عَلَمًا على مَا يَسُرُّ، بِغَيرِ حَضرَةِ الشَّيطَانِ، ويَخلُقُ مَا هُو عَلَمُ على مَا يَضُرُّ، بِحَضرَةِ الشَّيْطَانِ، فَيُنسَبُ (٨) إلى الشَّيْطَانِ مَجَازًا، لِحُضُورِهِ عِندَهَا، وإن كَانَ لَا فِعلَ لَهُ حَقِيقَةً(٩)، وهذا مَعنَى قَولِهِ وَِّ: ((الرُّؤْيَا من الله، والحُلمُ من الشَّيْطَانِ))(١٠)، لَا على أنَّ الشَّيْطَانَ يَفعَلُ شَيْئًا، فَالرُّؤْيَا اسْمٌ لِلمَحبوبِ، والحُلمُ اسمٌ لِلمكروه. [انتھی. قال النوويُ(١١): وقال غيره: أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله، إضافة (١) ليس في: (ك٢، ح). (٣) في (ح): ((مقصور)). (٧) في (م): ((لكنه)). (٥) ليست في (ك٢، ح). (٢) ليس في: (ش). (٤) المعلم (٢٩١/٢). (٦) في (ك٢، ح): ((على أعلى)). (٨) في (ح): ((فینتسب)). (٩) هذا الكلام يلخص نظرية ((الكسب)) الأشعرية، وهي ليست عقيدة أهل السُّنَّة. وتتلخص هذه النظرية في أن الله وَّ يخلق أفعال العبد، عند اختيار العبد، بلا تأثير للعبد في الاختيار، أو إثبات قدرة للعبد غير مؤثرة، وهذه النظرية لا حقيقة لها، وفيها من التناقض والمخالفة للعقل ما يجزم ببطلانها، ينظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص٤٣٢ - ٤٤٤)، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة (١٣٣٠/٣ - ١٣٤٨). (١٠) البخاري (٣٢٩٢)، ومسلم (١/٢٢٦١)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩). (١١) شرح صحيح مسلم (١٧/١٥). الرُّؤيَا ١٦٧ = تشريف، بخلاف المكروهة](١)، وإِنَّمَا (٢) كَانَتَا جَمِيعًا من خَلقِ الله تعالى، وتَدبيرِهِ، وبِإِرَادَتِه، ولَا فِعلَ لِلشَّيطَانِ فيهمَا، لَكِنَّهُ يَحضُرُ المَكْرُوهَةَ، (٢٠٦/٨م) ويَرتَضِيهَا، ويُسَرُّ بها . وقال القَاضِي أبو بَكرٍ ابنُ العَرَبي(٣): هيَ إدرَاكَاتٌ يَخلُقُهَا الله في قَلبٍ العَبدِ على يَدِ (٤) المَلَكِ أو الشَّيطَانِ، إمَّا بِأسمَائها، وإمَّا أمثَالًا بِكُناهَا (٥)، وإمَّا تَخْلِيطًا، ونَظِيرُ ذلك في اليَقَظَةِ الخَواطِرُ، فَإِنَّهَا تَأْتِي على نَسَقٍ، وتَأْتِي مُستَرسِلَةً غَيْرَ مُحَصَّلَةٍ، فَإِذَا خَلَقَ الله من ذلك في المَنَامِ على يَدِ المَلَكِ شَيئًا، كَانَ وحيًا مَنْظُومًا، وبُرهَانًا مَفهُومًا، هذا نَحوُ(٦) كَلَام الأستَاذِ أبي إسحاقَ، وصَارَ [٢٧٣/٢ظ] القَاضِي إلى أنَّهَا اعتِقَادَاتٌ، وإِنَّمَا دَارَ هذا الخِلَافُ بَينَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَد يَرَى نَفسَهُ بَهِيمَةً، أو مَلَكًا، أو طائرًا، ولَيسَ هذا إدراكًا؛ لِأَنَّهَا لَيسَت حَقِيقَةً، فَصَارَ(٧) القَاضِي إلى أنَّهَا اعتِقَادَاتٌ(٨)؛ لِأَنَّ الاعتِقَادَ قَد يَأْتِي على خِلَافِ المُعتَقِدِ، وذَهَلَ عن التَّفَظُنِ لِأنَّ هذا المَرِئِيَّ مَثَلٌ، فَالإدرَاكُ (٩) إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالمَثَلِ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٠)، بَعدَ نَقلِه كَلَامَ المَازَرِيِّ: وقال غَيْرُهُ: إنَّ الله تعالى مَلَكًا مُوَّلًا، يَعرِضُ(١١) المَرئيَّاتِ على المَحَلِّ المُدرِكِ من النَّائِمِ، فَيُمَثِّلُ [له(١٢) صورا محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الموجود(١٣)، وتارة تكون(١٤)](١٥) أمثِلَةً لِمَعَانِي مَعقُولَةٍ غَيرِ مَحسُوسَةٍ، وفي الحَالَتَيْنِ تَكُونُ مُبَشِّرَةً ومُنذِرَةً. (١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). في (ك٢، ح، ش): ((وإن)). (٢) عارضة الأحوذي (١٢٣/٩ - ١٢٤). (٣) في (م): ((یکني بها)). (٧) (٥) في (ش): ((وصار)). (٩) في (ك٢، ح): ((والإدراك)). (١١) في (ك٢، ح): ((بعرض)). (١٣) في (ش): ((الوجود)). (١٥) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (م). (٤) في (ش): «یدي)). (٦) في (ك٢، ح): (تجوز)). (٨) في (ك٢، ح): ((اعتقاد)). (١٠) المفهم (٧/٦ - ٨). (١٢) من (ح). (١٤) في (ش): ((يقع). M ١٦٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال القرطبي: وهذا مِثلُ الأولِ في المَعنَى، غَيرَ أنَّهُ زَادَ فيه قَضِيَّةَ المَلَكِ، ويَحتَاجُ في ذلك إلى تَوقِيفٍ من الشَّرعِ، ويَجُوزُ أن يَخلُقَ الله تِلكَ الثَّمْثِيلَاتِ من غَيْرِ مَلَكِ. ثُمَّ قال: وقِيلَ: إِنَّ الرُّؤيَا إدرَاكُ أمثِلَةٍ مُنضَبِطَةٍ في الثَّخَيُّلِ، جَعَلَهَا الله أعلَامًا على مَا كَانَ أو يَكُونُ، وهُو أشبَهُهَا . ثُمَّ قال: فَإِن قِيلَ: كَيفَ يُقَالُ: إنَّ الرُّؤْيَا إدرَاٌ، مَعَ أنَّ النَّومَ ضِدُّ الإدرَاكِ، فإنَّهُ من الأضدَادِ العَامَّةِ كَالمَوتِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ إدراكٌ؟ . فَالجَوابُ: أنَّ الجُزءَ المُدرِكَ من النَّائم (١) لَم يَحُلَّهُ النَّومُ، فَلَم يَجْتَمِع مَعَهُ، فَقَد تَكُونُ العَيْنُ نَائمَةً، والقَلبُ يَقِظَانُ، كَمَا قال النبي ◌ََّ: ((إِنَّ عَينَيَّ تَنَامَانٍ، ولَا يَنَامُ قَلبي))(٢)، وإنَّمَا قال: مُنضَبِظَةٌ في التَّخَيُّلِ؛ لِأَنَّ الرَّائِيَ ا(٣) يَرَى فِي مَنَامِه (٤إلا من٤) نَوعَ مَا أدرَكَهُ في اليَقَظَةِ بِحِسِّه، غَيرَ أنَّهُ قَد تُرَقَّبُ المُتَخَيَّلَاتُ(٥) في النَّومِ تَركِيبًا يَحصُلُ من مَجمُوعِهَا صُورَةٌ لَم يُوجَد لَهَا مِثَالٌ في الخَارِجِ، يَكُونُ عَلَمًا على أمرٍ نَادِرٍ، كَمَن يَرَى في نَومِهِ مَوجُودًا رَأْسُهُ رَأسُ الإنسَانِ، وجَسَدُهُ جَسَدُ الفَرَسِ مَثَلًا، ولَهُ جَنَاحَانٍ، إلى غَيرِ ذلك مِمَّا يُمكِنُ من التَّركِيبَاتِ التي لا يُوجَدُ مِثلُهَا في الوُجُودِ، وإن كَانَت آحَادُ أجزَائِهَا في الوُجُودِ الخَارِجِيِّ، وإنَّمَا قال: جَعَلَهَا الله أعلَامًا على مَا كَانَ أو يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِه الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ المُنْتَظِمَةَ، الواقِعَةَ على شُرُوطِهَا . قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): وقال كَثِيرٌ من العُلَمَاءِ: إنَّ لِلرُّؤْيَا مَلَكًا وُكِّلَ بها، يُرِي الرَّائيَ من ذلك مَا فيه، تَنبيهٌ على مَا يَكُونُ لَهُ، أو يُقَدَّرُ عَلَيه من خَيرٍ أو شرِّ . (١) في (ك٢، ح): ((المنام)). (٢) أخرجه البخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٢٥/٧٣٨)، وأبو داود (١٣٤١)، والنسائي (١٦٩٦). (٣) من (ش)، والمفهم. (٤ - ٤) في (م): ((الآن)). (٥) في (ك٢، ح): ((نزلت التخيلات)). (٦) إكمال المعلم (٢١٥/٧). الزُّؤيَا ١٦٩ ■ الثَّالِثَةُ: (٢٠٧/٨م) قَيَّدَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ الرُّؤيَا بِكَونِهَا من ((الرَّجُلِ الصَّالِحِ))، وفي رِوايَةٍ أخرَى: ((المسلم(١)))، وفي أخرَى: ((المُؤمن))، وفي رِوايَةٍ أخرَى: ((رُوِيَا المسلِمِ، يَرَاهَا، أو تُرَى لَهُ)) . وكُلُّ ذلك ثَابِتٌ في ((الصَّحِيحِ))، فَأمَّا ذِكرُ الرَّجُلِ، فَقَد خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وأمَّا كَونُهُ مسلمًا أو مُؤمنًا أو صَالِحًا، فَظَاهرُ كَلَامِ ابنِ عَبدِ البَرِّ (٢) أنَّهُ لَيسَ قَيدًا(٣) أيضًا، فَإِنَّهُ قال: والرُّؤْيَا إذَا لَم تَكُن من الأضغَاثِ والأهَاوِيلِ فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، وقَد تَكُونُ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ من الكَافِرِ ومن الفَاسِقِ؛ كَرُؤْيَا المَلِكِ التي فَسَّرَهَا يُوسُفُ وََّ، ورُؤْيَا الفَتَيَينِ في السِّجنِ، وكَرُؤْيَا(٤) بُختَ نَصَّرَ، التِي فَسَّرَهَا دَانِيَالُ عَلَّهُ فِي ذَهَابٍ مُلكِه، وكَرُؤيَا كِسرَى في ظُهُورِ النبيِ وَ ﴿ه، ومِثلِ رُؤيَا عَاتِكَةَ عَمَّةِ رسولِ اللهِ وَِّ في أمرِهِ عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ، ومِثلُ هذا کَثِيرٌ. قال: وقَد قَسَّمَ رسولُ اللهِ وَّهِ الرؤيا(٥) أقسَامًا تُغنِي عن قَولِ(٦) كُلِّ قَائلٍ. فَذَكَرَ حَدِيثَ عَوفِ بنِ مَالِكٍ: ((الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: منهَا أهَاوِيلُ من الشَّيْطَانِ، لِيَحِزُنَ ابنَ آدَمَ، ومنهَا مَا يُهِمُّ الرَّجُلَ فِي يَقَظَتِهِ، فَيَرَاهُ فِي مَنَامِه، [٢٧٤/٢ و] ومنها جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبوةِ)). فَقِيلَ لَهُ: أنتَ سَمِعتُ هذا(٧) من رسولِ الله ◌ِه؟ قال: أنَا سَمِعتُه من رسولِ اللهِ وَّرَ أْنَا سَمِعتُه من رسولِ اللهِ وَّهِ وَهُو في ((سُنَنِ ابنِ مَاجَه))(٨). وحَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ: ((الزُّؤْيَا ثَلَاثٌ: فَرُؤْيَا صَالِحَةٌ، بُشرَى من الله، ورُؤيَا تَحزينٍ(٩) من الشَّيطَانِ، ورُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ المَرءُ (١٠) نَفسَهُ))، وهُو في ((صَحِيحٍ (١) في (ك٢، ح، ش): ((رؤيا المسلم)). (٢) التمهيد (٢٨٥/١ - ٢٨٧). (٤) في (ك٢، ح): ((رؤيا)). (٦) في (ك٢، ح): («تأول)). (٨) ابن ماجه (٣٩٠٧). (١٠) في (ش): ((الشخص)). (٣) في (ك٢، ح): ((فيه قیدا)). (٥) ليس في: الأصل، (م). (٧) في الأصل، (م): ((سمعته بهذا)). (٩) في (م): ((تحزن)). = ١٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ مسلم))(١)، وهُو في ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٢) من كَلَامٍ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ قال(٣): يُقَالُ:َ الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ، فَذَكَرَهُ، قال البخاريُّ: وهُو أبيَنُ. قُلتُ: وتَقسِيمُ الرُّؤْيَا إلى ثَلَاثَةِ أقسَامِ لَا يُنَافي(٤) تَقِيدَ الصَّادِقَةِ بِالتِي هيَ صَادِرَةٌ عن مسلم، ولا يُمكِنُ القَولُ بِأنَّ رُؤيَا الكَافِرِ من أجزَاءِ النُّبوةِ. وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبِيِ (٥): الرَّاؤُونَ على ثَلَاثَةِ أقسَامٍ: صَالِحٌ من المُؤمِنينَ، وفَاسِقٌ منهُم، وكَافِرٌ من غَيرِهم. فَأَمَّا رُؤْيَا الصَّالِحِ فَهِيَ التي تُنسَبُ إلى النُّبوةِ ومَبَادِئِهَا(٦)؛ لِأَنَّ الصَّلَاحَ جُزءٌ منها . وأمَّا رُؤْيَا الفَاسِقِ، فَقال بَعضُهُم: إنَّهَا مُرَادَةٌ بِقَولِه: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ من سَبعِينَ))، فَإِن كَانَت من مُؤْمن، فَهِيَ من خَمسَةٍ وأربَعِينَ، ومَعنَى صَلَاحِهَا اسْتِقَامَتُهَا وانتِظَامُهَا؛ والذِي عِندِي: أنَّ رُؤيَا الفَاسِقِ لَا تَتعَادُّ(٧) في النُبوةِ. وأمَّا الرُّؤْيَا من الكَافِرِ فَقَد ورَدَت في القُرآنِ، وقَد كَانَ كُفَّارُ العَرَبِ والأمَمِ تَرَى الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ، ولا تتعَادُ (٨) أيضًا في النُّبوةِ، ولَكِنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَابٍ النَّدَارَةِ. وقال (٢٠٨/٨م) أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٩): لَا تَكُونُ الرُّؤْيَا من أجزَاءِ النُّبوةِ، إلَّا إذَا وقَعَت من مسلمٍ صَادِقٍ صَالِحِ، وهُو الذي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَالَ النبيِ وَِّ، فَأكرِمَ بِنَوعِ مِمَّا أكرِمَ بَه(١٠) الأنبياءُ، وهُو الإِطَّلَاعُ على شَيءٍ من عِلمِ الغَيبِ، كَمَا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِنَّهُ لَم يَبقَ من مُبَشِّرَاتِ النُّبوةِ إِلََّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١١) في الثَّومِ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أو تُرَى لَهُ)). فَإِنَّ الكَافِرَ والكَاذِبَ والمُخَلِّطَ وإن صَدَقَتِ رُؤيَاهُم في بَعضِ الأوقَاتِ، لَا تَكُونُ من الوحي، ولا من (١) مسلم (٦/٢٢٦٣). في (ك٢، ح، ش): ((كان)). (٣) (٥) عارضة الأحوذي (١٢٦/٩ - ١٢٧). (٦) في الأصل: ((معاد معها))، و(ح) والعارضة: ((تتعاد معها))، وفي (ك٢) غير منقوطة. (٨) في (م): ((تعد)). (٧) في (م): ((تعد)). (٩) المفهم (١٣/٦ - ١٤). (١١) في (ك٢، ح، ش): ((الصادقة)). (٢) البخاري (٧٠١٧). (٤) في (ش): ((تنافي)). (١٠) ليس في: (ش). الرُّؤیَا ١٧١ النُّبوةِ، إذ لَيسَ كُلُّ مَن صَدَقَ في حَدِيثٍ عن غَيبٍ، يَكُونُ خَبَرُهُ ذلك نُبوةً، وقَد قَدَّمِنَا أنَّ الكَاهنَ يُخبِرُ بِكَلِمَةِ الحَقِّ وكذلك المُنَجِّمُ قَدِ يُحَدِس (١) فَيَصدُقُ، و(٢) لَكِن على النُّدُورِ والقِلَّةِ، وكذلك الكَافِرُ والفَاسِقُ والكَاذِبُ، وقَد يَرَى المَنَامَ الحَقَّ، ويَكُونُ ذلك المَنَامُ سَبَبًا في شَرِّ يَلحَقُهُ أو أمرٍ يَنَالُهُ إلى غَيرِ ذلك من الوُجُوهِ المُعتَبَرَةِ المَقصُودَةِ به، وقَد وقَعَتِ لِبَعضِ الكُفَّارِ مَنَامَاتٌ صَحِيحَةٌ، صَادِقَةٌ، كَمَنَامِ المَلِكِ الذي رَأَى سَبِعَ بَقَرَاتٍ، ومَنَامِ الفَتَيَينِ في السِّجنِ، ومَنَامٍ عَاتِكَةَ عَمَّةِ النبيِ بَّهِ وهيَ كَافِرَةٌ، ونَحوُهُ كَثِيرٌ، لَكِنَّ ذلك قَلِيلٌ بِالنِّسَبَةِ إلى مَنَامَاتِهِم المُخَلَّطَةِ والفَاسِدَةِ. انتَهَى. وفي ((صَحِيحِ البخاريِّ))(٣) عن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ: وأنَا أقُولُ في هَذِهِ الأمَّةِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): يُشِيرُ إلى عُمُومٍ صِدقِ الرُّؤْيَا في هَذِه الأمَّةِ، وأنَّ صِدقَهَا لَا يَختَصُّ بِصَالِحٍ من طَالِحِ(٥) وهُو بَيِّنٌ. [ الزَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وأربَعِينَ)). هيَ الرِّوايَةُ المَشهُورَةُ، كَمَا قالهُ النَّوِيُّ(٦). وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٧): إنَّهَا الأكثَرُ والأصَحُّ عِندَ أهلِ الحديثِ. [وحَكَى أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٨) عن المازَري أنَّهَا الأكثَرُ والأصَحُّ عِندَ أهلٍ الحديثِ](٩). ولَم أقِف على ذلك في ((المُعْلِم))، وإنَّمَا هُو في «الإِكمَالِ)) لِلقَاضِي، وكَأَنَّهُ اشتَبَهَ عَلَيه، وفي رِوايَةٍ ((لِمُسلم)) (١٠) مَن حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ أيضًا: ((جُزءٌ من خَمسَةٍ وأربَعِينَ))، وهيَ رِوايَةُ مُحَمَّدٍّ بنِ سِيرِينَ عنْهُ، والذِي فِي رِوايَةٍ أخرَى لَهُ من حَدِيثِ ابنِ سِيرِينَ أيضًا، وكَذَا هُو عِندَ ((البخاريِّ)): ((من سِتَّةٍ وأربَعِينَ))، وهُو (١) في (م): ((يحدث))، وليست في (ك٢، ح). (٢) لیس (ك٢، ح، ش). (٣) البخاري (٧٠١٧). (٤) إكمال المعلم (٢١٠/٧). (٦) شرح صحيح مسلم (٢١/١٥). في (ش): ((صالح)). (٥) إكمال المعلم (٢١٢/٧). (٧) المفهم (١٢/٦)، وإكمال المعلم (٢١٢/٧). (٨) (٩) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٠) مسلم (٦/٢٢٦٣). 1 ١٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ المَروِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ من حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، وأبي صَالِحِ السَّمَّانِ [٢٧٤/٢ظ]، وهَمَّامِ بنِ مُنَبه، وغَيرِهم. وكَذَا هُو في ((الصَّحِيحَينِ))(١) من حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، وأَنَسٍ بنِ مَالِكٍ، وفي ((صَحِيحٍ البخاريٍّ))(٢) من حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ. وذَكَرَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) بِلَفِظِ: (خَمسَةٍ)) ورَواهُ ابنُ مَاجَه (٤) بِلَفِظِ: ((سَبعِينَ)) وفي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((جُزءٌ من (٢٠٩/٨م) سَبَعِينَ جُزءً)). وهُو في ((صَحِيحِ مسلم)) وغَيرِه (٥) . وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): لَا يُختَلَفُ فَي صِحَّتِه، قال(٧): ورُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ(٨) عن النبي ◌َّهُ مِثْلُهُ، [(٩ وقد رَوى٩) عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ◌َِّ مِثْلَهُ] (١٠)، وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا من حَدِيثِ [عَمرِو بنِ العَاصِي(١١): ((من تِسِعَةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبوةِ). وقال: وأخطأ فيه رِشدِينُ(١٢) بنُ سَعدٍ، قال: ورُوِيَ من حَدِيثٍ] (١٣) عُبَادَةَ، عن النبي ◌ِّ﴾: ((جُزءٌ من أربَعَةٍ وأربَعِينَ))؛ بِإسنَادٍ فیه لِينٌ. ثُمَّ رُوِيَ بِإسناده(١٤) من طَرِيقِ الأعرَجِ، عن سُليمَانَ بنِ عِرِيبٍ(١٥)، عن أبي هُرَيْرَةَ مَرَفُوعًا بِلَفِظِ: ((سِتٍَّ وأربَعِينَ)). (١) البخاري (٦٩٨٧)، ومسلم (٧/٢٢٦٤) من حديث عبادة، والبخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٠٠٠/٢٢٦٤) من حديث أنس بن مالك. (٢) البخاري (٦٩٨٩). (٣) التمهيد (٢٨٠/١). (٤) ابن ماجه (٣٨٩٥). مسلم (٩/٢٢٦٥)، وابن ماجه (٣٨٩٧). (٥) التمهيد (٢٨٠/١، ٢٨١). (٦) (٨) أحمد (٣١٥/١). (٧) ليست في (ش). (٩ - ٩) في (م): ((قال: وروی)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل، (ش). (١١) أحمد (٢١٩/٢). (١٢) في (ك٢، ح): ((رشد)). (١٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (١٤) في الأصل، (ش، م): ((بإسنادٍ)). (١٥) في النسخ: (سلمان بن غريب))، وفي التمهيد: ((سلمان بن عريب))، وكلاهما خطأٌ، وما أثبتناه هو الصواب، وقد أخرج أبو يعلى هذا الطريق (٦٧٠٦)، فقال: ((سليمان بن عريب)). لكن اختلفت ألفاظ الحديث عنده. ينظر: إتحاف الخيرة (٣٥٩/٦)، والمطالب العالية (١٣٩/١٢)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣٠/٤)، والثقات لابن حبان (٣٠٤/٤). = 5 ١٧٣ الرُّؤيَا قال سُليمَانُ(١): فَحَدَّثتُ به ابنَ(٢) عَبَّاسِ، فَقال: ((من خَمسِينَ جُزءًا من النُّبوةِ))، فَقُلت: إنِّي سَمِعتُ أبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: (٣أنه سَمِع٣) رسولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (جُزءًا من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبوة))، فَقال ابنُ عَبَّاسِ: سَمِعتُ العَبَّاسَ بنَ عَبدِ المُطَّلِبِ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ من المُؤمن، جُزءٌ من خَمسِينَ جُزءًا من النُّوقِ)». قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): وقَد حَدَّثَ هذا الحديثَ أبو سَلَمَةَ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ، فَقال عُمَرُ: لَو كَانَت جُزءًا من عَدَدِ الحَصَا لَرَأيْتُهَا صِدقًا(٥). ثُمَّ رَوى ابنُ عَبدِ الْبَرِّ من حَدِيثِ عَبدِ العَزِيزِ بنِ المُختَارِ، عن ثَابِتٍ، عن أنَسٍ مَرفُوعًا: ((رُؤْيَا الْمُؤمن جُزءٌ من سِتَّةٍ وعِشرِينَ جُزءًا من النُّبوةِ». [ثُمَّ رَواهُ من حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ [العُقَيلِيِّ، بِلَفِظِ: (جُزءٌ من أربَعِينَ جُزءًا من النُّبوةِ))](٦). ورَوى الترمذيُّ في ((جَامِعِه))(٧) حَدِيثَ أبي رَزِينٍ](٨) بهذا اللفظِ، وبِلَفِظِ: ((جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا (٩ من النُّبوة)). فَهَذِهِ ثَمَانِ رِوايَاتٍ، أقَلُّهَا (١٠): سِنَّةٍ وعِشرِينَ(١١) وأكثَرُهَا سَبعُونَ، وأصَخُّهَا وأشهَرُهَا: سِتَّةٌ وأربَعُونَ. فَإن مِلنَا إلى التَّرجِيحِ فَرِوايَةُ (١٢) السِّنَّةِ والأربَعِينَ أصَحُّ كَمَا تَقَدَّمَ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٣): أكثَرُهَا في ((الصَّحِيحَينِ)) وكُلُّهَا مَشهُورٌ، فَلَا سَبِيلَ إلى أخذِ أحَدِهَا وَطَرَحِ البَاقِي كَمَا فَعَلَ المازَري (١٤)؛ فَإِنَّهُ قَد يَكُونُ بَعضُ مَا تَرَكَ أولى مِمَّا قَبِلَ (١٥) إِذَا بَحَثْنَا عن رِجَالِ أَسَانِيدِهَا، ورُبَّمَا تَرَجَّحَ عِندَ غَيرِهِ غَيرُ مَا اختَارَهُ هُو. انتَهَى. (١) في النسخ: ((سلمان)). (٣ - ٣) في (م): ((إنني سمعت)). (٥) في (ك٢): ((صدفا)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (٨) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٠) بعدها في (م): ((من)). (١٢) في (ك٢، ح): ((في رواية)). (١٤) في (ك٢، ح): ((الما وردي)). (٢) بعده في (ش): ((عن)). (٤) التمهيد (٢٨١/١ - ٢٨٣). (٧) الترمذي (٢٢٧٨، ٢٢٧٩). (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١) في (ش): ((وعشرون). (١٣) المفهم (١٤/٦). (١٥) في (ش): ((قيل)). ١٧٤ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهُو استِرواحٌ ورَدِّ بِغَيرِ نَظَرٍ وكَشفٍ، وقَد عَرَفتَ بِتَفصِيلِ مَا ذَكَرِنَاهُ: أَنَّ الأشهَرَ والأصَحَّ: رِوايَةُ السَِّّةِ والأربَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، واللهُ أعلمُ. وإن سَلَكنَا طَرِيقَ الجَمعِ فَفي ذلك أوجُهُ: أحَدُهَا: أنَّ ذلك يَختَلِفُ بِاختِلَافِ حَالِ صَاحِبِ الرُّؤْيَا. قال المازري(١): أشَارَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ هذا الاختِلَافَ (٢١٠/٨م) رَاجِعٌ إلى اخْتِلَافِ حَالِ الرَّائي، فَالمُؤْمن الصَّالِحُ تَكُونُ نِسبَةُ رُؤْيَاءُ(٢) من سِتَّةٍ وأربَعِينَ، والفَاجِرُ من سَبعِينَ؛ ولِهذا لَم يُشتَرَط في رِوايَةِ السَّبعِينَ في وصفِ الرَّائي (٣°مَا اشتُرِطَ في وصفِ الرَّائي(٣) في الحديثِ المَذْكُورِ فيه من سِتَّةٍ وأربَعِينَ من كَونِهِ صَالِحًا . وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): لَيسَ ذلك عِندِي بِاختِلَافِ تَضَادٍّ وتَدَافُع؛ لِأَنَّهُ يَحتَمِلُ أن يَكُونَ على حَسَبٍ مَا يَكُونُ الذي يَرَاهَا من صِدقِ الحديثِ، وأدَاءِ الأمَانَةِ، والدِّينِ المَتِينِ، وحُسنِ اليَقِينِ. فَمَنْ خَلَصَتِ لَهُ(٥) نِيَّةٌ (٦) فِي عِبَادَةِ رَبه، ويَقِينِهِ، وصِدقٍ حَدِيثِهِ، كَانَت رُؤْيَاهُ أصدَقَ، وإلى النُّبوةِ أقرَبَ، كَمَا أنَّ الأنبياءَ يَتَفَاضَلُونَ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧): هذا فيه بُعدٌ لِمَا قَدَّمِنَاهُ من صِحَّةٍ حَمَلٍ مُطلَقٍ الرِّوايَاتِ على مُقَيَّدِهَا، وبِمَا قَد رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ(٨): ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ من (١) المعلم (٢٩٤/٢). (٣ - ٣) ليس في: (ش). (٥) ليس في: (ش). (٧) المفهم (١٦/٦). (٢) في (ك٢، ح): ((جزء). (٤) التمهيد (٢٨٣/١). (٦) في (ش): ((نیته)). هذا اللفظ روي من حديث أبي رَزِين العقيلي، وقد سبق تخريجه، ولم أجده من حديث (٨) ابن عباس بهذا اللفظ، ولعله صحف في النسخ من: ((سبعين))، وقد سبق إخراج هذا اللفظ ـ (سبعين) - من حديث ابن عباس، وهو عند أحمد (٣١٥/١)، أو لعله سبق قلم قصد به حديث أبي هريرة: فقد أخرج أبو يعلى (٦٧٠٦) من طريق محمد بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن سليمان بن عريب قال: سمعتُ أبا هريرة يقول لابن عباس: قال رسولُ اللهِ وَر: ((رؤيا المسلم جزءٌ من أربعين جزءًا من النبوة)). قال ابن عباس: من ستين، فقال أبو هريرة: تَسمعُنِي أقولُ: قالَ رسولُ اللهِ نَ ◌ّ ه وتقول من ستين؟! = الرُّؤيَا ١٧٥ = أربَعِينَ)). وسَكَتَ فيه عن ذِكرٍ وصفِ الرَّائي [٢٧٥/٢ ]. وكذلك حَدِيثُ عَبدِ الله بنِ عَمرِو (١) حِينَ ذَكَرَ: ((سَبعَةً وأربَعِينَ))، وحَدِيثُ العَبَّاسِ حِينَ ذَكَرَ: ((خَمسِينَ)). قُلتُ: كَذَا رَأيته في نُسخَةٍ صَحِيحَةٍ: ((سَبعَةً وأربَعِينَ))، وهُو سَبقُ فَلَمٍ، وإِنَّمَا فيه: ((من تِسعَةٍ وأربَعِينَ))(٢) كَمَا تَقَدَّمَ، واللهُ أعلمُ. ثَانِيهَا: قال المازَري (٣) بَعدَ كَلَامِه المُتَقَدِّمِ: وقِيلَ: إِنَّ المَنَامَاتِ دَلَالَاتٌ، والدَّلَالة(٤) منهَا خَفي ومنهَا جَلِيٍّ، فَمَا ذَكَرَ فيه السَّبَعِينَ، يُرِيدُ به(٥) الخَفي منها، ومَا ذَكَرَ فيه السِّنَّةَ والأربَعِينَ(٦)، يُرِيدُ به الجَلِيَّ منها . ثَالِثُهَا: أنَّ المُرَادَ بهذا الحديثِ أنَّ المَنَامَ الصَّادِقَ خَصلَةٌ من خِصَالِ النُّبوةِ كَمَا جَاءَ في الحديثِ الآخَرِ: ((التُّؤَدَّةُ، والاقتِصَادُ، وحُسنُ السَّمتِ، جُزءٌ من سِتَّةٌ وعِشرِينَ جُزءًا من النُّبوةِ))(٧)؛ أي: النُّبوةُ مَجمُوعُ(٨) خِصَالٍ مَبلغُ أجزائها (٩): سِنَّةٌ وعِشرونَ(١٠)، هَذِه الثَّلَاثَةُ أشيَاءَ(١١) جُزءٌ واحِدٌ منهَا، وعلى مُقتَضَى هَذِهِ التَّجزِئَةِ (١٢) كُلُّ جُزءٍ من السِّتَّةِ والعِشرِينَ ثَلَاثَةُ أشياءَ(١٣) في نَفسِه، فَإِذَا ضَرَبِنَا ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ وعِشرِينَ صَحَّ لَنَا أنَّ عَدَدَ خِصَالِ النُّبوةِ من حَيثُ آحَادِهَا ثَمَانِيَةٌ وسَبِعُونَ، ويَصِحُ أن نُسَمِّيَ كُلَّ اثنَينِ من الثَّمَانِيَةِ والسَّبِعِينَ جُزْءًا خَصَلَةٌ(١٤)؛ وهذا الطريق قد أخرجه ابنُ عبد البر في التمهيد (٢٨١/١) - كما تقدم - غير أنه قال: = ((من ستة وأربعين)) ... فقال ابن عباس: ((من خمسين)). (١) في الأصل: ((عمر)) وكرر في (ش) عبارة: ((الرؤيا الصالحة جزء من أربعين، وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي، وكذلك حديث عبد الله بن عمرو)). (٢) سبق تخريجه بلفظ: ((تسعة وأربعين)). في (ك٢، ح): ((الماوردي)). ينظر: المعلم (٢٩٥/٢). (٣) في (م): ((والدلالات)). (٤) (٥) ليس في: (م). في (٢٤، ح، ش): ((وأربعين)). (٦) (٧) أخرجه أحمد (٢٩٦/١)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٨، ٧٩١)، وأبو داود (٤٧٧٦) من حديث ابن عباس (٨) في (م): ((مجموعة)). (١٠) في (م): ((وعشرين)). (١١) في (ك٢، ح): ((الأشياء)). (١٢) في (ح): ((التجربة)). (١٣) في (ك٢، ح): ((أجزاء)). (١٤) ليست في الأصل. وفي (ش): ((وخصلة)). (٩) في (م): ((تبلغ أجزاؤها)). 5 ١٧٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ فَيَكُونُ مجموعُ أجزائها (١) بهذا الاعتِبَارِ: تِسِعَةً وثَلَاثِينَ جزءًا(٢) ويَصِحُ أن يُسَمِّى(٣) كُلُّ أربَعَةٍ منهَا(٤): جُزءًا، فَيَكُونُ مَجمُوعُ أجزَائِهَا بهذا الاعتِبَارِ: تِسِعَةَ عَشَرَ جُزءًا ونصفَ جُزءٍ؛ فَتَخْتَلِفُ (٥) أسمَاءُ العَدَدِ المُجَزَّا بِحَسَبِ اختِلَافِ اعْتِبَارِ الأجزَاءِ. وعلى هذا فلا (٦) يَكُونُ اختِلَافُ أعدَادِ أجزَاءِ النُّبوةِ في أحَادِيثِ الرُّؤْيَا المَذكُورَةِ اضطِرَابًا، وإِنَّمَا هُو اختِلَافُ اعتِبَارِ مَقَادِيرٍ تِلكَ الأجزَاءِ المَذْكُورَةِ، ذَكَرَهُ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٧)، وقال: إنَّهُ أشبَهَ مَا ذُكِرَ في ذلك، مَعَ أنَّهُ لَم(٨) تُثْلَجِ النَّسُ به، ولَا طَابَ(٩) لَهَا. انتَهَى كَلَامُهُ. وذَكَرَهُ(١٠) قَبَلَهُ القَاضِي عِيَاضٌ بِأخصَرَ (٢١١/٨م) منهُ. رَابِعُهَا: قال القَاضِي عِيَاضٌ(١١) أيضًا (١٢): يَحتَمِلُ أن تَكُونَ هَذِهِ التَّجزِئَةُ(١٣) في طُرُقٍ (١٤) الوحي؛ إذ منهُ مَا سُمِعَ(١٥) من الله تعالى دُونَ واسِطَةٍ، كَمَا قال: ﴿أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومنهُ بِواسِطَةِ المَلَكِ كَمَا قال: ﴿أَوْ بِرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، ومنهُ مَا يُلقَى في القَلبِ كَمَا قال: ﴿إِلَّا وَحْيَّا﴾ [الشورى: ٥١]؛ أي: إلهَامًا(١٦)، ثُمَّ منه (١٧) مَا يَأتِيه المَلَكُ على صُورَتِهِ، ومنهُ مَا يَأْتِيه على صُورَةِ آدَمِيٍّ يَعرِفُهُ، ومنهُ مَا يَتَلَقَّاهُ منهُ وهُو لَا يَعرِفُهُ، ومنهُ مَا يَأتِيه به في مَنَامِه بِحَقِيقَةٍ (١٨) كَقَولِهِ (١٩): ((الرَّجُلُ مَطبوبٌ)) (٢٠)، ومنهُ مَا يَأْتِيه في مِثلٍ في (ك٢، ح، ش، م): ((جميعها)). (١) في (م): ((تسمي)). (٣) (٥) في (ح): ((فیختلف)». (٧) المفهم (١٦/٦، ١٧)، وإكمال المعلم (٢١٤/٧). (٨) ليس في: (ك٢، ح، ش). (١٠) في (ك٢، ح): ((وذكر)). (١٢) بعده في (ش): ((قيل)). (١٤) في (ح، ش): ((طريق)). (١٦) بعده في (م): ((وهذا حصرٌ لها)). (١٨) في (ح، ش): ((تحقيقه)). (٢) ليست في (م). (٤) في (ك٢، ح): ((فيها)). (٦) في (م): ((لا)). (٩) في (ش): ((طالب)). (١١) إكمال المعلم (٢١٤/٧، ٢١٥). (١٣) في (ح): ((التجربة)). (١٥) في (ش): ((يسمع)). (١٧) في (م): (فيه)). (١٩) في (ح): (لقوله)). (٢٠) أخرجه البخاري (٣٢٦٨، ٥٧٦٣، ٥٧٦٥، ٥٧٦٦، ٦٠٦٣، ٦٣٩١)، ومسلم (٤٣/٢١٨٩) من حديث عائشة رة الزُّؤْيَا كجر ١٧٧ = صَلصَلَةِ الجَرَسِ (١)، ومنهُ مَا يُلقِيه رُوحُ القُدُسِ (٢)، إلى غَيرِ ذلك مِمَّا وقَفنَا عَلَيه ومما (٣) لَم نَقِفْ عَلَيه، فَتَكُونُ تِلكَ الحَالَاتُ إِذَا عُدِّدَت غَايَتُهَا انتَهَت إلى سَبعِينَ. قال القرطبي(٤): ولَا يَخفَى مَا في هذا الوجه من البُعدِ والتَّسَاهُلِ، فَإِنَّ تِلكَ الأعدَادَ كُلَّهَا إِنَّمَا هيَ أجزَاءُ(٥) النُّبوةِ، وأكثَرُ هَذِهِ الأحوالِ التي ذَكَرت هُنَا لَيسَت من النُّبوةِ في شَيءٍ، لَكَونِهِ(٦) يَعرِفُ المَلَكَ أو لَا يَعرِفُهُ، أو يَأْتِيه على صُورَتِهِ، أو على (٧) غَيرِ صُورَتِهِ، ثُمَّ مَعَ هذا التَّكَلَّفِ (٨) العَظِيمِ لَم يَقدِر أن يَبلُغَ عَدَدَ مَا ذَكَرَ إلى ثَلاثِينَ. انتَھَی. خَامِسُهَا: قال القُرطُبي(٩): أيضًا ظَهَرَ لِي وجهٌ خَامِسٌ، وأنا(١٠) أستَخِيرُ اللهَ في ذِكرِهِ، وهُو أنَّ النُّبوةَ مَعنَاهَا: أن يُطلِعَ اللهُ مَن يَشَاءُ من خَلقِهِ على مَا (١١) يَشَاءُ من أحكامِهِ ووحيِهِ، إمَّا بِالمُشَافَهَةِ، وإمَّا بِواسِطَةٍ مَلَكِ، أو بِإِلقَاءٍ في القَلبِ، لَكِنَّ هذا(١٢) المَعنَى المُسَمَّى بِالنُّبوةِ لَا يَخُصُّ الله به إلَّا مَن خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَالِ نَوعِه من (١٣ المَعَارِفِ والعُلُوم١٣ِ) والفَضَائلِ والآدَابِ ونَزَّهَهُ عن نَقَائضِ(١٤) ذلك، فَأُطلَقَ على تِلكَ الخِصَالِ: نُبوةً كَمَا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((التُّؤَدَةُ، والاقتِصَاد، والسَّمتُ الحَسَنُ، جُزءٌ من النُّبوةِ»(١٥)؛ أي: من خِصَالِ الأنبياءِ، لَكِنَّ [٢٧٥/٢ظ] (١) أخرجه البخاري (٢، ٣٢١٥)، ومسلم (٨٧/٢٣٣٣) من حديث عائشة . (٢) أخرجه الشافعي (٦٧٥/٣٩٠/٢ - شفاء)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٤٢٧)، وفي الشعب (١١٤١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٧٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (٤١١٠) من حديث المطلب بن حنطب. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٧/١٣)، والحاكم (٤/٢) من حديث ابن مسعود. وأخرجه الطبراني (١٦٦/٨ / ٧٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة (٢٦/١٠). (٣) في (م): ((وما)). بعده في (ش): ((من)). (٥) ليس في: (م). (٧) (٩) المفهم (١٧/٦، ١٨). (١١) في (ح): ((من)). (١٣ - ١٣) في (م): ((معارف العلوم)). (٤) المفهم (١٦/٦). (٦) في (ك٢، م): ((ککونه)). (٨) في (ش): ((التكليف)). (١٠) في (م): ((وأن)). (١٢) في (ك٢، ح): ((ذلك)). (١٤) في (ك٢، ح): ((نقائص)). (١٥) أخرجه الترمذي (٢٠١٠)، وعبد بن حميد (٥١٢)، والطبراني في الأوسط (١٠١٧)، = ١٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ الأنبياءَ في هَذِهِ الخِصَالِ مُتَفَاضِلُونَ كَمَا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فَتَفَاضُلُهُم بِحَسَبِ مَا وهَبَ لِكُلِّ واحدٍ (١) منهُم من تِلكَ الصِّفَاتِ، وشَرُفَ به من تِلكَ الحَالَاتِ، وكُلٌّ منهُم الصُّدقُ أعظَمُ صِفَتِه، في نَومِه ويَقَظَّتِهِ، وكَانُوا تَنَامُ أعيُّنُهُم، ولَا تَنَامُ قُلُوبُهُم، فَنَائمُهُم يَقظَانُ، ووحيُهُم في النَّومِ (٢) واليَقَظَةِ سِيَّان، فَمَنْ نَاسَبَهُم في الصِّدْقِ، حَصَلَ من رُؤْيَاهُ على الحَقِّ، غَيرَ أنَّهُ لَمَّا كَانَ الأنبياءُ فِي مَقَامَاتِهم وأحوالِهم مُتَفَاضِلِينَ، وكَانَ كذلك أتبَاعُهُم من الصَّادِقِينَ، وكَانَ أقَلُّ خِصَالِ كَمَالِ الأنبياءِ مَا إذَا اعتُبِر (٣)، كَانَ(٤) سِتَّا وعشرِينَ جُزءًا، وأكثَرُ مَا يَكُونُ ذلك سَبعِينَ، وبَيْنَ العَدَدَينِ (٢١٢/٨م) مَرَاتِبُ مُختَلِفَةٌ(٥)، بِحَسَبِ مَا اخْتَلَفَت ألفَاظُ تِلكَ الأحَادِيثِ، وعلى هذا فَمَن كَانَ من غَيرِ الأنبياءِ في صَلَاحِه وصِدقِه على رُتِبَةٍ تُنَاسِبُ كَمَالَ نَبي من الأنبياءِ، كَانَتِ رُؤْيَاهُ جُزءًا من نُبوةِ ذلك النبي، وكِمَالَاتُهُم مُتَفَاضِلَةٌ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، فَنِسَبَةُ أجزَاءِ مَنَامَاتِ الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَةٌ على مَا فَصَّلنَاهُ، وبهذا الذِي أظهَرَ (٢) اللهُ لَنَا، يَرتَفِعُ الاضطِرَابُ، والله المُوقِّقُ لِلصَّوابِ. انتهى. واللهُ أعلم. ■ الخَامِسَةُ: قال الخَطَّابي(٧): كَانَ بَعضُ أهلِ العِلمِ يَقُولُ في تَأْوِيلٍ قَولِه: ((جُزءٌ (٨) من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من النُّبوةِ)) قَولًا لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ من (٩) طَرِيقٍ البُرِهَانِ، قال: إنَّهُ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بَقِيَ (١٠ مُنذُ أولِ ١٠) مَا بُدِىَ بِالوحيٍ إلى أن تُوُفي ثَلَاثًا وعِشرِينَ سَنَةً منهَا بِمَكَّةَ (١١ ثَلَاثَ عَشرَةَ(١) سَنَةً، وبِالمَدِينَةِ عَشرَ وفي الصغير (١٠٦٥) من حديث عبد الله بن سرجس، بلفظ: ((جزء من أربعة وعشرين = جزءًا ... ))، وقال الترمذي: حسن غريب. (١) ليست في (م). (٣) في (م): ((اعتبرت)). (٥) ليست في (ك٢، ح). (٧) أعلام الحديث (٢٣١٥/٤ - ٢٣١٩). (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١ - ١١) في الأصل: ((ثلاثة عشر)). (٢) في الأصل: ((اليوم)). (٤) في (م): ((كانت)). (٦) في (م): «أظهره)). (٨) في (م): ((جزءًا)). (١٠ - ١٠) في (ش): ((متداول)). - الرُّؤيَا كم ١٧٩ سِنِينَ، وكَانَ يُوحَى إِلَيه في مَنَامِه في أولِ الأمرِ بِمَكَّةَ سِنَّةَ أشهُرٍ، وهيَ نِصفُ سَنَةٍ، فَصَارَتِ هَذِهِ المُدَّةُ جُزءًا من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزءًا من أجزَاءِ زَمَانِ النُّبوةِ. قال الخَطَّابي: وهذا، وإن كَانَ وجهًا قَد يَحتَمِلُهُ قِسمَةُ الحِسَابِ والعَدَدِ؛ (١) فَإِنَّ أول١َ) مَا يَجِبُ فيه أن يَثْبُتَ مَا قالهُ من ذلك خَبَرًا(٢) ورِوايَةً، ولَم نَسمَع فيه خَبَرًا، ولَا ذَكَرَ قَائِلُ(٣) هَذِهِ المَقالةَ فيمَا بَلَغَنِي عنهُ في ذلك أثرًا، فَكَأنَّهُ ظَنٍّ وحُسبَانٌ، والّنُّ(٤) لَا يُغنِي من الحَقِّ شَيئًا، ولَئِن كَانَت هَذِهِ المُدَّةُ مَحسُوبَةً من أجزَاءِ النُّبوةِ على مَا ذَهَبَ إلَيه من هَذِهِ القِسمَةِ، لَقَد كَانَ يَجِبُ أن يُلحِقَ بها سَائرَ الأوقَاتِ التي كَانَ يُوحَى إِلَيه في مَنَامِه في تَضَاعِيفِ أيَّامِ حَيَاتِه، وأن تُلْتَقَطَ (٥) فَتُلَفَّقُ (٦) ويُزَادُ(٧) في أصلِ الحِسَابِ، وإِذَا صِرنَا إلى هذا، بَطَلَت هَذِهِ القِسمَةُ. وقَد كَانَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ يَرَى الرُّؤْيَا فِي أمُورِ الشَّرِيعَةِ ومُهمَّاتِ الدِّينِ فَيَقُصُّهَا على أصحابه، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ أحَادِيثَ من ذلك، ثُمَّ قال: وكَانَ بَعضُ الشَّرِيعَةِ عن رُؤْيَا بَعضٍ أصحابه، كَرُؤْيَا عُمَرَ وعَبدِ الله بنِ زَيدِ الأذَانَ، فَكَانَ ذلك بِمَنْزِلَةِ الوحي إلى رسولِ اللهِّه، وأعلى من (٨هَذِهِ كُلِّها٨) مَا نَطَقَ به الكِتَابُ (٩) من رُؤيَا الفَتح في قَولِه وَى: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِآلْحَيِّ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىِّ أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٢٠] ولَيسَ كُلُّ(١٠) مَا تَخْفَى (١١) عَلَيْنَا عِلَّتُهُ، لَا تَلزَمُنَا(١٢) حُجَّتُهُ، وهذا كَقَولِه في حَدِيثٍ آخَرَ: ((إنَّ الهَديَ الصَّالِحَ، والسَّمتَ الصَّالِحَ، جُزءٌ من خَمسَةٍ وعِشْرِينَ جُزءًا من النُّبوةِ))(١٣). (١ - ١) في (ح): ((فأول)). (٣) بعده في (م): ((في)). (٥) في (ح): ((يلتقط)). (٧) في (ح، ش): ((وتزاد)). (٨ - ٨) في الأصل، (م): ((هذا كله)). (٩) بعده في (ح): ((العزيز)). (١١) في (ك٢، ح، ش): ((يخفى)). (٢) في (ش): ((خيرًا)). (٤) في (م): ((والظن)). (٦) في (ح): ((فيلفق)). (١٠) ليس في: (ك٢، ح) (١٢) في (ح، ش): ((يلزمنا)). (١٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٩١)، وأبو داود (٤٧٧٦) من حديث ابن عباس = ١٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وحصرُ النُّبوةِ مُتَعَذِّرٌ، لَا يُمكِنُ الوُقُوفُ عَلَيهِ، وإنَّمَا هُمَا من هَديِ الأنبياءِ، [وشَمَائِلِهِم فَكذلك الأمرُ في الرُّؤْيَا، ومَعنَى الحديثِ: تَحقِيقُ أمرِ الرُّؤْيَا، وأنَّهَا مِمَّا (٢١٣/٨م) كَانَ الأنبياءُ](١) يُثبِتُونَهُ ويُحَقِّقُونَهُ، وأنَّهَا كَانَت جُزءًا من أجزَاءِ العِلمِ (٢ الذِي كَان٢َ) يَأْتِيهم، والأنبَاءِ التي كَانَ يَنْزِلُ بها الوحِيُّ عَلَيهم. انتَهَى. وذَكَرَ المازَري(٣) مِثلَ ذلك مُختَصَرًا، ثُمَّ قال: ولَا وجهَ عِندِي لِلاعتِرَاضِ بِمَا (٤) كَانَ من المَنَامَاتِ(٥) خِلَالَ زَمَنِ الوحي؛ لِأَنَّ الأشياءَ تُوصَفُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَيهَا وتُنسَبُ إلى الأكثَرِ منهَا، فَلَمَّا كَانَتِ هَذِهِ السِّنَّةُ أشهُرٍ محضةً في المَنَامَاتِ (٦)، والثَّلَاثُ والعِشرُونَ [٢٧٦/٢ ] سَنَةً جُلُّهَا وحيٍّ، وإنَّمَا فِيهَا مَنَامَاتٌ قَلِيلَةٌ، وشَيءٌ يَسِيرٌ يُعَدُّ عَدَّا، صَحَّ أن يَظَّرِدَ الأقَلُّ في حُكمِ النِّسَبَةِ والحِسَابِ. ثُمَّ قال المازَري: ويَحتَمِلُ عِندِي أن يُرَادَ بِالحديثِ وجهٌ آخَرُ، وهُو أنَّ ثَمَرَةً المَنَامَاتِ الخَبَرُ بِالغَيبِ لَا أكثَرَ (٧)، وإن كَانَ يَتَبَعُ ذلك إنذَارَاتٌ وبُشرَى، والإخبَارُ بِالغَيبِ أحَدُ ثَمَرَاتِ النُّبوةِ وأحَدُ فَوائدِهَا، وهُو في جَنبٍ فَوائدِ النُّبوةِ والمَقصُودِ منهَا يَسِيرٌ؛ لِأِنَّهُ يَصِحُ أن يُبعَثَ نَبِي لِيُشَرِّعَ الشَّرَائِعَ، ويُثِبِتُ الأحكَامَ، ولَا يُخبِرُ بِغَيْبٍ أبَدًا، ولَا يَكُونُ ذلك قَادِحًا في نُبوتِهِ، ولَا مُبِطِلًا لِلمَقصُودِ منها، وهذا الجُزءُ من النُّبوةِ، وهُو الإخبَارُ بِالغَيبِ لَا يَكُونُ إلَّا صِدقًا. والرُّؤْيَا ربما (٨) دَلَّت على شَيءٍ ولا يَقَعُ، لِكَونِهَا من الشَّيطَانِ، أو من حَدِيثٍ نفسٍ(٩)، أو من غَلَطِ العَابِرِ في العِبَارَةِ(١٠)، فَصَارَ الخَبَرُ بِالغَيبِ أَحَدَ ثَمَرَاتِ النُّبوةِ، وهُو غَيرُ مَقصُودٍ منهَا، ولَكِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا حَقًّا . وثَمَرَةُ المَنَامِ الإخبَارُ بِالغَيبِ، [ولَكِنَّهُ قَد لَا يَقَعُ](١١) صِدقًا، فَتُقَدَّرُ(١٢) (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٢ - ٢) في (ش): ((التي كانت)). (٣) المعلم (٢٩٣/٢، ٢٩٤). (٤) في (ك٢، ح): ((لما)). في (ك٢، ح): ((الباحات)). (٥) (٦) في (م): ((مختصة بالمنامات)). (٧) في (ك٢، ح): ((أكثره)). (٨) في (م): ((بما)). (٩) في (م): ((النفس)). (١٠) في (ك٢، ح): ((العبادة)). (١١) ليس في: (ك٢، ح). (١٢) في (٢٥، ح): ((فبقدر)).