النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
بَابُ الاستِهامِ عَلى اليَمِينِ
الحَلِفِ، فَأيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ، قال: فَقَضَى(١) بِهَذا(٢) وأنَا شَاهدٌ(٣).
ا الرَّابِعَةُ: وأما رِوايَةُ البخاريِّ: أنَّ النبيّ وَّهُ عَرَضَ(٤) عَلى قَومِ الْيَمِينَ
فَأَسرَعُوا .
فَيُحْتَمَلُ أنَّ أولَئِكَ القَومَ لَم يَكُونُوا مُتَنَازِعِينَ، بِحَيثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ يَدَّعِي
نَقِيضَ(٥) ما يَدَّعِي صَاحِبُه، بَل كَانُوا مُدَّعَى عليهم بِأمرٍ واحِدٍ؛ كوضعٍ (٦) أيدِیهم
عَلى عَينٍ ونَحوِها، فَأَجَابُوا بِالإنكَارِ، وتَوجَّهَت عليهم اليَمِينُ، فَصَارُوا
مُتَسَرِّعِينَ(٧) إلى الحَلِفِ، ولَا جَائزَ أن يَقَعَ حَلِفُهم في وقتٍ واحِدٍ؛ لِأَنَّه إنَّما يَقَعُ
(مُعتَبَرًا بِهِ)(٨) إِذَا صَدَرَ بِتَلِقِينِ الحَاكِمِ، فَقَطَعَ النِّزَاعَ بَيْنَهم بِالقُرعَةِ، فَمَن خَرجت
لَه القُرعَةُ بُدِىَ بِهِ، وهَذَا واضِحٌ(٩) لَا يَلَزَمُ عليه الإشكَالُ الذي في رِوايَةِ المُصَنِّفِ
وأبِي، دَاوُد، واللهُ أعلمُ.
في الأصل، (م): ((قضى)).
(١)
(٢) في الأصل، (م): ((بها)).
(٣)
أخرجه عبد الرزاق (١٥٢٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٥٩/١٠)، وفي المعرفة (٤٦٥/٧)
وهذا لفظه.
(٤)
ليست في (٢٥).
(٦)
في (ك٢): ((لوضع)).
في (ك٢): («معتبر أنه)).
(٨)
(٥) في (ك٢، ح): ((بقبض)).
(٧) في (ش): ((مسرعين)).
(٩) بعده في (٢٤): ((لأنه)).

كِتَابُ الشَّهادَاتِ
٣٦٣
كِتَابُ الشّهادَاتِ
الحديثُ الأولُ
عن عَبدِ الله بنِ مَسعُودٍ قال: لَمَا نَزَلَت هَذِه الْآيَةُ ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّمْ
يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّاسِ، وقَالُوا:
يا رسولَ الله، فَأَيُّنَا الذي لَا يَظْلِمُ نَفسَه؟ قال: ((إنَّه لَيسَ الذي تَعْنُونَ؛ أَم
تَسمَعُوا ما قال العَبدُ الصَّالِحُ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكَ بِاللَّهِ إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيرٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنَّما هو الشِّرُكُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: اثَّفَقَ عليه الشيخانِ(١) وغَيرُهما من هَذَا الوجه من طَرِيقٍ
الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلقَمَةَ، عن عَبدِ الله.
■ الثَّانِيَةُ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢): هَكَذَا (٨٩/٨م) وقَعَ الحديثُ
هنَا في ((صَحِيحٍ مسلمٍ))، ووقَعَ في ((صَحِيحِ البخاريِّ)) لَما نَزَلَت الآيَةُ، قال(٣)
(١) البخاري (٣٢، ٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٣٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٤٧)،
ومسلم (١٩٧/١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩٠،
١١١٦٦).
(٢)
شرح مسلم (١٤٣/٢).
في (ك٢، ح): ((قالت)).
(٣)

=
٣٦٤ ك
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أصحَابُ رسولِ اللهِ وَ له: أيُّنَا لَم يَظْلِمِ نَفسَه؟ فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [لقمان: ١٣]. وأعلَمَ النبيّ وَّ أنَّ الظّلمَ المُطلَقَ هنَاكَ المُرَادُ
بِهِ هَذَا المُقَيَّدُ وهو الشِّركُ، فقال لَهم النبيّ وَّ بَعدَ ذَلِكَ: لَيسَ الظُلمُ عَلى
إطلَاقِه وعُمُومِه كَما ظَنَنتُم، إنَّما هو (٢) الشِّركُ كَما قال لُقمانُ لِبنِه،
فَالصَّحَابَةُ ﴿ُهِ حَمَلُوا الظُّلَمَ عَلى عُمُومِه، والمُتَبَادَرُ إلى الأفهامِ منه، وهو
وضعُ الشَّيءٍ في غَيرِ مَوضِعِه وهو مُخَالَفَةُ الشَّرعِ، فَشَقَّ عليهم إلى أن أعلَمَهم
النبيِّ ﴿ بِالمُرَادِ بِهَذَا الظُّلِمِ، انتَهَى.
قُلتُ: وتَبَيَّنَ بِذَلِكَ حَملُ الإيمانِ هِنَا عَلى التَّصدِيقِ، فَهو الذي يُلِسُه؛ أي:
يَخلِطُه ويَمنَعُ وُجُودَه الشِّركُ، أما لَو حُمِلَ(٣) عَلى الأعمالِ، فَإِنَّه يَخلِطُها غَيرُ
الشّركِ من الظّلمِ والمَعَاصِي، والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: فيه أنَّ المَعَاصِيَ لَا تَكُونُ كُفرًا .
الرَّابِعَةُ: لَا يَخْفَى (٤) أنَّ المُرَادَ بِالعَبدِ الصَّالِحِ لُقمانُ، وهو مُصَرَّحٌ
بِه في رِوايَةٍ أُخرَى، وقَد يُستَدَلُّ بِوصفِه بِذَلِكَ خَاصَّةً عَلى أنَّه لَيسَ نَبِيًّا.
وبِهِ قال الجُمهورُ، وقال الإمامُ أبو إسحاقَ الثَّعَلَبِيُّ(٥): اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّه
كَانَ حَكِيمًا، ولَم يَكُن نَبِيًّا إلَّا عِكرِمَةَ، فَإِنَّه قال: كَانَ نَبِيًّا، وتَفَرَّدَ بِهَذَا
القَولِ، وأما ابنُ لُقمانَ الذي قال لَه: ﴿لَا تُشْرِكِ بِلَّهِ﴾. فَقِيلَ: اسمُه أنعَم،
والله أعلَمُ.
(١) بعده في (ش): ((فهاتان الروايتان إحداهما تبين الأخرى، فيكون لما شق عليهم أنزل الله
تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)).
(٢)
ليس في: الأصل، (م).
(٣)
بعده في (ك٢، ح): ((الإيمان هنا)).
(٤)
في (ش): ((خلاف)).
(٥) تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) (٣١٢/٧).

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
٥٣٦٥
الخَامِسَةُ: أورَدَه المُصَنِّفُ [٢٣٨/٢و] تَّتُهُ في الشَّهادَاتِ؛ كَأنَّه
لِلإِسْتِدلَالِ بِه عَلى أنَّ مُطلَقَ الظّلمِ والمَعصِيَةِ لَا يُخرِجُ الإنسَانَ عن العَدَالَةِ،
نِ: فَأَيُّنَا الذي لا (١) يَظلِمِ نَفْسَه. وتَقِيرٍ
ولَا يُبطِلُ الشَّهادَةَ، لِقَولِ الصَّحَابَةِ ﴾
النبيّ وَ ﴿ لَهم عَلى ذَلِكَ، وهو كَذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ إِذَا لَم يَحصُل الإصرَارُ
عليها، لَا تُخرِجُ عن العَدَالَةِ. وقَد قال الشَّافِعِيُّ ◌َُ(٢): لَيسَ أحَدٌ يَمْحَضُ(٣)
الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَخِطَها بِمَعصِيَةٍ، ولَا يَمِحَضُ المَعصِيَةَ حَتَّى لَا يَخْلِطَها بِطَاعَةٍ،
فَمَن غَلَبَتِ طَاعَتُهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ (٤)، فَهو العَدلُ، ومَن غَلَبَتِ مَعَاصِيه عَلى طَاعَتِهِ،
فَهو الفَاسِقُ.
■ السَّادِسَةُ: وكَانَ والِدِي بَّتُهُ: أورَدَ أولًا هَذَا الحديثَ في كِتَابٍ
الطَّهارَةِ لِلاستِدلَالِ بِهِ عَلى أَنَّ الَّشْرِيكَ(٥) في العِبَادَةِ مُفسِدٌ لَها، كَما أَنَّ التَّشرِيكَ
في الأُلُوهَيَّةِ مُفسِدٌ لِلإِيمانِ، ثُمَّ نَقَلَه إلى هَذَا المَوضِعِ لِما ذَكَرْنَاه، والاستِدلَالُ
المَذكُورُ أيضًا لَا بَأسَ بِهِ .
والشَّيخُ كَُّهُ لَمَا التَزَمَ هَذِه التَّرَاجِمَ المَحصُورَةَ التي قِيلَ فيها: إنَّها
أصَحُّ الأسَانِيدِ، وقَعَت لَه فيها أحَادِيثُ لَيسَت(٦) (٩٠/٨م) فِقهيَّةً(٧)، فَاحْتَاجَ
إلى مِثلِ هَذَا، وهو فِقْهُ دَقِيقٌ إن أنصَفتَ، وتَكَلُّفٌ (٨) إن أسرَفت، والعِلمُ
عِندَ الله تعالى.
في الأصل، (م): ((لم)).
(١)
ينظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (٢٣٢/١ - ٢٣٣).
(٢)
(٣)
في (ك٢، ح): ((بمحض)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((معاصيه)).
(٥)
في (ك٢، ح): ((الشريك)).
(٦)
ليست في (ك٢، ح).
(٧)
في (ك، ح٢): ((الفقهية)).
في الأصل، (م): ((وتكلفت)).
(٨)

=
3
٣٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّانِي
وعن الأعرج، عن أبِي هَرَيرَةَ رَظُبهِ: أنَّ رسولَ الله وَطِّ قال: ((من
شَرِّ النَّاسِ ذُو الوجهَينِ؛ الذي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوجهٍ، وهَؤُلَاءِ بِوجهٍ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرجه مسلمٌ(١) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ مالِكٍ، عن
أبِي الزِّنَادِ، عن الأعرَج. وانَّفَقَ عليه الشيخانِ (٢) من طَرِيقِ عِرَاكِ بنِ مالِكِ،
بِلَفِظِ: ((إِنَّ شَرَّ(٣) النَّاسِ ذُو الوجهَينِ)).
وأخرجه مسلمٌ(٤) من طَرِيقِ سَعِيدٍ بنِ المُسَيِّبِ، [وأبِي زُرعَةَ بنِ](٥) عُمَرَ،
◌ِلَفِظِ (٦): ((تَجِدُونَ من شَرِّ النَّاسِ ذَا الوجهَينِ)) الحديثَ، كُلُّهم، عن أبِي هَرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): هَذَا حَدِيثٌ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنُه
كَظَاهِرِهِ فِي البَيَانِ (٨) عن ذَمِّ مَن هَذِهِ حَالُه. وقَد تَأولَه قَومٌ عَلى أنَّه(٩) الذي
يُرَائِي بِعَمَلِهِ، ويُرِي لِلنَّاسِ (١٠) خُشُوعًا واستِكَانَةً، ويُوهُمُهم (١١) أنَّه يَخشَى اللّهَ
حَتَّى يُكرِمُوه. ولَيسَ الحديثُ عَلَى ذَلِكَ.
مسلم (٩٨/٢٥٢٦).
(١)
البخاري (٧١٧٩)، ومسلم (٩٩/٢٥٢٦).
(٢)
(٣)
في (م): ((أشر)).
(٤)
مسلم (١٠٠/٢٥٢٦).
في (ك٢، ح): ((واتحد بن عدي)).
(٥)
(٦)
في الأصل، (م): «وبلفظ».
(٧)
التمهيد (٢٦١/١٨).
في (ك٢، ح): ((البنيان».
(٨)
(٩) في (ك٢، ح): ((أن)).
(١٠) في (ش): ((الناس)).
(١١) في (ك، ح٢): ((يوهمهم)).

كِتَابُ الشَّهادَاتِ
٣٦٧
وقَولُه: ((يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوجهٍ وهَؤُلَاءِ بِوجهٍ)). يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ. ثُمَّ رويَ عن
أبِي هُرَيرَةً(١) مَرُفُوعًا: ((لَا يَنبَغِي لِذِي الوجهَينِ: أن يَكُونَ أمِينًا))(٢). وعن أنَسٍ
مَرْفُوعًا: ((من كَانَ ذَا لِسَانَينٍ في الدُّنيَا جَعَلَ الله لَه (٣) لِسَانَينِ (٤) من نَارٍ يَومَ
القِيَامَةِ))(٥). قال: ومن هَذَا الحديثِ أخَذَ القَائِلُ قَولَه(٦):
(٢) إن شرَّ الناسِ(٢) من(٨) يَكشرُ لِي حِينَ يَلقَانِي وإن غِبْتُ شَثَمَ
وقال النَّوِيُّ(٩): في تَوجِيه الحديثِ سَبَبٌ ظَاهرٌ؛ لِأَنَّه نِفَاقٌ مَحضّ،
وكَذِبٌ، وخِدَاعٌ، وتَحَيُّلٌ، عَلى اطَلَاعِه(١٠) عَلى أسرَارِ الطَّائفَتَينِ، وهو الذي
يَأْتِي كُلَّ طَائفَةٍ بِما يُرضِيها ويُظهرُ لَها أنَّه منها في خَيرٍ أو شَرِّ، وهيَ(١١)
(١)
التمهيد (٢٦٢/١٨).
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣١٣)، والبزار (٨٢٧٨)، والخرائطي في اعتلال
(٢)
القلوب (٣٧٥)، وفي مساوئ الأخلاق (٢٨٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٨٦٩)،
والبيهقي في الكبرى (٢٤٦/١٠)، وفي الشعب (٤٥٣٩)، وفي الآداب (٤٥٣٩)، من
طريق سلمان الأغر، عن أبي هريرة
(٣)
ليست في (ك٢، ح).
(٤)
بعده في (م): ((في الآخرة)).
(٥)
أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٠)، والبزار (٦٦٩٩)، والخرائطي في اعتلال
القلوب (٣٧٦)، وفي مساوئ الأخلاق (٢٨٣)، وأبو نعيم في الحلية (١٦٠/٢)،
والقضاعي في مسند الشهاب (٤٦٣) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن
أنس ربه مرفوعًا. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحسن، عن أنس إلا
إسماعيل بن مسلم؛ تفرد به أنس.
(٦) البيت للملتمس، وقيل: للمثقب العبدي، ينظر: العين للخليل بن أحمد (٢٩١/٥)،
وأساس البلاغة (١٣٦/٢)، وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (٩/ ٥٨٤٢)،
المفضليات (ص٢٩٤)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (٣٠٧/١)،
وخزانة الأدب (٨٥/١١).
(٧ - ٧) ليس في: الأصل، (م).
(٨) من مصادر التخريج.
(٩) شرح النووي على مسلم (٧٩/١٦).
(١٠) ليس في: (ش).
(١١) ليس في: (ك٢).

=
٣٦٨
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ. ثُمَّ ذَكَرَ الحديثَ بَعدَ ذَلِكَ وبَوّبَ عليه: بَابُ ذَمِّ ذِي(١)
الوجهَينِ وتَحرِيم فِعلِه، قال(٢): والمُرَادُ: مَن يَأْتِي كُلَّ طَائفَةٍ ويُظهرُ أنَّه منهم
ومُخَالِفٌ(٣) لِلآخَرِينَ مُبْغِضٌ، فَإن أَتَى كُلَّ طَائِفَةٍ بِالإصلاحِ ونَحوِهِ فَمَحمُودٌ(٤).
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٥): (٩١/٨م) إنَّما كَانَ ذُو الوجهَينِ(٦) شَرَّ
النَّاسِ؛ لِأَنَّ حاله حَالُ المُنَافِقِينَ، إذ هو مُتَمَلُقٌ بِالبَاطِلِ وبِالكَذِبِ، مُدخِلٌ
لِلفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ والشُّرُورِ والتَّقَاطُعِ والعَداوةُ(٧) والبَغضَاءِ (٨).
■ الثَّالِثَةُ: فَإِن قُلتَ: كَيفَ الجَمِعُ بَينَ هَذَا الحديثِ، (٩ وبَينَ الحديث٩ِ)
الآخَرِ الثَّابِتِ في ((الصَّحِيحَينِ))(١٠) عن عَائِشَةَ ﴿: أنَّ رَجُلًا استَأْذَنَ عَلى
النبيّ وَّ فقال: ((ائذَنُوا لَه، فَبِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ)). فَلَما دَخَلَ ألَانَ لَه القَولَ،
فَقُلتُ: يَا رسولَ الله قُلتَ لَه الذي قُلتَ(١١)، ثُمَّ أَلَنتَ لَه القَولَ؟ قال: ((يَا عَائِشَةُ،
إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ الله يَومَ القِيَامَةِ، مَن تَرَكَه(١٢) النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِه)).
قُلتُ: لَا مُنَافَاةَ بَينَهما؛ فَإِنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لَم يُثنِ عليه في
وجهه، ولَا قال كَلَامًا يُضَادُّ ما قاله في حَقِّه في غَيْبَتِه [٢٣٨/٢ظ]، إنَّمَا تَأَلَّفَه
بِشَيءٍ من الدُّنيَا مَعَ لِينِ الكَلَامِ لَه، وإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَأْلُّفًا لَه ولِأَمثَالِهِ عَلى
(١)
في (ك، ح٢): ((ذا)).
(٢)
في (ك٢، ح): ((وقال)).
(٣)
في (ك٢، ح): ((ويخالف)».
شرح النووي على مسلم (١٥٦/١٦).
(٤)
المفهم (٤٧٨/٦).
(٥)
بعده في (م): ((من)).
(٦)
في (م): ((والعدوان
(٧)
(٨) بعده في (م): ((والتنافر)).
(٩ - ٩) ليس في: (ك٢، ح).
(١٠) البخاري (٦٠٣٢، ٦٠٥٤، ٦١٣١)، ومسلم (٢٥٩١).
(١١) بعده في (ك٢، ح): ((له)).
(١٢) في (ك٢): ((يكرمه)).

٣
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
الإسلامِ، ولَم يَكُن أسلَمَ في البَاطِنِ حِينَئذٍ (١)، وإِن كَانَ قَد أَظهَرَ الإِسلَامَ،
فَبَيَّنَ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ حاله لِيُعرَفَ(٢) ولَا يُغتَرَّ بِهِ، وتَأَلَّفَه رجاءَ صِحَّةٍ
إيمانِهِ، وقَد كَانَ منه في (٣) حَيَاةِ النبيّ وَُّ وبَعدَه ما دَلَّ عَلى ضَعفِ إِيمانِهِ،
وارتَدَّ مَعَ المُرتَدِّينَ وجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إلى أبِي بَكرٍ رَ﴾.
■ الرَّابِعَةُ: أورَدَه المُصَنِّفُ تَظْلِفُ هِنَا؛ لِلاستِدلَالِ بِهِ عَلى أَنَّ مَن كَانَ بِهَذِهِ
الصَّفَةِ، (٤لَا تُقبَلُ شَهادَتُه: لِأَنَّه إن كَانَ شَرَّ النَّاسِ أو من شَرِّ النَّاسِ فَلَيسَ مِمَّن
يَرضَى، وقَد قال الله تعالى: ﴿مِتَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولَا شَكَّ
في دَلَالَةِ هَذَا الحديثِ عَلى تَحْرِيمِ هَذَا الفِعلِ، وأنَّه كَبِيرَةٌ، ومَن كَانَ بِهَذِه
الصُّفَة٤ِ) فَهو مَرَدُودُ الشَّهادَةِ.
■ الخَامِسَةُ: وصفُه بِأنَّه شَرُّ النَّاسِ ذَمٌّ عَظِيمٌ. والّاهرُ: أنَّه يُؤَولُ عَلى
الرِّوايَةِ الأُخرَى التي فيها: ((من شَرِّ النَّاسِ)). وقَد يُؤَولُ عَلى أنَّه من(٥) شَرِّ
الناس(٦): هَؤُلَاءِ النَّاسِ المُتَضَادِّينَ، فَإِنَّ (٧) كُلَّ فِرقَةٍ من الفِرقَتَينِ المُتَضَادَّتَينِ
المُتعادِيتَينِ (٨) مُجَانِبَةٌ لِلأُخرَى مُظهرَةٌ لِعَدَاوتِها، لَا يُتَمَكَّنُ من الإِطَلَاعِ عَلى
أسرَارِها، وهَذَا بِفِعلِه(٩) يُخَادِعُ الفِرقَتَينِ، ويَطَّلِعُ عَلى أسرَارِهم، فَهو شَرٌّ من
الفِرِقَتَينِ مَعًا. والله تعالى أعلمُ.
ليست في (ش).
(١)
في الأصل: ((لتعرف)».
(٢)
(٣)
ليست في (ك٢، ح).
(٤ - ٤) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٥)
من (ك٢، ح).
(٦)
من (ش).
بياض في (ك٢).
(٧)
(٨)
في (م): ((المتعاندتین)).
في (ش): «يفعله)).
(٩)

=
٣٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثُ الثَّالِثُ
وعنه: أنَّ رسولَ اللهِِّ قال: ((إِيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أُكذَبُ
الحديثِ، ولَا تَحَسَّسُوا، ولَا تَجَسَّسُوا، ولَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، ولَا
تَبَاغَضُوا، ولَا تَدَابَرُوا، (٩٢/٨م) وكُونُوا عِبَادَ الله إخوانًا)).
جَ وعن هَمام، عن أبِي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «إِيَّاكُم)).
فَذَكَره(١)، دُونَ قَولَّهُ: ((ولَا تَحَسَّسُوا، ولَا تَجَسَّسُوا)).
الحديثُ الزَّابِعُ
وعن أنَسِ رَُّبِهِ: أنَّ رسولَ اللهِوَِّهِ قال: ((لَا تَبَاغَضُوا، ولَا
تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخوانًا، ولا يَحِلُّ لِمسلم أن بَهِجُرَ
أَخَاهِ فَوقَ ثَلَاث)).
فيهما فوائدُ:
■ الأُولى: الحديثُ الأولُ: أخرجه من الطَّرِيقِ الأُولى ((الشيخانِ))،
وأبُو دَاوُدُ(٢). [ولَه عن أبِي هرَيرَةَ طُرُقٌ (٣) أُخرَى (٤). والحديثُ الثَّانِي: أخرجه
من هَذَا الوجه الشيخانِ وأبُو دَاوُد](٥) أيضًا (٦). ورَواه عن الزُّهرِيِّ جَماعَةٌ(٧)،
في (م): ((فذکروہ)).
(١)
البخاري (٥١٤٣، ٥١٤٤، ٦٧٢٤)، ومسلم (٢٥٦٣)، وأبو داود (٤٩١٧).
(٢)
(٣)
في (ك٢، ح): ((من طريق)).
أخرجه أحمد (٢/ ٤٧٠) من طريق حيان بن بسطام الهذلي عنه به، و(٢/ ٤٨٢) من طريق
(٤)
عبد الرحمن بن أبي عمرة عنه به.
(٥)
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
البخاري (٦٠٦٤) فقط من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة، والبخاري (٦٠٦٦)،
(٦)
ومسلم (٢٥٦٣)، وأبو داود (٤٩١٧) من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه به.
(٧) أخرجه الحميدي (١١٨٣)، وأحمد (٣٤٨/٢٠) (١٣٠٥٣)، والبخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨).

كِتَابُ الشَّهادَاتِ
کے
٣٧١
=
ولَفْظُ رِوايَةٍ يَحْيَى بنِ يَحيَى، عن مالِكِ(١): ((أن يُهاجِرَ))(٢). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣):
وسَائرُ رُواةِ المُوظَأْ يَقُولُونَ: ((يَهجُرُ))، قال: وقَد زَادَ سَعِيدُ بنُ أبِي مَريَمَ في هَذَا
الحديثِ عن مالِكٍ: ((وَلَا تَنَافَسُوا)). وقال حَمزَةُ الكِنَانِيُّ: لَا أعلَمُ أحَدًا قال في
هَذَا الحديثِ عن مالِكِ: ((وَلَا تَنَافَسُوا)) غَيرَ سَعِيدٍ بنِ أبِي مَرِيَمَ. وقَد رَوى هَذِه
اللفظَةَ ((وَلَا تَنَافَسُوا)): (*عَبدُ الرَّحمَن٤ِ) بنُ إسحَاقَ عن الزُّهرِيِّ عن أنَسٍ، وعَدَّ
الخَطِيبُ ذَلِكَ من المُدَرَجِ(٥) وقال: قَد وهمَ فيها ابنُ أبِي مَريَمَ عَلى مالِكِ، وإنَّما
يَروِيها مالِكٌ في حَدِيثِه عن أبِي الزِّنَادِ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((إِيَّاكُم والظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أُكَذَبُ الحديثِ)).
قال الخَطَّابِيُّ(٦): يُرِيدُ: إِيَّاكُم وسُوءَ الَّنِّ وتَحْقِيقَه، دُونَ مَبَادِئ الُنُونِ
التي لا تُملَكُ. قال النَّوِيُّ(٧): ومُرَادُ الخَطَّابِيِّ: (٩٣/٨م) أنَّ المُحَرَّمَ من الظَّنِّ ما
يُصِرُّ صَاحِبُه عليه، ويَستَمِرُّ في قَلْبِهِ دُونَ ما يَعرِضُ في القَلبِ ولَا يَستَقِرُّ، فَإِنَّ هَذَا
لَا يُكَلَّفُ بِه؛ كما قال في الحديثِ: («تَجَاوزَ(٨) الله تعالى عَما تَحَدَّثَت بِهِ الأُمَّةُ
أنفُسَها (٩) ما لَم تَتَكَلَّم أو تَعمَل)) (١٠). وسَبَقَ تَأوِيلُه عَلى الخَواطِرِ التي لَا تَستَقِرُّ،
ونَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ، والقَاضِي (١١) عِيَاضٌ، عن سُفَيَانَ الثَّورِيِّ: أنَّ الَّنَّ الذي يَأْثَمُ
بِهِ، أن يَظُنَّ ظَنَّا ويَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِن لَم يَتَكَلَّم لَم يَأْثَم (١٢) .
قال القَاضِي عِيَاضٌ (١٣): وقِيلَ: يُحتَمَلُ أنَّ المُرَادَ الحُكمُ في الشَّرعِ بِالظَّنِّ
المُجَرَّدِ دُونَ بِنَاءٍ عَلى أصلٍ، ولَا تَحِقِيقِ نَظَرٍ واستِدلَالٍ. قال النَّوِيُّ(١٤): وهَذَا
ضَعِيفٌ أو بَاطِلٌ، والصَّوابُ الأولُ.
الموطإ (٩٠٧/٢).
(١)
(٣)
التمهيد (١١٥/٦، ١١٦).
(٥)
الفصل للوصل المدرج (٧٣٩/٢، ٧٤٠، ٧٤٢، ٧٤٣).
(٦)
معالم السنن (١٢٣/٤).
(٨)
في (ك٢): ((يجاوز)).
(١٠) أخرجه البخاري (٢٥٢٨، ٥٢٦٩، ٦٦٦٤)، ومسلم (٢٠١/١٢٧، ٢٠٢).
(١١) إكمال المعلم (٢٨/٨)، والتمهيد (٢٠/١٨).
(١٢) في (ش): ((يتأتم)).
(١٤) شرح النووي على مسلم (١١٩/١٦).
(٢) في (ك٢، ح): ((بن مهاجر)).
(٤ - ٤) في الأصل: ((عند أبي خمر)).
(٧) شرح النووي على مسلم (١١٩/١٦).
(٩) ليست في (ك، ح٢، ش).
(١٣) إكمال المعلم (٢٨/٨).

=
٣٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّالِثَةُ: قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (١): الظََّنُّ هنا هو التُّهمَةُ، ومَحَلُّ
التَّحذِيرِ والنَّهي: إنَّما هو تُهمَةٌ لَا سَبَبَ لَها يوجبها(٢) (٣كَمَن يُتَّهَم٣ُ) بِالفَاحِشَةِ، أو
بِشُربٍ (٤) الخَمْرِ ولَم يَظهَر عليه ما يَقْتَضِي ذَلِكَ. ودَلِيلُ كَونِ الظَّنِّ هنَا بِمَعنَى
التُّهمَةِ، قَولُه بَعدَ هَذَا: (((° ولَا تَحَسَّسُواْ) ولَا تَجَسَّسُوا)»، وذَلِكَ أنَّه قَد (٦) يَقَعُ لَه
خَاطِرُ الثّهمَةِ ابْتِدَاءً فَيُرِيدُ أن يَتَجَسَّسَ (٧) خَبَرَ ذَلِكَ، ويَبحَثَ عنه، ويَتَبَصَّرَ، ويَتَسَمَّعَ
لِيُحَفِّقَ (٨) ما وقَعَ لَه من تِلكَ [٢٣٩/٢و] التُّهمَةِ؛ فَنَهَى النبيّ ◌َِّ عِن ذَلِكَ، وَقَد
جَاءَ في بَعضِ الحديثِ: ((إِذَا ظَنَنت فَلَا تُحَقِّق))(٩). وقال الله تعالى: ﴿وَظَنَفْتُمْ
ظَنَّ النَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، وذَلِكَ أنَّ المُنَافِقِينَ تَطَيَّرُوا
بِرسولِ اللهِ وَّرُ وبِأصحَابِهِ حِينَ انصَرَفُوا إلى الحُدَيبِيَةِ، فقالوا: إنَّ مُحَمَّدًا
وأصحَابَه أكلَةُ رَأسٍ (١٠)، فَلَن يَرجِعُوا إِلَيْكُمْ أَبَدًا، فَذَلِكَ ظَنُّهم السَّيِّئِّ الذي
وبَّخَهم الله عليه، وهو من نَوعِ ما نَهَى الشَّرِعُ عنه، إلّا أنَّه أقْبَحُ النَّوعِ. فَأما الظّنُّ
الشَّرعِيُّ الذي هو تَغلِيبُ أحَدِ المُجَوزَينِ أو بِمَعنَى الْيَقِينِ، فَغَيرُ مُرَادٍ من الحديثِ،
ولَا من الآيَةِ يَقِينًا، فَلَا يُلتَفَتُّ لِمَن استَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى إنكَارِ الظَّنِّ الشَّرعِيِّ، كَما
قَرَّنَاه في الأُصُولِ.
ا الزَّابِعَةُ: هَذَا الحديثُ مُوافِقٌ لِقَولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الَِّنِّ إِثْرٌ وَلَا تَتَسُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].
وقَد تَبَيَّنَ بِالْآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُرَادَ بِالَّنِّ في الحديثِ بَعضُه لِقَولِهِ: ﴿أَجْتَبُواْ كَثِيراً مِّنَ
(١) المفهم (٥٣٤/٦ - ٥٣٥).
(٢) في (ك٢، ح): ((توجها)). وفي (م): ((بوجه)).
(٣ - ٣) في (ك٢، ح): ((كما تتهم)).
(٤) في (ش): ((يشرب)).
(٦) في الأصل: ((قع)).
(٥ - ٥) ليس في: (ش).
(٨) في (ك٢، ح): ((التحقق)).
(٧) في (ك٢، ح): ((يتحسسوا)).
(٩) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٩٦٢)، والطبراني (٣٢٢٧/٢٢٨/٣)،
والمحاملي في أماليه (٣٤٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ (١٥٥، ٢٤٢) من حديث حارثة بن
النعمان مرفوعًا .
(١٠) معناه: عددُهم قليلٌ، فكأنهم لو اجتمعوا على أكل رأس لكان كافيًا لهم. ينظر: الزاهر
في معاني كلمات الناس (١٤/٢)، وتهذيب اللغة (١٩/٣)، والصحاح (١٦٢٤/٤).

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
٣٧٣
=
اٌلََّنِ﴾ والمُرَادُ: انتِهاكُ أعرَاضِ المسلمِينَ بِظَنِّ السَّوءِ فيهم. [وقد جزمَ الشيخُ
عز الدينِ ابن عبدِ السَّلامِ في ((القواعدِ)): بأنَّ المرادَ في ذلك الحديثِ بالظنِّ
بعضَه، فقال: نقدِّره: إِيَّكم وإيقاعُ بعضِ الظّنّ. قال: وإنَّما قُدِّر ذلك لإجماع
المسلمين على وجوبٍ اتِّباع الظَّنِّ في صورةٍ كبيرةٍ، انتهى](١). وقَد ذَكَرَ بَعضُهم
أنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلى غَايَةٍ صَونِ العرض (٢)؛ لأنَّه تعالى نَهَى عن الخَوضِ في
ذَلِكَ بِالظَّنِّ، فَقَد يَقُولُ القَائِلُ: أَنَا لَا أَقُولُ بِالظَّنِّ، ولَكِنْ أَتَجَسَّسُ (٣) فَأَتَكَلَّمُ عن
تَحقِيقٍ، فقال(٤) تعالى: ﴿وَلاَ تَسُواْ﴾ [الحجرات: ١٢] (٩٤/٨م). فقَد(٥) يَقُولُ
القَائِلُ: لَا أَتَجَسَّسُ، بَل ظَهَرَ لِي هَذَا الأمرُ، وتَحققته (٦) من غَيرِ تَجَسُّسٍ (٧)؛ فقال
تعالى: ﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَا﴾ [الحجرات: ١٢].
■ الخَامِسَةُ: قال ابنُ عَبدِ البَرّ (٨): احتَجَّ قَومٌ من الشَّافِعِيَّةِ بِهَذَا الحديثِ
ومِثْلِه في إيطالِ الذَّرَائِع في الْبُوعِ وغَيرِها. قَالُوا: وأحكامُ الله تعالى عَلى الحَقَائقِ
لَا عَلى الظُّنُونِ، فَغَيَرُ جَائزٍ أَنَ يُقال(٩): إنَّما أرَدتُ بِهَذَا البَيعِ كَذَا، بِخِلَافٍ
ظَاهرِهِ؛ لِإِنكَارِ فَاعِلِه أنَّه أرَادَه، ثُمَّ ذَكَرَ عن عُمَرَ رَّهُ أَنَّه قال: لَا يَحِلُّ لامرِئٍ
مسلمٍ يَسمَعُ من (١٠) أخِيه كَلِمَةً أن يَظُنَّ بِها سُوءًا، وهو يَجِدُ لَها في شَيءٍ من
الخَيرِ مَصدَرًا(١١).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٢): ومن حُجَّةٍ مَن ذَهَبَ إلى القَولِ بِالذَّرَائعِ وهم
أصحَابُ الرَّأي من الكُوفيينَ ومالِكٌ وأصحابُه من المَدَنِيِّينَ من جِهَةِ الأثَرِ(١٣):
(١) ما بين المعكوفين من (ك٢، ح). وينظر: قواعد الأحكام (٥٣/٢).
(٢)
في (م): ((الأعراض)).
(٣) في (٢، ح): ((أتحسس)).
(٥) في (م): ((وقد)). ولعلها أنسب للسياق.
(٧) في (ك٢، ح): ((تحسس)).
(٩) في الأصل، (م): ((يقول)).
(١٠) في (ش): ((في)).
(١١) ذكره ابن عبد البر معلقًا في التمهيد (٢٠/١٨)، والاستذكار (١٥١/٢٦) عن أشهب، عن
نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن عمر بن الخطاب.
(١٢) التمهيد (٢٠/١٨).
(١٣) في (٢٥، ح): ((الأمر)).
(٤)
في (ش): «فقد قال)».
في الأصل، (ش، م): ((وتحقيقه)).
(٦)
التمهيد (١٩/١٨، ٢٠).
(٨)

٣٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
حَدِيثُ عَائِشَةَ ﴿ُها في قِصَّةٍ زَيدٍ بنِ أرقَمَ(١). وهو حَدِيثٌ يَدُورُ عَلى امرأةٍ
مَجهولَةٍ، ولَيسَ عِندَ أهلِ الحديثِ بِحُجَّةٍ.
السَّادِسَةُ: إن قُلتَ: كَيفَ يَكُونُ الظَّنُّ أكذَبَ الحديثِ، والذي يَظهَرُ أن
يَكُونَ التَّعَمُّدُ الذي لَا يَستَنِدُ إلى ظَنِّ أصلًا أشَدَّ في الكَذِبِ وأبلَغَ؛ فَهو حِينَئذٍ
أكذَبُ الحدیثِ؟
قُلتُ: لَعَلَّ المُرَادَ: الحديثُ الذي لَه استِنَادٌ (٢) إلى شَيءٍ، إلَّا أنَّ ذَلِكَ
الشَّيءَ لَا يَجُوزُ الإِسْتِنَادُ(٣) إِلَيه ولا الاعتِمادُ عليه، فَبُولِغَ فيما كَانَ كَذَلِكَ: بِأن(٤)
جُعِلَ أكذَبَ الحديثِ زَجرًا عنه وتَنفيرًا(٥)؛ وأما الاختِلَاقُ(٦) النَّاشِئُ عن تَعَمُّدٍ،
فَامره واضِحٌ.
■ السَّابِعَةُ: قَولُه: ((وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا))؛ الأولُ بِالحَاءِ المُهمَلَةِ،
والثَّانِي بِالحِيم، قاله النَّووِيُّ(٧). وكِلَاهما (٨) بِتَشدِيدِ السِّينِ الأُولى، وفيهما مَعًا
حَذفُ إحدَى الثَّاءَينِ، وأصلُه: ولَا تَتَحَسَّسُوا، ولَا تَتَجَسَّسُوا، فَحُذِفَت إحداهما
تَخفيفًا. واختُلِفَ في الَّحَسُّسِ والتَّجَسُّسِ: فَذَهَبَ الخَطَّابِيُّ وابنُ عَبدِ البَرِّ(٩)
وغَيرُهما: إلى أنَّهما بِمَعنّى واحِدٍ، والجَمعُ بَينَهما عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
قال الخَطَّابِيُّ(١٠): مَعنَاه لَا تَبحَثُوا عن عُيُوبِ النَّاسِ ولَا تَتَّبِعُوا أَخَبَارَهم.
والتَّحَسُّسُ (١١): طَلَبُ الخَبرِ (١٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَسُواْ مِن
يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧].
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨١٢، ١٤٨١٣)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥٤٦/٢)،
والدارقطني (٥٢/٣)، والبيهقي (٣٣٠/٥ - ٣٣١).
(٢)
في الأصل: ((إسناد)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((بل)).
في (ك٢، ح، ش): ((الاختلاف)).
(٦)
(٨)
لیست في (ش).
(٩) التمهيد (٢١/١٨)، ومعالم السنن (١٢٣/٤).
(١٠) معالم السنن (١٢٣/٤).
(١٢) في (ش، م) ((الخير)).
(٣) في الأصل: ((الإسناد)).
(٥) في (ش): ((وتنقيرا)).
(٧) شرح النووي على مسلم (١١٩/١٦).
(١١) في الأصل: ((الحسس)).

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
٣٧٥
=
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): هو البَحثُ والتَّطَلُّبُ لِمَعَايِبِ النَّاسِ ومَسَاوِئهم إذَا
غَابَت واسترِيبَت(٢). وأصلُ هَذِهِ اللفظَةِ في اللُّغَةِ من قَولِك: حَسَّ(٣) الثَّوبَ: أي
أدرَكَه بِحِسِّه (٤) وجسَّه(٥) من المَحَسَّةِ والمَجَسَّةِ (٦). وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ مَعنَاهما
مُختَلِفٌ.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٧): إنَّ ذَلِكَ أشهَرُ(٨). وقال(٩) بَعضُهم: التَّحَسُّسُ
بِالحَاءِ [٢٣٩/٢ظ]: الاستِماعُ لحديثِ القَومِ وبِالجِيمِ: البَحثُ عن العَورَاتِ. وقِيلَ
بِالجِيمِ: التَّفتِيشُ عن بَواطِنِ الأُمُورِ (٩٥/٨م)، وأكثَرُ ما يُقَالُ في الشَّرّ(١٠).
والجَاسُوسُ: صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ، والنَّامُوسُ: صَاحِبُ سِرُّ(١١) الخَيرِ. وبِالحَاءِ
البَحثُ عَما يُدرَكُ(١٢) بِالحِسِّ بِالعَينِ أو الأُذُنِ.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (١٣): إنَّه أعرَفُ، وقِيلَ بِالجِيم: أن تَطْلُبَه(١٤)
لِغَيْرِك، وبِالحَاءِ: أن تَطلُبَهُ (١٥) لِنَفْسِك، قاله ثَعلَبُّ.
■ الثَّامنةُ: فيه تَحْرِيمُ التَّحَسُّسِ، وهو البَحثُ عن مَعَانِبِ النَّاسِ كَما
تَقَدَّمَ، ولَا فَرِقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الماضِينَ (١٦) والعَصرِيِّينَ.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٧): وذَلِكَ حَرَامٌ كَالغِيبَةٍ أو أشَدَّ الغِيبَةِ، قال اللهُ
تعالى: ﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِ﴾ [الحجرات: ١٢] الآيَةَ، قال:
فَالقُرآنُ والسُّنَّةُ ورَدَا جَمِيعًا بِأَحْكَامِ هَذَا المَعنَى، وهو (١٨) قَد اشتُهرَ في زَمانِنَا،
التمهيد (٢١/١٨).
(١)
(٣)
في (ش): ((حن)).
في (ك٢، ح، ش): ((وحسه)).
(٥)
(٧)
المفهم (٥٣٥/٦).
(٩)
في (ش): ((فقال)).
(١١) ليست في (ك٢، ح).
(١٢) في (ش): ((تدرك)).
(١٣) المفهم (٥٣٥/٦)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١١٩/١٦).
(١٤) في (م): ((تطلب)).
(١٦) في (ش): ((الماضيين)).
(١٨) ليس في: (ش).
(٢) في (ش)، والتمهيد: ((واستترت)).
(٤) ليست في (ش).
(٦) في الأصل، (ك٢، ح): ((المحسة)).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((أسمه)).
(١٠) في (ش): ((السوء)).
(١٥) في (م): ((تطلب)).
(١٧) التمهيد (٢١/١٨، ٢٢).

=
٣٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَإِنَّا للهِ وإِنَّا إلَيه رَاجِعُونَ، ثُمَّ رُوِيَ عن زَيدِ بنِ وهبٍ قال: أَتِيَ ابنُ مَسعُودٍ،
فَقِيلَ لَه: هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحِيَتُه خَمْرًا.
فقال عَبدُ الله: إنَّا(١) قَد نُهينًا عن التَّجَسُّسِ(٢)، ولَكِن إن يَظهَرَ لَنَا منه شَيءٌ
نَأخُذْ بِه(٣).
قال: ورَوى ابنُ أبِي نَجِيحِ عن مُجَاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُواْ﴾
[الحجرات: ١٢] قال: خُذُوا ما ظَهَرَ، ودَعُوا ما سَتَرَ(٤) الله تعالى.
■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((وَلَا تَنَافَسُوا)): هو بِحَذفِ إحدَى التَّاءَينِ أيضًا،
وأصلُه: تَتَنَافَسُوا، ومَعنَى الثَّنَافُسِ: الرَّغبَةُ في الشَّيءٍ وفي الانفِرَادِ بِهِ، قاله
النَّوِيُّ(٥) قال: وقِيلَ مَعنَى الحديثِ: التَّباري(٦) في الرَّغبَةِ في الدُّنيَا وأسبَابِها
وحُظُوظِھا. انتَھَی.
وأما الثَّنَافُسُ في الخَيرِ: فَمأمُورٌ بِهِ كَما قال تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
الْمُنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. أي: في الجَنَّةِ وثَوابِها.
قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٧): وكَأنَّ المُنَافَسَةَ هيَ الغِبطَةُ، وقَد أبعَدَ مَن
فَسَّرَها بِالحَسَدِ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الحديثِ، فَإِنَّه (٨قَد قَرَن٨َ) بَيْنَها وبَينَ الحَسَدِ في
سِيَاقٍ واحِدٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّهما أمرَانِ مُتَغَايِرَانٍ.
■ العَاشِرَةُ: فيه النَّهِيُ عن الحَسَدِ، وهو تَمَنِّي زَوالِ النِّعمَةِ.
وأما قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((لَا حَسَدَ إلَّا في اثنَتَينِ، رَجُلٌ آتاه الله
القُرآنَ فَهو يَقُومُ بِهِ آنَاءَ الليلِ وأطرَافَ النَّهارِ، وَرَجُلٌ آتَاه الله مالًا فَهو يُنفِقُه آنَاءَ
الليلِ وآناء(٩) النَّهارِ))(١٠) فَقَد تُجُوِّزَ فيه بِإِطلَاقِ الحَسَدِ عَلى هاتَينِ الخَصلَتَينِ،
ليست في (ش).
(١)
(٢) في (ك٢، ح): ((التحسس)).
(٣)
في (ك٢، ح): ((يأخذ)). والأثر: أخرجه أبو داود (٤٨٩٠)، وعبد الرزاق (١٨٩٤٥)،
وابن أبي شيبة (٨٦/٩).
(٤)
في (م): ((ستره)).
(٥) شرح النووي على مسلم (١١٩/١٦).
(٧) المفهم (٥٣٥/٦).
(٦) في (م): ((التمادي)).
(٨ - ٨) في (ش): ((فرق)).
(٩) في (ش، م): ((وأطراف)).
(١٠) أخرجه البخاري (٥٠٢٥، ٧٥٢٩)، ومسلم (٢٦٦/٨١٥)، وابن ماجه (٤٢٠٩)، =

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
٣٧٧
والواقِعُ فيهما لَيسَ حَسَدًا (١) حَقِيقَةٌ، وإنَّما هو غِبِطَةٌ؛ فَإِنَّه لَم يَتَمَنَّ (٢) زَوالَ تِلكَ
الخَصلَةِ عن ذَلِكَ الشَّخصِ، وإنَّما تَمَنَّى أن يَكُونَ لَه مِثْلُها، وهَذَا لَيسَ حَسَدًا،
ولَو كَانَ في الأموالِ وأُمُورِ الدُّنيَا، والله أعلمُ.
■ الحَادِيَةَ عَشرَة: إن قُلتَ: إِذَا وقَعَ في خَاطِرٍ إِنسَانٍ كَرَاهَةُ آخَرَ، بِحَيثُ
بَلَغَت بِهِ كَرَاهَتُه إلى أن تَمَنَّى (٣) زَوالَ نِعمَتِهِ، لَكِنَّه لَم يُشِع(٤) ذَلِكَ، ولَا (٩٦/٨م)
أَظهَرَه(٥)، ولَا رَتَّبَ (٦) عليه مُقتَضَاه، كَيفَ يَكُونُ مأثُومًا بِذَلِكَ، وقَد عَرَفتَ(٧)
أنَّ(٨) الخَواطِرَ مَرفُوعَةٌ عن هَذِهِ الأُمَّةِ؟
قُلتُ: إِذَا لَم يَستَرسِل في ذَلِكَ وَلَم يَتَسَبَّب في تَأْكِيدِ أسبَابٍ(٩) الكَرَاهَةِ
المُؤَدِّيَةِ (١٠) لِذَلِكَ، وكَانَ مَعَ هَذَا الثَّمَنِّي بِحَيثُ لَو تَمَكَّنَ(١١) من إِزَالَةِ تِلكَ
النِّعمَةِ، لَم يُزِلها، ولَم يَسعَ في إخرَاجِها عنه، وإنَّما عِندَه خَواطِرُ لَا يَقدِرُ عَلى
دَفعِها(١٢)، ولَا يَسعَى في تَنفيذِ مَقَصُودِها، فَيَنْبَغِي أن لَا يَكُونَ عليه في ذَلِكَ
حَرَجُ.
وقَد رَوى ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)) (١٣) عن الحَسَنِ البَصرِيِّ قال: لَيسَ
أحَدٌ من ولَدِ آدَمَ إلَّا وقَد (١٤) خُلِقَ مَعَهَ (١٥) الحَسَدُ، فَمَن لَم يُجَاوِزِ ذَلِكَ إلى الْبَغِيِ
والظّلمِ، لَم يَتَبَعه منه شَيءٌ. ثُمَّ قال: ورُوِيَ عن النبيّ وَّهِ بِإِسنَادٍ لَا أحفَظُه في
والترمذي (١٩٣٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٧٢) من حديث ابن عمر ◌ًا، وفي الباب
=
عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن مسعود
(١)
في (ش): ((جيدًا)).
بعده في (ش): ((فيه)). وضرب على الكلمتين بعدها .
(٢)
(٣)
في (م): «یتمنی)).
في (ك٢، ح): ((يسع في)). وفي (ش): ((يسمع)).
(٤)
في (ك٢، ح): ((يظهره)).
(٥)
في الأصل، (ك٢، ح، م): «عرف)).
(٧)
لیست في (ك٢، ح).
(٩)
(١١) في (ك٢، ح): ((لو لم يتمكن)).
(١٣) التمهيد (١٢٤/٦، ١٢٥)، وينظر: الاستذكار (٤٩/٢٦).
(١٤) ليس في: الأصل.
(٦) في (ش): ((ريب)).
(٨) بعده في (ك٢، ح): ((ذلك)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((المؤيد)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((وقعها)).
(١٥) في (ش): ((حرق فيه)).

=
٣٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقتِي هَذَا أَنَّه قال: ((إِذَا حَسَدْتُمْ فَلَا تَبِغُوا، وإِذَا ظَنَنتُم فَلَا تُحَقِّقُوا، وإِذَا تَطَّيَّرتُم
فَامضُوا، وعَلى الله فَتَوَّلُوا))(١). ثُمَّ قال: وذَكَرَ عَبدُ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن
إسماعِيلَ بنِ أُمَيَّةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ثَلَاثٌ لَا يَسلَمُ منها أحَدٌ: الطِّيَرَةُ
والظَّنُّ والحَسَدُ))، قِيلَ: فَما المَخرَجُ منهنَّ يَا رسولَ الله؟ قال: ((إِذَا تَطَيَّرت فَلَا
تَرجِع، وإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقّق، وإِذَا حَسَدت فَلَا تَبَغٍ)) (٢).
■ الثَّانِيَةَ عَشرَةَ: قَولُه: ((وَلَا تَبَاغَضُوا))؛ أي: لَا تَتعاطَوا [٢٤٠/٢و]
أسبَابَ الْبُغْضِ؛ لِأَنَّ الحُبَّ والبُغْضَ مَعَانٍ قَلِيَّةٌ، لَا قُدرَةَ لِلإِنسَانِ عَلى اكتِسَابِها،
ولَا يَملِكُ التَّصَرُّفَ فيها، كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((اللَّهُمَّ هَذَا قَسمِي(٣)
فيما أملِكُ، فَلَا تَلُمِنِي فيما تَملِكُ ولَا أملِكُ)) (٤)؛ يَعنِي: الحُبَّ والبُغضَ، قاله
أبُو العَبَّاسِ القُرطُيِيُّ (٥).
قال القَاضِي (٦): قال بَعضُ أصحَابِ المَعَانِي: ((تَبَاغَضُوا)): إشَارَةٌ إلى(٧)
النَّهي عن الأهواءِ المُضِلَّةِ المُوجِبَةِ لِلتََّاغُضِ.
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: قَولُه: ((وَلَا تَدَابَرُوا)). قال الخَطَّابِيُّ(٨): مَعنَاه:
لَا تَهَاجَرُوا بِالتَّصَارُم، مأخُوذٌ من تولية (٩) الرَّجُلِ دُبُرَهُ أَخَاه، إذَا رَآه وإعرَاضُه
عنه .
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٦٢٣/٤)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات (٤٢٦) من
طريق عبد الرحمن بن سعد بن عمار، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن
أبي هريرة مرفوعًا .
ينظر: بيان الوهم والإيهام (٤٨٩/٣، ٧٤٩/٥)
(٢) أخرجه أبو الشيخ في التوبيخ (٧٩)، وفي ذكر الأقران (٢٩٦)، والبيهقي في الشعب
(١١٣٠).
في (ك٢، ح، ش): ((هذه قسمتي)).
(٣)
أخرجه أبو داود (٢١٣٤)، وابن ماجه (١٩٧١)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٣٩٥٣)
(٤)
من حديث عائشة ا .
المفهم (٢٠٤/٤، ٥٣١/٦).
(٥)
(٧)
ليس في: الأصل.
ليس في: الأصل، (م).
(٩)
(٦) إكمال المعلم (٢٣/٨).
(٨) معالم السنن (١٢٢/٤).

كِتَابُ الشَّهادَاتِ
الخير
٣٧٩
وقال المُؤَرِّغُ: قَولُه: ((وَلَا تَدَابَرُوا)) مَعنَاه: آسوا(١) ولَا تَستَأثِرُوا(٢). واحتََجَّ
بِقَولِ الأعشَى:
ومُستَدِبِرٌ بِالذي عِندَه عن العَاذِلَاتِ وإرشَادِها
وقال بعضُهم: إنَّما قِيلَ لِلمُستَأَثِرِ: مُستَدبِرًا(٣)؛ لِأنَّه تولَّى(٤) عن أصحَابِهِ إِذَا
استَأثَرَ بِشَيءٍ دُونَهم.
وقال المازَرِيُّ(٥): التَّدَابُرُ: المُعَادَاةُ، يُقَالُ: دَابَرتُ الرَّجُلَ عَادَيته. وقِيلَ
مَعنَاهِ: لَا تَقَاطَعُوا ولَا تَهاجَرُوا؛ لِأَنَّ المُهاجِرَينِ إذَا ولى أحَدُهما عن صَاحِبِهِ،
فَقَد وَلَّاه دُبُرَه.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): التَّدَابُرُ: الإعرَاضُ، وتَركُ الكَلَامِ، (٩٧/٨م) والسَّلامِ
ونَحوِ هَذَا، وإنَّما قِيلَ لِلإِعرَاضِ: تَدَابُرٌ؛ لِأَنَّ مَن أبغَضَتَه أعرَضتَ عنه، ومَن
أعرَضتَ عنه وَلَّيته دُبُرَك، وكَذَلِكَ يَصنَعُ هو بِك، ومَن أحبَبتَه أقبَلتَ عليه
وواجَهْتَه: تَسُرُّه ويَسُرُّك. [فَمَعنَى تَدَابَرُوا، وتَقَاطَعُوا، وتَبَاغَضُوا، مَعنَى مُتَدَاخِلٌ
مُتَقَارِبٌ](٧) .
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٨): قِيلَ: ((لَا تَدَابَرُوا))؛ أي: لَا تَجادُلُوا (٩)، ولَا يَبْغِي
بَعضُكُمْ لِبَعضِ الغَوائلَ، بَل تعاونُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقوى.
وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ (١٠): (لَا تَدَابَرُوا))؛ أي: لَا تَفْعَلُوا فِعلَ المُتَبَاغِضِينَ
الذينَ(١١) يُدِرُ كُلُّ واحِدٍ منهما عن الآخَرِ؛ أي: يُولِيه دُبُرَه فِعلَ المُعرِضِ.
في (ك٢، ح): ((أفشوا)). وفي (م): ((تولية أنيبوا)).
(١)
(٢)
في (ك٢، ح): ((تساروا)).
(٤)
في (ش، م): ((يولي)).
(٣) في (ك٢، ح، ش): ((مستدبر).
المعلم شرح صحيح مسلم (١٦٣/٣) ط. دار الغرب الإسلامي.
(٥)
التمهيد (١١٧/٦).
(٦)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). وقد نُقل فيهما بعد كلام القرطبي الآتي مباشرة.
(٧)
(٨) إكمال المعلم (٢٤/٨).
(٩) في الأصل، (م): ((تخاذلوا)).
(١٠) المفهم (٦/ ٥٣١).
(١١) في (ك٢، ح): ((الذي)).

=
٣٨٠
3
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١): تَضَمَّنَ هَذَا الحديثُ: أنَّه لَا يَجُوزُ(٢) أن يُبغِضَ
المسلمُ(٣) أَخَاه، ولا يُدِرَ عنه بِوجهه إذَا رَآه، ولا يَقطَعَه بَعدَ صُحبَتِهِ لَه في غَیرِ
مُجُرمٍ(٤)، أو في جُرمُ(٥) يَجُوزُ لَه العَفوُ عنه، ولَا يَحسُدُ عَلى نِعمَةِ الله عِندَه حَسَدًا
يُؤْذِيه بِهِ(٦)، ولَا يُنَافِسُه في دُنيَاه، وحَسبُهُ أن يَسألَ اللهَ من فَضِلِهِ.
■ الزَّابِعَةَ عَشرَ: قَولُه: ((وَكُونُوا عِبَادَ الله إخوانًّا)).
قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ(٧): أي كُونُوا كَإخوانِ النَّسَبِ في الشَّفَقَةِ والمَحَبَّةِ
والرَّحمَةِ، والمُواسَاةِ والمُعَاونَةِ والنَّصِيحَةِ.
وقَولُه في بَعضِ طُرُقِه في ((الصَّحِيحِ)): ((كَما أمَرَكُم الله)). يُحتَمَلُ أن يُرِيدَ بِه
هَذَا الأمرَ الذي(٨) هو قَولُه: كُونُوا إخوانًا؛ لِأَنَّ أمرَه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ هو
أمرُ الله وهو مُبَلِّغْ. ويُحتَمَلُ أن يُرِيدَ بِذَلِكَ(٩) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[الحجرات: ١٠]، فَإِنَّه خَبَرٌ عن المَشرُوعِيَّةِ التي يَنبَغِي لِلمُؤمنينَ أن يَكُونُوا عليها
فَفيها مَعنَى الأمرِ (١٠). واللهُ أعلم.
■ الخَامِسَةَ عَشرَ: قَولُه: ((ولَ(١١) يَحِلُّ لِمسلم أن يَهجُرَ أَخَاهِ فَوقَ
ثَلَاثٍ))(١٢). قال النَّووِيُّ(١٣): قال العُلَماءُ: في هَذَا الحديَّثِ تَحرِيمُ الهجرَةِ بَيْنَ
المسلمِينَ أكثَرَ من ثَلَاثِ لَيَالٍ وإيَاحَتُها في الثَّلاثِ. الأولُ: بِنَصِ الحديثِ،
والثَّانِي: بِمَفهومِهِ. قَالُوا: وإنَّما عُفي عنها في الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الآدَمِيَّ مَجبُولٌ عَلى
الغَضَبِ، وسُوءِ الخُلُقِ (١٤ ونَحوِ ذَلِك١٤َ)، فَعُفي عن الهجرَةِ في الثَّلَاثِ؛ لِيَذْهَبَ
التمهيد (١٢٦/٦).
(١)
(٢) بعده في (ك٢، ح): (للمسلم)).
(٣)
ليست في (ك٢، ح).
في الأصل: ((جرمة)». وفي (م): ((حرمة)). وفي (ش): ((حرم)).
(٤)
(٥)
في الأصل: ((جرمة)). وفي (م): ((حرمة)). وفي (ش): ((حرم)).
(٦)
ليس في: (ش).
ليس في: (ك٢، ح).
(٨)
(١٠) طمس في (ش).
(١٢) بعده في (م): ((ليال)).
(١٤ - ١٤) ليس في: (ش).
(٧) المفهم (٥٣٢/٦).
(٩) في (ك٢، ح): ((به هذا الأمر هو)).
(١١) في الأصل، (م): ((لا)).
(١٣) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٧).