النص المفهرس

صفحات 321-340

بابُ حَدِّ القَذفِ
كير
٣٢١
عنه والإنسَانُ عَمَّن يُرِيدُ مُصَاهَرَتَه أو مُخَالَطَتَه أو مُشَارَكَتَه ونَحو ذَلِكَ. أما غَيرُه
فَهو مَنهيٍّ عنه، وهو تَجَسُّسٌ وفُضُولٌ(١).
■ الثَّانِيَةُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((فَقَامَ رسولُ اللهِوَّ) أي: عَلى المنبَرِ،
بِدَلِيلٍ قَولِه بَعدَه: ((فقال، وهو عَلى المنبَرِ))، وفيه خُطبَةُ الإمامِ النَّاسَ عند نُزُولِ
أمرٍ مُهمٍّ.
وقَولُها: (فَاسْتَعذَرَ من عَبدِ الله)): مَعنَاه أنَّه قال: ((مَن بَعذِرُنِي فِيمَن آذَانِي
في أهلِي))، كَما بَيَّنته في هذا الحديثِ. ومَعنَى: ((مَن يَعذِرُنِي)): مَن يَقُومُ بِعُذرِي
إِن كَافَأته عَلى قَبِيحِ فِعلِه ولا يُلمْني(٢). وقِيلَ مَعنَاه: مَن يَنصُرُنِي. والعَذِيرُ:
النَّاصِرُ. وفيه اشتِكَاءُ(٣) ولِيِّ الأمرِ (٤إلى المسلمِينَ(٤) مَن تعرَّضَ(٥) لَه بِأَذّى في
نَفْسِه أو أهلِه أو غَيرِهِ، واعتِذَارُه فيما يُرِيدُ أن يُؤَدِّبَه(٦) بِهِ(٧). انتهى.
■ الثَّالِثَةَ والأربَعُونَ: فيه فَضَائلُ ظَاهرَةٌ لِصَفوانَ بنِ المُعَظَّلِ
،
بِشَهَادَةِ النبيّ ◌َِّ لَه بِما شَهِدَ، وبِفِعَالِهِ الجَمِيلِ فِي إِركَابٍ(٨) عَائِشَةَ رًَُّّا، وحُسنِ
أدَبِهِ في جُمْلَةِ القَضِيَّةِ(٩).
■ الرَّابِعَةَ والأربَعُونَ: قَولُها: (فَقَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ، فقال: أعذُرُك منه)).
(٨/ ٦١م) كَذَا وقَعَ في أصلِنَا، وهو خَبَرُ مُبتَدَأٍ؛ أي: أنَا أعذُرُك منه. كَما هو ثَابِتٌ
في ((الصَّحِيحَینِ)).
قال القَاضِي عِيَاضُ: هذا مُشكَلٌ، لَم يَتَكَلَّم عليه أحَدٌ، وكَانَت هَذِهِ القِصَّةُ
في غَزوةِ المُرَيسِيعِ، وهيَ غَزوةُ بَنِي المُصطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ، فيما ذَكَرَه(١٠)
(١) إكمال المعلم (٢٨٨/٨)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ١١٧).
(٣) في (ك٢، ح): ((إشكاء)).
(٢) في (م): ((يمني)).
(٥) في (م): ((يعترض)).
(٤ - ٤) في الأصل: ((للمسلمين)).
(٦) في (ك٢، ح، ش): ((يؤذيه)).
شرح مسلم للنووي (١٠٩/١٧، ١١٧).
(٧)
(٨) في (ش): ((إركان)).
(١٠) في الأصل: ((ذكر)).
(٩) شرح مسلم للنووي (١٧/ ١١٧).

=
٣٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
ابنُّ إسحَاقَ(١)، ومَعلُومٌ أنَّ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ ماتَ في إِثْرِ غَزَاةِ الخَندَقِ من الرَّمَيَةِ
التي أصَابَته، وذَلِكَ سَنَةَ أربَعٍ، بِإجماعِ أهلِ السِّيَرِ، إلَّا شَيْئًا قاله الواقِدِيُّ وحدَه.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): قال بَعضُ شُيُوخُنَا: ذِكرُ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ في هذا
وهمٌّ، والأشبَه أنَّه غَيرُه، ولِهذا لَم يَذْكُرُه ابنُ إسحَاقَ في ((السِّيَرِ))، وإنَّما قال: إنَّ
المُتَكَلِّمَ أولًا وآخِرًا أسَيدُ بنُ حُضَيرٍ .
قال القَاضِي: وقَد ذَكَرَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ: أَنَّ غَزوةَ المُرَيسِيعِ كَانَت سَنَةَ أَرْبَعٍ،
وهيَ سَنَةُ الخَندَقِ. وقَد ذَكَرَ البخاريُّ(٣) اختِلَافَ ابنِ إسحَاقَ وابنِ عُقْبَةَ.
قال القَاضِي: وقَد ذَكَرَ الظَّبَرِيُّ عن الواقِدِيِّ: أنَّ المُرَيسِيعَ كَانَت سَنَةَ
خَمسٍ. قال: وكَانَت الخَندَقُ وقُرَيظَةُ بَعدَها. وذَكَرَ القاضي(٤) إسماعِيلُ الخِلَافَ
في ذَلِكَ، وقال: الأولى أن تَكُونَ(٥) المُرَيسِيعُ قَبلَ الخَندَقِ. وقال القَاضِي (٦):
وهذا لِذِكرِ سَعدٍ في قِصَّةِ الإفكِ، وكَانَت في المُرَيسِيعِ؛ فَعَلى هذا يَستَقِيمُ فيه ذِكرُ
سَعِدِ بنِ مُعَاذٍ، وهو الذي في ((الصَّحِيحَينٍ)). وقَولُ غَيرِ ابنِ إسحَاقَ في وقتٍ
المُرَيسِيعِ أَصَحُ، هذا كَلَامُ القَاضِي، حَكَاه عنه النَّووِيُّ(٧)، وقال: وهو صَحِيحٌ.
قُلتُ: وقَد سَبَقَ القَاضِي إلى ذَكَرِ هذا الإشكَالِ: أبو عُمَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٨).
والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ(٩)، وهو سَيِّدُ
الخَزرَج(١٠) وكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، ولَكِن اجتهَلَته (١١) الحَمِيَّةُ)). كَذَا فِي رِوايَتِنَا
((اجتهَلَته)) بِالجِيمِ والهاءِ، وكَذَا هو عند مُعظَمِ رُواةِ ((صَحِيحٍ مسلم). ومَعنَاه:
استَخَقَّته وأغضَبَته، وحَمَلَته عَلى الجَهلِ .
سيرة ابن هشام (٢٨٩/٢).
(١)
البخاري، كتاب المغازي (٤١٣٨).
(٣)
(٥)
في (ك٢، ح): ((یکون)).
شرح صحيح مسلم (١٠٩/١٧، ١١٠)، والكلام في إكمال المعلم (٣٠١/٨ - ٣٠٣).
(٧)
(٨) التمهيد (١٠٦/٢٤).
(١٠) في (ش): ((الخروج)).
(٢) ليس في: (ك٢، ح).
(٤) ليس في: (م).
(٦) في (ك٢، ح): ((القاضي عياض)).
(٩) في الأصل: ((معاذ)).
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((أجهلته)).

بابٌ حَدِّ القَذْفِ
٣٢٣
وفي رِوايَةِ ابنِ ماهانَ في ((صَحِيحِ مسلم)): ((احتَمَلَته)) بِالحَاءِ والمِيمِ، وكَذَا
رَواه ((مسلمٌ)) بَعدَ هذا من رِوايَةِ (٦٢/٨م) يُونُسَّ وصَالِح. وكَذَا رَواه ((البخاريُّ))،
ومَعنَاه: أغضَبَته. [٢/ ٢٣١ و] فَالرِّوايَتَانِ صَحِيحَتَانٍ(١).
السَّادِسَةُ والأربَعُونَ: فيه فَضِيلَةٌ ظَاهرَةٌ لِسَعدِ بنِ مُعَاذٍ وأسَيدِ بنِ
خضِیر
(٢)
٠
قال أبو العَباسِ القُرطُبي(٣): وبَينَ السَّعدَينِ ما بَيْنَ الكَلِمَتَينِ، والله يُؤتِي
فَضلَه مَن يَشَاءُ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): فيه أنَّ الثَّعَصُّبَ في الباطِلِ يَخرُجُ عن اسمِ
الصَّلَاحِ؛ لِقَولِ عَائشَةَ: ((فَاحتَمَلَته الحَمِيَّةُ، وكَانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا)).
والصَّلَاحُ القِيَامُ بِحُقُوقِ الله، وما يَلزَمُ من حُقُوقِ عِبادِهِ. قال: وفيه جوازُ سَبِّ
المُتَعَصِّبِ في الباطِلِ، والمُتَكَلِّمِ بِنُكُرٍ (٥) القَولِ، والإغلَاظِ في سَبِّه بِما يُشبِه
صِفَتَه، وإن لَم يَكُن فيه حَقِيقَةً، لِقَولِ أَسَيدٍ: ((كَذَبتَ، إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عن
المُنَافِقِينَ)). وحَاشَا سَعدًا من النِّفَاقِ، ولَكِن لَما كَانَ منه من ظَاهرِ الثَّعَصُّبِ
لِابنِ أَبَيِّ المُنَافِقِ، عَرَّضَ لَه بِمِثلِ هذا القَولِ الغَلِيظِ.
وقال الدَّاوُدِيُّ: إنَّما أنكَرَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ من قَولِ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ تَحَكُّمَه
في قَومِه بِحُكم أنَفَةِ العَرَبِ، وما كَانَ قَدِيمًا بَيْنَ الحَيَّينِ، لَا أنَّه رَضِيَ فِعلَ
ابنِ أَبَيِّ، وقَولُه: ((كَذَبتَ لَعَمِرُ الله، لَا تَقْتُلُه))؛ أي: لَا يَجعَلُ(٦) النبيُّ ◌َل
حُكمَه إلَيك.
قُلتُ: الأظهَرُ عِندِي: أنَّ ابنَ مُعَاذٍ لَم يَقُل هذا الكَلَامَ أنَفَةً لِما بَينَ الحَيَّينِ
من الدُّخُولِ في الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّما قاله بِإِخلَاصِ نَصر اللهِ ورسولِهِ، وانظُر إنصَافَه(٧)
إكمال المعلم (٢٩٧/٨ - ٢٩٨)، وشرح مسلم للنووي (١٧ /١١٠).
(١)
(٢)
شرح مسلم للنووي (١٧ / ١١٧).
(٣) المفهم (٣٧٢/٧).
(٤)
إكمال المعلم (٢٩٠/٨).
(٥)
في (ك٢، ح): ((منكر))، وفي (ش): ((بمنكر)).
في (ك٢، ح): ((تجعل)).
(٦)
(٧) في (ك٢، ح): ((اتصافه)).

=
٣٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في تَقدِيمِه(١) ذِكرَ قَومِه الأوسَ، وجَزمِه بِضَربٍ عُنُقِه إن كَانَ منهم، وقَولُه في
الخَزْرَجِ، الذينَ(٢) لَيسُوا قَومَه: ((أمَرتَنَا فَفَعَلنَا أمرَك)). وهذا غَايَةٌ في الإنصَافِ،
ولَا يَتَوقَّفُ أحَدٌ في امتِثَالِ أمرِ النّبِيّ ◌ََِّ، وأَنَّه حَتْمٌ لَازِمٌ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا
مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ(٣) لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمٌّ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ
[الأحزاب: ٣٦]. وأما قَولُ ابنِ عُبادَةَ: ((لَعَمرُ الله،
فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا مُبِينًا ()
لَا تَقْتُلُه، ولَا تَقْدِرُ عَلى قَتِلِه)). فَلَم يَقُل ذَلِكَ حَمِيَّةً(٤)، ولا انتِصَارًا (٥لابنِ أَبَيّ.
كَيف٥َ)، وابنُ أَبَيٍّ من الخَزرَجِ، وابنُ مُعَاذ [لم يجزم بقتله إن كان من الخزرج،
وإنما قال: أمرتنا، ففعلنا أمرك. فدل على أن قوله(٦) (٦٣/٨م): لَا تَقْتُلُه ولَا تَقدِرُ
عَلى قَتلِه. وإنَّما هو فيما(٧) إذَا كَانَ من الأوسِ، فَإِنَّه إنَّما وعَدَ بِقَتلِ الأوسِيِّ،
وهذا يُحَقِّقُ أنَّ ابنَ عُبادَةَ لَم يَقُل ذَلِكَ حَمِيَّةً، ولَو كَانَتْ(٨) مِنَاكَ حَمِيَّةٌ لَما
وجَّهها(٩) لِرَهِطِ بنِ مُعَاذٍ، وإنَّما قال ذَلِكَ لِعِلمِه أنَّ القَائلَ(١٠) لِذَلِكَ مِمَّن يُظهرُ
الإِسلَامَ، وأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يَكُن يَقْتُلُ مَن يُظهرُ الإِسلَامَ، وأنَّه (١١) أَرَادَ
أن بَقِيَّةَ(١٢) قَومِه يَمنَعُونَه منه، حَيثُ لَم يَصدُر أمرُ النبيّ وَّهِ بِذَلِكَ، فقال لَه:
لَا تَقُل ما لَا تَفْعَلُه، ولَا تَقدِرُ عَلى فِعلِه. لِعَدَمِ أمرِ (١٣) النبيّ وَهَ بِذَلِكَ، وأنتَ لَا
يُمكِنُك إلَّا الوُقُوفَ عنده، ولَو لَم تَقِف (١٤)، لَمَنَعَك أصحَابُك، وأما ما قاله
ابنُ مُعَاذٍ في الخَزرَجِ فَأَمْرٌ لَا يَقبَلُ النِّزَاعَ.
(١)
في (ك٢، ح): ((تقديم)).
كذا في (ك٢، ح)، وهي قراءة العشرة إلا الكوفيين وهشام، فقرؤوا: (يكون))، ينظر:
(٣)
النشر (٢٦١/٢).
في (ك٢، ح، ش): ((من حمية)).
(٤)
(٦)
مكان هذه العبارة في (م): ((لم يقل)).
(٨)
في الأصل: ((كان)).
(٩) في (م): ((وجبها))، وفي (ك٢، ح): ((وجهه)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((القاتل)).
(١٢) في (م): ((ینبه)).
(١٤) في (ك٢، ح): ((يقف)).
(٢) في (ش): ((الذي)).
(٥ - ٥) في (ك٢، ح): (لأبي بن كعب)).
(٧) ليس في: الأصل.
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((أو أنه)).
(١٣) في (ش): ((إذن)).

بابٌ حَدِّ القَذفِ
٣٢٥
وهذا مَخلَصْ حَسَنٌّ هدَانَا الله لَه، وهو يَهدِي مَن يَشَاءُ.
وفي آخَرِ كَلَامِ الدَّاوُدِيِّ إِشَارَةٌ إلى بَعضِه، حَيثُ قال: أي: لَا (١) يَجعَلُ
النبيّ وَُّ حُكْمَه إلَيكَ. لَكِن في أولِ كَلَامِه ما لَا يُرضِي.
فَإن قُلتَ: هذا يُخَالِفُ ما فَهِمَتَه عَائِشَةُ رِّ، ولِهذا قالت: ((ولَكِن
اجْتَهَلَتْه(٢) الحَمِيَّةُ)).
قُلتُ: كَانَت عَائِشَةُ ﴿َها وَرَاءَ حِجَابٍ، ومُنزَعِجَةَ الخَاطِرِ لِما دَهَمَها من
الخَطبِ العَظِيمِ، والاختِلَاقِ (٣) الجَسِيمِ عليها، فَقَد يَقَعُ في فَهِمِها لِبَعضِ ما وقَعَ
ما يَكُونُ غَیْرُه أرجحَ منه.
فَإِن قُلتَ: نَزَّهتُ سَعدَ بنَ عُبَادَةَ(٤) بِالتَّعَرُّضِ لِعَائِشَةَ.
قُلتُ: حَاشَ للهِ، ما ذَكَرته في عَائِشَةَ لَا يَقدَحُ في شَيءٍ مِن جَلَالَتِها،
والخَطَأ جَائِزٌ عَلى البَشَرِ، لَا سِيَّما في الكَلامِ الذي لَيسَ فيه تَصرِيحُ بِالمَقْصُودِ،
فَقَد يَقَعُ الخَلَلُ في فَهمِه، وقَد قالت هيَ في حَقِّ ابنٍ عُمَرَ: ((ما كَذَبَ
أبو عَبدِ الرَّحمَنِ، [٢٣١/٢ظ] ولَكِنَّه وهل))(٥) ولَا سِيَّما ولَيسَ هذا خَطَأَ في فَهم
كَلَامِ النُّبوةِ، ولَا في حُكمٍ شَرعِيٍّ، وإنَّما هو في كَلَامِ الآحَادِ، الذِي لَا يَتَرَتَّبُ
ے
عليه حُكمٌ شَرعِيٍّ.
وأما حَملُ كَلَام سَعدِ بنِ عُبَادَةَ عَلى ما حَمَلُوه عليه، فَهو شَدِيدٌ يَتَرَتَّبُ عليه
ما لَا أتَّفَوه بِهِ.
فَإن قُلتَ: وهذا يُخَالِفُ فَهِمَ أسَيدِ بنِ حُضَيرٍ رَتِهِ، وهو حَاضِرٌ مَعَ القَومِ
من غَيرِ حِجَابٍ ولا انزِعَاجٍ.
(٦٤/٨م) قُلتُ: إنَّما انتَصَرَ أسَيدُ بنُ حُضَيرٍ عَظ ◌ُهِ لِكَلَامِ ابنِ مُعَاذٍ، وسَاعَدَه
عَلى قَتلِ القَائلِ لِهذا الكَلَامِ إِن كَانَ من الأوسِ. وقال: إنَّهما قَادِرَانِ عَلى قَتِلِهِ،
(١)
لیس في: (ش).
في الأصل، (ش): ((الاختلاف)).
(٣)
(٥)
في (م): ((وهم)).
(٢) في (ك٢، ح): ((أجهلته)).
(٤) في الأصل: ((معاذ)).

=
٣٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وحَمَلَه عَلى ذَلِكَ شِدَّةُ نُصرَتِه لِلنَّبِيِ ◌ّهِ فِي مِثلِ هَذِه الحَالَةِ العَظِيمَةِ التي طَلَبَ
فيها مَن يَعذِرُه من ذَلِكَ القَائلِ، وأنكَرَ عَلى ابنِ عُبادَةَ ظَاهِرَ لَفِظِهِ، وإِن كَانَ لِباطِنِهِ
مَخلَصْ حَسَنٌ، فَيُحْتَمَلُ أنَّه غَابَ عن أسَيدٍ ذَلِكَ المَخلَصُ، ويُحتَمَلُ أنَّه عَلِمَه
وأنكَرَ عَلى ابنِ عُبادَةَ ظَاهرَ اللفظِ، وكَم من لَفِظِ يُنكَرُ إطلَاقُهُ عَلى قَائِلِهِ، وإِن كَانَ
في الباطِنِ لَه مَخلَصٌ، فَهذا ما سَمَحَ بِهِ الخَاطِرُ فِي تَنزِيهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ الله تعالى
عنهم، والعِلمُ عند الله تعالى.
وقال المازَرِيُّ (١): قَولُ(٢) أَسَيدٍ لِسَعدٍ: ((يَا مُنَافِقُ)). قَد تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلى
أمثَالِه إذَا وقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وأنَّه يَجِبُ تَأوِيلُه عَلى ما يَلِيقُ بِهم، والأشبَه أنَّ
أَسَيدًا إنَّما وقَعَ ذَلِكَ منه عَلى جِهَةِ الغَيظِ والحَنَقِ، وبالَغَ في زَجرِ سَعدٍ، ولَم يُرِد
النِّفَاقَ الذي هو إظهارُ الإيمانِ وإيطَانُ الكُفرِ، ولَعَلَّه أرَادَ أنَّ سَعدًا كَانَ يُظهرُ لَه
ولِلأوسِ من المَودَّةِ ما يَقتَضِي عنده أن لَا يَقُولَ فيهم ما قال، فَلَاحَ لَه أنَّ باطِنَه
فيهم خِلَافُ ما ظَهَرَ، والنِّفَاقُ في اللُّغَةِ يَنْطَلِقُ عَلى إظهارِ ما يُبطِنُ خِلَافَه دِينًا كَانَ
أو غَيْرَه، ولَعَلَّه ◌ِالهَ لِأَجَلِ هذا لَم يُنكِر عليه، إن كَانَ سَمِعَ قَولَه هذا. انتَهَى.
وهو (٣) يُوافِقُ ما ذَكَرته من أنَّ(٤) إنكَارَ سَعدِ بنِ عُبادَةَ عَلى سَعدِ بنِ مُعَاذٍ لَم
يَكُن بِالنِّسَبَةِ إلى الخَزرَجِ، وإنَّما هو بِالنِّسَبَةِ إلى الأوسِ، وجَزمُه بِقَتلِ القَائلِ إن
كَانَ منهم(٥)، والله أعلمُ.
وقال النَّووِيُّ(٦): أرَادَ(٧) أنَّك تَفعَلُ فِعلَ المُنَافِقِينَ، ولَم (٨) يُرِدِ النِّفَاقَ
الحَقِيقِيَّ. والله أعلم.
السَّابِعَةُ والأربَعُونَ: قَولُها: ((فَثَارَ الحَيَّانِ)). هو بِالثَّاءِ المُثَلَّثَةِ؛ أي:
تَنَاهَضُوا لِلنِّزَاعِ والعَصَبيةِ، كَما قالت: ((حَتَّى هَمُّوا (٩) أن يَقْتَتِلُوا)). وقَولُها: ((فَلَم
(١) المعلم بفوائد مسلم (٤١٩/٢).
ليس في: (ك٢، ح).
(٣)
(٥)
في الأصل: ((فیھم)».
(٧)
في (ش): ((أراد هو)).
في (ك٢، ح): ((توهموا)).
(٩)
(٢) في (ك٢، ح): ((فعليل)).
(٤) ليس في: (ك٢، ح).
(٦) شرح مسلم للنووي (١١٨/١٧).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((فلم)).

بابٌ حَدِّ القَذفِ
٣٢٧
=
يَزَل رسولُ اللهِّهِ يُخَفِضُهم، حَتَّى سَكَتُوا وسَكَتَ))، فيه المُبادَرَةُ إلى قَطعِ الفِتَنِ
والخُصُوماتِ والْمُنَازَعَاتِ وتَسكِينِ الغَضَبِ(١).
■ الثَّامنةُ (٦٥/٨م) والأربَعُونَ: قَولُها(٢): ((فَتَشَهَّدَ رسولُ اللهِ وَّهِ حِينَ
جَلَسَ)). فيه ابتِدَاءُ الخُطَبِ والكَلَامِ المُهمِّ، بَعدَ حَمدِ الله تعالى والثَّنَاءِ عليه بِما
هو أهلُه، بِالشَّهادَتَينِ (٣) .
■ التَّاسِعَةُ والأربَعُونَ: قَولُها: (ثُمَّ قال: ((أما بَعدُ، يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّه بَلَغَنِي
عنك كَذَا وكَذَا)). فيه أنَّ الخَطِيبَ والمُتَكَلِّمَ بِالمُهمِّ يَأْتِي بَعدَ الحَمدِ والشَّهادَتَينِ
بِهَذِه اللفظَةِ)، وهيَ: ((أمّا بَعدُ)) وهو مَبنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، وأصلُه: بَعد ما تَقَدَّمَ من
الحَمدِ والشَّهادَتَينِ، فَإِنَّه .. ، إلى آخِرِ الكَلَام. وقَد كَثُرَ استِعمالُ هَذِهِ اللفظَةِ في
الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وجَمَعَ والِدِي ◌َخْتُهُ فِي ذَلِكَ أورَاقًا. وقَولُه: ((كَذَا وَكَذَا)) هو
كِنَايَةٌ عَما رُمِيَت بِه من الإفك، وهذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ((كَذَا وكَذَا)). يُكَنَّى بِه عن
الأحوالِ كَما يُكَنَّى بِه عن الأعدادِ.
■ الخَمسُونَ: قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((وإن كُنتِ ألمَمتِ بِذَنبٍ))
مَعِنَاهُ: فَعَلت ذَنْبًا، ولَيسَ ذَلِكَ لَك بِعَادَةٍ. وهذا أصلُ ((اللمَمِ)) وهو من الالمامِ،
وهو النُّزُولُ النَّادِرُ (٤) غَيرُ المُتَكَرِّرِ. ومنه (٦٦/٨م) قَولُه: مَتَى تَأْتِنَا، تُلمِم بِنَا في
دِيَارِنَا؛ أي: مَتَّى يَقَعُ منك هذا النَّادِرُ.
وقَولُه: ((فَاسْتَغْفِرِي(٥) اللهَ ثُمَّ تُوبِي إِلَيه، فَإنَّ العَبدَ إذَا اعتَرَفَ بِذَنبٍ، ثُمَّ
تَابَ، تَابَ الله عليه)). فيه قَبولُ الثَّوبَةِ والحَثُّ عليها. وفيه أنَّ مُجَرَّدَ الاعتِرَافِ لَا
يُغْنِي عن الثَّوبَةِ، بَل إذَا اعتَرَفَ بِهِ مُتَنصُّلاً(٦) نَادِمًا، ولَيسَ المُرَادُ الاعتِرَافَ بِذَلِكَ
[٢/ ٢٣٢و] لِلنَّاسِ، بَل الاعتِرَافُ اللهِ تعالى، فَإِنَّ الإنسَانَ مامُورٌ بِالسَّتْرِ.
وأما قَولُ الدَّاؤُدِيِّ: إنَّ فيه دَلِيلًا عَلى الفَرقِ بَيْنَ أزواجِ النبيّ ◌َّهِ وَغَيرِهنَّ،
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١٠/١٧).
(١)
(٢)
ليس في: (ش).
(٤)
في (ش): ((الناذر)).
في (م): ((متفصلًا)).
(٦)
(٣) شرح صحيح مسلم للنووي (١١٨/١٧).
(٥) في (ك٢، ح): ((فاستغفر)).

=
كم
٣٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وأنَّه يَجِبُ عليهنَّ الإِعْتِرَافُ بِما يَكُونُ منهنَّ، إذ لَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِوَّ إمسَاكُهنَّ، وهنَّ
بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَهو مَرُدُودٌ. وقَد رَدَّه القَاضِي عِيَاضٌ(١). وأمَّهاتُ المُؤمنينَ مُنَزَّهاتٌ
عن صُدُورِ الفَاحِشَةِ منهنَّ. والله أعلمُ.
■ الحَادِيَةُ والخَمسُونَ: قَولُها: ((فَلَمَا قَضَى رسولُ اللهِ وَّهِ مَقالتَه قَلَصَ
دَمعِي)). هو بِفَتحِ القَافِ واللامِ؛ أي: ارتَفَعَ. وقَد أوضَحَت ذَلِكَ بِقَولِها: ((حَتَّى
ما أحُسُ منه قَطَرَةً)). وذَلِكَ لِاستِعظَامِ (٦٧/٨م) ما بَغَتَها (٢) من الكَلَامِ، فَإِنَّ الحُزنَ
قَد انتَهَى نِهِايَتَه، وبَلَغَ غَايَتَه، ومهما(٣) انتَهَى الأمرُ إلى ذَلِكَ جَفَّ (٤) الدَّمعُ.
وأنشَدُوا عَلَى ذَلِكَ(٥):
جَلَّ مُصَابي عن الدَّواءِ
عَينَيَّ شُخًا أو لَا تَشُخًّا (٦)
إِنَّ الأسَى والبُكَا جَمِيعًا
ضِدَّانِ كَالدَّاءِ والدَّواءِ
■ الثَّانِيَةُ والخَمسُونَ: قَولُها لِأَبَويها: ((أجِيبا عني)). فيه تَفِيضُ الكَلامِ
إلى الكِبارِ (٧)؛ لِأنَّهم أعرَفُ بِمَقَاصِدِه، واللائقِ بِالمَواطِنِ منه، وأبَواها يَعرِفَانِ
حَالَها .
وأما قَولُ أبَويها: ((لَا نَدرِي ما نَقُولُ (٨)). فَمَعنَاه: أنَّ الأمرَ الذي سَألتهما
عنه لَا يَقِفَانِ منه عَلى زَائدٍ عَلى ما عند رسولِ الله ◌ِِّ قَبلَ نُزُولِ الوحيٍ، من
حُسنِ الظَّنِّ بِها(٩)، والسَّرَائرُ إلى الله تعالى(١٠).
(١) إكمال المعلم (٢٩٨/٨).
(٣)
في (م): ((لما)).
(٢) في (ك٢، ح، ش): «ما ماسها)).
(٤) في (ش): ((خف)).
في (ك٢، ح، ش): ((هذا)). والبيتان لابن الرومي، الديوان (ص١٥٦)، وينظر: المفهم
(٥)
(٣٧٤/٧).
في (ش)، وديوان ابن الرومي: ((شحا ولا تسحا»، وفي (ك٢، ح): ((سحا أو لا
(٦)
تسحا)».
في (ش): ((الكبائر)).
(٧)
ليس في: (ش).
(٩)
(١٠) ينظر: شرح مسلم للنووي (١١١/١٧، ١١٢).
(٨) في (ك٢، ح): ((يقول)).

=
كم
٣٢٩
بابُ حَدِّ القَذفِ
ورُوِّينَا من طَرِيقِ عَبدِ الكَرِيمِ بنِ الهَيثَمِ العَاقُولِيِّ(١) في قِصَّةِ الإفكِ: أنَّ أبا
بَكرٍ رَُّه قال: ((يَا بُنَيَّةَ، وكَيفَ أعذُرُك بِمَا لَا أعلَمُ، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّنِي، وأيُّ
سَماءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلتُ ما لَا أعلَمُ)). ورَوى أبو بَكرِ البَزَّارُ في ((مُسنَدِه))(٢)، بِإِسنَادٍ
رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، من حديثٍ عَائشَةَ رَّ: أنَّها(٣) لَمَا أَنزِلَ عُذرُها قَبَّلَ أبو
بَكرٍ رَأْسَها، فقالت: ((أَلَا عَذَرتَنِي؟» فقال: ((أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي، وأيُّ أرضٍ تُقِلُّنِي
(٦٨/٨م)، إن قُلتُ ما لا أعلَمُ)).
■ الثَّالِثَةُ والخَمسُونَ: فيه جَوازُ الاستِشهادِ بِآيَاتِ القُرآنِ العَزِيزِ،
لِقَولِها: ((ما أجِدُ لِي ولَكُم مَثَلًا، إلَّا كَما قال أبو يُوسُفَ: ﴿صَبْرٌ(٤) جَمِيلٌ وَاللَّهُ
اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ولَا خِلَافَ في جَوازِهِ. وكَذَا في رِوايَتِنَا
((صَبرُ(٥)) بِدُونِ فَاءٍ، مَعَ أنَّ لَفظَ القُرآنِ بِالفَاءِ، وهو كَقَولِه(٦) عليه الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ: ((الآيَةُ الفَانَّةُ الجَامِعَةُ)): ﴿مَن (٧) يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَدُ﴾(٨)
[الزلزلة: ٧]، قَالُوا: ولَا امْتِنَاعَ في ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَرفَ العَطفِ في حُكم الاِنِفِصَالِ،
فَإِنَّهَ كَلِمَةٌ مُفرَدَةٌ(٩) وقَولُه: ((صَبْرٌ جَمِيلٌ)). خَبَرُ مُبتَدَأٍ مَخذُوفٍ، تَقْدِيرُه: أمرِي، أو
صَبِرِي، أو نَحوُ ذَلِكَ(١٠).
■ الزَّابِعَةُ والخَمسُونَ: قَولُها (١١): ((ولَشَأْنِي كَانَ أحقَرَ في نَفسِي من أن
يَتَكَلَّمَ الله ◌َ فيّ بِأمرٍ يُتلى)).
قال أبو العَباسِ القُرطُبي (١٢): فيه دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذي يَتَعَيَّنُ عَلى أهلٍ
(١) عبد الكريم بن الهيثم بن زياد، الديرعاقولي، القطان، الإمام، الحافظ، الحجة، قال
الخطيب: الديرعاقولي ثقة ثبت. تاريخ بغداد (٧٨/١١)، وسير أعلام النبلاء
(٣٣٥/١٣).
(٢)
البزار (٢٥٧).
(٤)
ليس في: (م).
(٣) في (ك٢، ح، ش): ((أنه)).
(٥) في (م): ((صبر جميل)).
(٧) في (م): ((فمن)).
(٦)
في (ش): ((قوله)).
(٨)
أخرجه البخاري (٤٩٦٢)، ومسلم (٢٤/٩٨٧).
(٩)
في الأصل: ((منفردة)).
(١٠) ينظر: إكمال المعلم (٢٩٩/٨)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١١٧/١٧).
(١٢) المفهم (٣٧٤/٧ - ٣٧٥).
(١١) ليس في: (ك٢، ح).

=
كم
٣٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الفَضلِ والعِلمِ والعِبادَةِ والمَنزِلَةِ احْتِقَارُ أنفُسِهم، وتَركِ الالتِفَاتِ إلى أعمالِهم
وأحوالِهم وتَحْرِيرٍ (١) النَّظَرِ إلى لُطفِ الله وعَفوِهِ ورَحمَتِه وكَرمِه؛ وقَد اغتَرَّ كَثِيرٌ من
الجُهالِ بِالأعمالِ، فَلَاحَظُوا أَنفُسَهم بِعَينِ اسْتِحِقَاقِ الكَرَاماتِ وإِجَابَةِ الدَّعَواتِ،
وزَعَمُوا أَنَّهم مِمَّن يُتَبَرَّكُ (٦٩/٨م) بِلِقَائهم، ويُغْتَنَمُ (٢) صَالِحُ دُعَائهم، وأنَّه(٣) يَجِبُ
احْتِرَامُهم وتَعِظِيمُهم ويَرَونَ أنَّ لَهم من المَكَانَةِ عند الله بِحَيثُ يَنتَقِمُ لَهم مِمَّن
يَنْتَقِصُهم (٤) في الحَالِ، وأن يَأْخُذَ مَن أَسَاءَ الأدَبَ عليهم من غَيرِ إمهالٍ، وهَذِه
كُلُّهَا نَتَائجُ الجَهلِ .
■ الخَامِسَةُ والخَمسُونَ: قَولُها: ((ما رَامَ رسولُ اللهِ وَّ مَجِلِسَه (٥) أي:
ما فَارَقَه. يُقَالُ: رَامَه، يَرِيمُه، رَيمًا؛ أي: بَرِحَه (٦) ولَازَمَه. وأما رَامَ بِمَعنَى
طَلَبَ، فَيُقَالُ منه: رَامَ، يَرُومُ، رَومًا(٧).
السَّادِسَةُ والخَمسُونَ: قَولُها: ((فَأَخَذَه(٨) ما كَانَ يَأْخُذُه من البُرَحَاءِ))
هيَ (٩) بِضَمِّ الباءِ المُوحَّدَةِ وفَتحِ الرَّاءِ، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ والمَدِّ، وهيَ الشِّدَّةُ.
ويُقَالُ لَها أيضًا: بَرحٌ. بِإِسكَانِ الرَّاءِ [٢٣٢/٢ظ].
وقَولُها: ((حَتَّى إِنَّه لَيَتَحَذَّرَ منه مِثْلُ الجُمانِ (١٠) من العَرَقِ)) مَعنَى (لَيَتَحَدَّرُ)):
لَيَتَصَبَّبُ، وهو بِالتَّاءِ (١١)، وفَتحِ الدَّالِ، وتَشدِيدِها، وهو أبلَغُ مِما(١٢) لَو قِيلَ:
لَيَنحَدِرُ، بِالنُّونِ، وكَسرِ الدَّالِ، وتَخفيفِها. و((الجُمانُ)) بِضَمِّ الجِيمِ، وتَخفيفِ
المِيمِ، وآخِرُه نُونٌ، هو: الدُّرُّ(١٣). شَبَّهَت قَطَرَاتِ عَرَقِهِ وَِّ بِحَباتِ اللُّؤْلُؤِ في
الصَّفَاءِ والحُسنِ.
في (م): ((وتحوير))، وفي المفهم: ((تجريد)).
(١)
(٢)
في الأصل: ((یغنیھم)).
في (ك٢، ح، ش): ((ينقصهم)).
(٤)
في (ك٢، ح): (يرجه)).
(٧) المفهم (٣٧٥/٧ - ٣٧٦)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ١١٢).
(٨) في (ك٢، ح): ((وأخذه)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((الجمال)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((كما)).
(٩) في (ك٢، ح): ((هو)).
(١١) في (ك٢، ح): ((بالياء)).
(١٣) في (ك٢، ح): ((الذي)).
(٣) في (ك٢، ح): ((أنهم)).
(٥) في (ك٢، ح): ((يجلسه)).
(٦)

بابٌ حَدِّ القَذفِ
٣٣١
وقَولُها ((فَلَما سُرِّيَ عن رسولِ الله وَِّ: )) بِضَمِّ السِّينِ وتَشدِيدِ الرَّاءِ المُهمَلَتَيْنِ
أي كُشِفَ وأزِيلَ(١) .
السَّابِعَةُ والخَمسُونَ: قَوْلُهُ وَّهِ: ((أبشِرِي يَا عَائِشَةُ)). فيه استِحبابُ
المُبادَرَةِ لِتَبَشِيرِ مَن تَجَدَّدَتِ لَه نِعمَةٌ ظَاهرَةٌ أو اندَفَعَت عنه بَلِيَّةٌ ظَاهرَةٌ(٢) .
■ الثَّامنةُ والخَمسُونَ: قَولُه: ((أما اللّهُ وَّ فَقَد بَرَّأك)). (٣أي: بِما٣)
أَنزَلَه في كِتَابِهِ العَزِيزِ، فَصَارَت بَرَاءَةُ عَائِشَةَ عَ﴿ُها من الإفكِ بَرَاءَةً قَطْعِيَّةً بِنَصِّ
القُرآنِ، فَلَو شَكَّ فيها إنسَانٌ، والعِيَاذُ بِالله تعالى، صَارَ كَافِرًا مُرتَدًا بِإجماعِ
المسلمِينَ، وأما غَيرُها من أمَّهاتِ المُؤمنينَ، فَهَل يَكُونُ قَذفُها كُفرًا؟ فيه قَولَانِ:
فَمَن قال بِالتَّكفيرِ نَظَرَ إلى ما فيه من أَذَى النبيّ ◌َِّهِ، ومَن لَم يَقُل بِهِ لَم يَرَ فيه
مُخَالَفَةَ قَاطِعٍ، وقال ابنُ عَباسٍ وَغَيرُه: لَم تَزِ (٤) امرأةُ نَبي من الأنبياءِ صَلَواتُ الله
وسَلَامُه عليهم أجمَعِينَ(٥) قَظُ، وهذا (٨/ ٧٠م) إكرَامُ الله تعالى لَهم(٦) .
■ التَّاسِعَةُ والخَمسُونَ: قَولُها: ((فقالت لِي أمِّي: قُومِي إِلَيه. فَقُلْتُ(٧):
واللهِ لَا أَقُومُ إِلَيهِ، ولَا أحمَدُ إلَّ اللهَ، هو الذي أنزَلَ بَرَاءَتِي)). مَعنَاه: قالت لَها
أمُّها: قَومِي، فَاحمَدِيه، وقَبِّلِي رَأسَه، واشكُرِيه لِنِعمَةِ الله التي بَشَّرَك بِها. فقالت
عَائشَةُ ما قالت إدلَالًا عليهم وعَتَبًا، لِكَونِهِم شَكُّوا في حَالِها، مَعَ عِلمِهم بِحُسنِ
طَرَائِقِها، وجَمِيلِ أحوالِها، وارتِفَاعِها عن هذا الباطِلِ الذِي افتَرَاه قَومٌ ظَالِمُونَ،
لَا حُجَّةَ لَهم ولَا شُبهَةَ فيه. قالت: وإنَّما أحمَدُ رَبي ◌ََّ الذي أَنزَلَ بَرَاءَتِي،
وأنعَمَ عليَّ بِما لَم أكُن أَتَوقَّعُه، كَما قالت: ((ولَشَأْنِي كَانَ أحقَرَ في نَفسِي من أن
يَتَكَلَّمَ الله تعالى فيّ بِأمرٍ يُثلى))(٨).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١٢/١٧).
(١)
(٢) ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١٧/١٧).
(٣ - ٣) في (ك٢، ح): ((مما))، وفي (ش): ((بما)).
(٤)
في (ك٢، ح): («تزل)).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١١٧/١٧ - ١١٨).
(٦)
(٧)
في (ش): ((فقالت)).
(٥) ليس في: (ك٢، ح، ش).
ينظر: شرح للنووي صحيح مسلم (١١٢/١٧ - ١١٣).
(٨)

٣٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ السِّتُّونَ: قَوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]؛
أي: لَا يَحْلِفُ(١). الألِيَّةُ (٢): الحَلِفَ(٣)، يُقَالُ: آلى، يُولِي، وائتَلى، يَأْتَلِي.
بِمَعنّی واحِدٍ.
قال أبو العَباسِ القُرطبي(٤): والفَضلُ هنَا المالُ والسَّعَةُ في العَيشِ والرِّزقِ.
قُلتُ: الظَّاهرُ أنَّ المُرَادَ بِالفَضلِ الإفضَالُ والإعطاءُ والتَّصدُّقُ(٥)، والتَّفسِيرُ
الذي ذَكَرَه إنَّما يَلِيقُ بِالسَّعَةِ ويُوافِقُ ما ذَكَرتُه قَولُ النَّووِيِّ(٦): فيه فَضِيلَةٌ
لِأَبِي بَكرٍ ◌َُهُ فِي قَوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُرْ﴾(٧) الآيَةُ. انتَهَى. ولَو
أرِيدَ بِالفَضلِ المالَ، لَم يَكُن فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لَه.
■ الحَادِيَةُ والسِّثُّونَ: فيه استِحبابُ صِلَةِ الأرحَامِ، وإن كَانُوا مُسِيئِينَ،
والعَفوُ، والصَّفحُ عن المُسِيءٍ، والصَّدَقَةُ والإنفَاقُ في سَبيلِ الخَيرَاتِ، وأَنَّه
يُستَحَبُّ لِمَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ورَأى غَيرَها خَيرًا منها، أن يَأتِيَ الذي هو خَيرٌ،
ويُكَفِّرَ عن يَمِينِهِ، كَما نَطَقَ بِهِ الحديثُ الصَّحِيحُ(٨).
■ الثَّانِيَةُ والسَّتُّونَ: قَولُ زَيْنَبَ رُِّّ: ((أحمِي سَمعِي وبَصَرِي))؛ أي:
أصُونُ سَمعِي من أن أقُولَ: سَمِعتُ. ولَم أسمَع، وبَصَرِي من أن أقُولَ:
أبصَرتُ. ولَم أبصِر؛ وقَد يَكُونُ المُرَادُ أنَّها تَحمِيهما من عُقُوبَةِ الله تعالى
بِذَلِكَ(٩). والله أعلم.
■ الثَّالِثَةُ والسَّتُّونَ: قَولُها: ((وهيَ (٧١/٨م) التي كَانَت تُسَامِينِي)). بِالسِّينِ
المُهمَلَةِ؛ أي: تُفَاخِرُنِي، وتُضَاهينِي بِجَمالِها ومَكَانَتِها عند رسولِ اللهِ وَّهِ.
(١)
(٣)
في (ش): ((تحلف)).
النهاية في غريب الأثر (٦٢/١).
(٥)
في (م): ((التصديق)).
(٧)
في (م): ((منكم والسعة)).
(٢) في الأصل، (م): ((الأولية)).
(٤) المفهم (٣٧٦/٧).
(٦) شرح صحيح مسلم للنووي (١١٨/١٧).
أخرجه مسلم (١٦٥٠)، وأبو داود (٣٢٧٤)، والترمذي (١٥٣٠)، والنسائي (٣٧٩٠)،
(٨)
وابن ماجه (٢١٠٨) عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ويطلقون: ((من حلف على
يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه)).
(٩) ينظر: المفهم (٧/ ٣٧٧)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١١٣/١٧).

بابٌ حَدِّ القَدْفِ
٣٣٣
وهيَ مُفَاعِلَةٌ من السُّمُوِّ، وهو الارتِفَاعُ، وفيه(١) فَضِيلَةٌ ظَاهرَةٌ لِزَينَبٍ أمِّ
المُؤمنينَ(٢) .
] الزَّابِعَةُ والسِّتُونَ: قَولُها: ((وطَفِقَت أختُها حَمنَةُ(٣)). هيَ بِفَتحِ الحَاءِ
المُهمَلَةِ وإسكَانِ المِيم وفَتح الُّونِ. و(طَفِقَ)): من أفعَالِ الشُّرُوعِ، والمَشهورُ كَسرُ
فائه، وحُكِيَ فَتحُها .
وقَولُها: ((تُحَارِبُ لَها))؛ أي: تَتَعَصَّبُ لَها، فَتَحكِي ما يَقُولُه(٤) أهلُ الإفكِ،
نُصرَةً لِأختِها، لِتَعلُو مَنزِلَتُها عند رسولِ الله وَِّ [٢٣٣/٢ و] عَلى عَائِشَةَ ◌َُّ،
وقَولُها: ((فَهَلَكَت فيمَن هَلَكَ)).
قال أبو العَباسِ القُرطُبي(٥): أي: حُدَّت حَدَّ القَذْفِ، فيمَن حُدَّ، انتَهَى.
ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ المُرَادُ بِالهَلَاكِ ما حَصَلَ لَها من الإثم. والله أعلمُ.
ا الخَامِسَةُ والسِّثُّونَ: هَذِهِ الرِّوايَةُ التي ذَكَرَ الشَّيخُ كَُّهُ في النُّسخَةِ
الكُبرَى من ((الأحكام)) أنَّه عَلَّقَها البخاريُّ ووصَلَها مسلمٌ، هيَ عندهما(٦)(٧) من
طَرِيقِ أبِي أَسَامَةَ(٨)، عن هشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، فَقَولُها: ((وكَانَ
الذينَ(٩) تَكَلَّمُوا به (١٠) مِسطَحْ، وحَمنَةُ، وحَسَّانُ)). يَجُوزُ رَفعُ مِسطَحِ وما بَعدَه عَلى
اسمِيَّةٍ كَانَ، ونَصبُها عَلى الخَبَرِ، والمَعنَى مُستَقِيمٌ عليهما مَعًا، وقَد ضَبَطَه
القُرطُبي بِالوجه الثَّانِي.
وقَولُها: (وأما المُنَافِقُ عَبدُ الله بنُ أَبَيٍّ، فَهو الذي كَانَ يَستَوشِيه)). هو (١١)
(١)
في (ك٢، ح): ((وهي)).
المفهم (٣٧٦/٧)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١٧/ ١١٣، ١١٨).
(٢)
(٣)
في (ش): «حمیئة)).
(٤) في (ش): ((تقوله)).
(٥)
المفهم (٣٧٧/٧).
(٦) في الأصل: ((عندنا)).
البخاري (٤٧٥٧)، ومسلم (٥٨/٢٧٧٠).
(٧)
في (ش): ((أمامة)).
(٨)
(١٠) في (م): ((فیه)).
(٩) في (ش): ((الذي)).
(١١) ليس في: (ك٢، ح).

=
٣٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بِفَتح اليَاءِ المُثَنَّةِ من تَحتٍ، وإسكّانِ السِّينِ المُهمَلَةِ، وَفَتح التَّاءِ المُثَّةِ من فَوقٍ،
وكَسرِ الشِّينِ المُعجَمَةِ؛ أي: يَستَخرِجُه بِالبَحثِ والسُّؤَالِ ثُمَّ يُفشِيه ويُشِيعُه
ويُحَرِّكُه، ولَا يَدَعُه يَخمُدُ. يُقَالُ: فُلَانٌ يَستَوشِي فَرَسَه. يعقبه (١)؛ أي: يَطلُبُ ما
عنده من الجَري، ويَستَخرِجُه(٢) .
■ السَّادِسَةُ والسِّتُّونَ: والرِّوايَةُ التي فيها ((فَلَمَا نَزَلَ من المنبَرِ، أمَرَ
بِالرَّجُلَينِ والمَرأةِ، فَضُرِبوا حَدَّهم)). عَزَاها الشَّيخُ تَفْتُهُ لِأصحَابِ ((السُّنَنِ
الأربَعَةِ))، وهيَ عندهم من طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ، (٧٢/٨م) [عن عَبدِ الله بنِ
أبي بَكرٍ، عن عَمَرَةَ، عن عَائشَةَ. وقال الترمذيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعرِفُه إلَّا من
حديثٍ مُحَمَّدٍ بِنِ إسحَاقَ](٣) .
وبَيَّنَ الشَّيخُ تَظْتُهُ أنَّ في رِوايَةِ ((البَيهَقِيّ))(٤)، تَُّهُ، تَصرِيحُ ابنِ إسحَاقَ
بِالتَّحَدِيثِ، فَزَالَ(٥) بِذَلِكَ ما يُخشَى من تَدلِيسِه؛ لِأَنَّ المَشهورَ قَبولُ حديثٍ
ابنِ إسحَاقَ، إلَّا أَنَّه مُدَلْسٌ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالثَّحدِيثِ كَانَ حديثُه مَقبولًا، ورَواه
((أبو دَاوُد))(٦) أيضًا من هذا الوجه، من حديثٍ عَمرَةَ مُرسَلًا، من غَيرِ ذِكرٍ عَائشَةَ،
بِلَفِظِ: ((فَأَمَرَ بِرَجُلَينٍ وامرَأَةٍ، مِمَّن تَكَلَّمَ بِالفَاحِشَةِ، حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، ومِسطَحٍ بِنِ
أثَاثَةَ)).
قال النُّفَيَلِيُّ: ويَقُولُونَ: المَرأةُ حَمنَةُ بِنْتُ جَحشٍ.
وفي كِتَابِ الطَّحَاوِيِّ: ((ثَمانِينَ ثَمانِينَ))(٧).
■ السَّابِعَةُ وِالسِّتُّونَ: قال القَاضِي عِيَاضٌ (٨): وفيه إِقَامَةُ الحُدُودِ عَلى
(٩ القاذفينَ. قِيل٩َ): وفيه تَركُ ذَلِكَ من جِهَةٍ مَن لَه مَنَعَةٌ، ويُخشَى عليه من إِقَامَتِهِ
ليس في: (م).
(١)
ينظر: المفهم (٣٧٩/٧)، وشرح صحيح مسلم للنووي (١١٥/١٧ - ١١٦).
(٢)
(٣)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح). (٤) السنن الكبرى (٢٥٠/٨).
(٥)
في الأصل: ((فنزل)).
(٦) أبو داود (٤٤٧٥).
(٧) شرح مشكل الآثار (٢٩٦٣).
(٨) إكمال المعلم (٢٨٩/٨).
(٩ - ٩) في الأصل، (م): ((العارفين))، وفي (ك٢، ح): ((القاذفين قبل وقته)).

بابُ حَدِّ القَذفِ
كم
٣٣٥
=
تَفرِيقُ كَلِمَةٍ، وظُهورُ فِتنَةٍ، كَما لَم يُحَدَّ عَبدُ الله بنُ أبَيٍّ، (١ وهو كَان١َ) رَأسَ
أصحَابِ الإفكِ ومُتَولِّيَ كِبرَه.
وعِندِي أنَّه إنَّما لَم يُحَدَّ؛ لِأَنَّه لَم يَقذِف، وإنَّما كَانَ يَستَوشِيه ويُتَحَدَّثُ
بِهِ عنده، كَما في رِوايَةِ «البخاريِّ(٢))) أنَّه «كَانَ يُشَاعُ عنده، فَيُقِرُّه، ويَسمَعُه،
ويُتَحَدَّثُ بِهِ عنده(٣)، ويَستَوشِيه)). ومِثلُ هذا لَا يَلزَمُه حَدٌّ عند الجَمِيعِ حَتَّى
يَقْذِفَ بِنَفْسِه.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي (٤): الظَّاهرُ من الأخبارِ أنَّ ابنَ أَبَيِّ لَم يُحَدَّ،
وإنَّما لَم يُحَدَّ عَدُوُّ الله؛ لِأَنَّ اللهَ تعالى قَد أَعَدَّ لَه في الآخِرَةِ عَذَابًا عَظِيمًا، فَلَو
حُدَّ في الدُّنيَا، لَكَانَ نَقصًا من عَذَابِه الأخرَوِيِّ، وتَخفيفًا عنه. وقَد أَشَارَ الله
تعالى إلى هذا بِقَولِه: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، مَعَ
أنَّ اللهَ تعالى قَد شَهِدَ بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ ﴿ّ، وبِكَذِبٍ كُلِّ مَن رَماها، فَقَد حَصَلَت
فَائِدَةُ الحد. أو (٥) مَقصُودُه إظهارُ كَذِبِ القَاذِفِ وبَرَاءَةِ المَقذُوفِ، كَما (٧٣/٨م)
قال تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِنْدَ اَللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وإنَّما
حُدَّ هَؤُلَاءِ المسلمُونَ، لِيُكَفَّرَ عنهم إثمُ ما صَدَرَ عنهم من القَدْفِ، حَتَّى لَا يَبقَى
عليهم تَبِعَةٌ من ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ، وقَد قال النبيّ وَّه في الحُدُودِ: ((إنَّها كَفَّارَةٌ لِمَن
أُقِيمَت عليه))(٦)، ويُحتَمَلُ أنَّه إنَّما تَرَكَ حَدَّه(٧) استِئِلَافًا لِقَومِه(٨) واحتِرَامًا
لِابنِه (٩)، وإطفَاءً لِثَائرَةِ الفِتنَةِ المُتوقعَةِ (١٠) من ذَلِكَ. انتَهَى.
قُلتُ: لَمَا تَوقَّفَ حَدُّ القَذْفِ عَلى طَلَبِ المَقِذُوفِ، سَهلَ الخَطبُ فِي ذَلِكَ،
(١ - ١) في الأصل: ((وهو))، وفي (م): ((وكان)).
(٢) في (ك٢، ح): ((للبخاري)).
(٤)
المفهم (٣٧٩/٧).
(٦)
أخرجه البخاري (١٨)، ومسلم (٤١/١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩) من حديث عبادة بن
الصامت، وفيه: ((ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب عليه، فهو كفارة له)).
في (ك٢، ح): ((وحده)).
(٧)
(٨) في (ك٢، ح): ((لقوله)).
في (ك٢، ح): ((لأبيه)».
(٩)
(٣) في (ك٢، ح): ((عندهم)).
(٥) في (ك٢، ح، ش): ((إذ)).
(١٠) في الأصل، (م): ((المندفعة)).

٣٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
فَإنَّه لَيسَ من الحُدُودِ التي هيَ مَحضُ حَقِّ الله تعالى، تُقَامُ(١) ولا بُدَّ، فَبِتَقدِيرِ أن
يَثْبُتَ تَصرِيحُ ابْنِ أَبَيِّ بِالقَذْفِ لَم تُطَالِب عَائِشَةُ ﴿َّا بِالحد، إما لِتَسكِينِ الفِتْنَةِ،
وإما (٢لِطَلَبٍ تَغْلِيظ٢) العَذَابِ في الآخِرَةِ [٢٣٣/٢ظ]، وإما لِغَيرِ ذَلِكَ، ولا بُدَّ من
تَقْرِيرِ(٣) طَلَبٍ عَائِشَةَ ﴿ُّ حَدَّ المَحْدُودِينَ، لِمَا بَيِّنَاه من أنَّه حَقُّ آدَمِيٌّ، لَا يُقَامُ إلَّا
بِطَلَبٍ مُستَحِقْه. واللهُ أعلمُ.
(١)
في (ك٢، ح): ((يقام)).
(٣) في (ك٢، ح): ((تقدير)).
(٢ - ٢) في الأصل: ((لطلب)).

بابُ الإمامَةِ والإمارةِ
٣٣٧
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
الحديثُ الأولُ
عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، حِينَ قال لَه ابنُه عَبدُ الله بنُ عُمَرَ: ((إِنِّي
سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقالَةً، فَأَلَبِثُ أن أَقُولَها لَك، زَعَمُوا أَنَّك غَيرُ
مُستَخلفٍ(١))).
فَوضَعَ رَأْسَه سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَه، فقال: إنَّ اللهَ رَنْ يَحفَظُ دِينَه، وإِنِّي إن(٢)
لَا أسْتَخِلِفُ، فَإِنَّ رسولَ اللهِِّ لَم يَستَخلِف، وإن أستَخِلِف، فَإِنَّ أبا بَكرِ
قَد استَخلَفَ)). قال: ((فَوالله ما هو (٧٤/٨م) إلَّا أن ذَكَرَ رسولُ اللهِ وَه
وأبا بَكرِ تَخْفُ، فَعَلِمتُ أنَّه لَم يَكُن يَعدِلُ بِرسولِ اللهِ وَّهِ أَحَدًّا، وأنَّه غَيرُ
مستخلِفٍ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه ((مسلمٌ)) (٣) من هذا الوجه، من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعمَرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن أبيه، عن عُمَرَ. وفيه الزِّيَادَةُ التي ذَكَرَها
الشَّيخُ تَظْلَفُ في النُّسخَةِ الكُبرَىَّ من ((الأحكام))، وهيَ(٤) بَعدَ قَولِه: ((زَعَمُوا أَنَّك
غَيرُ مُستَخِلِفٍ، وأنَّه لَو كَانَ لَك رَاعِي إِلٍ، أو رَاعِي غَنَم، ثُمَّ إِنَّه جَاءَك(٥)
وتَرَكَها، رَأْيتَ أن قَد (٦ ضَيَّعَ، فَرِعَايَة٦ُ) النَّاسِ أَشَدُّ». قال: ((فَوَافَقَه قَولِي)).
في (ك٢، ح، ش): ((مستخلف))، وكذلك في كل المواضع.
(١)
ليس في: (ك٢، ح).
(٢)
(٣) مسلم (١٢/١٨٢٣).
في الأصل: ((وهو)).
(٤)
(٦ - ٦) في الأصل: ((ضيعها، رعاية)).
(٥) في (ك٢، ح): ((حال)).

=
٣٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وأخرجه ((الشيخانٍ)) (١) من طَرِيقِ هِشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن ابنِ عُمَرَ، قال:
حَضَرتُ أبي حِينَ أصِيبَ، فَأَثْنَوا عليه، وقَالُوا: ((جَزَاك الله خَيرًا)). فقال: ((رَاغِبٌ
ورَاهبٌ)). قَالُوا(٢): ((استَخلِف)). فقال: ((أَتَحَمَّلُ أمرَكُمْ حَيًّا، ومَيْتًا؟ لَودِدتُ أنَّ حَظّي
منها الكَفَافُ لَا علي ولَا لِي))، وذَكَرَ بَقِيَّتَه(٣)، لَفِظُ ((مسلم)). ولَفظُ ((البخاريِّ)):
((ودِدت أنِّي (٤) نَجَوت منها كَفَافًا، لَا لِي ولَا علي، لَا أتَحَمَّلُهاً حَيَّ ومَيًِّا)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((فَأَلَيتُ))؛ أي: حَلَفتُ. وفيه تَلَُفُ مَعَه لِهَيْبَتِهِ، وأنَّه
لَوَلَا تَورُّطُه فِي الْيَمِينِ، لَمَا جَسَرَ عليه بِمُخَاطَبَتِهِ فِي ذَلِكَ.
■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: كَيفَ يَجِتَمِعُ قَولُه: ((فَوافَقَه قَولِي))، مَعَ(٥) كَونِه لَم
يَعْمَل بِما قال؟
قُلتُ: لَمّا وافَقَه قَولُهُ وضَعَ رَأْسَه سَاعَةً، لِيَتَرَوى فِي ذَلِكَ، (٦فَاسْتَقَرَّ أمرُه٦)
بَعدَ الثَّرَوِّي، عَلى أنَّ كِلَا الأمرَينِ جَائِزٌ، لَه فيه سَلَفٌ صَالِحٌ، وأنَّ تَركَه أرجَحُ،
لِلإِقتِدَاءِ بِالنَّبِي بَِّ، وقَد انعَقَدَ الإجماعُ عَلى أنَّ الخَلِيفَةَ يَجُوزُ لَه الاسْتِخلَافُ
وتَركُه، وعَلى انعِقَادِ الخِلَافَةِ (٧٥/٨م) بِالاِستِخلَافِ، وعَلى انعِقَادِها بِعَقدِ أهلِ
الحَلِّ والعَقدِ لِإِنسَانٍ (٧)، إذَا لَم يَستَخْلِفِه(٨) الخَلِيفَةُ، وعَلى جَوازٍ جَعلِ الخَلِيفَةِ
الأمرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ، كَما فَعَلَ عُمَرُ عَلُهُ بِالسِّنَّةِ(٩).
ا الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((وإِنِّي إن لَا أستَخِفُ، فَإنَّ رسولَ اللهِوَّ لَم
يَستَخْلِف)). قال الخَطَّابي (١٠): مَعنَاه: لَم يُسَمِّ رَجُلًا بِعَينِهِ لِلِخِلَافَةِ، ولَم يُرِدِ بِهِ أنَّه
لَم يَأْمُر بِذَلِكَ، ولَم يُرشِد إلَيه، وأهمَلَ الأمرَ (١١) بِلَا رَاعِ يَرعَاهم. وقَد قال
البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١١/١٨٢٣).
(١)
(٢)
في (م): ((فقالوا)).
(٤) في (م): ((بأني)).
(٣) في (ش): ((بقية)).
(٥) في (ش): ((مع لولا)).
(٧) في (ك٢، ح): ((لا يسال)).
(٦ - ٦) في (ك٢، ح): ((فاسقراوه)).
(٨) في (ك٢، ح): ((يستخلف))، وفي (ش): ((يستحلف)).
(٩) ينظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص١٢٥ - ١٢٦).
(١٠) معالم السنن (٦/٣).
(١١) في (ك٢، ح): ((الأمة)).

IS
٣٣٩
بابُ الإمامَةِ والإمارَةِ
عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((الأئمَّةُ من قُرَيشٍ))(١). فَكَانَ مَعنَاه الأمرُ بِعَقدِ البَيْعَةِ لإمامِ
من قُرَيشٍ، ولِذَلِكَ رَأيتَ الصَّحَابَةَ يَومَ ماتَ رسولُ اللهِوَ ◌ّهِ، لَم يَقضُوا شَيئًا من
أمرٍ دَفيِه وتجهيزِهِ، حَتَّى أحكَمُوا أمرَ البَيعَةِ، ونَصَّبوا أبا بكرٍ، وكَانُوا يُسَمُّونَه
خَلِيفَةَ رسولِ اللهِ وَلَّ، إذ كَانَ فِعلُهم صَادِرًا عنه، ومُضَافًا إلَيه.
وذَلِكَ من أدَلِّ الدَّلِيلِ عَلى وُجُوبِ الخِلَافَةِ، وأَنَّ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ من إمامٍ يَقُومُ
بِأمرِهم، ويُمضِي فيهم أحكامَ الله تعالى، ويَردَعُهم عن الشَّرِّ، ويَمنَعُهمَّ(٢ من
التَّظَالُم والتَّفَاسُد٢ِ). ويَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أيضًا قَضِيَّةُ مَوتِه، ونَصبِهِ عليه الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ، أمِيرًا بَعدَ أمِيرٍ، وهذا اتِّفَاقُ الأمَّةِ، لَم يُخَالِف فيه إلَّ الخَوارِجُ
والمارِقَةُ، الذِينَ شَقُّوا العَصَا، وخَلَعُوا رِبِقَةَ الطَّاعَةِ. انتَهَى.
وقال النَّووِيُّ، تَبَعًا لِلقَاضِي عِيَاضٍ(٣): وأما ما حُكِيَ عن الأصَمّ (٤) أنَّه
قال(٥): لَا يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةٍ. فَبَاطِلٌ، مَحجُوجٌ [٢٣٤/٢و] بِإجماع مَن قَبلَه، ولَا
حُجَّةَ لَه في بَقَاءِ الصَّحَابَةِ، بِلَا خِلَافَةٍ في مُدَّةِ التَّشَاوُرِ يَومَ السَّقِيفَةِ وأيَّامَ الشُّورَى
بَعدَ وفَاةِ عُمَرَ رَبِهِ؛ لِأنَّهم لَم يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصبِ الخَلِيفَةِ، بَل كَانُوا سَاعِينَ في
النَّظَرِ فيمَن يُعقَدُ لَه. وحُكِيَ عن بَعضِهم أنَّ نَصبَ الخَلِيفَةِ واجِبٌ بِالعَقلِ .
قال النَّووِيُّ: وفَسَادُ قَولِه ظَاهرٌ؛ لِأَنَّ العَقلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا ولَا يُحَسِّنُهُ ولَا يُقَبِّحُه،
وإنَّما وقَعَ(٦) ذَلِكَ بِحَسَبِ العَادَةِ لَا بِذَاتِهِ(٧).
■ الخَامِسَةُ: قال النَّورِيُّ(٨): وفي هذا الحديثِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النبيّ وَل
لَم يَنُصَّ عَلى خَلِيفَةٍ، وهو إجماعُ أهلِ السُّنَّةِ وغَيرِهم.
(١) سيأتي تخريجه في الحديث الثالث.
(٢ - ٢) في (ك٢، ح): ((من المظالم والمفاسد))، في (ش): ((عن المظالم والمفاسد)).
شرح مسلم للنووي (٢٠٥/١٢)، وينظر: إكمال المعلم (٢٢٠/٦).
(٣)
هو: عبد الرحمن بن كيسان، أَبُو بَكْرِ الأصَمُّ، شيخ المعتزلة، كان من أفصح الناس،
وأورعهم، وأفقههم، وكان فيه ميل عن الإمام عليّ رَظُه، توفي سنة (٢٠١هـ)، سير
(٤)
أعلام النبلاء (٤٠٢/٩)، لسان الميزان (٢٨٨/٤).
(٥)
ليس في: (ك٢، ح، ش).
(٧)
في (ك٢، ح): ((بداية)).
(٦) في (ك٢، ح): (يقع)).
شرح مسلم للنووي (٢٠٥/١٢، ٢٠٦)، وإكمال المعلم (٢٢١/٦).
(٨)

=
٣٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال القَاضِي عِيَاضٌ: وخَالَفَ بَكرُ(١) ابنُ أختِ عَبدِ الواحِدِ(٢) فَزَعَمَ أنَّه نَصَّ
عَلى أبي بَكرٍ. وقال ابنُ(٣) الرَّاوندِيِّ(٤): نَصَّ عَلى العَباسِ. وقالت الشِّيعَةُ
والرَّافِضَةُ: عَلى عَلِيٍّ، وهَذِهِ دَعَاوى باطِلَةٌ، وجَسَارَةٌ عَلى الاِفتِرَاءِ، ووقَاحَةٌ في
مُكَابَرَةِ الحِسِّ، وذَلِكَ لِأِنَّ الصَّحَابَةَ ﴿يَا أجمَعُوا عَلى اختِيَارِ أبي بَكرٍ، وعَلى
تَنفيذِ عَهدِه إلى عُمَرَ، وعَلى تَنفيذِ عَهِدٍ عُمَرَ (٧٦/٨م) بالُّورَى(٥)، ولَم يُخَالِف في
شَيءٍ من ذَلِكَ أحَدٌ، ولَم يَدعُ عَلِيٍّ ولَا العَباسُ، ولا أبو بَكرٍ وصِيَّةٌ(٦) في وقتٍ
من الأوقَات، وقَد اتَّفَقَ عَلِيٍّ والعَباسُ عَلى جَمِيع (٧) هذا، من غَيرِ ضَرُورَةٍ مانِعَةٍ
من ذِكرٍ وصِيَّةٍ، لَو كَانَت، فَمَن زَعَمَ أنَّه كَانَ لِأَحَدٍ منهم وصِيَّةٌ، فَقَد نَسَبَ (٨)
الأمَّةَ إلى (٩) اجتماعِها عَلى الخَطَإِ، واستِمِرَارِها عليه، وكَيفَ يَحِلُّ لِأحَدٍ من أهلٍ
القِبِلَةِ أن يَنسِبَ الصَّحَابَةَ إلى المُواطَأةِ عَلى الباطِلِ فِي كُلِّ(١٠) هَذِهِ الأحوالِ، ولَو
كَانَ شَيءٌ لَنُقِلَ، فَإِنَّه من الأمُورِ المُهمَّةِ. انتَهَى.
قُلتُ: لَم يَقَع من النبيّ ◌َِّ في (١١) خِلَافَةِ أبي بَكرِ رَهُ إلَّا إشَارَاتٌ لَا
تَنصِيصَ فيها. منها: تَقدِيمُه لِلصَّلَاةِ، وهو أحَدُ وظَائفِ الإمامَةِ العُظمَى.
وقَولُهُ(١٢): ((يَأْبَى اللهُ والمسلمُونَ إلَّا أبا بكرٍ))(١٣).
(١)
في (ك٢، ح): ((بکیر)).
(٢)
هو: بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد البصري، كان من غلاة الخوارج، الفصل والنحل
لابن حزم (١٩١/٤)، ولسان الميزان (١٠٥/٢).
(٣)
ليس في: الأصل.
هو: أحمد بن يحيى بن إسحاق، أبو الحسين الراوندي، أو ابن الراوندي، فيلسوف
(٤)
مجاهر بالإلحاد، قال ابن كثير أحد مشاهير الزنادقة، طلبه السلطان، فهرب، واختبأ عند
ابن لاوي اليهودي، وصنف له كتابه: ((الدامغ للقرآن»، ومخازيه كثيرة شهيرة تنسب إليه
فرقة الراوندية، توفي سنة (٢٩٨هـ). الوفيات لابن خلكان (٢٧/١)، البداية والنهاية
(١٤/ ٧٦٤).
في (م): ((إلى الشورى)).
(٥)
في (ش): ((جمع)).
(٧)
(٦) في (ش): ((وصيته)).
(٨) في (ش): ((نصب)).
(٩) في (ك٢، ح): ((على)).
(١٠) ليس في: (ك٢، ح).
(١١) في (م): ((وفي)).
(١٢) في (م): ((قول)).
(١٣) أخرجه البخاري (٧٣٦٠) من حديث جبير بن مطعم ذاته.