النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ حِفِظُ المَنطِقِ = هو الدَّهُ))، ولَم يَذكُر ((أَقَلُّبُ الليلَ والنَّهارَ(١). ولَا يَصِحُ أن يُقال: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ مُطلَقَةٌ والأخرَى مُقَيَّدَةٌ؛ لِأَنَّا إن صِرنَا إلى ذلك لَزِمَ نَصبُ الدَّهرِ بِعَامِلٍ مَحذُوفٍ لَيسَ في الكَلَامِ ما يَدُلُّ عليه، ولَزِمَ حَذفُ الخَبَرِ وَلَا دَلِيلَ عليه. وذلك بَاطِلٌ قَطعًا، واللهُ أعلم. الحديثُ الثَّانِي فجّ رعنه قال: «قال رسولُ اللهِوَلَّ)). وقِيلَ لَه مَرَّةً: رَفَعَته(٢)؟. قال: نَعَم، وقال مَرَّةً: يَبلُغُ بِهِ. ((يَقُولُونَ: الكَرْمُ(٣). إنَّما الكَرْمُ قَلبُ المُؤمن)). وعن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ الله: (وَلِ ((لَا يَقُل أحَدُكُم (٤) لِلعِنَبِّ الكَرَمَ؛ فَإِنَّما الكَرمُ الرَّجُلُ المسلمُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه من الطَّرِيقِ الأولى: البخاريُّ ومسلمٌ(٥)، من طَرِيقٍ سُفِيَانَ بنِ عُيَينَةَ عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدٍ بِنِ المُسَيِّبِ. وأخرجه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: مسلمٌ(٦) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمٍَ، عن هَمامٍ. (١) من (ش، م). (٢) في الأصل، (م): ((رفعه)). قال المحدث أحمد شاكر نَخّْتُهُ في المسند (٢٣٩/٢): الظاهر أن هذا من كلام ابن عيينة، يحكي به حال الزهري في رفع الحديث إلى رسول الله وَهر، فمرة رفعه بلفظ: قال رسول الله وَلو. وهي التي اقتصر عليها البخاري في روايته، ومرة يذكره غير مصرح بذلك، فيسأله بعض سامعيه: أهو مرفوع؟ فيقول: نعم. ومرة يرفعه بلفظ: يبلغ به؛ أي: يبلغ به أبو هريرة إلى أعلاه، فيسنده إلى رسول الله ◌َ، وكلها ألفاظ صريحة في الرفع عند أهل العلم بالحديث. (٣) في (م): ((العنب الكرم)). البخاري (٦١٨٣)، ومسلم (٧/٢٢٤٧). (٦) مسلم (١٠/٢٢٤٧)، (٩/٢٢٤٧)، (٦/٢٢٤٧، ٨). (٤ - ٤) ليس في: الأصل. (٥) = ٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأخرجه أيضًا من طَرِيقٍ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، ومن (١٥٩/٨م) طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ. وأخرجه البخاريُّ(١) أيضًا، من طَرِيقِ أبي سَلَمَةَ؛ كُلُّهم عن أبي هريرَةَ. وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٢)، من حَدِيثٍ وائلٍ بنِ حُجرٍ: ((لَا تَقُولُوا: الكَرمُ، ولَكِن قُولُوا: العِنَبُ والحَبََّةُ)). ■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن تَسْمِيَةِ العِنَبِ كَرِمًا، ولَيسَ ذلك على سَبيلٍ التَّحرِيمِ، وإنَّما هو على سَبيلِ الكَرَاهَةِ، كَمَا ذَكَرَه النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٣). وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤): هو على جِهَةِ الإرشَادِ لِما هو الأولى في الإطَّلَاقِ. انتھی. وفي استِعمالِ لَفِظِ الإرشَادِ هِنَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الإرشَادَ ما تَعَلَّقَ بِمَصلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، والمَصلَحَةُ هنَا دِينِيَّةٌ كَما سَتَعرِفُه، [٢٥٩/٢و] فَاستِعمالُ النَّوِيِّ لَفِظَ الكَرَاهَةِ أولى، والله أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: قال النَّووِيُّ(٥): فِي هَذِهِ الأحَادِيثِ كَرَاهَةُ تَسمِيَةِ العِنَبِ كَرِمًا، وكَرَاهَةُ (٦) تَسمِيَةٍ شَجَرِ العِنَبِ كَرِمًا، [بَل يُقَالُ: عِنَبٌ أو حَبَلَةٌ. قُلتُ: لَيسَ في ((صَحِيحِ مسلم)) التَّصْرِيحُ بِالنَّهىٍ عن تَسمِيَةِ شَجَرِ العِنَبِ كَرِمًا](٧)، إلَّا أن يُقال: العِنَثُ يُطلَقِّ على الثَّمَرَةِ نَفسِهَا وعلى الشَّجَرَةِ المُؤمِرَةِ كذلك، فَيُحمَلُ الحديثُ عليهما (٨) على قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ(٩) وغَيرِهِ، في (١٠) حَمَلٍ المُشتَرَكِ على مَعنّيَيه. (١) البخاري (٦١٨٢). (٢) مسلم (١١/٢٢٤٨، ١٢). شرح النووي على مسلم (٤/١٥). (٣) (٤) المفهم (٥٥١/٥). شرح النووي على مسلم (٤/١٥). (٥) (٦) في (م): ((وكراهية)). (٧) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٨) في (م): ((عليها)). (٩) ينظر: تمهيد الأسنوي ص(٢٣١، ١٤٦)، المستصفى (١٤٢/٢)، والبحر المحيط (٥٠٠/١). (١٠) في الأصل، (م): ((من)). ٨٣ حِفِظُ المَنطِقِ أو يَكُونُ إطلَاقُه على أحَدِهما حَقِيقَةً وعلى الآخَرِ مَجَازًا، فَيُحمَلُ اللفظُ على حَقِيقَتِه ومَجَازِهِ، أو (١) يَكُونُ حُكمُ أحَدِهما مأخُوذًا من النَّصِّ، والآخَرُ من الإِستِبَاطِ (٢). الرَّابِعَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطبي(٣): إنَّما سَمَّت العَرَبُ العِنَبَ بِالكَرمِ؛ لِكَثَرَةِ حَملِه وسُهولَةِ قِطَافِه وكَثرَةِ مَنَافِعِه، وأصلُ الكَرمِ: الكَثرَةُ، والكَرِيمُ من الرِّجَالِ هو (٤) الكَثِيرُ العَطَاءِ والنَّفعِ، يُقَالُ: رَجُلٌ كَرِيمٌ وكَرَّامٌ، لِمَن كَانَ كذلك. وكَرَّامٌ: لِمَن كَثُرَ منه ذلك، وهيَ لِلمُبَالَغَةِ، ويُقَالُ أيضًا: رَجُلٌ كَرَمٌ بِفَتحِ الرَّاءِ وامرَأةٌ كَرَمٌ (٥ ورِجَالٌ كَرَم٥ٌ) ونِسَاءٌ كَرَمٌ: وُصِفَ بِالمَصدَرِ على حَدِّ عَدلٍ وزَورٍ وفِطرِ . انتَهَى. ■ الخَامِسَةُ: قال النَّوِيُّ(٦): قال العُلَماءُ: سَبَبُ كَرَاهَةِ ذلك: أنَّ لَفِظَةَ الكَرم كَانَت العَرَبُ تُطلِقُها على شَجَر (٧) العِنَبِ، وعلى العِنَبِ، وعلى الخَمرِ المُتَّخَذَةِ من العِنَبِ، سَمَّوها كَرمًا لِكَونِها مُتَّخَذَةً منه(٨)، ولِأنَّها تُحمَلُ على الكَرَمِ والسَّخَاءِ؛ فَكَرِهَ الشَّرعُ إطلاقَ هَذِه اللفظَةِ على العِنَبِ وشَجَرِهِ؛ لِأنَّهم إذَا سَمِعُوا اللفظَةَ رُبَّما تَذَكَّرُوا الخَمَرَ، وهَيَّجَت(٩) نُفُوسَهم إلَيها فَوقَعُوا فيها، أو قَارَبوا ذلك. وذَكَرَ الخَطَّبي في ((شَرحِ البخاريِّ)) نَحوًا منه. وقال أبو العَبَّاسِ القُرْطُبي (١٠): إنَّما نَهَى النبيّ وَ ◌ّهَ عن تَسمِيَةِ العِنَبِ بِالكَرمِ؛ لِأنَّه لَما حُرِّمَ الخَمرُ عليهم، وكَانَت ◌ِطِبَاعُهم تَحُثُّهم (١١) (١٦٠/٨م) على (١) في (م): (و)). (٢) ولهذا نظائر، ينظر: شرح العمدة لابن دقيق العيد (٢٢، ٧٢) - الرسالة، وشرح النووي على مسلم (٢٠٢/١٣). (٣) المفهم (٥٥٠/٥). وينظر: تهذيب اللغة (١٣٣/١٠)، واللسان (٥١١/١٢ - ٥١٤). (٥) ليس في: (ك٢، ح). (٤ - ٤) ليس في: (ك٢، ح). (٦) شرح النووي على مسلم (٤/١٥، ٥)، وأعلام الحديث شرح صحيح البخاري (٢٢١٢/٣). (٨) في (م): ((منها)). (٧) في (م): ((شجرة)). (٩) في (ك٢، ح): ((وتھیجت)). (١٠) المفهم (٥٥٠/٥، ٥٥١). (١١) أشار في حاشية المفهم إلى أنها في نسخة: ((تحملهم)). = ٨٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الكَرمِ كَرِهَ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: أن يُسَمَّى هَذَا المُحَرَّمُ بِاسمِ يُهَيِّحُ طِبَاعَهم إلَيه عِندَ ذِكرِهِ، فَيَكُونُ ذلك كَالمُحَرِّكِ على الوُقُوعِ في المُحَرَّماتِ، قاله أبو عَبدِ الله المازَرِيُّ(١) . قال القُرطُبي: وفيه نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهي إنَّما هو (٢) تَسمِيَةُ العِنَبِ بِالكَرمِ ولَيسَتِ العِنَبَةُ مُحَرَّمَةً، وإنَّما المُحَرَّمَةُ الخَمرُ(٣)، ولَم يُسَمَّ الخَمرُ عِنَبًا حَتَّى يُنْهَى عنه(٤)، وإنَّما العِنَبُ هو الذي سُمِّي(٥) خَمْرًا؛ بِاسمِ ما يَؤُولُ إلَيه من الخَمرِيَّةِ، كَما قال الله تعالى: ﴿إِّ أَرَنِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقَولُ أبي عَبدِ الله: كَرِهَ رسولُ اللهِ وَّرَ أن يُسَمَّى هَذَا المُحَرَّمُ بِاسمِ يُهَيُّجُ الطََّاعَ إِلَيه. لَيسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الرسولَ وَلِ﴿ لَم يَنَ عن ◌َسمِيَةِ المُحَرَّم الذي هو الخَمرُ بِالعِنَبِ فِي هَذَا الحَديثِ، بَل عن تَسمِيَةِ العِنَبِ بِالكَرمِ، فَتَأمَّله(٦). ■ السَّادِسَةُ: قال النَّوِيُّ(٧)، في تَتِمَّةِ كَلَامِه المُتَقَدِّمِ الذي حَكَاه عن العُلَماءِ. وقال: إنَّما يَستَحِقُّ هَذَا الإِسمَ الرَّجُلُ المسلمُ أو قَلَبُ المُؤمن؛ لِأَنَّ الكَرِمَ مُشتَقٌّ من الكَرَمِ بِفَتحِ الرَّاءِ، وقَد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فَسُمِّيَ كَرمًا لِما فيه من الإيمانِ والهدَى والنُّورِ والنَّقوى والصِّفَاتِ المُستَحَقَّةِ لِهَذَا الإِسمِ، وكذلك الرَّجُلُ المسلمُ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٨) بَعدَ كَلَامِه المُتَقَدِّم: وإنَّما مَحمَلُ(٩) هَذَا الحديثِ عِندِي مَحمَلُ قَولِه عليه الصلاة والسَّلامُ: (لَيسَ المِسكِينُ بِالطَّوافِ))(١٠)، ((ولَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرعَةِ، وإنَّما الشَّدِيدُ الذي يَملِكُ نَفسَه عِندَ الغَضَبِ))(١١)؛ أي: (١) في (ك٢، ح): ((الماوردي)). وهو تصحيف. والكلام للمازَرِي في المعلم بفوائد مسلم (٢٨٤/٢). (٢) في (ك٢، ح): ((هي)). (٤) في الأصل، (م): ((عنها)). (٦) بعده في (م): ((ترشد)). المفهم (٥٥١/٥). (٨) (١٠) البخاري (١٤٧٦). (٣) في (ك٢، ح): ((الخمرة)). (٥) في الأصل، (م): ((يسمى)). (٧) شرح النووي على مسلم (٥/١٥). (٩) في (ك٢، ح): ((يحمل)). (١١) البخاري (٦١١٤). ٨٥ حِفِظُ المَنطِقِ الأحَقُّ بِاسمِ الكَرمِ المسلمُ أو قَلبُ المسلم، وذلك لِما حَواه من [٢٥٩/٢ظ] العُلُومِ والفَضَائلِ والأعمالِ الصَّالِحَةِ والمَنَافِعِ العَامَّةِ، (١ فَهو أحَق١ُّ) بِاسمِ الكَرِيمِ والكّرمِ من العِنَبِ. قُلتُ: وهَذَا المَعنَى هو الذي اعتَمَدَه البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٢)، فقال: بَابُ ((قَولِ النبيّ ◌ِّهِ: إنَّما الكَرمُ قَلبُ المُؤمن))، وقَد قال: ((إنَّما المُفلِسُ الذي يُفْلِسُ يَومَ القِيَامَةِ))، كَقَولِه: ((إنَّما الصُّرعَةُ الذي يَملِكُ نَفسَه عِندَ الغَضَبِ)»، وكَقَولِهِ: ((لَا مَلِكَ إلَّ الله))(٣)، فَوصَفَه بِانتِهاءِ المُلكِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُلُوكَ أيضًا فقال: ﴿إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤]. ■ السَّابِعَةُ: الحَبَلَةُ، بِفَتحِ الحَاءِ المُهمَّلَةِ وبِفَتْحِ البَاءِ وبِإِسكّانِها، الفَتحُ أفصَحُ وأكثَرُ. قال القَاضِي عِيَاضٌ في ((الإكمالِ))(٤): أصلُ الكَرمَةِ. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)) (٥): شَجَرَةُ العِنَبِ. وقال في ((الصِّحَاحِ)) (٦): القَضِيبُ من الكَرمِ. وقال في ((النِّهايَة)(٧): الأصلُ أو (٨) القَضِيبُ من شَجَرِ الأعنَابِ. وقال في ((المُحكَم)) (٩): الحَبَلَةُ؛ (١٠ أي: بِفَتح الحَاءِ"(١) (١٦١/٨م) والبَاءِ، والحُبلَةُ أي: بِضَمِّ الحَاءِ وإسكَانِ البَاءِ: الكَرمُ. وقِيلَ: الأصلُ من أصُولِ الكَرم والحَبَلُ؛ أي: بِفَتحِ الحَاءِ والبَاءِ: شَجَرُ العِنَبِ، الواحِدَةُ حَبَلَةٌ، وحَبَلَةً عَمرِو: ضَربٌ من العِنَبِ بِالطَّائفِ بَيَضَاءُ مُحَدَّدُ الأطرَافِ مُتَدَاحِضَةُ العناقِيدِ. انتَهَى. (١ - ١) في (ش): ((وهو الحق)). (٣) في (ح): ((الله)). شرح النووي على مسلم (٤/١٥). (٥) (٦) الصحاح للجوهري (٤ / ١٦٦٥). (٧) النهاية (٣٣٤/١). لیس في: (ش). (٨) (٩) المحكم (٣٥٩/٣). (١٠ - ١٠) في (ك٢، ح): ((بالحاء)). (٢) قبل حديث (٥٨٢٩). (٤) إكمال المعلم (١٨٥/٧). ٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأما الحُبَلَةُ، بِضَمِّ الحَاءِ وإسكَانِ البَاءِ: فَهِيَ ثَمَرُ السَّمُرِ، وقِيلَ: ثَمَرُ العِضَاه مُطلَقًا. وقِيلَ: غَيرُ ذلك، ومنه حَدِيثُ (١): ((وما لَنَا طَعَامٌ إلَّ ورَقُ الحُبلَةِ)). الحديثُ الثَّالِثُ وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((يَقُولُ الله ◌َتْ: كَذَّبَنِي عَبدِي، ولَم يَكُن لَه ذلك، وشَتَمَنِي ولَم يَكُن لَه ذلك، تَكذِيبُهُ إِيَّايَ: أن يَقُولَ: فَلْيُعِدنَا كَما بَدَأنَا. وأما شَتمُه إِيَّاتَ يَقُولُ: انَّخَذَ الله وَلَدًا، وأنَا الصَّمَدُ الذي لَم ألِد ولَم أولَدٍ وَلَم يَكُن لِي كُفُوَّا أَحَدٌ»، رَواه البخارُّ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: رَواه البخاريُّ(٢) في تَفْسِيرٍ قوله(٣): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ من هَذَا الوجه بِلَفِظِ: ((أما تكذِيبُهُ إِيَّيَ: أن يَقُولَ: إِنِّي (٤َلَن أُعِيدہ٤) كَما بَدَأْته)). وأخرجه أيضًا هو والنسائيُّ(٥) من طَرِيقِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَةَ بِلَفِظِ: ((فَأْمَا تَكذِيبُهُ إِيَّايَ: فَقَولُه(٦): لَن يُعِيدَنِي كَما بَدَأْنِي، وَلَيسَ أولُ الخَلقِ بِأهونَ علي من إِعَادَتِهِ)). ■ الثَّانِيَةُ: المُرَادُ هنَا عَبِيدٌ مَخصُوصُونَ وهم مُنكِرُو(٧) بَعثِ(٨) الأجسَامِ وهم كَفَرَةُ العَرَبِ، وجُعِلُوا مُكَذِّبِينَ الله وََّ؛ لِتَكَرُّرِ(٩) إخبَارِه على ألسِنَةِ رُسُلِه (١) البخاري (٥٠٩٦، ٦٠٨٨)، عن سعد بن أبي وقاص. (٢) البخاري (٤٩٧٥). (٣) ليس في: الأصل، (م). (٤ - ٤) في (م): ((لم أعده)). (٥) البخاري (٤٩٧٤)، والنسائي في الكبرى (٧٦٦٧). (٧) في (ح): ((ینکروا)). (٦) ليس في: الأصل. (٨) في الأصل: ((البعث)). (٩) في (م): (تكرر)). 22 حِفِظُ المَنطِقِ ٨٧ بِبَعثِ(١) العِبَادِ كُلُّهم وإِعَادَةِ الأرواحِ إلى أجسَادِها. وقَولُه: (فَلْيُعِدنَا كَما بَدَأْنَا))، لَفِظُه(٢) طَلَبٌ ومَعنَاه التَّكذِيبُ، كَما قال أبو إسحَاقَ إبراهيمُ بنُ مُحَمَّدِ الفَارِسِيُّ من قُدَماءِ أصحَابِنَا(٣)، فيما ذَكَرَه (١٦٢/٨م) العَبَّادِيُّ في (طَبَقَاتِه))، في قَوله تعالى: ﴿قُلٌّ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَأَتْلُوهَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]: إنَّ (٤) صِيغَةَ أفعَلَ لِلتَّكذِيبِ(٥). وقَد صَرَّحَ بِنَفى ذلك في رِوايَةِ البخاريِّ، وقَد تَقَدَّمَ لَفُها . ■ الثَّالِثَةُ: والقَائِلُونَ اتَّخَذَ الله سُبحَانَه ولَدًا: هم (٦ مَن قال٦) من اليهودِ: بِأنَّ عُزَيْرًا ابنُ الله، ومَن قال من النَّصَارَى: بِأنَّ المَسِيحَ ابنُ الله، ومَن قال من العَرَبِ: بِأنَّ المَلَائِكَةَ بَنَاتُ الله، تعالى الله عن ذلك، (٧ سبحانه عما يشركون(٧). ■ الرَّابِعَةُ: قال البخاريُّ في ((صَحِيحِه))(٨): العَرَبُ تُسَمِّي أشرَافَها الصَّمَدَ. وقال أبو وائلٍ(٩): هو السَّيِّدُ الذي [انتَهَى سُؤدُدُه. وقال ابنُ عَطِيَّةَ المُفَسِّرُ (١٠): الصَّمَدُ في كَلَامِ العَرَبِ: السَّيِّدُ الذي](١١) يُصمَدُ إِلَيه في الأمُورِ ويَستَقِلُّ بِها، وأنشَدَ: ألَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيرٍ بَنِي أَسَد بِعَمرِو بنِ مَسعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَد(١٢) (١) في (ح): ((يبعث)). (٢) في (ك٢، ح): ((لفظة)). (٣) نزيل مصر، روى عن يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن سنجر، توفي سنة (٣١٤هـ). ينظر: تاريخ الإسلام (٢٧٩/٧). (٤) في (ك٢، ح): ((أي)). (٥) في (ح): ((التكذيب)). (٦ - ٦) ليس في: (ك٢، ح). (٧ - ٧) من (ش). (٨) كتاب التفسير، تفسير سورة الإخلاص - باب قوله: ﴿اَللّهُ الصَّمَدُ ﴾﴾ - قبل حديث (٤٦٩١). (٩) ينظر: تفسير الطبري (٧٣٥/٢٤ - ٧٣٧)، وتغليق التعليق (٣٨٠/٤). (١٠) المحرر الوجيز (٥٠٢/٥). (١١) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٢) البيت من الطويل؛ نسبه في الخزانة (٢٦٩/١١) والأغاني (٩٦/٢٢) لهند بنت معبد بن نضلة؛ نادية الأسديين. ونسبه في الصحاح (٦٥٢/٢)، واللسان (٢٦٧/٤) لسبرة ابن عمرو الأسدي. = ٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وبِهَذَا تُفَسَّرُ (١) هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأَنَّ اللّهَ جَلَّت قُدرَتُه هو مُوجِدُ المَوْجُودَاتِ، وإِلَيه تَصمُدُ، وبِهِ قِوامُها، ولَا غَنِيَّ بِنَفسِه إلَّا هو تَبَارَكَ وتعالى. وقال كَثِيرٌ من المُفَسِّرِينَ(٢): الصَّمَدُ الذي لَا جَوفَ لَه، كَأَنَّه بِمَعنَى المُصمَتِ. وقال الشَّعبي(٣): الذي لَا يَأْكُلُ ولَا يَشرَبُ. وفي هَذَا التَّفسِيرِ كُلِّه نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الجِسمَ في غَايَةِ البُعدِ عن صِفَاتِ الله تعالى. انتھی. وقال الزَّمَخْشَرِيّ(٤): الصَّمَدُ: فِعلٌ بِمَعنَى [٢٦٠/٢و] مَفْعُولٍ، من صَمَدَ إِلَيه إِذَا قَصَدَه، وهو السَّيِّدُ المَصمُودُ إِلَيه في الحَوائجِ. قال: وقَولُه: ((لَم يلِد)»(٥)؛ لِنَّه لَا يُجَانَسُ حَتَّى يَكُونَ لَه من جِنسِه صَاحِبَةٌ فَيَتَوالَدَا، وقَد دَلَّ على هَذَا المَعنَى بِقَولِهِ: ﴿أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَ تَكُنْ لَّهُ صَلِحَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]. وقَولُه: ((ولَم يُولَد))؛ لِأَنَّ كُلَّ مَولُودٍ مُحدَثُ وجِسمٌ، وهو قَدِيمٌ لَا أولَ لِؤُجُودِهِ، وَلَيسَ بِجِسمِ، ولَم يُكَافِئه أحَدٌ؛ أي: لَم يُماثِله ولَم يُشَاكِله. ويَجُوزُ أن يَكُونَ من الكَفَاءَةِ في النِّكَاحِ نَفيًا لِلصَّاحِبَةِ، والكَلَامُ إِنَّمَا (٢سِيقَ لِنَفيِ المُكَافَأَة٦ٍ) عن ذَاتِ البَارِي سُبحَانَه، وهَذَا المَعنَى (٧مَصَبُّه ومَركَزُه٧) هَذَا الظّرفُ، فَلِذلك قُدِّمَ(٨). (١) في (ح): ((يفسر)). وفي (م): ((تتفسر)). (٢) ينظر: التفسير الكبير (١٦٦/٣٢)، وزاد المسير (٢٦٨/٩)، وتفسير البغوي (٥٨٨/٨). (٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السُّنَّة (٦٨٤)، والطبري (٢٤/ ٧٣٢) عن الشعبي. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٨٦)، والسمرقندي في فضائل قل هو الله أحد - كما في الدر المنثور (٧٤١/١٥)، والخلال في فضائل سورة الإخلاص (٣٠) مرفوعًا، لكن لا يصح. وينظر: الدر المنثور (٦٧٠/٨)، (٧٧٧/١٥). (٤) تفسير الكشاف (٨١٨/٤، ٨١٩). (٥) في (م): ((ألد)). (٦ - ٦) في (ك٢، ح): ((سبق نفي المكافآت)). (٧ - ٧) في (ك٢، ح): ((مصيبه ومن كره)). (٨) وينظر: إعراب القرآن للزجاج (٣٧٨/٥)، والبحر المحيط لأبي حيان (٥٧٢/١٠). = ٨٩ حِفظُ المَنطِقِ وقُرِئَ: ((كُفُوًّا))، بِضَمِّ الكَافِ والفَاءِ، وهيَ قِرَاءَةُ الأكثَرِينَ، وقَرَأْ حَفصٌ (١): بِضَمِّ الفَاءِ وفَتحِ الواوِ من غَيرِ هَمزٍ. وقَرَأْ حَمزَةُ بِإسكّانِ الفَاءِ مَعَ الهَمزَةِ في الوصلِ، فَإِذَا وقَفَ أبدَلَ الهَمزَةَ واوًا مَفْتُوحَةً اتُبَاعًا لِلخَطِّ. والقِيَاسُ: أن (٢) يُلقِي حَرَكَتَها على الفَاءِ، وقُرِئَ في غَيرِ المَشهورِ(٣): بِكَسرِ الكَافٍ وإسكّانِ الفَاءِ. (٤ الحديثُ الرَّابِع٤ُ) وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َلِ: «لَا تَزَالُونَ تَستَقْتُونَ؛ حَتَّى يَقُولَ(٥) أحَدُكُم: هَذَا اللهُ خَلَقَ الخَلقَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟)). فيه فوائدُ: ■ الأولى (٦): اتَّفَقَ عليه الشيخانِ (٧)، من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن أبي هرَيرَةَ بِلَفِظِ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أحَدَكُم، فَيَقُولُ: مَن خَلَقَ كَذَا، مَن خَلَقَ كَذَا؛ حَتَّى يَقُولَ: مَن خَلَقَ رَبَّك؟ فَإِذَا بَلَغَه؛ فَلَيَسْتَعِذْ ولِيَنْتَه)). وأخرجه مسلمٌ(٨) أيضًا، من طَرِيقِ هشَامٍ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن أبي هرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ(٩): هَذَا خَلَقَ الله الخَلقَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟ فَمَن وجَدَ من ذلك شَيئًا فَلَيَقُل: آمَنت بِالله)). (١) ينظر: النشر (٢/ ١٧٢، ٣٤٦/١)، والحجة في القراءات العشر لابن خالويه (٦٤، ٨١، ٨٢). (٢) في (ك٢، ح): ((أنه)). (٣) الشوارد لما تفرد به أئمة اللغة للصغاني (ص٣٣)، والكشاف (٨١٩/٤). (٥) بعده في (ح): ((صاحبكم)). (٤ - ٤) بياض في (ش). (٦) طمس في (ش). (٧) البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (٢١٤/١٣٤). مسلم (٢١٢/١٣٤). (٨) (٩) في (ك٢، ح): ((يقول)). ٩٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ زَادَ في رِوايَةٍ(١) من هَذَا الوجه: ((ورُسُلِه)). ومن طَرِيقِ أيُّوبَ(٢)، عن مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرَةَ، بِلَفِظِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسألُونَكُم عن العِلم، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَلَقَنَا، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟)) قال: وهو آخِذٌ بيدِ رَجُلٍ، فقال: صَدَقَ اللهُ ورسولُه، قَد سَأْلَنِي اثْنَانٍ وَهَذَا الثَّالِثُ، أو قال: ((سَألَنِي وَاحِدٌ، وهَذَا الثَّانِي)). ومن طَرِيقٍ يَحيَى بنِ أبي (٣) كَثِيرٍ (٤)، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هرَيرَةَ بِلَفِظٍ: (لَا يَزَالُونَ يَسألُونَكَ يَا أَبَا هَرَيرَةَ، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟ فَبَيْنَما أَنَا في المَسجِدِ إذْ جَاءَنِي نَاسٌ من الأعرَابِ، فقالوا: يَا أَبَا هرَيْرَةَ هَذَا الله، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟ قال(٥): فَأَخَذَ حَصَّى بِكَفِّه فَرَماهم بِهِ، ثُمَّ قال: قُومُوا قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي ◌َێ)). ومن طَرِيقٍ يَزِيدَ بنِ الأصَمِّ(٦)، عن أبي هريرَةَ بِلَفِظِ: (لَيَسأَلَنَّكُم النَّاسُ عن كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: الله خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، فَمَن خَلَقَه؟». ■ الثَّانِيَةُ(٧): فيه إشَارَةٌ إلى ذَمِّ كَثرَةِ السُّؤَالِ والاستِفتَاءِ عن الأمُورِ التي لَا يُحتَاجُ إلَيها، وأنَّ ذلك يَجُرُّ إلى السُّؤَالِ عَما لَا يَجُوزُ، فَيَنْبَغِي لِلإِنسَانِ اجتِنَابُه حَذَرًا مِما يَجُرُّ إلَيه. ■ الثَّالِثَةُ: وفيه أنَّ ذلك من وسوسَةِ الشَّيطَانِ، وأنَّه (٨/ ١٦٤م) يَحرُمُ النُّطْقُ بِهِ، ويَجِبُ الإعرَاضُ عنه، ودَفعُه عن الخَاطِرِ، وأن يَلجَأ الإنسَانُ إلى الاِستِعَاذَةِ بِالله تعالى من الشَّيْطَانِ لِيَكفيه شَرَّ وسوسَتِه وفِتَنَتِهِ، وإِلَيه الإشَارَةُ بِقَولِه تعالى: ﴿وَإِمَّا ﴾ [فصلت: ٣٦]. ٣٦ يَغْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١) مسلم (٢١٣/١٣٤). (٣) ليس في: (م). (٤) مسلم (١٣٥). (٥) ليس في: (ك٢، ح). (٦) مسلم (٢١٦/١٣٥). طمس في (ش). (٧) (٢) مسلم (٢١٥/١٣٥). ٩١ حِفِظُ المَنطِقِ = وسَبَبُ ذلك: أنَّه لَا سَبِيلَ إلى مُحَاسَنَةٍ(١) الشَّيْطَانِ لِتَأْصُّلِ عَدَاوتِهِ وتَأكُّدِها، وأنَّ لَا يَدِفَعُ كَيدَه إلَّا الاستِعَاذَةُ بِالله تعالى منه. الرَّابِعَةُ(٢): وفيه أنَّه يَنْبَغِي مَعَ الإعرَاضِ عن ذلك والانتِهاءِ عنه، النُّطقُ بِالإِيمانِ والتَّصرِيحُ بِهِ فَيَقُولُ: آمَنتُ بِالله ورُسُلِه. [٢٦٠/٢ظ] ■ الخَامِسَةُ(٣): قال الإمامُ المازَرِيُّ كَُّ(٤): ظَاهرُ الحديثِ أنَّه ◌َِهـ أمَرَهم أن يَدَفَعُوا الخَواطِرَ بِالإعرَاضِ عنها والرَّدِّ لَها، من غَيرِ استِدلَالٍ ولَا نَظَرٍ في إبطالِها . قال: والذي (٥) يُقَالُ في هَذَا: إنَّ الخَواطِرَ على قِسمَينٍ: فَأما التي لَيسَت بِمُستَقِرَّةٍ ولا اجتَلَبَتها(٦) شُبهَةٌ طَرَأْت، فَهِيَ التي(٧) تُدفَعُ بِالإعرَاضِ عنها، وعلى (٨)هَذَا يُحمَلُ(٨) الحديثُ، وعلى مِثلِها يَنطَلِقُ اسمُ الوسوسَةِ؛ فَكَأنَّه لَمَا كَانَ أمرًا طَارِقًّا بِغَيرِ أصلٍ دُفِعَ بِغَيرِ نَظَرٍ فِي دَلِيلٍ، إذ لا أصلَ لَه يُنظَرُ فيه. وأما الخَواطِرُ المُستَقِرَّةُ التي أوجَبَتها الشُّبهَةُ: فَإِنَّها لَا تُدفَعُ إلَّا بِاستِدِلَالٍ(٩) ونَظَرٍ في إبطَالِها. والله أعلمُ. ا السَّادِسَةُ: قال الخَطَّابي(١٠): وجه هَذَا الحديثِ ومَعنَاه: تَركُ الفِكرِ فيما يَخطُرُ بِالقَلبِ من وسَاوِسِ الشَّيْطَانِ والإِمْتِنَاعُ من قَبولِها، واللِّيَاةُ(١١) بِالله في الإِسْتِعَاذَةِ منه، والكَفُّ عن مُجَارَاتِه في حَدِيثِ النَّفْسِ، ومُطَاولَتِهِ في (١٢) المُحَاجَّةِ والمُنَاظَرَةِ(١٣)، والاِشتِغَالِ بِالجَوابِ على ما يُوجِبُه حَقُّ النَّظَرِ فِي مِثلِه لَو كَانَ في (ك٢، ح): ((مجانبة)). (١) (٣) بياض في (ش). (٥) في (ك٢، ح): ((والدي)). (٦) في (ك٢، ح): ((أصلها)). وفي (ش): ((اختلها)). (٧) ليس في: الأصل، (م). (٨ - ٨) في (ك٢، ح): ((قدر الحمل)). (١٠) إعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١٥١١/٣ - ١٥١٤). (١١) في (ك٢، ح): ((والعياذ)). (١٣) في (ك٢، ح): ((والنظر)). (٢) بياض في (ش). (٤) المعلم بفوائد مسلم (٨١/١). (٩) في (ك٢، ح): ((بالاستدلال)). (١٢) في الأصل: ((من)). ٩٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ المُنَاظَرُ عليه بَشَرًا، وكَلَّمَكَ في مِثلِ ذلك؛ فَإِنَّ مَن نَاظَرَك وأنتَ تُشَاهِدُه وتَسمَعُ كَلَامَه ويَسمَعُ كَلَامَك لَا(١) يُمكِنُه أن يُغَالِطَكَ(٢) فيما يَجِرِي بَينَكُما [من الكَلَامِ حَتَّى يُخرِجَكَ كَلَامُه من حُدُودِ النَّظَرِ ورُسُومِ الجَدَلِ، فَإِن بَابَ السُّؤَالُ وما يَجرِي فيه](٣) من المُعَارَضَةِ والمُنَاقَضَةِ مَعلُومٌ، والأمرُ فيه مَحدُودٌ مَحصُورٌ، فَإِذَا رَعَيت الطَّرِيقَةَ وأصَبت الحُجَّةَ وألزَمتها خَصمَك انقَطَعَ، وكُفيتَ مُؤنَتَه (٤وحَسَمت شَغَبَه٤). وبَابُ ما يُوسوِسُ بِهِ الشَّيطَانُ إلَيك غَيرُ مَحدُودٍ وَلَا مُتَنَاهٍ؛ لِأنَّك كُلَّما ألزمته حُجَّةً وأفسَدت عليه مَذهَبًا، زَاغَ إلى نَوعِ(٥) آخَرَ من الوساوسِ(٦) التي أعطِيَ التَّسلِيطَ فيها عليك، فَهو لَا يَزَالُ يُوسوِسُ إلَيك حَتَّى يُؤَدِّيَك إلى الحَيْرَةِ(٧) والضَّلَالِ، فَأرَشَدَ النبيّ وََّ عِندَ ما يَعرِضُ من وسَاوِسِهِ (٨) فِي هَذَا البَابِ إلى الإِسْتِعَاذَةِ [بِالله من شَرِّه والانتِهاءِ عن مُرَاجَعَتِهِ، (٢١٦٥/٨] وحَسْمِ الْبَابِ فيه (٩) بِالإِعرَاضِ عنه والاستِعَاذَةِ](١٠) بِذِكرِ الله والاشتِغَالِ بِأمرٍ سِواه. وهَذِهِ حِيلَةٌ(١١) بَلِيغَةٌ وجُنَّةٌ حَصِينَةٌ يَخْزَى مَعَها (١٢) الشَّيْطَانُ ويَبطُلُ كَيدُه، ولَو أرَادَ (١٣ رسولُ الله ١٣) وَ مُحَاجَّتَه وأذِنَ في مُرَاجَعَتِه والرَّدِّ عليه فيما يُوسوِسُ بِهِ لَكَانَ الأمرُ على كُلِّ مُوحِّدٍ سَهلًا في قَمعِه وإبطَالٍ قَولِهِ، فَإِنَّه لَو قُدْرَ أن يَكُونَ السَّائلُ عن مِثلِ هَذَا واحِدًا من البَشَرِ؛ لَكَانَ جَوابُه والنَّقضُ عليه مُتَلَقَّى من سُؤَالِهِ ومأخُوذًا من فَحَوی کَلَامِه. وذلك أنَّه إِذَا قال: ((هَذَا الله خَلَقَ الخَلقَ، فَمَن الذي خَلَقَه؟))، فَقَد نَقَضَ (١٤) بِأولِ كَلَامِه آخِرَه، وأعطَى أن لَا شَيءَ (١٥) يُتَوهَّمُ دُخُولُه تَحتَ [هَذِهِ الصِّفَةِ من (١) ليس في: (ش). (٢) في (ك٢، ح): ((يغالطاك)). (٤ - ٤) في (ك٢، ح): ((وقسمت سعيه)). (٦) في الأصل، (م): ((الوسواس)). (٨) في (ك٢، ح): ((والدي)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل. (١٢) في (ك٢، ح): ((معهما)). (١٤) في (ك٢، ح): ((نص)). (٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٥) في (م): ((أنواع)). (٧) بعده في (م): ((والهلاك)). (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١) في (ك٢، ح): ((جلية)). (١٣ - ١٣) من (م). (١٥) ليس في: الأصل. = ٩٣ حِفِظُ المَنطِقِ مَلَكِ وإنسٍ وجَانٌّ ونَوعٍ من أنواعِ الحَيَوانِ الذي يَتَأْتَّى منه فِعلٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذلك واقِعٌ تَحتَ](١) اسمِ الخَلقِ؛ فَلَم يَبْقَ لِلمُطَالَبَةِ مَعَ هَذَا مَحَلٌّ وَلَا قَرَارٌ، وأيضًا لَو جَازَ على هَذِهِ المَقالةِ أن يَسألَ فَيُقَالَ: مَن خَلَقَ اللهَ؟ فَيُسَمِّي(٢) شَيئًا من الأشياءِ يَدَّعِي لَه هَذَا الوصفَ لَلَزِمَ أن يُقال: ومَن خَلَقَ ذلك الشَّيءَ؟ ولَامتَدَّ القَولُ في ذلك إلى ما لَا يَتَنَاهَى، والقَولُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى فَاسِدٌ فَسَقَطَ السُّؤَالُ من أصلِه(٣)، ومِما كَانَ يُقَالُ لِمَن يَسألُ(٤) هَذَا السُّؤَالَ: إنَّما وجَبَ إثْبَاتُ الصَّانِعِ الواحِدِ(٥) لِما اقتَضَاه أوصَافُ الخَلِيقَةِ من سِماتِ الحَدَثِ المُوجِبَةِ أنَّ لَها مُحدِثًا؛ فَقُلنَا: إنَّ لَها خَالِقًا، ونَحنُ لَم (٦) نُشَاهد الخَالِقَ عِيَانًا فَنُحِيطَ بِكُنهه، ولَم يَصِحَّ لَنَا أن نَصِفَه بِصِفَاتِ [٢٦١/٢و] الخَلقِ، فَيَلزَمُنَا أن نَقُولَ: إنَّ لَه خَالِقًا. والشَّاهدُ لَا يَدُلُّ على مِثلِه في الغَائبِ، إنَّما يَدُلُّ على فِعلِه، والاستِدلَالُ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ المُخْتَلِفَاتِ دُونَ المُشتَبِهِاتِ، والمَفعُولُ لَا يُشبِهِ فَاعِلَه في شَيءٍ من نُعُوتِهِ الخَاصَّةِ؛ فَبَطَلَ(٧) ما يَقَعُ (٨) في الوهمِ من اقتِضَاءِ خَالِقٍ لِمَن خَلَقَ الخَلقَ كُلَّه، ولَو أكثَرِنَا فِي هَذَا لَدَخَلْنَا في نَوعِ ما نُهينًا عنه فيما رَوينَاه من هَذَا الحديثِ. فَإِذن نَنتَهي (٩) إلى ما أمِرنَا بِهِ من حَسمِ هَذَا البَابِ في مُنَاظَرَةِ الشَّيطَانِ لِجَهلِه وقِلَّةِ إِنصَافِه وكَثَرَةٍ شَغَبِهِ، وقَد تَواصَى العُلَماءُ والحُكَمَاءُ فيما دَونُوه ورَسَمُوه من حُدُودِ الجَدَلِ وآدَابِ النَّظَرِ بِتَركِ مُنَاظَرَةٍ مَن هَذِهِ صِفَتُه، وأمَرُوا بِالإعرَاضِ عنه. انتَهَى(١٠). ا السَّابِعَةُ: وفيه الإخبَارُ عن مَغِيبٍ قَد وقَعَ كَما أخبَرَ بِهِ وَل ـ (١) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٢) في (ح، ش): ((فسمى)). (٣) في (م): ((أجله)). (٤) بعده في الأصل: ((عن)). (٥) في (ح): ((للواحد)). (٦) في الأصل، (م): ((لما)). (٧) بعده في (م): ((مطلقًا)). (٨) في الأصل: ((وقع)). (٩) في (ك٢، ح): (ينتهي)). (١٠) ليس في: (ش). = 15 ٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ (١٦٦/٨م) الحديثُ الخَامِسُ فجّ رعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «قِيلَ لِبَنِي إسرائيلَ ﴿وَدْخُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، فَبَدَّلُوا(١)، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ على أستَاههم، وقَالُوا: حَبَّةٌ في شَعرَةٍ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه من هَذَا الوجه: الشيخانِ والترمذيُ(٢)، من طَرِيقٍ عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرجه البخاريُّ أيضًا والنسائيُّ(٣)، من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبَارَكِ؛ كِلَاهما عن مَعمَرٍ، عن هَمامٍ، عن أبي هرَيرَةَ، ولَفِظُ (٤) الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ(٥): (فَدَّلُوا؛ وقَالُوا: حِطَةٌ حَّةٌ فِي شَعرَةٍ» . ■ الثَّانِيَةُ: هَذَا الْبَابُ: قِيلَ: هو البَابُ الثَّامن (٦ من بَيت٦ِ) المَقدِسِ، قاله مُجَاهِدٌ(٧) . وقِيلَ: بَابُ القَريَةِ التي أمِرُوا بِدُخُولِها، وهيَ قَريَةُ الجَبَّارِينَ، وهيَ أرِيحَاءُ في المَشهورِ، وقِيلَ: كَانَ لَها سَبعَةُ أبوابٍ. وقال أبو عَلِيٌّ(٨): بَابُ قَريَةٍ فيها مُوسَى ◌ِّا. وقَولُه: ((سُجَّدًا))، قال ابنُ عَبَّاسٍ: مُنحَنِينَ رُكُوعًا. وقال غَيرُه: خُضُوعًا وشُكرًا لِتَيَسِيرِ الدُّخُولِ. (١) ليس في: الأصل. البخاري (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥)، والترمذي (٢٩٥٦). (٢) (٣) البخاري (٤٤٧٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٩). (٤) في (ش): ((وفي لفظ)). (٥) في (ح): ((الثابتة)). (٦ - ٦) في (ك٢، ح): (ببيت)). (٧) تفسير الطبري (٧١٣/١)، وينظر: المفهم (٣١٥/٧). (٨) المفهم (٣١٥/٧). حِفِظُ المَنطِقِ ٩٥ = وقال وهبُّ بنُ مُنَبِّهٍ(١): قِيلَ لَهم: ادخُلُوا البَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوه فَاسجُدُوا (٢ شكُرًا لله٢) وعَ. ((وحِطَّةٌ))، بِمَعنَى حُظَّ عنا ذُنُوبَنَا، قاله الحَسَنُ وقَتَادَةُ. وقال ابنُ جُبَيرٍ: مَعنَاه الاِسْتِغِفَارُ(٣) . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: لَا إلَهَ إلَّ الله؛ لِأنَّها تَحُظُ الذُّنُوبَ (٤). وقال ثَعلَبُ(٥) الثَّوبَةُ. قال الشَّاعِرُ: بِها ذَنبَ عَبدِهِ مَغفُورًا فَازَ بِالحِطَّةِ التي جَعَلَ اللَّه وقال الكَلبي: تَعَبَّدُوا بِقَولِها كَفَّارَةً، انتَهَى. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((حِطَّةٌ))، مَرفُوعُ على أنَّه خَبَرُ مُبتَدٍَ مَحذُوفٍ، تَقدِيرُه: مَسألَتْنَا حِظّةٌ؛ أي: أن (٦) تَحُظَّ عنا خَطَايَانَا(٧). وقال بَعضُهم: تَقْدِيرُه أمرُنَا حِظَّةٌ، وقال بَعضُهم: هو رَفعٌ على الحِكَايَةِ(٨). ■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((فَدَخَلُوا بَزحَفُونَ على أستَاههم))؛ أي: يَنجَرُّونَ على أَلَيَاتِهِم فِعلَ المُقعَدِ الذي (١٦٧/٨م) يَمْشِي على أليَتِهِ، يُقَالُ: زَحَفَ الصَّبي إذَا مَشَى كذلك(٩). والأستَاه: جَمعُ استٍ، وهي (١٠) الدُّبُرُ(١١). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((وقَالُوا: حَبَّةٌ في شَعرَةٍ). أي: قَالُوا ذلك على سَبيلِ الاِستِهِزَاءِ والاِستِخفَافِ بِالأوامِرِ الشَّرعِيَّةِ، وهو كَلَامٌ خُلفٌ لَا مَعنَى لَه، وقَد (١) ينظر: تفسير الثعلبي (٢٠١/١)، وتفسير البغوي (٩٩/١). (٢ - ٢) في الأصل، (م): ((واشكروا الله)). (٣) المفهم (٣١٥/٧، ٣١٦)، وينظر: تفسير الطبري (٧١٤/١ - ٧١٦). (٤) تفسير الطبري (٩٩/١). (٥) المفهم (٣١٦/٧). (٦) من الأصل، (م). (٧) في (ش): «ذنوبنا وخطايانا)). ينظر: إعراب القرآن؛ للنحاس (٥٥/١)، ولابن سيده (١/ ١٧٠). (٨) (٩) المفهم (٣١٦/٧). (١٠) في (م): ((وهو)). (١١) شرح النووي على مسلم (١٥٢/١٨)، وينظر: المحيط لابن سيده (٢٩٢/١)، وتهذيب اللغة (٦ / ٧٤) = ٩٦ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ عَرَفتَ أنَّ في رِوايَةِ البخاريِّ: قبلَه(١): (حِنطَةٌ)). فَزَادُوا في لَفِظَةِ الحِظَّةِ نُونًا، وغَيَّرُوه (٢) بِذلك عن مَدُلُولِهِ، ثُمَّ ضَمُّوا إلَيْه هَذَا الكَلَامَ الخَالِيَ عن الفَائِدَةِ؛ تَتَمِيمًا لِلِسْتِهِزَاءِ وزِيَادَةً في العُتُوِّ. وفي ((كُتُبِ التَّفسِيرِ))(٣): أنَّهم قَالُوا: ((هطَّ(٤) سِمِقَاتَ(٥)) (٦). يَعِنُونَ: حِنَظَةً حَمَرَاءَ، فَعَاقَبَهم بِالرِّجزِ وهو العَذَابُ المُقْتَرِنُ بِالهَلَاكِ. قال ابنُ زَيدٍ (٧): كَانَ طَاعُونًا أهلَكَ (٨ الله بِه منهم٨) (٩ فِي سَاعَةٍ واحِدَةٍ ) سَبَعِينَ ألفًا . ■ السَّادِسَةُ: في قَوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، ثَلاثُ قراءاتٍ في المشهورِ : إحداها(١٠): [٢/ ٢٦١ظ] قِرَاءَةُ نَافِعِ، بِاليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتُ مَضمُومَةٍ وَفَتحِ الفَاءِ . الثَّانِيَةُ: قِرَاءَةُ ابنٍ عَامِرٍ، بِالتَّاءِ المُثَنَّةِ من فَوقُ مَضْمُومَةٍ وَفَتَحِ الفَاءِ. الثَّالِئَةُ: قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ، بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وكَسرِ الفَاءِ(١١). (١) في (م): ((قيل)). (٢) في (ك٢، ح): ((في عزوه)). ينظر: تفسير ابن أبي حاتم (١١٩/١، ١٥٩٦/٥)، والطبري (٧٢٥/١)، وتفسير البغوي (٣) (٩٩/١)، والكشاف (١٤٣/١، ١٧٢). (٤) في (م): «حطانًا)». في (ك٢): («سحقًّا))، وفي (ح): ((سحقانًا))، وفي (م): ((سمقانا)). (٥) وهي لفظة عبرية، ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة ص (٥٠). (٦) (٧) وكذا ابن عباس وسعيد بن جبير. ينظر: المفهم (٣١٦/٧)، وتفسير الطبري (٧٣٠/١)، وزاد المسير (١٤٩/٢). (٨ - ٨) في (ك٢، ح، ش): ((منهم به)). (٩ - ٩) ليس في: الأصل. (١٠) في (ك٢، ح): ((أحدها)). (١١) ينظر: النشر (١٦١/٢). العُجبُ والكِبرُ والتَّواضُعِ ٩٧ = « العُجبُ والكِبر١ُ) والتَّواضُعُ الحديثُ الأولُ جَ عن هَمام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: («بَينا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ في بُردَينَ، وقَد أُعجَبَتْه نَفسُه، خُسِفَ بِهِ الأرضُ، فَهو يَتَجَلجَلُ فيها حَتَّى يَومِ القِيَامَةِ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه مسلمٌ (٢) من هَذَا (٣) الوجه، و(٤) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ(٥)، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، ومن طَرِيقِ أبي رَافِعٍ(٦)، عن أبي هريرةَ، بِلَفِظِ: ((إنَّ رَجُلًا مِمَّن كَانَ قَبَلَكُمْ يَتَبَختَرُ فِي حُلَّةٍ»، الحديثَ. واتَّفَقَ عليه الشيخانِ (٧)، من طَرِيقِ شُعبَةَ، عن (١٦٨/٨م) مُحَمَّدٍ بِنِ زِيَادَ، عن أبي هريرةَ بِلَفِظِ: (بَينَما(٨) رَجُلٌ يَمشِي في حُلَّةٍ تُعجِبُهُ نَفسُه، مُرَجِّلٌ جَمَّتَه، إذ خَسَفَ الله(٩) بِهِ؛ فَهو يَتَجَلجَلُ إلى يَومِ القِيَامَةِ)). لَفظُ البخاريِّ. ولَم يَسُق مسلمٌ لَفظَه. وأخرجه(١٠) أيضًا من طَرِيقِ الرَّبيعِ بن مسلمٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ زِيَادٍ، عن أبي هريرةَ بِلَفِظِ(١١) «بَينَما رَجُلٌ يَمْشِي قَد أَعْجَبَتَه جَمٌَّ(١٢) وبُردَاه)). (١ - ١) في (ك٢، ح): ((العجب والكبرياء)). وفي (ش) بياض بمقدار كلمتين. (٣) في (ش): ((ذلك)). (٢) مسلم (٥٠/٢٠٨٨). (٤) ليست في: (م). مسلم (٢/٢٠٨٨). (٦) (٨) في (م): ((بينا)). (١٠) مسلم (٤٩/٢٠٨٨). (١٢) في (ح): ((حمیه)). (٥) مسلم (٢٠٨٨). (٧) البخاري (٥٧٨٩)، ومسلم (٢٠٨٨). (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١) ليست في (ش). = ٩٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأخرجه البخاريُّ(١) من طَرِيقٍ سَالِمٍ بنِ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن أبي هريرةَ ■ الثَّانِيَةُ: قِيلَ(٢): يُحتَمَلُ أنَّ هَذَا الرَّجُلَ من هَذِه الأمَّةِ، فَأَخَبَرَ النبيّ وَّلـ بِأَنَّه سَيَقَعُ هَذَا. وقِيلَ: بَل هو إخبَارٌ عَمَّن قَبَلَ هَذِه الأمَّةِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): وهَذَا أظهَرُ. وقال النَّوِيُّ(٤): هَذَا هو الصَّحِيحُ، وهو مَعنَى إدخَالِ البخاريِّ لَه في ذِکرِ بَنِي إسرائيلَ. قُلتُ: وقَد صَرَّحَ بِهِ فِي رِوايَةٍ مسلم المُتَقَدِّمَةِ حَيثُ قال فيها: ((إنَّ رَجُلًا مِمَّن كَانَ قَبلَكُم))(٥). ورَوى أبو يَعلى المَوْصِلِيُّ في ((مُسَدِه))(٦) عن كُرَيبٍ قال: كُنت أقُودُ ابنَ عَبَّاسٍ في زُقَاقِ أبِي لَهَبٍ (٧)، فقال: يَا كُرَيبُ، بَلَغْنَا مَكَانَ كَذَا وكَذَا؟ قُلت: أنتَ عِندَه الآنَ، فقال: حَدَّثَنِي العَبَّاسُ بنُ عَبدِ المُطَلِبِ، قال بَيْنَا (٨) أَنَا مَعَ النبيّ ◌َّهِ فِي هَذَا المَوضِعِ، إذ(٩) أقبَلَ رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ بُردَينٍ، ويَنْظُرُ في عِطفيه، قَد أعجَبَتْه نَفْسُه، إذ خَسَفَ الله بِهِ الأرضَ في هَذَا المَوطِنِ، فَهو يَتَجَلَجَلُ فيها إلى يَومِ القِيَامَةِ (١٠). ■ الثَّالِثَةُ: البُردُ: بِضَمِّ البَاءِ المُوخَّدَةِ، وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ، نَوعٌ من النِّيَابِ مَعُرُوفٌ. قال في ((المُحكَم))(١١): ثَوبٌّ فيه خُطُوطٌ، وخَصَّ بَعضُهم بِه الوشيَ، والجَمِعُ أبرَادٌ، وأبُدٌ، وَبَرُودٌ. (١) البخاري (٥٧٩٠م). إكمال المعلم (٦٠٢/٦). (٣) (٥) ليست في (ك٢، ح). (٧) في الأصل: ((لعب)). (٩) في الأصل: ((إذا)). (٢) في (ك٢، ح): ((قد). (٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٦٤). (٦) أبو يعلى (٦٦٩٩). (٨) في (ك٢، ح): ((بينما)). (١٠) بعده في (ك٢، ح): ((ولم يسق مسلم لفظه، وأخرجه أيضًا من طريق الربيع، عن محمد بن زياد)». وهذه العبارة مكررة من الفائدة الأولى. (١١) المحكم (٣٢٣/٩). ٩٩ العُجبُ والكِبرُ والتَّواضُع = وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١): البُردَانِ: الرِّدَاءُ والإزَارُ، وهَذَا على طَرِيقَةِ تَثِيَةِ العُمَرَينِ والقَمَرَينِ، انتَهَى. وفي تَعيِينِهِ أنَّ البُردَينِ إذَارٌ ورِدَاءٌ نَظَرٌ، وقَولُه: إنَّه كَالعُمَرَينِ والقَمَرَينِ(٢) مَرَدُودٌ؛ لِأَنَّ ذَاكَ (٣) فيه تَغْلِيبٌ، وهَذَا لَا تَغْلِيبَ فيه (٤)، [بَل كُلٌّ من مُفرَدَیه بُردٌ، ولَو قِيلَ لِلإِزَارِ (٥) والرِّدَاءِ: إذَارَانِ أو رِدَاءَانٍ، لَكَانَ مِن بَابِ الثَّغْلِيبِ](٦). الرَّابِعَةُ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ: ((قَد أعجَبَتْهُ نَفسُه))، وفي الأخرَى: ((قَد أعجبته جَمَّتُه وبُردَاه» . وقال (٧) أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٨): إعجَابُ الرَّجُلِ بِنَفْسِه هو مُلَاحَظَتُه لَها بِعَيْنِ الكَمالِ والاِستِحسَانِ، مَعَ نِسَانِ منةِ الله تعالى، فَإِن رَفَعَها على الغَيرِ (٩) واحتَقَرَه فَهو الكِبرُ المَذمُومُ(١٠). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((يَتَجَلجَلُ)) بِالجِيمِ واللامِ المُكَرَّرَتَينِ؛ أي: يَتَحَرَّكُ ويَنزِلُ مُضطَرِبًا، قاله الخَلِيلُ وغَيرُه(١١). وقَولُه: ((يَومِ القِيَامَةِ)) مَجرُورٌ بِحَتَّى، وهيَ دَالَّةٌ على انتِهاءِ الغَايَةِ بِشَرطِ كَونٍ المَجرُورِ بِها آخِرَ (١٦٩/٨م) جُزءٍ، أو مُكَافِئَ آخِرِ جُزءٍ، ذَكَرَه الزَّمَخْشَرِيّ، وطَائفَةٌ من المَغَارِبَةِ، وابنُ مالِكِ في ((شَرحِ الكافيةِ))، ولَم يَشتَرِطِ ذلك في ((التَّسهيلِ))(١٢). ■ السَّادِسَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٣): يُفيدُ هَذَا الحديثُ تَركَ الأمنِ (١) المفهم (٤٠٦/٥). (٣) في (ك٢، ح): «ذلك)). (٥) في (ك٢، ح): ((الإزار)). (٧) في (ك٢، ح، م): ((قال)). (٩) في (ك٢، ح): ((العين)). (٢) في الأصل: ((العمرين)). (٤) بعده في (ش): ((من باب التغليب)). (٦) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (٨) المفهم (٤٠٦/٥). (١٠) في الأصل: ((المذكوم)). (١١) العين (١٨/٦)، وينظر: غريب الحديث للحربي (١٢٥/١)، والمفهم (٤٠٦/٥)، وإكمال المعلم (٦٠٢/٦). (١٢) المفصل للزمخشري (٣٨٠/١)، وشرح الكافية الشافية (٧٩٩/٢)، وشرح التسهيل (١٦٦/٣). (١٣) ليست في (ك٢، ح)، وينظر: المفهم (٤٠٦/٥). ١٠٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من تَعجِيلِ المُؤَاخَذَةِ على الذُّنُوبِ، وأنَّ عُجبَ المَرْءِ بِنَفسِه وثَوبِه وهَيئَتِهِ حَرَامٌ وگَبیرَةٌ . الحديثُ الثَّانِي [٢٦٢/٢ و] وعنْ نَافِعِ، وعَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، وعن زَيدِ بنِ أسلَمَ؛ كُلُّهم يُخِرُه، عن عَبدِ الله بنِ عُمَرَ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((لَا يَنظُرُ اللهَ يَوَ القِيَامَةِ إلى مَن جَرَّ [ثَوبَه خُيَلاء)). وعن الأعرج، عن أبي هريرةَ ظُبه، أنَّ (١) رسولَ الله وَلِّ قال: ((لَا يَنظُرُ اللهِ يَومَ القِيَّامَةِ إلى مَن] (٢) جَرَّ إِزَارَه بَطَرًّا)). وعن هَمام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ اللهَ وَ لَا يَنظُرُ إلى الَّمُسبِلِ يَومَ القِيَامَةِ)). لَيسَ هَذَا(٣) اللفظُ في واحِدٍ من ((الصَّحِیحینِ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: حديثُ ابنِ عُمَرَ: أخرجه الشيخانِ، والترمذيُ(٤) من طَرِيقٍ مالِكِ عن الثَّلَاثَةِ، ولَيسَ في رِوايَةِ الشيخينِ: ((يَومَ القِيَامَةِ)). ورواه مسلمٌ، والنسائيُّ، وعَلَّقَه البخاريُّ(٥) من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ. وَرَواه مسلمٌ، والترمذيُّ، والنسائيُّ(٦) من طَرِيقٍ أُيُّوبَ السَّختِيَانِيُّ. وزَادَ الترمذيُّ، والنسائيُّ في رِوايَتِهما: فقالت أمُّ سَلَمَةَ: فَكَيفَ يصنَعُ(٧) النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ فقال: (٨/ ١٧٠م) (يُرِخِينَ شِبْرًا))، (٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). (١) ليس في: الأصل. (٣) في (ح): ((بهذا)). البخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥/ ٤٢)، والترمذي (١٧٣٠). (٤) (٥) مسلم (٠٠/٢٠٨٥)، والنسائي في الكبرى (٩٧١٩)، والبخاري عقب (٥٧٩١). (٦) مسلم (٠٠/٢٠٨٥)، والترمذي (١٧٣١)، والنسائي في الكبرى (٩٧٣٤). (٧) في الأصل، (م): ((تصنع)).