النص المفهرس
صفحات 41-60
= ٤١ أبوابُ الأدَبِ فَإِنَّه حَرَّكَ حَرفَ (١٣٧/٨م) الحَلقِ لِانفِتَاحِ ما قَبلَه، كما قال بَعضُهم(١) يَعَدُو(٢)، وهو مَحَمُومٌ. وهَذَا لَا يُعَدُّ لُغَةً، وإنَّما هو مُتَبِعْ ما قَبَلَه. انتَهَى. وهو صَرِيحٌ في شُمُولِ هَذَا الإِسمِ لِكُلِّ ما تُوقَى بِهِ القَدَمُ. ■ السَّادِسَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣) في قَولِه: ((لِيُنْعِلهما))، أَرَادَ القَدَمَينِ، وهما لَم يَتَقَدَّم لَهما ذِكرٌ، وإنَّما تَقَدَّمَ ذِكرُ النَّعلِ، ولَو أرَادَ النَّعلَينِ لَقال: ((لِيَنْتَعِلهما))(٤). وهَذَا مَشهورٌ(٥) من لُغَةِ العَرَبِ، ومُتَكَرِّرُ(٦) في القُرآنِ كَثِيرًا، أن يَأْتِيَ بِضَمِيرٍ ما لَم يَتَقَدَّمِ ذِكرُه لِما يَدُلُّ عليه فَحوى الخِطَّابِ. قال والِدِي تَخْذُ: الظّاهرُ عَودُ الضَّمِيرِ إلى النَّعلَينِ، بِدَلِيلٍ قَولِه في رِوايَةِ مسلم: ((أو لِيَخلَعهما))، ويُقَالُ: نَعَلت وانتَعَلَت، كَما حَكَاه الجَوهَرِيُّ(٧). ولَا حَاجَةَ حِينَئذٍ إلى عَودِ الضَّمِيرِ على ما لَم يَتَقَدَّم لَه ذِكرٌ. قُلت: وهَذَا اللفظُ وهو قَولُه: (لِيَخلَعهما))، كَذَا هو في رِوايَتِنَا من(٨) (المُوطَّ))، من طَرِيقِ أبي مُصعَبٍ(٩). وهو في ((صَحِيحِ البخاريِّ)) بِلَفِظِ: (لِيُحِفِهما))(١٠). وكَذَا هو عِندَ ابنِ عَبدِ البَرِّ (١١) (١) حكاه ابن جني في الخصائص (١١٢/٢) عن الشجري. وينظر: المحتسب في شواذ القراءات لابن جني (١٧٦/١)، (١٦٦/٢). (٢) في الأصل: (بغزو)). وفي (ش): ((يغذو)). وفي (م): (يعرق)). وهي في المحكم: (يغذو))، وفي المحتسب: ((تغذو))، وفي اللسان، والتاج: ((يغدو)). والمثبت من (ك٢، ح) موافق لما في الخصائص. هذا وقد أشار في حاشية الخصائص إلى أنها في ثلاث نسخ عنده: ((يغدر)). فاللهُ أعلم. والذي يظهر أن ابن جني سمع من الشجري هذا ونظائره، من كل ما جاء على وزن يفعل، ومفعول، بفتح حرف الحلق. (٣) التمهيد (١٧٨/١٨). (٤) في (ك٢، ح): ((لينعلهما)). مكانها في (م): ((هو المشهور)). (٥) (٦) في (ك٢، ح): ((وتكرر)). (٨) ليس في: (ك٢، ح). (٧) الصحاح (١٨٣١/٥). (٩) الموطأ برواية أبي مصعب (١٩١٩). (١٠) في (ك٢، ح، م): ((ليخلعهما)). ينظر: صحيح البخاري (٥٥١٨). (١١) الاستذكار (١٩٤/٢٦)، والتمهيد (١٧٧/١٨). = ٤٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ من ((المُوطَّ)). قال النَّوِيُّ(١): وكِلَاهما صَحِيحٌ، ورِوايَةُ البخاريِّ أحسَنُ. انتَهَى. (٢) فَأْعَادَ ابنُ عَبدِ البَر٢ِّ) الضَّمِيرَ في قَولِه: ((لِيُنْعِلهما)) على القَدَمَينِ، لِعَودِه عليهما في قَولِه: ((أو لِيُحِفِهما)). وأعَادَه والِدِي تَّتُهُ على النَّعلَينِ، لِعَودِه عليهما في قَولِه: ((أو (٣) ليخلعهما». وما حَكَاه عن الجَوهَرِيِّ من أنَّه يُقَالُ: نَعَلَ وانتَعَلَ؛ أي: لَبِسَ النَّعلَ، ذَكَرَه أيضًا صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))، وكَذَا في ((المَشَارِقِ))(٤)، وزَادَ على ذلك أن ضَبَطَ هَذِهِ اللفظَةَ في هَذَا الحديثِ بِالفَتحِ؛ فَإِنَّه قال: يقال(٥): نَعَلت، إذَا لَبِست النَّعلَ(٦)، وكذلك لِيُنعِلهما جَمِيعًا؛ أي: لِيَجعَلَ ذلك في رِجِلَيه. انتَهَى. وكَذَا في ((المُحكَم))(٧)؛ إلَّا أنَّه جَعَلَه مَكسُورَ العَينِ، فقال: ونَعِلَ نَعلًا، وتَنَعَّلَ وانتَعَلَ: لَبِسَ النَّعَلَّ. ■ السَّابِعَةُ: قَولُه ((لِيُعِلهما)». قال الَّووِيُّ(٨): هو بِضَمِّ الْيَاءِ. وقال والِدِي كَُّ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): فيه نَظَرٌ. قُلتُ: إِن كَانَ الضَّمِيرُ عَائدًا على القَدَمَينِ، كَما قاله ابنُ عَبدِ البَرِّ، فَيَنبَغِي أن يَكُونَ بِالضَّمِّ، ويَكُونَ مَعنَى أَنعَلُهما: أي ألبَسَهما نَعلًا؛ فَقَد ذَكَرَ أهلُ اللُّغَةِ أنَّه يُقَالُ: أَنعَلَ دَابَّتَه؛ رُبَاعِيّ. قال الجَوهَرِيُّ(٩): أنعَلتُ خُفي ودَابَّتِي، ولَا يُقَالُ: نَعَلت. وقال في ((النِّهَايَةِ))(١٠) أنعَلتُ الخَيلَ بِالهَمِزِ (١١). (١) شرح النووي على مسلم (١٤ / ٧٤). (٢ - ٢) مكانها (م): ((فأفاد ابن عبد البر أن)). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٤) النهاية في غريب الحديث (٨٣/٥)، ومشارق الأنوار (١٧/٢). (٦) ليس في: (ش). (٥) ليس في: (م). (٧) المحکم لابن سيده (١٥٩/٢). (٨) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٧٤). (٩) الصحاح (١٨٣٢/٥). (١٠) النهاية في غريب الحديث (٨٣/٥). (١١) في (ش): ((بالهمزة)). وهو موافق لما في النهاية. ٤٣ أبوابُ الأدَبِ وقال في ((المُحكَم)) (١): أنعَلَ الذَّابََّ والْبَعِيرَ ونَعَلَهما أي (٢) بِالتَّشدِيدِ. وقال [٢٥٢/٢ظ] في ((المَشَارِقِ))(٣)، بَعدَ ما تَقَدَّمَ: وقَولُهُ (٤): ((إنَّ غَسَانَ تُنْعِلُ الخَيلَ))؛ أي: تَجعَلُ لَها نُعَالًا(٥) بِضَمِّ الثَّاءِ، يُقَالُ في هَذَا: أنعَلَ رُبَاعِيٍّ، وفي السَّيفِ كذلك إذَا جَعَلت لَه نِعَالًا. ولَا يُقَالُ عِندَ أكثَرِهم: نَعَلَ، وقَد قِيلَ فيها: نَعِلَ أيضًا. انتَهَى. وقَد يُقَالُ بِالفَتحِ، (١٣٨/٨م) ولَو عَادَ الضَّمِيرُ على القَدَمَينِ، إما لِهَذِهِ اللُّغَةِ التي حَكَيْنَاها آنِفًا عن ((المَشَارِقِ)). وإما: لِأَنَّ المَحكِيَّ عن هَؤُلَاءِ في أنعَلَ بِالهَمِزِ إنَّما هو جَعلُ الثَّعلِ لَا لُبسُه (٦)، فَأما بِمَعنَى اللُّبسِ: فَهو بِالفَتحِ، وهو صَرِيحُ كَلَامِ ((المَشَارِقِ)) المتَقَدِّم(٧) ذِكرُه. وأما إذَا كَانَ الضَّمِيرُ عَائدًا على النَّعَلَينِ، كَما قاله والِدِي تَخْتُ، فَإِنَّه يَتَعَيَّنُ مَعَه الفَتحُ، والله أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: ((الشِّسعُ))، بِكَسرِ الشِّينِ المُعجَمَةِ، وإسكّانِ السِّينِ المُهمَلَةِ، وبِالعَينِ المُهمَلَةِ: أحَدُ سُيُورِ النَّعلِ، وهو (٨) الذي يَدخُلُ بَيْنَ الأصبُعَينِ، ويَدْخُلُ طَرَفُه في الثُّقْبِ الذي في صَدرِ النَّعلِ المَشدُودِ في الزِّمامِ. والزِّمامُ(٩): السَّيرُ(١٠) الذي يُعقَدُ (١١) فيه الشِّسعُ(١٢). والشِّرَاكُ: بِكَسرِ الشِّينِ المُعجَمَةِ، أحَدُ سُيُورِ النَّعلِ (١٣ الَّتِي تَكُون١٣ُ) على وجهها(١٤). وكِلَاهما يَختَلُّ المَشِيُّ في النَّعلِ بِفَقدِه (١٥). (١) المحكم لابن سيده (١٦٠/٢). (٣) مشارق الأنوار (١٧/٢). (٥) في (م): ((نعلًا)). في (م): ((كما تقدم)). (٧) (٩) ليس في: (ك٢، ح). (١١) ليس في: (ك٢، ح). (١٢) بحروفه من شرح النووي على مسلم (٧٤/١٤). (١٣ - ١٣) في (م): ((الذي يكون)). (١٥) في (ش): ((بعقده)). (٢) ليس في: (م). (٤) صحيح البخاري (٤٨٩٥). (٦) في (م): ((ألبسه)). (٨) ليس في: (ش). (١٠) في (ح): ((اليسير)). (١٤) النووي على مسلم (٨٦/٣). = ٤٤ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ] التَّاسِعَةُ: التَّقِيدُ بِهَذِهِ الحَالَةِ لَيسَ لِلإذنِ في المَشىٍ بِنَعلٍ واحِدَةٍ عِندَ فَقدِ ذلك، وإنَّما هو تَصوِيرٌ لِلواقِعِ وخَارِجٌ مَخرج الغَالِبِ؛ (في أن الإنسان إنما يفعل المشي في نعل واحدة عند تعطل الأخرى، وما خرج مخرجَ الغالب)(١) فَلَا مَفهومَ لَه. أو يُقَالُ: هَذَا من مَفهومِ المُوافَقَةِ، فَإِنَّه إِذَا نُهَيَ عنه مَع (٢) الاحتِيَاجِ إِلَيهِ، فَمَعَ عَدَمِ الاحتِيَاجِ إِلَيه أولى. وفي هَذَا رَدُّ على مَن أجَازَ ذلك لِلِضَرُورَةِ(٣) إلى أن يُصلِحَ الَّعلَ التي فَسَدَت، وقَد (٤) تَقَدَّمَ بَيَانُ ذلك. العَاشِرَةُ: وقَولُه: ((فَلَا يَمشٍ))(٥)، على سَبيلِ التَّمْثِيلِ، فَوُقُوقُه وإحداهما بِنَعالٍ والأخرَى حَافيةٌ كذلك، كَما تَقَدَّمَ عن مالِكِ تَذْتُ. وقَد يُقَالُ: جُلُوسُه وهو لَابِسٌ إحدَاهما دُونَ الأخرَى كذلك. وقَد يُقَالُ: لَا يَلحَقُ بِما تَقَدَّمَ لِنتِفَاءِ المَفَاسِدِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُها فيه، بَل قَد يُنَازِعُ في الْتِحَاقِ وُقُوفِه بِإِحدَاهما بِمَشِهِ بِإِحدَاهما لِما تَقَدَّمَ من انتِفَاءِ المَفْسَدَةِ، إلَّا أن يُقال: النَّعلُ زِينَةٌ وفيه تَزَيُّنُ إحدَاهما دُونَ الأخرَى، ومُقتَضَى هَذَا: أنَّه يَلحَقُ بِذلك حَالَةُ الجُلُوسِ أيضًا، والله أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُه: ((والأخرَى حَافيةً)). يَحتَمِلُ أن يَكُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةً، فَيَكُونَ الخَبَرَانِ(٦) مَرْفُوعَينٍ . ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُه: ((والأخرَى)) مَعطُوفًا على قَولِه: ((إحدَاهما)). وقَولُه: ((حَافيةً))، مَنصُوبٌ على الحَالِ؛ أي: لَا يَمْشِي(٧) في إحداهما بِنَعلٍ و(٨) الأخرَى حَافيةً. والأولُ هو الذي ضَبَطنَاه. وقَولُهُ: ((لِيُحفِهما))، هو بِضَمِّ أولِه. وقَولُهُ(٩): ((أو لِيُنِعِلهما)) تَقَدَّمَ الكَلَامُ فيه(١٠). (١) ليس في: (م). (٣) في الأصل، (م): (لضرورة)). (٥) في (م): ((يمشي)). في (م): (ایمشین)). (٧) ليست في: الأصل. وبعده في (ش): ((في)). ليس في: (ك٢، ح). (٩) (٢) في (م): ((حين)). (٤) في (ك٢، ح): ((و)). (٦) في الأصل: ((الجزآن)). وله وجه. (٨) (١٠) في (م): ((عليه)). كر ٤٥ أبوابُ الأدَبِ ■ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: قال الخَطَّابي(١): قَد يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ لِيَاسِ شَفْعِ كَالخُفَّينِ وإدخَالِ البَدِ في الكُمَّينِ والتَّرَدِّي بِالرِّدَاءِ على المَنْكِبَينِ، فَلَو أرسَلَه على أَحَدِ (٢) المَنكِبَينِ وعَرَّى منه الجَانِبَ الآخَرَ كَانَ مَكرُوهًا على مَعنَى (١٣٩/٨م) الحديثِ، ولَو أخرج إحدَى يَدَيه من كُمِّه وتَرَكَ الأخرَى دَاخِلَ الكُمِّ كَانَ كذلك في الكَرَاهَةِ، واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قال الخَطَّابي(٣) أيضًا في ((شَرح البخاريِّ)): قَد أبدَعَ عَوامُّ النَّاسِ في آخِرِ الزَّمانِ لُبسَ الخَواتِيمِ في الَيَدَينِ، وَلَيْسَ (٤) ذلك من جُمْلَةٍ هَذَا البَابِ، ولَا هو بِحَمِيدٍ في مَذَاهبِ أهلِ الفَضلِ والنُّبلِ، ورُبَّما ظَاهَرَ(٥) بَعضُهم بِلُبسٍ(٦) العَدَدِ من الخَواتِيمِ زَوجَينٍ(٧) زَوجَينٍ، وكُلُّ ذلك مَكْرُوهٌ، ولَيسَ من لِيَاسِ العِلَيَةِ من النَّاسِ. (٨ُوفي الجُملَة٨ِ) فَلَيسَ يُستَحسَنُ أن يَتَخَتَّمَ الرَّجُلُ إلَّا بِخَاتَمٍ واحِدٍ مَنقُوشٍ، فَيَلْبَسَ لِلحَاجَةِ إلى نَقشِه(٩) لَا لِحُسِنِهِ وبَهِجَةِ لَونِهِ. انتَهَى. وقال الدَّارِمِيُّ في ((الاستِذْكَارِ)): يُكرَه لِلرَّجُلِ لُبسُ فَوقَ خَاتَمَينِ فِضَّةٌ. وقال الخُوارَزمِيُّ في ((الكَافي)): يَجُوزُ لَه أن يَلْبَسَ زَوجًا في يَدٍ (١٠) وفَردًا في أخرَى(١١)، فَإِن لَبِسَ فِي هَذِهِ زَوجًا وفي الأخرَى زَوجًا: فقال الصَّيدَلَانِيُّ في ((الفَتَاوى)): لَا يَجُوزُ. وقال المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في ((شَرحِ التَّنبيه)): المُتَّجَه أنَّه لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبسُ الخَاتَمَينِ سَواءٌ كَانَا فِي يَدَينِ أم في(١٢) يَدٍ واحِدَةٍ، [٢٥٣/٢ و] لِأَنَّ الرُّخصَةَ لَم تَرِد بِذلك، ولَم أقِف فيه على نَقلٍ. انتَهَى. (١) معالم السنن (٢٠٤/٤). وينظر: أعلام الحديث (٢١٥٠/٣). (٢) في (ك٢، ح): ((إحدی)). (٣) أعلام الحديث شرح صحيح البخاري (٣/ ٢١٥٠). (٤) في (م): ((ولبس)). (٦) في (ك٢): ((يلبس)). (٥) في (ك٢، ح): ((صار)). (٧) ليس في: (ح). (٩) في (ش): ((نفسه)). (٨ - ٨) في الأصل، (م): ((وبالجملة)). (١٠) في (م): ((اليد)). (١١) في الأصل، (م): ((الأخرى)). (١٢) ليس في: (م). = ٤٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقَد عَرَفتَ أنَّ المَسألَةَ مَنقُولَةٌ، وكَلَامُ الرَّافِعِيِّ(١) يُشعِرُ بِالمَنعِ من ذلك مُطلَقًا؛ فَإِنَّه قال: ولَو اتَّخَذَ الرَّجُلُ خَواتِيمَ كَثِيرَةً أو المَرأةُ خَلَاخِلَ(٢) كَثِيرَةً ليلبسٍ(٣) الواحِدَ منها(٤) بَعدَ الواحِدِ جَازَ(٥). انتَهَى. فَقَولُه: ليلبسِ(٢) الواحِدَ بَعدَ الواحِدِ، يُشعِرُ بِأَنَّه لَا يَجُوزُ (٧لبس الجَميعِ(٧)، وقَد يَكُونُ(٨) مُرَادُه لُبسَ واحِدٍ فَوقَ آخَرَ(٩)، ويَدُلُّ لِذلك قَرِئُه بِالخَلَاخِيلِ، والله أعلمُ. الحديثُ السَّادِسُ جَ رعن جَابِرٍ قال: مَرَّ رَجُلٌ في المَسجِدِ مَعَه سِهامٌ، فقال لَه النبيّ ◌َلٌ: أمسِك بِنِصَالِها». فيه فوائدُ: ■ الأولى (١٠): اتَّفَقَ عليه(١١) الشيخانِ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَه(١٢) من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. وأخرجه الشيخانِ(١٣) أيضًا، من طَرِيقِ حَمادِ (١٤٠/٨م) بنِ زَيدِ، بِزِيَادَةٍ: (كَي لَا يَخِشَ مسلمًا)). كِلَاهما، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن جَابٍِ. (١) الشرح الكبير (٣١/٦)، وينظر: المجموع (٤٤٣/٤، ٤٠/٦)، دار الفكر. في (م، ش): ((خلاخيل)). (٢) (٣) في (م): ((للبس)). (٤) ليس في: (٢٤، ح). (٥) ليس في: (ك٢، ح). (٦) في (م): ((للبس)). (٧ - ٧) في (م): ((الجمع)). (٨) ليس في: (ك٢، ح). (١٠) طمس في (ش). (٩) في (ك٢، ح): ((واحد)). (١١) ليس في: (ك٢، ح). (١٢) البخاري (٤٥١، ٧٠٧٣)، ومسلم (١٢٠/٢٦١٤)، والنسائي (٧١٧)، وابن ماجه (٣٧٧٧). (١٣) البخاري (٧٠٧٤)، ومسلم (١٢١/٢٦١٤). أبوابُ الأدَبِ 5 ٤٧ = وأخرجه مسلمٌ وأبو دَاوُد(١) من طَرِيقِ الليثِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ: ((عن رسولِ اللهِ وَ ﴿ أَنَّه أمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبَلِ فِي المَسجِدِ: ألَّا يَمُرَّ بِها إلَّا وهو آخِذٌ بِنُصُولِها))(٢). ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ إدخَالِ النَّبلِ في (٣) المَسجِدِ، وقَد بَوّبَ عليه أبو دَاوُد(٤) تَخْتُهُ بِذلك، وقَد عَرَفتَ أنَّ في رِوايَتِه ورِوايَةٍ مسلم: أنَّه كَانَ يُدخِلُها المَسجِدَ لِيَتَصَدَّقَ بِها فيه، وفي مَعنَاه سَائرُ السُّلاَحِ. ■ الثَّالِثَةُ: فيه أمرُ مُدخِلِها المَسجِدَ أن يَمسِكَ بِنِصَالِها، وقَد عَرَفتَ تَعلِيلَه في الحديثِ بِخَشَةٍ خَدشٍ مسلمٍ. قال ابنُ بَطَّالٍ(٥): هَذَا من (٦) تَأْكِيدِ حُرمَةِ المسلم؛ لِئَلَّا يُرَوِّعَ بِها أو يُؤْذِيَ؛ لِأَنَّ المَسَاجِدَ مَورُودَةٌ بالخَلقِ (٧)، ولَا سِيَّما في أوقَاتِ الصَّلَوات(٨)، فَخَشَى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أن يُؤْذِيَ بِها أحَدًا. وهَذَا من كَرِيم خُلُقِهِ ورَأْفَتِهِ بِالمُؤمنينَ، والمُرَادُ بِهَذَا الحديثِ التَّعِظِيمُ لِقَلِيلِ الدَّمِ وكَثِيرِه. ■ الرَّابِعَةُ: لَا يَخْتَصُ ذلك بِالمَسجِدِ بَل السُّوقِ وكُلِّ مَوضِعٍ جَامِعٍ لِلنَّاسِ ینبَغِي فيه ذلك. وفي ((الصَّحِيحَينِ)) وغَيرِهما(٩)، من حَدِيثِ أبي مُوسَى الأشعَرِيِّ مَرفُوعًا: ((إِذَا مَرَّ أحَدُكُم في مَسجِدنا أو في سُوقِنَا ومَعَه نَبِلٌ: فَليُمسِك على نِصَالِها بِكَفِّه أن يُصِيبَ أحَدًا من المسلمِينَ منها شَيءٌ)). (١) مسلم (١٢٢/٢٦١٤)، وأبو داود (٢٥٨٦). (٣) من (ش). (٢) في (ش): ((بنصالها)). قال: باب في النبل يدخل به المسجد. (٤) شرح صحيح البخاري (١٠٢/٢). (٥) في (ك٢، ح): ((أمر)). (٦) (٧) في الأصل، (م): («للخلق)). (٨) في الأصل، (م): ((الصلاة)). (٩) البخاري (٤٥٢، ٧٠٧٥)، ومسلم (١٢٣/٢٦١٥، ١٢٤). = ٤٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وفي لَفِظِ لِمسلم(١): ((إِذَا مَرَّ أحَدُكُم في مَجلسٍ (٢) أو في سُوقٍ وبيدِه نَبَلٌ: فَلَيَأْخُذُ بِنِصَالِها، ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِها (٣)، (٤ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِها٤))). فقال أبو مُوسَى: والله ما مُتْنَا حَتَّى سَدَّدنَاها بَعضُنَا فِي وُجُوه بَعضٍ)). وقَولُه: ((سَذَّدْنَاها))، بِالسِّينِ المُهمَلَةِ من السَّدَادِ وهو القَصدُ والاستِقَامَةُ؛ أي: قَومِنَاها(٥) إلى وُجُوههم. وأشَارَ بِذلك إلى ما حَدَثَ من الفِتَنِ(٦). وذَكَرَ هَذَا (٧) في مَعرَضِ التَّأْسُّفِ (٨) على تَغَيُّرِ الأحوالِ وحُصُولِ الخِلَافِ لِمَقَّاصِدِ الشَّرعِ من التعاطفِ ودَفعٍ يَسِيرِ الأذَى مَعَ قُربِ العَهدِ (٩). ■ الخَامِسَةُ: ((النِّصَالُ)) بِكَسرِ النُّونِ و ((النُّصُولُ)) بِضَمِّها، وهما بِالصَّادِ المُهمَلَةِ جَمِعُ نَصلٍ وهو حَدِيدَةُ السَّهمِ، والسِّهامُ أعَمُّ من النِّبَالِ لِاختِصَاصِ النِّبَالِ بِالسِّهامِ العَرَبيّةِ، ومن النُّشَّابِ لِاختِصَاصِها بِالفَارِسِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَه بَعضُهم (١٠) . ■ السَّادِسَةُ: قال النَّوِيُّ(١١): وفيه اجتِنَابُ كُلِّ ما [يُخَافُ(١٢) منه] (١٣) ضَرَرٌ. السَّابِعَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ (١٤): استدَلَّ بِهِ مالِكٌ(١٥) على أصلِه في سَدِّ الذَّرَائعِ. ■ الثَّامنةُ: قال القُرطُبيُّ أيضًا (١٦): وقَولُه: ((كَي لَا يَخدِشَ مسلمًا)). فيه ما يَدُلُّ على صِحَّةِ القَولِ بِالقِيَاسِ وتَعلِيلِ الأحكامِ الشَّرعِيَّةِ، والله أعلمُ. (١) مسلم (٢٦١٥/ ١٢٣). في (ك٢): «بنصابها)). (٣) (٥) في (ح): «فرمياها)). (٧) ليس في: (ش). (٩) المفهم (٦٠٢/٦). (١٠) ينظر: المخصص لابن سيده (٣٤/٢)، معالم السنن (٢٤١/٢)، النووي على مسلم (١٢٤/٢). (١١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦٩/١٦). (١٢) في (ك٢، ح): ((يخشى)). (١٣) ما بين المعكوفين مكانه في (ش): ((كان فيه)). (١٤) المفهم (٦/ ٦٠١). (١٦) المفهم (٦٠٢/٦). (٢) في الأصل، (م): ((مسجد)). (٤ - ٤) ليس في: (ح). (٦) إكمال المعلم (٩٥/٨). (٨) في (ك٢، ح): ((التأبيد)). (١٥) في الأصل، (م): ((لمالك)). ٤٩ أبوابُ الأدَبِ (١٤١/٨م) الحديثُ السَّابِعُ وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له قال: ((إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ واحِدٍ)). فيه فوائدُ(١): ■ الأولى: اتَّفَقَ عليه الشيخانِ (٢) من طَرِيقِ مالِكٍ. وأخرجه مسلمٌ(٣) من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، والليثِ بنِ سَعدٍ، وأيُّوبَ السَّخِيَانِيُّ، وأيُّوبَ بنِ مُوسَى؛ كُلُّهم عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ. وأخرجه أبو دَاوُد(٤) من طَرِيقِ أبي صَالِحٍ، عن ابنِ عُمَرَ، وفيه: فَقُلتُ لِابنِ عُمَرَ. فَأْربَعَةٌ؟ قال: لَا يَضُرُّكِ(٥). وأخرجه ابنُ ماجَه(٦) من طَرِيقِ ابنِ عُيَينَةَ عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن ابنِ عُمَرَ. ورَواه مالِكٌ(٧) في ((المُوطًّا)) عن عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، قال: ((كُنتُ أنَا وعَبدُ الله بنُ عُمَرَ، عِندَ دَارٍ خَالِدٍ بنِ عُقْبَةً(٨) التي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أن يُنَاجِيَه، [وَلَيسَ مَعَ عَبدِ الله أحَدٌ غَيرِي وغَيرُ الرَّجُلِ الذي يُرِيدُ أن يُنَاجِيَه](٩)، فَدَعَا عَبدُ الله بنُ عُمَرَ رَجُلًا (١٠) آخَرَ حَتَّى كُنَّا أربَعَةً. فقال لِي ولِلرَّجُلِ الذي دَعَا(١١): استَرخِيَا شَيْئًا؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله وَ يَقُولُ: (لَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ واحِدٍ)). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٢): هَذَا عن ابنِ عُمَرَ يُفَسِّرُ حَدِيثَه. طمس في (ش). (١) البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٣٦/٢١٨٣). (٢) (٣) مسلم (٢١٨٣). (٤) أبو داود (٤٨٥٢). في (م): ((يضيرك)). (٥) (٦) ابن ماجه (٣٧٧٦). (٧) الموطأ (٩٨٨/٢). (٨) في (م): ((عتبة)). وينظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٥٢٢/٤). (٩) ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (١٠) في (م): ((برجل)). (١١) في (م): ((دعاه)). (١٢) التمهيد (١٢٠/١٧). طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وقَولُه: استَرخِيَا. مَعنَاه: اجلِسَا وتَحَدَّثَا وانتَظِرَا قَلِيلًا. وقِيلَ: بَل مَعنَى استَرخِيَا واستَأخِرَا سَواءٌ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً))، كَذَا ضَبَطِنَاه على أنَّ ((كَانَ)) نَاقِصَةٌ، ومَعَها اسمُها وخَبَرُها، وكَذَا هو في ((التَّمهيدِ)) عن ((المُوطَّ))، وكَذَا في ((صَحِيحِ البخاريِّ)). ولَفظُ مسلم: ((إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ))، على أنَّها تَامَّةٌ بِمَعنَى وُجِدَ(١)، وقَولُه: (ثَلَاثَةٌ)). اسمُها وهيَ مُكتَفيةٌ بِهِ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((فَلَا يَتَنَاجَى))، كَذَا ضَبَطنَاه بِألِفٍ مَقِصُورَةٍ ثَابِتَةٍ في الخَطِّ، إلَّا أنَّها تَسقُطُ في اللفظِ لِالتِقَاءِ السَّاكِنَينِ، وَكَذَا هو في ((الصَّحِيحَينِ)). وحِينَئِذٍ فَلَفِظُه خَبَرٌ ومَعنَاه النَّهيُّ، واستِعمالُ النَّهيِ بِلَفِظِ الخَبَرِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ كقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لَا يَبِيعُ(٢) أحَدُكُم على بَيعِ أخِيه))(٣). وأشباهه. وذَكَرَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤) أنَّ هَذَا هو المَشهورُ، قال: ووقَعَ في بَعضِ النَّسَخِ: (فَلَا يَتَتَاجَ)) بِغَيرِ ألِفٍ على النَّهىِ، وهيَ واضِحَةٌ. والتَّنَاجِي التَّحَادُثُ سِرًّا. ■ الرَّابِعَةُ: فيه النَّهيُّ عن تَنَاجِي اثنَينِ دُونَ ثَالِثٍ (١٤٢/٨م)، وصَرَّحَ النَّوِيُّ(٥): بِأنَّ هَذَا النَّهيَ لِلتَّحرِيمِ، وقَيَّدَ ذلك بِأن يَكُونَ بِغَيرِ رِضَاه. ثُمَّ قال بَعدَ ذلك: إلَّا أن يَأْذَنَ، والإذنُ أخَصُّ من الرِّضَا؛ فَقَد يُعلَمُ رِضَاه بِذلك بِقَرِينَةٍ، وإن لَم يَأذَن صَرِيحًا. وقَد يُقَالُ: المُرَادُ الإذنُ الصَّرِيحُ أو المَفهومُ بِالقَرِينَةِ فَيَستَوِيَانِ، ولَا يُقَالُ: الرِّضَا أخَصُّ؛ فَإِنَّه قَد يَأذَنُ للمُحَابَاةِ (٦)، وإن لَم يَرضَ بِبَاطِنِهِ؛ لِأنَّ الرضا أمرٌ خَفي لَا يَطَلِعُ(٧) عليه، والحُكمُ إنَّما هو مَنُوّظٌ بِالإذنِ الدَّالِّ عليه، والله أعلمُ. (١) في (ك٢، ح): ((واحد)). (٢) في (ك٢، ح، م): (يبع)). تقدم تخريجه في الحديث الثالث من كتاب البيوع. (٣) (٤) المفهم (٥٢٤/٥). (٥) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٦٧). (٦) في الأصل: ((بالمحاباة)). (م): ((بالمحاياة)). (٧) في (م): ((نطلع)). أبوابُ الأدَبِ 15 ٥١ = وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ(١) عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ أنَّه قال: إلَّا أن يَستَأذِنَاه. وقال ابنُ العَرَبي(٢): بَيَدَ أَنَّه يَجُوزُ لَه أن يُشَاوِرَه؛ لِأَنَّ ذلك صَرِيحُ حَقٌّه. ■ الخَامِسَةُ: مَفهومُ التَّقِيدِ: أنَّهم لَو كَانُوا أَربَعَةً لَم يَمتَنِع تَنَاجِي اثنَيْنِ منهم؛ لِأَنَّ الإِثنَينِ الآخَرَينِ مُتَمَكِّنَانٍ من التَّنَاجِي، وتَقَدَّمَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، من رِوايَةِ أبي (٣) صَالِحٍ وعَبدِ الله بنِ دِينَارٍ . وحَكَى النَّوِيُّ(٤) الإجماعَ على أنَّه لَا بَأْسَ بِهِ. ■ السَّادِسَةُ: عَلَّلَ ذلك في حَدِيثِ (٥عَبدِ الله٥) بنِ مَسعُودٍ، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) (٦) بِقَولِه: ((حَتَّى يَختَلِطُوا بِالنَّاسِ، من أجلِ أن يُحْزِنَه)). وفي رِوايَةٍ: ((فَإِنَّ(٧) ذلك يُحزِنُه)). وهو بِفَتَحِ اليَاءِ وضَمِّها، وقُرِئَ بِهما في السَّبعِ(٨). وقال الخَطَّابي(٩): إنَّما قال: يُحزِنُهُ لِأَحَدِ مَعنّيَينِ: أحَدُهما: أنَّه يُتَوهَّمُ أنَّ نَجَواهما إنَّما هيَ لِتَبِيتِ (١٠) رَأىٍ فيه (١١)، أو دَسِيسٍ غَائِلَةٍ لَه. والمَعنَى (١٢ الآخرُ: أنَّ ذلك١٢) من أجلِ الاختِصَاصِ بالكرَامِةِ (١٣)، وهو يُحزِنُ صَاحِبَه. وقَد ذَكَرَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (١٤) هَذَينِ المَعنَيَينِ بِتَلخِيصٍ، وأَشَارَ إلى الزِّيَادَةِ عليهما؛ فقال: ((يُحزِنُه))؛ أي: يَقَعُ في نَفسِه ما يَحزَنُ لأجلِه، وذلك بأن (١) التمهيد (٢٨٨/١٥). ينظر: أحكام القرآن (٢ / ٤٧٧). (٢) (٤) شرح النووي على مسلم (١٦٨/١٤). (٥ - ٥) ليس في: (ك٢، ح). (٦) البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤/ ٣٧). (٧) في (ك٢، ح): ((وأن)). (٩) معالم السنن (١١٧/٤). (١١) من (ك٢)، وهو موافق لما في المعالم. وفي (ح): ((فتنة)). (١٢) في (م): ((الإحزان وذلك)). (١٣) في (م): ((بإکرامه)). (٣) لیس في: (ك٢، ح). (٨) ينظر: النشر لابن الجزري (٢٤٤/٢). (١٠) في (ك٢، ح): ((بسبب)). (١٤) المفهم (٥٢٥/٥). = ٥٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يُقَدِّرَ في نَفسِه أنَّ الحديثَ عنه بِما يَكرَه أو أنَّهم (١) لَم يَرَوه(٢) أهلًا؛ لَأن يُشرِكُوه في حَدِيثِهم إلى غَيرِ [٢/ ٢٥٤ و] ذلك من ألقِيَاتِ الشَّيطَانِ وحَدِيثِ النَّفْسِ. انتَهَى. وذَكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) الحديثَ من طَرِيقِ ابنِ شِهابٍ مُرسَلًا، وفيه: ((لَا تَدَعُوا صَاحِبَكُمْ نَجِيًّا لِلشَّطَانِ)). وقال: قَولُه: ((نَجِيًّا لِلشَّيْطَانِ))، يُرِيدُ: لِأنَّه يُوسوِسُ في صَدرِه من جِهَتِهما ما يُحزِنُه. ■ السَّابِعَةُ: قال المازَرِي(٤): وكذلك الجَماعَةُ عِندَنَا لَا يَتَنَاجَونَ دُونَ واحِدٍ لِوُجُودِ العِلَّةِ؛ لِأَنَّ قَد يَقَعُ في نَفسِه أنَّ الحديثَ عنه بِما يَكرَه، أو أنَّهم(٥) لَم يَرَوه (٦) أهلًا لِاِطَلَاعِه على ما هم عليه، ويَجُوزُ إذَا شَارَكَه غَيرُه؛ لِأَنَّه يَزُولُ الحُزنُ عنه بِالمُشَارَكَةِ. وكَذَا قال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٧): فَإِن كَانُوا أربَعَةً، فَقَد نَصَّ عُلَمَاؤُنَا على أنَّه لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ الواحِد(٨) . وتَبِعَهما (٩) النَّووِيُّ(١٠) فقال: وكَذَا ثَلَاثَةٌ وأكثَرُ بِحَضرَةٍ واحِدٍ. وكَذَا قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١١): (١٤٣/٨م) يَستَوِي (١٢) في ذلك كُلُّ الأعدَادِ، فَلَا يَتَنَاجَى أربَعَةٌ دُونَ واحِدٍ ولَا عَشرَةٌ ولَا ألفٌ مَثَلًا، لِوُجُودِ ذلك المَعنَى في حَقِّه، بَل وُجُودُه في العَدَدِ الكَثِيرِ أمكَنُ [وأوقَعُ، فَيَكُونُ بِالمَنعِ أولى، وإنَّما خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكرِ؛ لِنَّه أولُ عَدَدٍ يَتَأتَى فيه](١٣) ذلك المَعنَى. ■ الثَّامنةُ: ظَاهرُه: أنَّه لَا فَرِقَ في ذلك بَينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ، وبِه قال (٣) في الأصل، (ك٢، ح): ((أنه)). (١) التمهيد (٢٨٧/١٥، ٢٨٨). في (م): ((الماوردي)). وهو تصحيف. ينظر: إكمال المعلم (٧٩/٧). (٤) (٥) في الأصل، (ك٢، ح): ((أنه)). (٦) في الأصل: ((يره)). (٨) في (م): ((واحد)). (١٠) شرح النووي على مسلم (١٦٧/١٤). (١٢) في (ك٢، ح): ((يستوفي)). (٢) في الأصل: ((يره)). (٧) أحكام القرآن (٢/ ٤٧٧). (٩) في (ش): ((وتبعهم)). (١١) المفهم لما أشكل (٥٢٥/٥). (١٣) ما بين المعكوفين ليس في: (ش). أبوابُ الأدَبِ ٥٣ = الجُمهورُ. وحَكَى القَاضِي عِيَاضٌ(١) حَمَلَه على عُمُومِه عن ابنِ عُمَرَ ومالِكٍ (٢) وجَماعَةٍ من٢) العُلَماءِ(٣). وحَكَّاه النَّوِيُّ عن ابنِ عُمَرَ ومالِكِ وأصحَابِنَا وجَماهيرِ العُلَماءِ. قال الخَطَّابي(٤): وسَمِعتُ ابنَ أبي هرَيرَةً يَحكِي عن أبي عُبَيدِ ابنِ حَربُويه أنَّه قال: هَذَا فِي السَّفَرِ في المَوضِعِ الذي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فيه صَاحِبَه على نَفسِهِ، فَأَما في الحَضَرِ وبَينَ ظَهرَانِي الْعِمارَةِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ. وعَبَّرَ القَاضِي عِيَاضٌ(٥) عن هَذَا بِقَولِهِ: وقِيلَ: إِنَّ المُرَادَ بِهَذَا الحديثِ في السَّفَرِ، وفي (٦المَواضِع التي(٦) لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فيها (٧) صَاحِبَه ولا يَعرِفُه ولَا يَثِقُ بِهِ ويَخشَى غَدَرَه. انتَهَى. فَعَطَفَ قَولَه: ((في المَواضِعِ))(٨)، على ((السَّفَرِ)) بِالواوٍ. فَاقْتَضَى أَنَّه غَيْرُه. ثُمَّ قال(٩) وقَد رُوِيَ في ذلك أثّرٌ، وفيه زِيَادَةٌ: ((بِأرضٍ فَلَاةٍ» . وأشَارَ بِذلك إلى ما رَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((الَّمهيدِ))(١٠)، من طَرِيقٍ أبي سَالِمِ الجَيَشَانِيِّ، عن عَبدِ الله بنِ عَمٍو أنَّ النبيَّ وََّ، قال: ((لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرِ يَكُونُونَ بِأرضٍ فَلَاةٍ: أَن يَتَتَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهما» . ثُمَّ قال القَاضِي عِيَاضٌ: وقِيلَ: كَانَ هَذَا في أولِ الإسلامِ، فَلَما فَشَا الإسلامُ وأمن النَّاسُ سَقَطَ هَذَا الحُكمُ، وذلك ما كَانَ يَفعَلُهُ المُنَافِقُونَ بِمِحَضٍ (١١) المُؤمنينَ، قال الله تعالى: ﴿إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١٠]. (١). إكمال المعلم (٧/ ٨٠)، وشرح النووي على مسلم (١٤/ ١٦٧). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٢ - ٢) ليس في: (ش). (٤) معالم السنن (١١٧/٤). (٥) إكمال المعلم (٧٩/٧). (٦ - ٦) في (ك٢، ح): ((الموضع الذي)). (٨) في (ك٢، ح): ((الموضع)). (٧) في (ك٢، ح): ((فیه)). (١٠) التمهيد (٢٩٣/١٥). والحديث في المسند (١٧٦/٢). (٩) إكمال المعلم (٧٩/٧، ٨٠). (١١) في الأصل، (م): ((بحضرة)). = ٥٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١): كُلُّ ذلك تَحَكُّمٌ وتَخصِيصٌ لَا دَلِيلَ عليه، والصَّحِيحُ ما صَارَ إلَيه الجُمهورُ، والله أعلمُ. وقال ابنُ العَرَبي(٢)، بَعدَ نَقلِه، التَّخصِيصَ بِالسَّفَرِ (٣) حَيثُ يَخَافُ عن (٤) جَماعَةٍ: هَذَا خَبَرٌ عَامُّ اللفظِ والمَعنَى، والعِلَّةُ(٥) الحُزنُ، وذلك مَوجُودٌ في المَوضِعَينِ؛ فَوجَبَ أن يَعُمَّهما النَّهيُّ جَمِيعًا . ■ التَّاسِعَةُ: مَحَلُّ النَّهي عن تَنَاجِي اثنَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ: إذَا كَانَ ذلك الثَّالِثُ مَعَهما في ابتِدَاءِ النَّجوى، فَأَمَا إذَا انفَرَدَ اثنَانِ فَتَنَاجَيَا، ثُمَّ جَاءَ ثَالِثُ في أَثْنَاءِ تَنَاجِيهما، فَلَيسَ عليهما قَطْعُ التَّنَاجِي، بَل جَاءَ في حَدِيثٍ مَنعُه من الدُّخُولِ مَعَهما حَتَّى يَستَأذِنَهما. رَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)) (٦) من طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ أبي سَعِيدٍ المَقبُرِيِّ، قال: جِئت ابنَ عُمَرَ (١٤٤/٨م)، وهو يُنَاجِي رَجُلًا، فَجَلَستُ إِلَيه. فَدَفَعَ في صَدرِي، وقال: ما لَكَ، أما سَمِعتَ أنَّ النبيّ وَّهِ قال: ((إِذَا تَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا يَدخُلُ مَعَهما غَيرُهما حَتَّى يَستَأذِنَهما)»؟ قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَذَا مَعنَى غَيرُ المَعنَى الذي قَبلَه، فَلَا يَجُوزُ لِلثَّلَاثَةِ أن يَتَنَاجَى منهم اثْنَانٍ(٧) دُونَ الثَّالِثِ، ولَا [٢٤٥/٢ظ] يَجُوزُ لِأَحَدٍ أن يَدخُلَ على المُتَنَاجِيَينِ فِي حَالِ تَنَاجِيهما. انتَهَى. قُلت: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَى الحديثِ: فَهِيَه عن الدُّخُولِ في المَوضِعِ الذي هما فيه. ويُحتَمَلُ - وهو أظهَرُ -: أنَّ مَعنَاه نَهيُه عن الدُّخُولِ مَعَهما في التَّنَاجِي والسِّرِّ، وأما قُعُودُه في ذلك المَكَانِ مُتَبَاعِدًا عنهما بِحَيثُ لَا يَسمَعُ سِرَّهما؛ فَأَيُّ مانِعٍ منه؟ وقَد يُقَالُ: لَمَا (٩)افتَتَحَا(٨) بِسِرِّهما٩) من غَيرٍ خُضُورٍ أحَدٍ دَلَّ على أنَّ (١) المفهم (٥٢٥/٥). أحكام القرآن لابن العربي (٤٧٧/٢). (٢) (٤) في (ك٢، ح): ((من)). (٦) التمهيد (٢٩٢/١٥). (٨) بياض في (ك٢). وبعده في (م): ((الإخفاء)). (٩ - ٩) في (ح): ((أسرّهما)). في الأصل: ((بالستر)). (٣) (٥) في (ك٢، ح): ((بالعلة)). (٧) ليس في: (ك٢، ح). ٥٥ أبوابُ الأدَبِ = مُرَادَهما الاِنفِرَادُ، وقَد يَكُونُ في صَوتِ الإنسَانِ جَهورِيَّةٌ تَمنَعُه الإخفَاءَ من حَاضِرِي مَجلِسِه، وقَد يَكُونُ في بَعضِ النَّاسِ ذَكَاءٌ يَفْهَمُ بِهِ ما يُتْسَارِ(١) بِهِ بِسَماعٍ لَفْظَةٍ منه، يُستَدَلُّ بِها على ما خَفي عنه. وقَد يُقَالُ: في جُلُوسِه من القُبحِ التَّصَوُّرُ بِصُورَةِ النَّهي في تَنَاجِي اثنَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ، وقَد لَا يَعلَمُ مَن يَرَاهم كذلك أنَّ الثَّالِثَ طَارِئٌّ عليهم، فَالاحتِرَازُ عن ذلك أولى، واللهُ أعلمُ. ] العَاشِرَةُ: هَل يُشتَرَطُ في زَوالِ النَّهيٍ بِحُضُورٍ رَابِعِ أن يَكُونَ رَفيقًا لَهم أو لَا يُشتَرَطُ ذلك، بَل لَو كَانَ الثَّلَاثَةُ مُنفَرِدِينَ فَاختَلَطُوا بِالنَّاسِ زَالَ(٢) النَّهيُّ لإمكَّانِ (٤تَحَدُّثِ(٣) الآخَر٤ِ) مَعَ بَعضِ النَّاسِ، وإن لَم يَكُنْ رَفِيقًا لَه؟ مُقْتَضَى قَولِه في حَدِيثِ ابنِ مَسعُودٍ: ((حَتَّى يَخَلِطُوا بِالنَّاسِ))، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) يَقْتَضِي(٥) الثَّانِيَ، والمَعنَى يُسَاعِدُ على(٦) الأولِ؛ فَإِن تَخَيُّلَه، أنَّ ذلك لِمَكْرُوهٍ(٧) يُدَبَُّ(٨) لَه أو لِعَدَمِ تَأهيلِه لِلِكَلَامِ مَعَه، لَا يَزُولُ بِكَلَامِه مع (٩) غَيرِ رُفَقَتِهِ (١٠)، ولَكِنَّ اتِبَاعَ مُقتَضَى الحديثِ أولى، والله تعالى أعلمُ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فيه جَوازُ التَّنَاجِي فِي الجُملَةِ. وقال أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(١١): من حُسنِ المُعَاشَرَةِ عَدَمُ المُنَاجَاةِ، ومُنَاجَاةُ الرَّجُلِ دُونَ الرَّجُلِ شَغْلٌ لِيَالِه، ولَو كَانُوا في ألفٍ، بَيدَ أنَّه لَمَا كَانَ أمرًا مُحتَاجًا إلَيه، وكَانَ أصلُه في الشَّرِعِ أن يَكُونَ لِحَاجَةٍ، ولِما قال الله من مَصلَحَةٍ: كَالصَّدَقَةِ والمَعْرُوفِ والإصلاحِ بَينَ النَّاسِ، فَمن الحَقِّ أن يَصُونَ الرَّجُلُ مُرُوءَتَه ودِينَه فَلَا (١) في (م): ((يسار)). (٢) في الأصل: ((زوال)). (٤ - ٤) في (ك٢، ح): ((الآخر التحدث)). (٥) بعده في (ش): ((أن)). (٧) في الأصل: ((المكروه)). (٩) في (ح، م): ((من)). (١١) عارضة الأحوذي (١٠/ ٢٦٧). (٣) في (م): ((تحديث)). (٦) ليس في: الأصل. (٨) في الأصل، (ح): ((تدبر)). (١٠) في (م): ((رفيقه)). = ٥٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يَتَنَاجَى إلَّا في أربَعَةِ أحوالٍ: إما في حَاجَةٍ لَه، (١أو في١) الثَّلَاثَةِ المَذكُورَاتِ في كِتَابِ الله تعالى. انتَهَى. (١٤٥/٨م) الحديثُ الثَّامن فجّ رعن ھَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «إِذَا نَظَرَ أحَدُكُم إلى مَنَّفُضِّلَ عليه في المالِ والخَلقِ، فَلَيَنظُر إلى مَن هو أسفَلَ منه مِمَّن فُضِّلَ عليه)). فيه فوائدُ : ■ الأولى(٢): انفَرَدَ بِهِ مسلمٌ(٣) من هَذَا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعَمَرٍ، عن هَمامٍ. وأخرجه البخاريُّ(٤) من طَرِيقِ مالِكٍ. ومسلمٌ من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ كِلَاهما عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرجِ. وأخرجه مسلمٌ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه(٥) مِن طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحِ بِلَفِظِ: ((انظُرُوا إلى مَن هو أسفَلَ منكُم، ولَا تَنظُرُوا إلى مَن هو فَوقَكُم، فهو أجدرٌ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعمَةَ الله علیگُم». ■ الثَّانِيَةُ(٦): قَولُه: ((إِذَا نَظَرَ أحَدُكُم إلى مَن فُضِّلَ عليه في المالِ والخَلقِ)). هو بِفَتحِ الخَاءِ المُعجَمَةِ وسُكُونِ اللامِ. (١ - ١) في (ك٢، ح): ((أولى)). (٢) طمس في (ش). (٣) مسلم (٢٩٦٣). (٤) البخاري (٦٤٩٠)، ومسلم (٨/٢٩٦٣). مسلم (٩/٢٩٦٣)، والترمذي (٢٥١٣)، وابن ماجه (٤١٤٢). (٥) طمسُ في (ش). (٦) ٥٧ أبوابُ الأدَبِ = وقَولُه: ((فَلَيَنظُر إلى مَن هو أسفَلَ منه))؛ أي: أسفَلَ من النَّاظِرِ في المالِ والخَلقِ. وقَولُه: ((مِمَّن فُضِّلَ عليه))؛ أي: فُضِّلَ النَّاظِرُ عليه. وخَرج بِذِكرِ المالِ والخَلقِ: ما إذَا نَظَرَ (١إلى مَن١) فُضِّلَ عليه في العِلمِ والدِّينِ والإِجتِهادِ في العِبَادَةِ ومُعَالَجَةِ النَّفسِ بِدَفعِ الأخلاقِ السَّيِّئَةِ وجَلبٍ الحَسَنَةِ، فَهَذَا يَنبَغِي النَّظَرُ فيه (٢) إلى الفَاضِلِ لِيُقْتَدَى بِهِ دُونَ المَفْضُولِ؛ لِأَنَّه يَتَگاسَلُ بِذلك. بِخِلَافِ الأولِ، فَإِنَّه لَا يَنظُرُ فيه إلى الفَاضِلِ لِما فيه من احْتِقَارِ نِعمَةِ (٣) الله عليه بِالنِّسبَةِ إلى نِعمةِ (٤) ذلك الفَاضِلِ في المالِ أو(٥) الخَلقِ، وإنَّما يَنْبَغِي أن يَنْظُرَ فِي هَذَا إلى المَفضُولِ لِيَعرِفَ قَدَرَ نِعمَةِ الله عليه، وهَذَا(٦) أدَبٌ حَسَنٌ أدَّبَنَا بِه نَبِينَا وَلِّ، فيه مَصلَحَةُ دِينِنَا [٢٥٥/٢ ] ودُنيَانَا وعُقُولِنَا وأبدَانِنَا ورَاحَةٍ قُلُوبِنَا، فَجَزَاه الله عن نَصِيحَتِهِ أفضَلَ ما جَزَى بِه (٧) نَبِيًّا (٨ عن أمته(٨). ■ الثَّالِثَةُ: قال مُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ وغَيرُه (٩): هَذَا حَدِيثٌ جَامِعٌ لأنواعٍ من (١٤٦/٨م) الخَيرِ: لِأَنَّ الإنسَانَ إذَا رَأَى مَن فُضِّلَ عليه في الدُّنيًا: طَلَبَتَ نَفسُه مِثلَ ذلك، واستَصغَرَ ما عِندَه من نِعمَةِ الله تعالى، وحَرَصَ على الإِزدِيَادِ لِيَلحَقَ بِذلك أو يُقَارِبَه، هَذَا هو المَوُودُ فِي غَالِبِ النَّاسِ، وأما إذَا نَظَرَ في أمُورِ الدُّنيَا إلى مَن هو دُونَه فيها: ظَهَرَت لَه (١٠) نِعمَةُ الله تعالى فَشَكَرَها وتَواضَعَ وفَعَلَ الخَيرَ. انتَهَى. (١ - ١) في الأصل، (م): ((لمن)). (٢) لیس في: (ح). (٤) في (م): ((نعمته على)). (٥) في الأصل، (م): ((و)). (٧) من (م). (٦) في (ك٢، ح): ((وذلك)). (٨ - ٨) من (ش). (٣) في الأصل: ((نعم)). (٩) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٩٩/١٠)، وشرح النووي على مسلم (١٨ / ٩٧). (١٠) ليس في: (ك٢، ح). = ٥٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ومن هنَا يَنْبَغِي لِلإِنسَانِ اجتِنَابُ الاختِلَاطِ بِأهلِ الدُّنيَا والتَّوسُّعِ منها ومن كَسِها ونَعِيمِها(١)؛ لِأنَّ قَد يُؤَدِّي إلى هَذِهِ المَفسَدَةِ. وقال بَعضُهم (٢): جَالَستُ الأغنِيَاءَ فَاحْتَقَرتُ لِبَاسِي إِلى لِبَاسِهم ودَابَّتِي إلى دَوابُهم، وجَالَستُ الفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحتُ. الحديثُ التَّاسِعُ وعن سَالِم، عن أبيه، أنَّه قال: سَمِعَ النبيّ ◌َّه رَجُلًّا يَعِظُ أخَاه في الحَيَاءِ، فقال: الحُيَاءُ من الإيمانٍ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجه مسلمٌ، والترمذيُّ، وابنُ ماجَه(٣) من طَرِيقِ سُفيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ. والبخاريُّ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ مالِكِ. ومسلمٌ(٥) وحدَه من طَرِيقِ مَعمٍَ؛ ثَلَاثَتُهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمِ، عن أبيه. ■ الثَّانِيَةُ (٦): الحَيَاءُ مَمدُودٌ، وهو الاستِحيَاءُ. قال الواحِدِيُّ (٧): قال أهلُ اللُّغَةِ: الاستِحيَاءُ من الحَيَاةِ، واستَحيا (٨) الرَّجُلُ: من قُوةِ الحَيَاةِ فيه؛ لِشِدَّةِ عِلمِه بِمَواقِع (٩) العَيبِ. قال: فَالحَيَاءُ من قُوةٍ الحِسِّ ولُطفِه وقُوةِ الحَيَاةِ. (١) في (ك٢، ح): ((ونعمها)). (٢) قاله عون بن عبد الله، كما في أنساب الأشراف للبلاذري (٢٣٧/١١). مسلم (٥٩/٣٦)، والترمذي (٢٦١٥)، وابن ماجه (٥٨). (٣) (٤) البخاري (١٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والنسائي (٥٠٤٨). (٥) مسلم (٣٦). (٧) شرح النووي على مسلم (٥/٢). (٩) في (ك٢، ح): (لواقع)). (٦) طمس في (ش). (٨) في (م): ((واستحياء)). أبوابُ الأدَبِ ٥٩ = وفي ((رِسَالَةِ الإمام القُشَيرِيِّ))(١) عن الجُنَيدِ رَحِمَهما الله تعالى، أنَّه قال: الحَيَاءُ رُؤيَةُ الآلَاءِ؛ أي: النِّعَم، ورُؤْيَةُ الَّقصِيرِ، فَيَتَوَلَّدُ بَينَهما حَالَةٌ تُسَمَّى الحَيَاءُ، وعَرَّفَ غَيرُ واحِدِ الحَيَاءَ(٢): بِأنَّه تَغَيُّرٌ وانكِسَارٌ يَعرِضُ لِلإِنسَانِ من تَخَوُّفٍ ما يُعَابُ بِهِ أو يُذَمُّ عليه. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)): أصلُ الحَيَاءِ [الامِنَاءُ، أو ما(٣) يُقَارِبُه من مَعنَى الاِنقِبَاضِ. وقال بَعضُهم: صَوابُه الاِنكِسَارُ (٤بَدَلَ الاِمْتِنَاع٤ِ). وقَد ذَكَرَ بَعدَ ذلك: أنَّ](٥) الامتِنَاعَ من لَوازِمِ الحَيَاءِ، فَيُطلَقُ الحَيَاءُ على الاِمِنَاعِ (٦إطلاقًا لِاسم٦ِ) المَلِزُومِ على اللازِمِ. انتَهَى. فَكَيفَ يَكُونُ لَازِمُ الشَّيءِ هو أصلُ مَدُلُولِهِ؟ ! . ■ الثَّالِثَةُ: (١٤٧/٨م) قَولُه: ((يَعِظُ أخَاه في الحَيَاءِ»، مَعنَاه: يَعذُلُه على فِعلِه ويَذْكُرُ لَه مَفَاسِدَه، فَنَهاه النبيّ وَّر عن ذلك، وقال: ((دَعه فَإِنَّ الحَيَاءَ من الإِيمانِ))، وهَذِهِ اللفظَةُ وهيَ ((دَعه)) انفَرَدَ بِها البخاريُّ عن(٧) مسلم(٨). ■ الرَّابِعَةُ: قال الإمامُ المازَرِيُّ(٩): إنَّمَا كَانَ الحَيَاءُ - وهو في الأكثَرِ غَرِيزَةٌ - من الإيمانِ الذي هو اكتِسَابٌ؛ لِأَنَّ الحَيَاءَ يَمنَعُ من المَعصِيَةِ كَما يَمنَعُ الإيمانُ منها . وأخَذَ ذلك من ابنٍ قُتَيبَةً(١٠) فَإِنَّه ذَكَرَه مَبسُوطًا، فقال: مَعنَى هَذَا الحديثِ: أنَّ الحَيَاءَ يَمنَعُ صَاحِبَه من ارتِكَابِ المَعَاصِي كَما يَمنَعُ الإيمانَ، فَجَازَ أن يُسَمَّى (١) الرسالة القشيرية (ص٩٩)، وشرح النووي على مسلم (٥/٢). (٣) ليس في: (ش). (٢) شرح العمدة (ص٥٤)، ط. الرسالة. (٤ - ٤) ليس في: (ك٢). (٥) شرح العمدة (ص٧٢)، ط. الرسالة. (٦ - ٦) في الأصل، (م): ((إطلاق الاسم)). (٨) وينظر: تحفة الأشراف (٣٧٣/٥). (٩) المعلم بفوائد مسلم (٦٠/١). (٧) في (ك٢، ح): ((و)). (١٠) تأويل مختلف الحديث (ص٢٣٧، ٢٣٨)، وغريب الحديث له (١٤٩/١). = فى ٦٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ إيمانًا؛ لِأَنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّيءَ بِاسم ما قَامَ مَقَامَه (١أو كَانَ شَبِيهًا(١) بِهِ، أَلَا تَرَى أنَّهم يُسَمُّونَ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ صَلَاةً، وأصلُ ذلك الدُّعَاءُ، (٢فَلَمَا كَانَ الدُّعَاءُ(٢) يَكُونُ في الصَّلَاةِ سُمِّيَتِ صَلَاةً، وكذلك الزَّكَاةُ وهيَ تَثْمِيرُ المالِ(٣) ونَمَاؤُه، فَلَما كَانَ النَّماءُ يَقَعُ بِإِخِرَاجِ الصَّدَقَّةِ عن المالِ سُمِّيَ زَكَاةً، حَكَاه عنه ابنُ بَطَّالٍ (٤). ، الخَامِسَةُ: قال النَّووِيُّ(٥): قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦) وغَيرُه من الشُّرَّاحِ(٧): إنَّما جُعِلَ الحَيَاءُ من الإيمانِ، وإن كَانَ غَرِيزَةً؛ لِأنَّه قَد يَكُونُ تَخَلُّقًا واكتِسَابًا كَسَائِرِ أعمالِ البِرِّ، وقَد يَكُونُ غَرِيزَةً، ولَكِنَّ استِعمالَه على قَانُونِ الشَّرعِ يَحْتَاجُ إلى اكتِسَابٍ [٢٥٥/٢ظ] ونِيَّةٍ وعِلمٍ، فَهو من الإيمانِ لِهَذَا، ولِكَونِهِ بَاعِثًا على أفعَالِ البِرِّ ومانِعًا من المَعَاصِي. قال النَّوِيُّ: وأما كَونُ(٨) الحَيَاءِ خَيرًا كُلُّهُ ولَا يَأتِي إلَّا بِخَير، فَقَد يُشكِلُ على بَعضِ النَّاسِ من حَيثُ إنَّ صَاحِبَ الحَيَاءِ قَد يَستَحيي أن يُواجِهَ بِالحَقِّ مَن يُجِلُّه، فَيَتْرُكُ أمرَه بِالمَعرُوفِ ونَهِيَه عن المُنكَرِ، وقَد يَحمِلُهُ الحَيَاءُ على الإخلالِ بِبَعضِ الحُقُوقِ وغَيرِ ذلك مِما هو مَعْرُوفٌ في العَادَةِ. قال: وجَوابُ هَذَا ما أجَابَ بِهِ جَماعَةٌ من الأئمَّةِ، منهم الشَّيخُ أبو عَمرِو ابنُ الصَّلَاحِ تَظُّهُ: أنَّ هَذَا المانِعَ الذي ذَكَرِنَاه لَيسَ بِحَيَاءٍ (٩) حَقِيقَةً، بَل هو عَجِزٌ وخَورٌ (١٠) وَمَهانَةٌ. وإنَّما تَسمِيَتُه حَيَاءً من إطلَاقِ بَعضِ أهلِ العُرفِ أطلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِه الحَيَاءَ(١١) الحَقِيقِيَّ، وإنَّما حَقِيقَةُ الحَيَاءِ خَلقٌ يُبعَثُ على تَركِ القَبِيحِ ويَمنَعُ من (١ - ١) في (ك٢، ح): ((وإن شبهًا)). (٢ - ٢) ليس في: (ك٢، ح). (٣) ليس في: (ك٢، ح). (٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧٦/١). (٥) شرح النووي على مسلم (٥/٢، ٦). (٦) إكمال المعلم (١/ ٢٧٢). (٧) كشف المشكل (٤٩٧/٢)، وشرح ابن بطال (٦١/١)، والاستذكار (١٢٣/٢٦). (٨) في (ك٢، ح): ((كونه)). (٩) في (ك٢، ح): ((الحياء)). (١١) في (ك٢، ح): ((للحياء)). (١٠) في (ك٢، ح): ((وجور)).