النص المفهرس

صفحات 241-260

=
٢٤١
كِتَابُ الخُدُودِ
يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ المَسْؤُولِ عنه منها، عَلِمَ ذَلِكَ النبيّ وَّهِ بِوحي أو بِإخبارٍ مَن أسلَمَ
منهم، فَأَرَادَ بِذَلِكَ تَبكِيتَهم، وإِقَامَةَ الحُجَّةِ عليهم في مُخَالَفَتِهم كِتَابَهم، وگَذِبِهم
عليه واختِلَاقِهم (١) ما لَيسَ فيه، وإنكَارِهم ما هو فيه. والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: لَم أقِفِ عَلِى تَسمِيَّةِ اليَهودِيِّ الزَّانِي. وذَكَرَ أبو العَباسِ
القُرطُبي(٢) أنَّ اسمَ المَرأةَ الزَّانِيَةَ ((بُسرَةُ))، وظَاهرُ سِيَاقِه: أنَّ الطَّبَرِيَّ(٣) رَوى
ذَلِكَ. والواضِعُ يَدَه عَلى آيَةِ الرَّجمِ هو عَبدُ الله بنُ صُورِيًّا كَما هو في سِيرَةِ ابنِ
إسحَاقَ وغَيرِها (٤).
■ الرَّابِعَةَ عَشرَ: قَولُه: ((يَجنَأُ (٥) عَلى المَرأةِ)). ضَبَطنَاه عن شَيخِنَا
والِدِي تَّقُ: بِفَتحِ أولِه، وإسكَانِ الجِيمِ، وفَتحِ النُّونِ، وآخِرُه هَمزَةٌ. وهو الذي
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٦): إنَّه الجَيِّدُ في الرِّوايَةِ. وقال
ابنُ عَبدِ البَرِ (٧): إنَّه الصَّوابُ عندَ أهلِ اللُّغَةِ. فَإِنَّه نَقَلَ أولًا أنَّ الذي عند أكثَرٍ
شُيُوخِهم عن يَحيَى بنِ يَحيَى: ((يَحِنِي)) يَعنِي (٨): بِفَتحِ أولِه، وإِسكَانِ الحَاءِ
المُهمَلَةِ، وكَسرِ النُّونِ، بِلَا هَمزٍ. قال: وكَذَلِكَ قال القَعنَبي(٩)، وابنُ بُكَير:
بِالحَاءِ . وقَد قِيلَ عن كُلِّ واحِدٍ منهم بِالچِیمِ: (يَجِي).
قُلتُ: وظَاهِرُه: أنَّه كَالذِي قَبلَه إِلَّا في الجِيم، فَيَكُونُ بِكَسرِ النُّونِ(١٠)،
وآخِرُه يَاءٌ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١١): وقال أيُّوبُ(١٢)، عن نَافِع: ((يُجَانِيُ عنها
بيدِه). وقال مَعمَرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((يَجَافَى (١٣) بيدِه)).
في (ك٢، ح، ش): ((اختلافهم)).
(١)
المفهم (١١٤/٥)، وينظر: سيرة ابن هشام (١٠٣/٣).
(٢)
(٣)
تفسير ابن جرير (٤٢١/٨).
ينظر: سيره ابن هشام (٥٦٥/١) ط. دار المعرفة، بيروت.
(٤)
(٥)
في الأصل: ((يحنا))، وفي (ش): ((يحنى)).
(٦)
إحكام الأحكام (ص٦٤٦).
ليس في: (ك٢، ح).
(٨)
(١٠) في (ك٢، ح): ((بالكسر بالنون)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((ابن أيوب)).
(٧) التمهيد (٣٨٦/١٤).
(٩) في (ش): ((القعيني)).
(١١) التمهيد (٣٨٦/١٤).
(١٣) في (م، ك): ((فجافى)).

٢٤٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والصَّوابُ فيه عند أهلِ اللُّغَةِ: ((يَجْنَأ (١))) بِالهَمزِ؛ أي: يَمِيلُ عليها. يُقَالُ منه(٢):
(جَنَا، يَجْنَأ، جِنَاءً، وجُنُوءًا)) إذَا مالَ. ويُجنِئُ، ويَجِنَأْ بِمَعنّى واحِدٍ. انتَهَى كَلَامُ
ابنِ عَبدِ البَرُ.
وقال القَاضِي عِيَاضٌ في ((المَشَارِقِ))(٣): قَولُه: ((يَجنَأ)). يَعنِي: بِفَتحِ أولِه،
وبِالجِيمِ، وبِالهَمِزَةِ آخِرَه، كَذَا لِلأصِيلِيِّ عن المَروزِيِّ. ولِأحمَدَ بنِ سَعِيدٍ في
((المُوطَّ)). وقَيَّدَه الأصِيلِيُّ بِالحَاءِ عن الجُرجَانِيِّ، وبِالجِيمِ وفَتحِ اليَاءِ هو عند
الحَمَويِّ(٤). ووقَعَ لِلمُستَملِيِّ في مَوضِعٍ كَذَلِكَ، وكَذَا قُيِّدَ عن ابنِ الْفَخَّارِ (٥)، لَكِن
بِغَيرِ هَمزٍ، وكَذَا قَيَّدنَاه في ((المُوطًّا)) من طَرِيقِ الأصِيلِيِّ، بِالجِيمِ، مَضمُومَ اليَاءِ،
مَهمُوزًا. ورَأيت في أصلٍ أبي الفَضلِ: ((يَجنَأ)) بِفَتحِ اليَاءِ، ثُمَّ جِيمٍ، ثُمَّ هَمزَةٍ،
وتحت(٦) ذَلِكَ: ((يَجبا)) بِجِيمٍ، ثُمَّ باءٍ مُعجَمَةٍ بواحِدَةٍ (٧) ثُمَّ هَمزَةٍ؛ أي: يَركَعُ عليها .
(١٠/٨م) وبِالجِيم والحَاءِ مَعًا، مَهمُوزٌ، لَكِن بِفَتح اليَاءِ قَيَّدنَاه(٨) عن
ابنِ القَابِسِيِّ(٩)، عن ابنِ سُهَيلٍ(١٠)، وبِالحَاءِ وحدَها فَيَّدنَاه عن ابنِ عَتَّابٍ،
وابنِ أحمَدَ، وابنٍ عِيسَى مَفْتُوحَ الأولِ.
قال أبو عُمَرَ: وهو أكثَرُ رِوايَاتِ شُيُوخِنَا عن يَحيَى، وَكَذَا رِوايَةُ
ابنِ فَعنَبٍ (١١)، وابنِ بُكَير، وبَعضُهم فَيَّدَه بِفَتحِ الحَاءِ، وشَدِّ النُّونِ: ((يُحَنِّي))،
(٢)
في (ك٢، ح): ((يحنا))، وفي (ش): ((يحنى)).
(١)
ليس في: الأصل.
(٣) مشارق الأنوار (١٥٦/١، ١٥٧).
(٤)
في (م): ((الحميدي))، وفي (ش): ((المروزي)).
في (ك، ح، ش): ((ابن النجار))، وهو: أبو عبد الله، محمد بن عمر بن يوسف بن
(٥)
الفخار، القرطبي، المالكي، الإمام العلامة، عالم الأندلس، كان رأسًا في الفقه، مقدمًا
في الزهد، موصوفًا بالحفظ، مفرط الذكاء، عارفًا بالإجماع والاختلاف (ت٤١٩هـ).
ترتيب المدارك (٧٢٤/٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٧٢).
(٦)
في (م): ((ويجب)).
(٨)
في (م): ((وقیدنا.)).
(٩)
كذا في النسخ، وفي مصدر التخريج: ((ابن القاسم)).
(١٠) كذا في النسخ، وفي (م): ((شميل))، وفي مصدر التخريج: ((سهل)).
(١١) بعده في (ك٢، ح): ((وابن وهب)).
(٧) في (م): ((موحدة)).

كِتَابُ الحُدُودِ
٢٤٣
=
ورَواه بَعضُ هم بِفَتحِ الْيَاءِ، وسُكُونِ(١) الحَاءِ، وفَتح النُّونِ، وهَمزَةٍ بَعدَها .
وجَاءَ لِلأصِيلِيِّ في بابٍ آخَرَ: ((فَرَأيتُه أجنَا)). بِالهَمزِ والجِيمِ، وهو عند
أبي ذَرٍّ: ((أحَنَا)). بِالحَاءِ. وقَد رُوِيَ [٢٠٩/٢و] في غَيرِ هَذِهِ الكُتُبِ: ((يَحنُو)).
والصَّحِيحُ من هذا كُلِّه: ما قاله أبو عُبَيدٍ: ((يَجِنَا))(٢). ومَعنَاه: يَنحَنِي، يُقَالُ
من ذَلِكَ: جَنَا، يَجِنَا، قاله صَاحِبُ ((الأفْعَالِ))(٣).
وقال الزَّبيدِيُّ: ((حَنِيَ)) بِكَسرِ النُّونِ في الماضِي، ((يَحنُو))، و((يَحنِي)) أي:
يَعِطِفُ عليها. يُقَالُ: ((حَنِيَ))، ((يَحِنِي))، و(يَحنُو))، ومنه قَولُهُ وَ: ((وأحتَاهنَّ عَلى
ولَدٍ))(٤)، ويَكُونُ أيضًا: يَحْنِي عليها ظَهرَه. فَيَكُونُ بِمَعنَى ما قاله أبو عُبَيدٍ.
وكَذَلِكَ قَولُ(٥) مَن قال: ((يَحِنِئُ)) عَلى مَعنَى: يَجعَلُ ظَهرَه كَذَلِكَ، وجعَلَه حَنِيَ(٦)
يَحْنِي. تَعَدِّيَةُ حَنَأْ الرَّجُلُ، يَحِنَا، إذَا صَارَ كَذَلِكَ.
قال الأصمَعِيُّ: ((أجنَأت التُّرسَ(٧)): جَعَلته مُجنَاً؛ أي: مُحدَودَبًا، وهذا
مِثْلُه. انتهى كَلَامُ القَاضِي(٨) عِیَاضٍ.
وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٩): قَولُه: ((يُجنِئُ عليها)) أي: بِضَمِّ أولِه، وإسكَانٍ
الجِيمِ، وكَسرِ النُّونِ، وآخِرُه هَمزَةٌ؛ أي: يَكِبُّ ويَمِيلُ عليها، لِيَقِيَها الحِجَارَةَ.
(أجنَأْ، يُجنِئُ، إجنَاءً))، وفي رِوايَةٍ أخرَى: ((يُجَانِئُ عليها)» مُفَاعَلَةٌ من ((جَانَأً،
یجانِئُ)).
ثُمَّ قال: قال الخَطَّابي: الذي جَاءَ (١٠) في كِتَابِ السُّنَنِ: ((يُجنِئُ)) بِالجِيمِ،
في (ك٢، ح، ش): ((إسكان)).
(١)
(٢) في الأصل، (ك٢، ح): ((يحنا)).
(٣)
كتاب الأفعال (١٨٤/١).
سبق تخريجه في الحديث الثالث في كتاب النكاح.
(٤)
(٥)
من (م).
في (م)، ومصدر التخريج: ((ویفعله به حتى)).
(٦)
(٧)
في (ك٢، ح): ((القوس)).
النهاية في غريب الحديث (٣٠٢/١، ٤٥٣، ٤٥٤).
(٩)
(١٠) ليس في: (ش).
(٨) ليس في: (ك٢، ح).

٢٤٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
والمَحفُوظُ إنَّما هو: (يَحْنِي)) بِالحَاءِ؛ أي: يَكِبُّ عليها، يُقَالُ: ((حَنَا، يَحنَا،
حُنُوًّا)).
قُلتُ: والذي رَأيتُه في كَلَامِ الخَطَّابِي في ((مَعَالِمِ السُّنَنِ)) (١) عَكسَ هذا،
فقال هَكَذَا: يَجنَأ، والمَحفُوظُ إنَّما هو: ((يَحِنَا)) أي: يَكِبُّ عليها. يُقَالُ: حَنَا
الرَّجُلُ، يَحْنُو، حُنُوًّا. إذَا أَكَبَّ عَلى الشَّيءِ. قال كُثَيٌّ (٢):
أعَزَّةُ(٣) لَو شَهِدتٍ غَدَاةَ بِنتُمْ(٤) جُنُوءٍ(٥) العَائِدَاتِ(٦) عَلى وِسَادِي
ويَدُلُّ عَلى أنَّ الثَّحْرِيفَ (٧لِكَلَامِ الخَطَّابِي٧) حَصَلَ لِصَاحِبِ ((النِّهَايَةِ))؛ لِأَنَّ
الجَوهَرِيَّ(٨) أنشَدَ هذا البَيتَ: ((جُنُوءَ)) بِالجِيم، وقَد ذَكَرَ (٩) أنَّ المَحفُوظَ ما أنشَدَ
عليه (١١/٨) هذا البَيتَ. واللهُ أعلمُ.
وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ في (أعلَامِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ)) (١٠)، فقال: قَولُه: ((يَحْنِي
عليها)) رَواه(١١) بِالحَاءِ، وأكثَرُ الرُّواةِ يَجعَلُونَها بِالجِيمِ والهَمزِ ((يَجنَا عليها))؛ أي:
يَمِيلُ عليها. وأنشَدَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)) (١٢) هذا الشِّعرَ بِالحَاءِ،
وهو خِلَافُ المَعرُوفِ.
وحَصَلَ مِما حَكَيْنَاه في ضَبطِ هَذِهِ اللفظَةِ ثَمانِيَةُ أوجُهَ:
الأولُ: (يَجْنَأ)) بِفَتحِ اليَاءِ، وإسكَانِ الجِيمِ، وفَتحِ النُّونِ، وآخِرُه هَمزَةٌ.
الثَّانِي: (يُجنِي)؛ كالذِي قَبَلَه، إلَّا أنَّه بِضَمِّ أولِهِ، وكَسرِ النُّونِ.
معالم السنن (٣٢٥/٣).
(١)
البيت من الوافر، وهو في ديوانه (ص٧٢)، وينظر: الأغاني (٢٠٨/١٢)، والمحاسن
(٢)
والأضداد (ص ١٤٠)
(٣)
ليست في (ك٢، ح)، وفي مصادر التخريج: ((أغاضر)).
(٤)
(٥)
في (ك٢، ح): ((عدلا يتيم)).
في (ك٢، ح)، ومعالم السنن للخطابي: ((حنو)).
(٦)
في (ش): ((العابذات)).
(٧ - ٧) ليس في: (ش).
(٩) في (ش): ((ذكرت)).
(١٠) أعلام الحديث (١٦١٦/٣، ١٨٢٨).
(١٢) إحكام الأحكام (ص ٦٤٧).
(١١) ليس في: (ح، ش).
(٨) الصحاح للجوهري (٤١/١).

كِتَابُ الخُدُودِ
٢٤٥
=
الثَّالِثُ: (يَجِنِي) بِفَتحِ أولِهِ، وكَسرِ النُّونِ بِلَا هَمزٍ.
الرَّابعُ: مِثلُ الأولِ: ((يَجبأ))(١)، إلّا أنَّه بِالباءِ بَدَلَ النُّونِ.
الخَامِسُ: ((يَحِنِي))(٢)، بِفَتح أولِه، وإسكَانِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وكَسرِ النُّونِ،
وآخِرُه يَاءٌ .
السَّادِسُ: كَالذِي قَبَلَه، إلَّا أَنَّه بِالواوِ آخِرُه.
السَّابِعُ: ((يَحْنَا))(٣) كَالخَامِسٍ، إلّا أنَّه بِفَتح النُّونِ، وآخِرُه هَمزَةٌ.
الثَّامن: ((يُحَنِّي)) بِضَمِّ أولِه، وفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، وكَسرِ النُّونِ، وتَشدِيدِها.
فَالأَربَعَةُ الأولُ بِالجِيمِ، والأربَعَةُ الأخِيرَةُ بِالحَاءِ المُهمَلَةِ.
وتَقَدَّمَ أنَّه رُوِيَ: ((يُجَانِىُ)) بِالجِيمِ، والنُّونِ، والهَمزِ في آخِرِهِ. و((يُجَافي))
بِالچِيمِ، والفَاءِ، والْيَاءِ (٤) في آخِرِهِ، فَكَمُلَت بِذَلِكَ عَشرَةٌ. والله أعلمُ.
وزَعَمَ أبو العَباسِ القُرطُبي(٥) أنَّ الوجهَ الخَامِسَ هو الصَّوابُ، وأنَّ الثَّالِثَ
لَيْسَ بِصَوابٍ.
■ الخَامِسَةَ عَشرَ: فيه أنَّه لَم يَحِفِر لَهما لَما رُجِما، إذ لَو حَفَرَ لَهما
لَما تَمَكَّنَ أن يَجنَأ عليها، وقَد اختَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسألَةِ، فَذَهَبَ
مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وأحمَدُ (٦) في المَشهورِ عنهم إلى أنَّه لَا يُحفَرُ (٧لِلرَّجُلِ،
ولَا لِلمَرأة٢ِ). وقال قَتَادَةُ، وأبو ثَورٍ، وأبو يُوسُفَ، وأبو حَنِيفَةَ(٨) في(٩)
رِوايَةٍ: يُحفَرُ لَهما. وقال بَعضُ المالِكِيَّةِ: يُحفَرُ لِمَن يُرجَمُ بِالبَيِّنَةِ، دُونَ مَن
في الأصل، (ح، ش): ((يجبأ، کالأول)).
(١)
(٢)
ليس في: (ش).
(٣) من (م).
(٤)
لیس في: (ش).
(٥) المفهم (١١٦/٥).
ينظر: الإشراف (٢٥٩/٧)، ومعالم السنن (٣٢٢/٣)، شرح صحيح مسلم للنووي
(٦)
(١١/ ١٩٧).
(٧ - ٧) في (ك٢، ح): ((الرجل ولا المرأة)).
(٨) ينظر: شرح صحيح مسلم (١٩٧/١١).
(٩) ليس في: (ك٢، ح).

=
٢٤٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يُرجَمُ بِالإقرَارِ. وقال أصحابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُحفَرُ لِلرَّجُلِ، سَواءٌ ثَبَتَ زِنَاه
بِالبَيَّةِ، أو الإقرَارِ. [٢٠٩/٢ظ] وفي (١) المَرأةِ ثَلاثَةُ أوجُهَ:
أصَحُّها: أنَّه إن ثَبَتَ زِنَاها بِالبَيِّنَةِ استُحِبَّ، أو بِالإقرَارِ فَلَا.
والثَّانِي: يُستَحَبُّ الحَفرُ لَها إلى صَدرِها لِيَكُونَ أُستَرَ.
والثَّالِثُ: لَا يُستَحَبُّ، ولَا يُكرَه، بَل هو إلى خِيرَةِ الإمامِ.
■ السَّادِسَةَ عَشرَ: وفيه أيضًا أنَّه لَا تُربَطُ يَدَاه ولَا يُشَدَّانِ، لِقَولِه في
رِوايَةٍ أخرَى (٢): ((يُجَانِي عنها بيدِه)). وهو واضِحٌ. والله أعلم(٣).
(١) من هنا يبدأ سواد وطمس في الأصل، بمقدار إحدى عشر لوحة، ينتهي أثناء الفائدة
الأولى، من الحديث الأول من باب تحريم الخمر والنبيذ.
(٢)
ليس في: (ك٢، ح).
(٣) من (ش).

بابُ إِقَامَةِ الحُدُودِ بِالبَيِّنَةِ، وهيَ كَاذِبَةٌ في نَفسِ الأمرِ
٢٤٧
ـمسـ
(١٣/٨) بابُ إِقَامَةِ الحُدُودِ بِالبَيِّنَةِ،
وهيَ كَاذِبَةٌ فِي نَفْسِ الأمرِ
عن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي
اتَّخَذْتُ عندك عَّهِدًا لَن تُخلَفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأُّ المُؤمنينَ آذَيتُه، أو
شَتَمتُه، أو جَلَدتُه، أو لَعنْتُه، فَاجعَلها لَه صَلَاةً، وزَكَاةً، وقُربَةً تُقَرِّبُه بِها يَومَ
القِيَامَةِ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه مسلمٌ (١) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ، وأيُّوبَ السَّخِتِيَانِيِّ.
كِلَاهما عن الأعرج، عن أبي هرَيرَةَ. ولَيسَ فيه لَفظَةُ ((أو))، وإنَّما لَفُه (٢):
((آذَيْتِهِ(٣)، شَتَمته)) إلى آخِرِهِ. نَعَم رَواه (٤) من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن
أبي هرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((سَبَبته، أو لَعنته، أو جَلَدته))(٥)، وكَذَا رَواه من طَرِيقِ [سَالِمٍ
مَولى النَّصْرِيِّينَ، بِلَفِظِ ((آذَيته، أو سَبِبته، أو جَلَدته))(٦) .
واتَّفَقَ عليه الشيخانِ(٧) من طَرِيقٍ](٨) الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن
أبي هرَيرَةَ، بِلَفِظِ: ((اللَّهُمَّ، فَأَيُّما مُؤمنٍ سَبَبته، فَاجعَل ذَلِكَ لَه قُربَةً إِلَيك يَومَ
القِيَامَةِ)). و((لِمسلم)) فيه لَفظٌ آخَرُ أطولُ منه.
مسلم (٢٦٠١ / ٩٠).
(١)
(٣)
في (ك٢، ح): ((أدبته)).
(٥)
مسلم (٨٩/٢٦٠١).
البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١/ ٩٢، ٩٣).
(٧)
ما بين المعكوفين ليس في: (ك٢، ح).
(٨)
(٢) ليس في: (ك، ح).
(٤) في (ش): (روی)).
(٦) مسلم (٩١/٢٦٠١).

5
٢٤٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثَّانِيَةُ: المُرَادُ في الحديثِ ما (١) إذَا لَم يَكُن المَقُولُ لَه أهلًا لِذَلِكَ
القَولِ، كَما وَرَدَ التَّصرِيحُ بِهِ في ((صَحِيحِ مسلم)»(٢) من حديثِ أنَسِ بنِ مالِكِ أنَّه
عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ قال لِأَمّ سُلَيم: ((أَمَا (٣) تَّعَلَمِينَ أَنِّي اشتَرَطتُ (٤) عَلَى رَبي،
فَقُلتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أرضَى كَما يَرْضَى البَشَرُ (١٣/٨م)، وأغضَبُ كَما يَغْضَبُ(٥)
البَشَرُ، فَأَيُّما أحَدٍ دَعَوت عليه من أمَّتِي بِدَعوةٍ لَيسَ لَها بِأهلِ، أن تَجعَلَها لَه طَهورًا،
وزَكَاةً، وقُربَةً (٦ تقربه بها٦) منك يَومَ القِيَامَةِ)).
قال النَّوِيُّ في ((شَرح مسلم))(٧): فَهَذِهِ الرِّوايَةُ تُبَيِّنُ المُرَادَ في بَقِيَّةِ الرِّوايَاتِ
المُطلَقَةِ، وأَنَّه إنَّما يَكُونُ دُعَاؤُهُ وَّهِ عليه رَحمَةً وكَفَّارَةً وزَكَاةً، ونَحو ذَلِكَ، إِذَا لَم
يَكُن أهلًا لِلدُّعَاءِ عليه والسَّبِّ واللعنِ ونَحوِهِ، وكَانَ مسلمًا، وإلَّا فَقَدِ دَعَا
النبيّ وَّ﴿ عَلَى الْكُفَّارِ والمُنَافِقِينَ، ولَم يَكُنْ ذَلِكَ لَهم رَحمَةً.
■ الثَّالِثَةُ: إن قُلتَ: كَيفَ يَصدُرُ من النبيّ نَّهِ الدُّعَاءُ عَلى مَن لَيسَ أهلًا
لِلدُّعَاءِ عليه، وكَيفَ يَسُبُّه أو يَلعنه أو يَجِدُه، وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعصُومٌ
عن الكَبائِرِ والصَّغَائِرِ، عَمدًا وسَهوًا؟
قُلتُ: قال النَّووِيُّ(٨): الجَوابُ ما أجَابَ بِهِ العُلَماءُ، ومُختَصَرُه وجهانٍ:
أحَدُهما: أنَّ المُرَادَ لَيسَ بِأهلِ لِذَلِكَ عند الله تعالى، وفي باطِنِ الأمرِ، ولَكِنَّه
في الظَّاهِرِ مُستَوجِبٌ لَه، فَيَظهَرُ لَهِ وَّهِ استِحِقَاقُه لِذَلِكَ بِأمارَةٍ شَرِعِيَّةٍ، ويَكُونُ في
باطِنِ الأمرِ لَيسَ أهلًا لِذَلِكَ، وهو نَّهِ مأمُورٌ بِالحُكمِ بِالّاهِرِ، والله يَتَولى السَّرَائرَ.
الثَّانِي: إنَّ ما وقَعَ من سَبِّه ودُعَائه ونَحوِهِ لَيسَ بِمَقْصُودٍ، بَل هو مِما
جرت به (٩) عَادَةُ العَرَبِ في وصلِ كَلَامِها بِلَا نِيَّةٍ؛ كقَولِه: ((تَرِبَت يَمِينُك))(١٠)،
(١)
ليس في: (م).
(٣)
في (ش): «إنما)).
(٥)
في (ك، ح): ((تغضب)).
شرح صحيح مسلم (١٥١/١٦ - ١٥٢). (٨) شرح مسلم للنووي (١٦/ ١٥٢).
(٧)
(٩) في (م): ((خرج على)).
(١٠) البخاري (١٣٠)، ومسلم (٢٩/٣١٠)، وأبو داود (٢٣٧)، وابن ماجه (٦٠٠).
(٢) مسلم (٢٦٠٣ /٩٥).
(٤) في (ش): ((شرطته)).
(٦ - ٦) ليس في: (م).

٢٤٩
بابٌ إقَامَةِ الحُدُودِ بِالبَيِّئَةِ، وهيَ كَاذِبَةٌ في نَفسِ الأمرِ
((وعَقرَى حَلقَى))(١)، وكَقَولِه في حديثٍ أَنَسٍ لِيَتِيمَةِ أمِّ سُلَيم: ((لَا كَبِرَ سِتُّكِ))(٢)، وفي
حديثٍ مُعَاوِيَةَ: ((لَا أَشَبَعَ الله بَطَه))(٣)، ونَحوُ ذَلِكَ، لَا يَقصِدُونَ بِشَيءٍ من ذَلِكَ
حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ، فَخَافَ وَ ﴿ أن يُصَادِفَ (٤) شَيءٌ مِن ذَلِكَ إِجَابَةً، فَسَألَ رَبَّهِ وَالَ
ورَغِبَ (٥) في أن يَجعَلَ ذَلِكَ رَحمَةً وكَفَّارَةً وَقُربَةً وطَهورًا وأجرًا؛ وإنَّما كَانَ يَقَعُ منه
هذا في النَّادِرِ الشَّاذِّ من الأزمانِ، ولَم يَكُنَِّ فَاحِشًا ولَا مُتَفَحِّشًا، ولَا لَغَّانًا
ولَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِه؛ وقَد صَحَّ أنَّهم قَالُوا لَه (٦): ((دُ عَلَى دَوسٍ)) فقال: ((اللَّهُمَّ اهدٍ (٧)
دَوسًا))(٨). وقال: ((اللَّهُمَّ اغفِر ◌ِقَومِي، فَإِنَّهِم لَا يَعلَمُونَ))(٩). انتَهَى. وعَبَّرَ أبو العَباسِ
القُرطُبي (١٠) عن الجَوابِ الأولِ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ أحبَبتُ نَقلَها، فقال: أوضَحُها وجهٌ
واحِدٌ، وهو أنَّ النبي ◌ََّ إنَّما يَغْضَبُ لِما يَرَى من المَغضُوبِ عليه من مُخَالَفَةِ
الشّرعِ، فَيَغَضَبُ (١١) للهِ تعالىٍ لَا لِنَفْسِه، فَإِنَّه ما كَانَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، ولَا يَنْتَقِمُ لَها،
وقَد قَرَّنَا في الأصُولِ: أنَّ الظّاهرَ من غَضَبِهِ تَحرِيمُ الفِعلِ المَغضُوبِ من أجَلِه.
وعَلى هذا، فَيَجُوزُ لَه أن يُؤَدِّبَ المُخَالِفَ بِاللعنِ، والسَّبِّ والجَلدِ والدُّعَاءِ
عليه بِالمَكْرُوه، وذَلِكَ بِحَسَبٍ مُخَالَفَةِ المُخَالِفِ، غَيرَ أنَّ ذَلِكَ المَخَالِفَ قَدْ يَكُونُ
ما (١٤/٨م) صَدَرَ منه فَلتَةٌ أوجَبَتها غَفْلَةٌ، أو غَلَبَةُ نَفسِ، أو شَيطَانٌ، ولَه فيما بَينَه
وبَينَ الله عَمَلٌ خَالِصٌ، وحَالٌ صَادِقٌ، يَدَفَعُ الله عنه بِسَبَبٍ ذَلِكَ أَثَرَ ما صَدَرَ عن
النبيّ وَ لَهَ(١٢) مِن ذَلِكَ القَولِ أو الفِعلِ.
قال القَاضِي عِيَاضٌ(١٣): وقَد يَكُونُ قَولُه هذا، ودُعَاءُ رَبِّه إشفَاقًا (١٤) عَلى
المَدعُوِّ عليه، وتَأنِيسًا لَه، لِئَلَّا يَلحَقَه من الخَوفِ، والحَذَرِ من ذَلِكَ، ومن تَقَبُّلٍ
سبق تخريجه في الحديث الثاني في الحج.
(١)
في (م): ((لا أكثر الله منك)».
(٢)
(٣)
مسلم (٢٦٠٤/ ٩٧) من حديث ابن عباس.
(٤)
في (ش): «یصادفه)).
(٦)
ليس (ش).
(٨) البخاري (٢٩٣٧).
(١٠) المفهم (٥٨٤/٦).
(١٢) ليس في: (ك، ح).
(١٤) في (ك، ح): ((أشياء فأجابه)).
(٥) في (م): ((فغضبه)).
(٧) ليس في: (ش).
(٩) البخاري (٣٤٧٧).
(١١) في (م): (فغضبه)).
(١٣) إكمال المعلم (٧٢/٨).

٢٥٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
دُعَائه ما يَحمِلُهُ عَلى الْيَأْسِ(١) والقُنُوطِ، وقَد (٢ يكُونُ سُؤَالًا منه٢) لِرَبِّه فيمَن جَلَدَه
وسَبَّه بِوجه (٣) حَقٍّ، وعِقَابٍ عَلى جُرمٍ، أن يَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً فِي الدُّنيَا، وكَفَّارَةً
لِمَا فَعَلَه، ومُحَصِّنًا (٤) لَه عن عِقَابِهِ عليه في الآخِرَةِ، كَما في الحديثِ الآخَرِ:
((ومَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِه فهو (٥) لَه كَفَّارَةٌ)(٦) .
■ الرَّابِعَةُ: قال المازَرِيُّ(٧) بَعدَ ذِكرِهِ الجَوابَ الأولَ: فَما مَعنَى قَولِه:
((إنَّما أنَا بَشَرٌ، أغضَبُ كَما يَغضَبُ البَشَرُ). وهذا يُشِيرُ إلى أنَّ تِلكَ الدَّعوةَ وقَعَت
بِحُكمٍ سَورَةِ الغَضَبِ، لَا عَلى أنَّها من مُقْتَضَى الشَّرع، وبَقِيَ (٨) السُّؤَالُ عَلى
حَالِهِ، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أن يَكُونَ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أرَادَ أَنَّ دَعَوته عليه أو سَبَّه أو
جَلدَه كَانَ مِما خُيِّرَ بَينَ فِعلِه لَه، عُقُوبَةً لِلجَانِي وتَركِه وزَجرِهِ بِأمرٍ آخَرَ، فَحَمَّلَه
الْغَضَبُ اللهِ تعالى عَلى أحَدِ الأمرَينِ المُخَيَّرِ (٩) فيهما، وهو سَبُّه أو لَعنُه أو جَلدُه
ونَحوُ ذَلِكَ، ولَيسَ ذَلِكَ خَارِجًا عن حُكمِ الشَّرِعِ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عندك عَهِدًا لَن
تُخلِفَنِيه)). مَعنَاه: أنَّه طَلَبَ ذَلِكَ من الله تعالى فَأْجَابَ دُعَاءَه وحَقَّقَ طُلبَتَه. وعن
هذا عَبَّرَ بِقَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((شَرطي(١٠) عَلى رَبي)). (١١ أي: دُعَائي
المُجَابُ (١)، فَإِن الله(١٢) تعالى لَا يُشتَرَطُ عليه شَرطٌ، ولَا يَجِبُ عليه ◌ِأحَدٍ حَقٌّ،
بَل ذَلِكَ كُلُّه منه عَلى سَبيلِ الفَضلِ(١٣) والكَرَمِ والإِكْرَامِ لِأَوْلِيَائِه.
] السَّادِسَةُ: وفيه بَيَانُ ما اتَّصَفَ بِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ من الشَّفَقَّةِ عَلى
أمَّتِهِ، والاعتِنَاءِ بِمَصَالِحِهم، والاحتِيَاطِ لَهم، والرَّغْبَةِ في كُلِّ ما يَنفَعُهم.
في (ك٢، ح): ((الناس)).
(١)
(٣)
في (ك، ح): ((لوجه)).
(٥)
في (م): ((كان)).
(٢ - ٢) في (م): ((تكون سؤالاته)).
(٤) في (م): ((تحصناً)).
البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، والنسائي (٤١٧٢)، وابن ماجه (٢٦٠٤).
(٦)
(٧)
المعلم (٣٧٦/٢).
(٩) في (م): ((المتخير)).
(١١ - ١١) في (ك، ح): ((إن دعائي لمجاب)).
(١٢) في (م): ((فالله)).
(٨) في (م): ((فبقي)).
(١٠) في (م): ((شرطت)).
(١٣) ليس في: (ش).

كبير
٢٥١
بابُ إِقَامَةِ الحُدُودِ بِالبَيِّئَةِ، وهيَ كَاذِبَةٌ في نَفسِ الأمرِ
=
السَّابِعَةُ: اسْتَدَلَّ بِهِ المُصَنِّفُ تَخْلَثُ عَلى أَنَّ الحَاكِمَ يَعْتَمِدُ الظَّاهَرَ حَتَّى في
الحُدُودِ، فَإِذَا قَامَتِ بَيْنَةٌ مَقبولَةٌ بِما يَقتَضِي حَذَّا أقَامَه، فَلَا حَرج عليه ولَا إثمَ إِذَا
كَانَت تلك(١) البَيِّنَةُ كَاذِبَةً في نَفسِ الأمرِ، إذَا لَم يَعلَم هو بِكَذِبِها، ولَم يَتَحَقَّق
خِلَافَ ما شَهدَت بِهِ؛ لِأنَّ القَاضِيَ لَا يَقضِي عَلى خِلَافِ عِلمِه، كَما قَد حُكِي
الإجماعُ عَلَى ذَلِكَ(٢)، وإن اختَلَفُوا في جَوازٍ قَضَائه بِعِلمِه في غَيرِ حُدُودِ الله
تعالى، فَإِنَّ قَولَه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((جددتُه))(٣) يَدخُلُ فيه جلدُ(٤) (١٥/٨م) الحد
وجَلدُ التَّعزِيرِ، وإنَّما لَا يَكُونُ المَحدُودُ أهلًا لِلحد إذَا كَانَت البَيِّنَةُ عليه بِما يَقْتَضِي
الحَدَّ كَاذِبَةً في نَفسِ الأمرِ، فَأما إذَا صَدَقَت فَهو أهلٌ لِلحد، وإن كَانَت لَه أعمالٌ
صَالِحَةٌ وفَضَائِلُ تَجبُرُ ما وقَعَ منه، فَذَلِكَ لَا يَنفي وُقُوعَ الحد مَوقِعَه، ومَعَ كَذِبٍ
البَيِّنَةِ، إِذَا لَم يَعلَمِ الحَاكِمُ كَذِبَها، لَا يَلحَقُ الحَاكِمَ من ذَلِكَ شَيءٌ. والله أعلمُ.
الثَّامنةُ: وفيه جوازُ لَعنِ العَاصِي المُعَيَّنِ. وقَد ذَكَرَ النَّووِيُّ(٥): أنَّ
ظواهرَ الأحَادِيثِ تَدُلُّ عَلى جَوازِهِ، وإن كَانَ المَشهورُ في المَذهَبِ خِلَافَه.
] التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((أو شَتَمتُه، أو جَلَدْتُه، أو لَعنْتُه)). بَعدَ قَولِه: ((آذَيته)).
من ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ، وقَولُه: ((فَاجعَلها))؛ أي: تِلكَ الخَصلَةَ.
] العَاشِرَةُ: قَولُه: ((صَلَاةً)؛ أي: رَحمَةً، كَما في الرِّوايَةِ الأخرَى.
والصَّلَاةُ من الله تعالى مُفَسَّرَةٌ بِالرَّحمَةِ (٦). وقَولُه: ((وزَكَاةً)): يَحتَمِلُ أن يُرَادَ
تَزكيَةٌ(٧) لِنَفسِه. ويَحتَمِلُ أن يُرَادَ الزِّيَادَةُ في الأجرِ، كَما عَبَّرَ عنها في الرِّوايَةِ
الأخرَى بِالأجرِ، و((القُربَةُ)): ما يُقَرِّبُ إلى الله تعالى وإلى رِضوانِه. والله أعلم.
(١)
ليس في: (م).
ينظر: مراتب الإجماع لابن حزم (ص٥١)، والإقناع لابن القطان (١٤٧/٢).
(٢)
(٣)
ليس في: (م).
(٤) في (م): ((حد))
(٥)
شرح صحيح مسلم (١٨٥/١١).
تفسير صلاة الله تعالى بالرحمة لا يصح بل أصح الأقوال انها ثناؤهُ تعالى على عبده.
(٦)
في (م): ((ترقية)).
(٧)

S
٢٥٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بابُ اتَّقَاءِ الوجه في الحُدُودِ والتَّعزِيرَات
عن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ رَظُبه، قال: ((قال رسولُ اللهِ وَالتَ: ((إِذَا
قَاتَلَ أحَدُكُمْ أَخَاهً، فَلَيَجِتَنِب الوجهَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرجه ((البخاريُّ))(١) من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ
بِه(٢)، ومن طَرِيق مالِكٍ، وابنٍ فُلانٍ، عن سَعِيدِ المَقبُرِيِّ، عن أبيه، عن(٣)
أبي هرَيرَةَ. وَلَيسَ في رِوايَتَيه هاتَينِ لَفظَةُ: ((أَخَاه). وابنُ فُلَانٍ هذا، قِيلَ: إنَّه
عَبدُ الله بنُ زِيَادِ بنِ سَمعَانَ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ.
وأخرجه ((مسلمٌ))(٤) من طَرِيقِ أبي الزِّنَادِ (١٦/٨م)، عن الأعرَجِ، عن أبي
هِرَيْرَةَ، بِلَفِظِ : ((إِذَا ضَرَبَ)). ومن طَرِيقِ سُهَيلٍ (٥) بنِ أبي صَالِحٍ، عن أبيه عن أبي
هَرَيْرَةَ، بِلَفِظِ: ((إذَا قَاتَلَ أحَدُكُم فَلَيَتَّقِ الوجهَ)). ومن طَرِيقِ أبِي أَيُّوبَ المَرَاغِيّ،
عن أبي هُرَيْرَةَ، بِزِيَادَةٍ: ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِه)). وفي لَفِظِ لَه من هذا
الوجه: ((فَلَا يَلطُمَنَّ الوجهَ)).
■ الثَّانِيَةُ: فيه النَّهيُ عن ضَربِ الوجه. قال النَّورِيُّ(٦): قال العُلَماءُ: هذا
تَصرِيحٌ بِالنَّهي عن ضَربِ الوجه؛ لِأَنَّ لَطِيفٌ يَجمَعُ(٧) المَحَاسِنَ، وأعضَاؤُه نَفِيسَةٌ
البخاري (٢٥٥٩).
(١)
(٣)
لیس في: (م).
(٤)
مسلم (١١٢/٢٦١٢)، (١١٣/٢٦١٢، ١١٤/٢٦١٢، ١١٥، ١١٦).
(٥)
في (ش): ((سهل)).
في (ش): ((بجميع)).
(٧)
(٢) ليس في: (ش).
(٦) شرح صحيح مسلم (١٦٥/١٦).

=
٢٥٣
بابُ اتَّقَاءِ الوجه في الحُدُودِ والتَّعزِيرَات
لَطِيفَةٌ، وأكثَرُ الإدرَاكِ بِها فَقَد يُبطِلُها ضَربُ الوجه وقَد يُنقِصُها، وقَد يَشُقُّ(١)
الوجهَ، والشَّينُ فيه فَاحِشٌ؛ لأنَّه(٢) بارِزٌ ظَاهرٌ لَا يُمكِنُ سَترُه(٣)، ومَتَى ضَرَبَه لَا
يَسلَمُ من شَينٍ غَالِیًا .
■ الثَّالِثَةُ: قَد(٤) يُقَال: إنَّ قَولَه: (قَاتَلَ)) بِمَعنَى: قَتَلَ. وإِنَّ المُفَاعَلَةَ هنَا
لَيسَت عَلى ظَاهرِها، بَل هيَ مِثلُ: عَاقَبتُ اللِّصَّ، وطَارَقتُ النَّعلَ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ
قَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((إِذَا ضَرَبَ)). وقَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَلَا يَلطُمَنَّ
الوجه)). وقَد يُقَالُ: هيَ عَلى بابِها، والمُرَادُ أنَّه إذَا حَصَلَت مُقَاتَلَةٌ (٥) من
الجَانِبَينِ، ولَو في دَفعٍ صَائلٍ ونَحوِهِ يَتَّقِي الوجهَ (٦)، فَما ظَنُّك بِما إذَا لَم يَقَع من
الجَانِبِ الآخَرِ ضَربٌ، فَهو أولى بِأن يَتَّقِيَ الوجهَ؛ لِأنَّ صَاحِبَ المُدَافَعَةِ قَد
تَضطَرُّه الحَالُ إلى الضَّربِ في وجهه، ومَعَ ذَلِكَ فَنَهَى عنه، فَالذِي لَا يُدَافِعُه
المَضرُوبُ(٧) أولى بِأن يُؤمَرَ بِاجتِنَابِ الوجه.
■ الرَّابِعَةُ: يَدْخُلُ في ذَلِكَ ضَربُ الإمامِ، أو مأذُونِه في الحُدُودِ
والتعازِيرِ، وضَربُ الإنسَانِ زَوجَتَه أو ولَدَه أو عَبدَه عَلى طَرِيقِ التَّأْدِيبِ. وبَوّبَ
البخاريُّ في ((صَحِيحِه)) عَلى هذا الحديثِ: ((بابَ إِذَا ضَرَبَ العَبدَ فَلَيَجِئَنِب
الوجه))، ولَم يُرِد تَخصِيصَ العَبدِ بِذَلِكَ، بَلِ العَبدُ من جُمْلَةِ الأفرَادِ الدَّاخِلَةِ في
الحديثِ، وإنَّما (٨) خَصَّه بِالذِّكرِ؛ لِأَنَّ مَقصُودَه بَيَانُ حُكمِ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ. وَرَوى
((أبو دَاوُد)) و((النسائيُّ)(٩) من حديث أبي بَكرَةَ، قال: شَهدتُ النبيّ وَّ وهو واقِفٌ
عَلى بَغْلَتِهِ، فَجَاءَته امرأةٌ حُبلى، فقالت: ((إِنَّها قَد (١٧/٨م) بَغَت، فَارِجُمها)):
في (م): ((يشين))، وفي شرح صحيح مسلم: ((يشوه).
(١)
(٢)
في (م): «فإنه» .
(٣) في (ك، ح).
في (ك، ح): ((وقد)).
(٤)
(٥) في (ش): ((مقابلة)).
(٦)
في (م): ((الوجه)».
(٨)
في (ك، ح): ((ولذا)).
(٧) في (ك، ح): ((الضرب)).
أبو داود (٤٤٤٤)، والنسائي في الكبرى (٧١٩٦).
(٩)

=
٢٥٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثَ، وفيه: ثُمَّ قال للمسلمِينَ: ((ارمُوها، وإِيَّاكُم ووجهَها)). لَفظُ النسائيّ،
ولَفْظُ أبي دَاوُد: ((ارمُوا، واتَّقُوا الوجهَ)).
الخَامِسَةُ: ظَاهرُ النَّهي التَّحرِيمُ، وَد صَرَّحَ أصحَابُنَا وغَيرُهم بِاتَّقَاءِ
الوجه في ضَربِ الحُدُودِ وغَيرِها، ولَم يُفصِحُوا عن حُكمِه. وصَرَّحَ ابْنُ حَزمٍ
الظَّاهِرِيُّ(١) بِمُؤُجبٍ(٢) ذَلِكَ.
■ السَّادِسَةُ: ظَاهرُ قَولِهِ: ((أَخَاه)) اختِصَاصُ ذَلِكَ بِالمسلم، وبه(٣) يُقَالُ:
إِنَّه خَرج مُخرج الغَالِبِ فَلَا مَفهومَ لَه، ويُؤَيِّدُه: أنَّه ورَدَ غَيرَ مُقَيَّدٍ بِأحَدٍ، وذَلِكَ في
((صَحِيحِ البخاريِّ)) وغَيرِهِ كَما تَقَدَّمَ.
وقال أبو العَباسِ القُرطُبي (٤): يَعنِي بِالأُخُوةِ هنَا، والله أعلمُ: أخُوةَ
الآدَمِيَّةِ، فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهم بَنُو آدَمَ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ قَولُه: ((فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى
صُورَتِه))؛ أي: عَلى صُورَةٍ وجه المَضرُوبِ، فَكَأنَّ اللاِمَ في وجه أحَدٍ(٥) ولَدِ
آدَمَ لَظَمَ وجهَ أبيه آدَمَ. وعَلى هذا، فَيَحِرُمُ لَطمُ الوجه من المسلمِ والكَافِرِ، ولَو(٦)
أرَادَ الأخوةَ الدِّينِيَّةَ لَما كَانَ للتعلِيلِ (٧) بِخَلقِ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ مَعنّى، لَا يُقَالُ:
فَالكَافِرُ مأمُورٌ بِقَتلِه وضَربِهِ في أيِّ عُضوٍ كَانَ، إذ المَقصُودُ إتلَافُه، والمُبالَغَةُ في
الاِنتِقَامِ منه، ولَا شَكَّ في أنَّ ضَربَ الوجه أبلَغُ في الانتِقَامِ والعُقُوبَةِ، فَلَا يُمنَعُ.
وإنَّما مَقصُودُ الحديثِ إكرَامُ وجه المُؤمن لِحُرمَتِه؛ لِأنَّا نَقُولُ: مُسَلَّمٌ أَنَّا
مأمُورُونَ(٨) بِقَتلِ الكَافِرِ، والمُبالَغَةِ في الانتِقَام (٩منه، لَكِن٩) إِذَا تَمَكَّنَّا من
اجْتِنَابٍ وجهه اجتَنَبْنَاه، لِشَرَفِ هذا (١٠العُضوِ، و١٠) لِأَنَّ الشَّرِعَ قَد نَزَّلَ هذا الوجهَ
المحلى (١٦٨/١١).
(١)
في (م): ((بوجوب)) وهو الموافق لما في المحلى.
(٢)
(٣)
في (م): ((وقد)».
(٥) في (ك): ((لقد)).
(٧) في (ك، ح): ((التعليل)).
(٩ - ٩) ليس في: (ك، ح).
(٤) المفهم (٦ / ٥٩٧ - ٥٩٨).
(٦) في (ك، ح): ((ولما)).
(٨) في (ك): ((موزون)).
(١٠ - ١٠) في (ك، ح): ((الوجه)).

5
٢٥٥
بابُ اتَّقَاءِ الوجه في الحُدُودِ والتَّعزِيرَات
مَنْزِلَةَ وجه أبينَا، ويَقْبُحُ لَطمُ الرَّجُلِ وجهًا يُشبِهِ(١) وجهَ أبِي اللاِم، وَيْسَ كَذَلِكَ
سَائرُ(٢) الأعضَاءِ؛ لِأنَّها كُلَّها تَابِعَةٌ لِلوجه. انتَهَى.
■ السَّابِعَةُ: قَولُه في رِوايَةٍ لِمسلم: (فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). ظَاهرٌ
أو (٣) صَرِيحٌ في أنَّ المُرَادَ عَلى صُورَةِ المَضرُوبِ، فَلِهذا المَعنَى أمَرَ بِإِكَرَامِها،
ونَهَى عن ضَربِها، وهَذِهِ الصِّيغَةُ دَالَّةٌ عَلى الثَّعلِيلِ، ولَولَا ذَلِكَ لَم يَكُن لِهَذِهِ
الجُمْلَةِ ارتِباطٌ بِالتِي قَبلَها، وقَد تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ (٤) ذَلِكَ في كَلَامِ القُرطُبي. ورُوِيَ أنَّه
عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَضْرِبُ عَبدَه في وجهه لَطْمًا، ويَقُولُ: ((قَبَّحَ اللهُ
وجهَك، ووجهَ مَن أشبَهَ وجهَك)). فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إِذَا ضَرَبَ أحَدُكُم
أَخَاهِ، فَلَيَجِتَنِب الوجهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِه))(٥). وأعَادَ بَعضُهم الضَّمِيرَ
عَلى الله تعالى، وأيَّدَه بِالرِّوايَةِ التي لَفظُها: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلى (١٨/٨م) صُورَةٍ
الرَّحمَنِ))(٦). ولَكِنَّ تِلكَ الرِّوايَةَ لَيسَت صَحِيحَةً. قال المازَرِيُّ(٧): هذا لَيسَ
بِثَابِتِ عند أهلِ الحديثِ، وكَأنَّ مَن نَقَلَه رَواه بِالمَعنَى الذي تَوهَّمَه، وغَلِطَ في
ذَلِكَ. انتهى.
وبِتَقَدِيرِ صِحَّةٍ ذَلِكَ، فهذا(٨) من أحَادِيثِ الصِّفَاتِ، ولِلسَّلَفِ فيها مَذْهَبانِ:
أحَدُهما: وهو مَذهَبُ جُمهورِهم: الإمسَاكُ عن تَأوِيلِها، والإيمانُ بِأنَّها
حَقٌّ، وأنَّ ظَاهرَها غَيرُ مُرَادٍ، ولَها مَعنَى يَلِيقُ بِها (٩).
(١)
في (م): ((شبه)».
(٢) في (م): ((كسائر)).
(٣)
في (م): ((أنه)).
(٤) ليس في: (ك، ح).
أحمد (٢٥١/٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١٧٣)، وابن حبان (٥٧١٠)، والبيهقي
(٥)
في الأسماء والصفات (٦٣٩).
ابن خزيمة في التوحيد (٤١، ٤٢)، والطبراني في الكبير (٤٣٠/١٢) ح (١٣٥٨٠)،
(٦)
والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٠).
(٧)
المعلم (٣٧٩/٢).
(٩)
(٨) ليس في: (م).
أما قول المصنف: أن ظاهرها غير مراد. فليس هو من مذهب السلف في شيء، بل
مذهبهم هو إثبات أحاديث الصفات كما جاءت، من غير تأويل ولا تعطيل، ومن غير
تشبيه ولا تمثيل، إثباتًا يليق بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ينظر: الشريعة للآجري (١١٤٧/٣ - ١١٥٥).

=
٢٥٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والثَّانِي: تَأْوِيلُها بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِتَنزِيه الله تعالى، وأنَّه لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ،
وتَأوِيلُه هنَا: أنَّ هَذِهِ إضَافَةُ تَشرِيفٍ واختِصَاصٍ؛ كقَولِه تعالى: ﴿نَاقَةُ اَللَّهِ﴾
[الشمس: ١٣]، وكَما يُقَالُ في الكَعبَةِ: (بَيتُ الله))، ونَحوُ ذَلِكَ؛ وأوّلَه بَعضُهم:
بِأنَّ الصُّورَةَ قَد تُطلَقُ بِمَعنَى الصِّفَةِ، كَما يُقَالُ: صُورَةُ هَذِهِ المَسألَةِ(١) كَذَا؛ أي:
صِفَتُها كَذَا. فَمَعنَاهِ: أنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ آدَمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوصُوفًا بِالعِلمِ
الذي فُضِّلَ(٢) بِهِ بَينَه وبَينَ جَمِيعِ الحَيَوانَاتِ، وخَصَّه منه بِما لَم يَخُصَّ بِهِ أحَدًا
من مَلَائِكَةِ الأَرَضِينَ والسَّمَواتِ.
(١) في (ك، ح): ((المسلمين)).
(٢) في (ش): ((فضل الله)).

بابُ لَّ حَدَّ في النَّظَرِ والمَنطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَ الفَرِجُ
٢٥٧
بابُ لَ حَدَّ فِي النَّظَرِ والمَنطِقِ (١)
حَتَّى يُصَدِّقَ(٢) الفَرجُ
عن هَمام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِّهِ («كُتِبَ عَلى ابن
آدَمَ نَصِيبٌ من أَلْزِّنَى، أدرََكَ(٣) لَا مَحَالَةَ، فَالعَينُ زِنيَتُها النَّظَرُ، ويُصَدِّقُها(٤)
الأعرَاضُ، واللِّسَانُ زِنِيَتُه المَنطِقُ(٥)، والقَلبُ (٦) الثَّمَنِّي، والفَرِجُ يُصَدِّقُ
(٧ ما ثَم٧َّ) و(٨) يُكَذِّبُ)). رواه مسلمٌ.
فيه (١٩/٨م) فوائدُ:
■ الأولى: رَواه ((مسلمٌ))(٩) من طَرِيقٍ وهيب (١٠) بنِ خَالِدٍ، عن سُهَيلٍ بِنِ
أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي هرَيرَةَ دَُّه بِمَعنَاه. وزَادَ فيه: ((والأذُنَانِ زِنَاهما
الاستماعُ، واليَدُ زِنَاها البطشُ، والرِّجلُ زِنَاها الخُطَى)). ورَواه ((أبو دَاوُد))(١١) من
طَرِيقٍ حَمَادٍ بِنِ سَلَمَةَ، عن سُهَيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، وَزَادَ فيه: ((والفَمُ
يَزْنِي، فَزِنَاهِ القُبُلُ».
وأخرجه الشيخانِ، و((أبو دَاوُد))، و((النسائيّ))(١٢) عن ابنِ عَباسِ رَضُه، قال:
(١)
في (ك، ح): ((النطق)).
(٢) في (ك، ح): ((يصدقه).
بعده في (م)، ومصدر التخريج: ((ذلك)). (٤) في (ك٢، ح): ((ويصرفها)).
(٣)
في (ك، ح): ((النطق)).
(٥)
(٦) في (ك، ح): ((والقلب زنيته)).
(٧ - ٧) ليس في: (ك، ح).
(٨) في (ك٢، ح): ((أو)).
(١٠) ليس في: (م).
(٩) مسلم (٢١/٢٦٥٧).
(١١) أبو داود (٢١٥٣).
(١٢) البخاري (٦٢٤٣، ٦٦١٢)، ومسلم (٢٠/٢٦٥٧)، وأبو داود (٢١٥٢)، والنسائي في
الكبرى (١١٥٤٤).

٢٥٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
((ما رَأيتُ شَيئًا أشبَهَ بِاللمَم مِما قال أبو هرَيْرَةَ: إنَّ رسولَ اللهِوَّه قال)). فَذَكَرَ
نَحوِ رِوايَتِنَا، بِدُونِ زِيَادَةِ مسلمِ المُتَقَدِّمَةِ.
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((كُتِبَ عَلى ابنِ آدَمَ نَصِيبٌ من الزِّنَى))؛ أي: قُدِّرَ عليه
نَصِيبٌ من الزِّنَى، فَهو مُدرِكٌ ذَلِكَ النَّصِيبَ، ومُرتَكِبٌ لَه بِلَا شَكِّ؛ لِأَنَّ الأمُورَ
المُقَدَّرَةَ لَا بُدَّ من وُقُوعِها، فَمنهم مَن يَكُونُ زِنَاه حَقِيقِيًّا، بِإِدخَالِ الفَرجِ في الفَرجِ
الحَرَامِ، ومنهم مَن يَكُونُ زِنَاه مَجَازِيًّا، إمّا بِالنَّظَرِ إلى ما يَحرُمُ عليه النَّظَرُ إلَيه،
وإمّا بِمُحَادِثَةِ الأجنبيةِ فِي ذَلِكَ المَعنَى، وإمّا بِالاستماعِ(١) إلى حديثها بِشَهوةٍ،
وإمّا بِلَمسِها بِشَهوةٍ، وإمّا بِالمَشى إلى الفَاحِشَةِ، وإمّا بِالتَّقبيلِ المُحَرَّمِ(٢)، وإمّا
بِالثَّمَنِّي بِالقَلبِ، والتَّصمِيمِ عَلى فِعلِ الفَاحِشَةِ. فَكُلُّ هَذِهِ الأمُورِ مُقَدِّمَاتٌ لِلزِّنَا،
ويُطلَّقُ عليها اسمُ الزِّنَى مَجَازًا، وعَلَامةُ(٣) المَجَازِ فيها لُزُومُ التَّقِدِ، فَإِنَّه لَا يَصِحُ
أن يُقال في صَاحِبِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ: إِنَّه زَانٍ مُطلَقًّا بِلَا قَيدٍ (٤).
■ الثَّالِثَةُ: وفيه رَدِّ صَرِيحٌ عَلى القَدَرِيَّةِ، وبَيَانُ أنَّ أفعَالَ العِبادِ لَيسَت
أَنُفًا، بَل هيَ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ، ولَيسَ تَقدِيرُها حُجَّةً لِلعَبدِ، بَل هو
مُعَاقَبٌ عَلى كَسبِهِ ويُتَابُ (٥) عليه.
( الرَّابِعَةُ: قَولُه: ((أدرَكَ))؛ أي: أدرَكَ(٦) الذي كُتِبَ عليه ووافقَه(٧).
وقَولُه: ((لَا مَحَالَةَ)) بِفَتح المِيمِ، وبِالحَاءِ المُهمَلَةِ؛ أي: لَا بُدَّ. ومن ذَلِكَ قَولُ
قِسِ بنِ سَاعِدَةَ(٨).
أيقَنتُ أنّي لَا مَحَالَةَ حَيثُ صَارَ القَومُ صَائِرٌ
في (م): ((بالسماع)).
(١)
(٣)
في (م): ((علاقة)).
(٢) في (ك، ح): ((المجرد)).
ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٢٠٦/١٦).
(٤)
(٥)
في (م): ((مثاب)».
(٦) في (م): ((وأدرك ذلك)).
(٧)
في (م): ((وواقعه)).
(٨) قِس بن ساعدة بن حذافة الإيادي، أحد متألِّهي الجاهلية، أدركه النبي بَّر. وعدّه كثير
من العلماء في الصحابة، مات قبل البعثة. أسد الغابة (٤٨٥/٣)، الإصابة (٢٥٣/٨).

=
بابُ لَ حَدَّ في النَّظَرِ والمَنطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَ الفَرِجُ
٢٥٩
قال في ((النِّهايَةِ))(١): أي: لَا حِيلَةَ. ويَجُوزُ أن يَكُونَ من الحَولِ والقُوةِ، أو
الحَرَكَةِ، وهيَ مِفْعَلَةٌ منهما، وأكثَرُ ما يُستَعمَلُ ((لَا مَحَالَةَ)) بِمَعنَى الْيَقِينِ والحَقِيقَةِ،
أو بِمَعنَى: لَا بُدَّ، (٢٠/٨م) والمِيمُ زَائِدَةٌ. انتَهَى.
وقال صَاحِبُ ((الصِّحَاح))(٢): المَحَالَةُ: الحِيلَةُ. ثُمَّ قال: وقَولُهم:
(لَا مَحَالَةَ)). أي: لَا بُدَّ. يُقَالُ: المَوتُ آتٍ لَا مَحَالَةَ. وقال في (المُحكّم))(٣):
الحَولُ، والحَيلُ، والحَولُ، والحِيلَةُ، والحَوِيلُ، والمَحَالَةُ، والاحتِيَالُ،
والتَّحَوُّلُ(٤)، والتَّحَيُّلُ؛ كلُّ ذَلِكَ: الحِذقُ، وجَودَةُ النَّظَرِ، والقُدرَةُ عَلى دِقَّةِ
التَّصَرُّفِ(٥). ثُمَّ قال: ولَا مَحَالَةَ من ذَلِكَ؛ أي: لَا بُدَّ.
وقال في ((المَشَارِقِ))(٦): قَولُه: لَا مَحَالَةَ، ولَا حَولَ. الحَولُ: الحَرَكَةُ.
وقال ابنُ الأنبارِيِّ: المَحَالَةُ، والحَولُ: الحِيلَةُ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُهُ: ((فَالعَينُ زِنيَتُها النَّظَرُ)). بِكَسرِ الزَّايِ، وإسكَانِ النُّونِ؛
أي: هَيئَةُ زِنَاها ليسَت (٧) كَهَيئَةِ الزِّنَى الحَقِيقِيِّ، الذي هو إِيلَاجُ الفَرِجِ في الفَرْجِ
المُحَرَّم، وإنَّما هَيئَتُه النَّظَرُ، والفِعلَةُ بِالكَسرِ لِلهَيئَةِ (٨)، ولَو رُوِيَ: زَنْيَتُها. بِالفَتحِ
عَلى المَرَّةِ لَصَحَّ، ولَكِنَّ الكَسرَ عَلى الهَيئَةِ أَظهَرُ وهو المَروِيُّ.
] السادسة(٩): قَولُه: ((ويُصَدِّقُها الإعرَاضُ)). الظّاهرُ أنَّ مَعنَاه: يُصَدِّقُ (١٠)
العَينَ الإِعرَاضُ؛ أي: يَجعَلُها (١١) ذَاتَ صِدقٍ، فَإِذَا أعرَضَت بَعدَ نَظَرِها، وغَضَّت
عن(١٢) النَّظَرَ المُحَرَّمَ، فَهِيَ(١٣) ذَاتُ صِدقٍ، ماشِيَةٌ عَلى الاِسْتِقَامَةِ، وتِلكَ النَّظرَةُ
الأولى إن كَانَت عن غَيرِ قَصدٍ فَلَا إثمَ بِها، وهيَ نَظرَةُ(١٤) الفَجأةِ. وإن كَانَت عن
النهاية في غريب الحديث (٣٠٤/٤).
(١)
الصحاح للجوهري (١٦٨١/٤).
(٢)
(٤)
في (ك٢، ح): ((التحويل)).
مشارق الأنوار (٢١٥/١، ٢١٦).
(٦)
(٨) في (ك، ح): ((الهيئة)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((مصدق)).
(١٢) في (م): ((عنه) .
(١٤) في (ك، ح): ((نظر)).
(٣) المحكم لابن سيده (٦/٤ - ٧).
(٥) في (ك، ح): ((النظر)).
(٧) في (م): ((للسبب)).
(٩) ليس في: (م).
(١١) في (ش): ((تجعلها)).
(١٣) في (ك، ح): ((فهو)).

=
٢٦٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قَصدٍ فَقَد تَابَت(١) ورجعَت عنها، وفيه إشَارَةٌ إلى أنَّه لَا يَنبَغِي النَّظَرُ مَرَّةً بَعدَ
أخرَى، بَل يَنبَغِي الْكُفُّ بِحَسَبِ الإمكانِ. وفي ((صَحِيحِ مسلم))(٢) وغَيرِه عن
جَرِيرِ رَُّهُ: (سَألتُ رسولَ اللهِ وَّهِ عِن نَظَرِ الفَجأةِ، فَأْمَرَنِي أن أُصرِفَ بَصَرِي)).
وفي ((سُنَنِ أبِي دَاوُد))، و((الترمذيٍ))(٣) (٤) عن بُرَيدَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ لِعَلِيِّ:
(يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ، فَإِنَّ لَك الأولى، ولَيسَت لَك الآخِرَةُ». وقَد(٥) ظَهَرَ
بِما قَرَّرْنَاه أنَّ مَعنَى التَّصدِيقِ هِنَا غَيرُ مَعنَاه في قَولِهِ بَعدَه (٦): ((والفَرجُ يُصَدِّقُ ما ثَمَّ
ويُكَذِّبُ)). فَإِنَّ مَعنَى التَّصدِيقِ هِنَاكَ: تَحقِيقُ الزِّنَى(٧) بِالفَرِجِ، ومَعنَى التَّكذِيبِ أن
لَا يُحَقِّقُه بِالإِيلَاجِ، فَصَارَت تِلكَ النَّظرَةُ كَأنَّها كَاذِبَةٌ، لَم يَتَّصِل بِها مَقصُودُها،
فَالتَّصدِيقُ هنَا مَحمُودٌ، والتَّصدِيقُ هنَاكَ مَذمُومٌ، ولَم أرَ مَن تَعَرَّضَ لِلِكَلَامِ عَلى
هَذِهِ اللفظَةِ الأولى.
السَّابِعَةُ: قَد يُستَدَلُّ بِه عَلى تَحرِيمُ تَمَنِّي الزِّنَا بِالقَلبِ، ويُعَارِضُه ما
صَخَّ وثَبَتَ من أنَّ الخَواطِرَ والوسَاوِسَ مَعفُوٌّ عنها (٨) فَلَا مُؤَاخَذَةَ بِها، فَيُحمَلُ هذا
الحديثُ عَلى العَزمِ عَلى ذَلِكَ والجَزِمِ بِهِ، فَإِنَّ المُحَقِّقِينَ عَلى المُؤَاخَذَةِ بِالعَزمِ
المُستَقِرِّ، لِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((القَاتِلُ والمَقُولُ فِي النَّارِ)). قَالُوا: ((يَاً
رسولَ الله، هذا القَاتِلُ (٢١/٨م)، فَما بالُ المَقتُولِ؟)) قال: ((إِنَّه كَانَ حَرِيصًا عَلى
قَتِلِ أخِيه))(٩). أو يُحمَلُ هذا الحديثُ عَلَى تَمَنِّي حِلِّ الزّنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِأنَّه
لَم يَحِلَّ في مِلَّةٍ من المِلَلِ، بَل حَكَى أصحَابُنَا عن الحَنَفيةِ الكُفرَ بِذَلِكَ، لَكِن قال
في (ك٢، ح، ش): ((بانت)).
(١)
مسلم (٤٥/٢١٥٩)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذي (٢٧٧٦).
(٢)
(٤) أبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧).
(٣)
في (ك، ح): ((الثوري)).
(٥)
ليس في: (ك، ح).
(٦) ليس في: (ش).
(٧)
في (م): ((للزنى)).
المقصود به حديث: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به،
(٨)
أو تتكلم)). أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧/٢٠١)، وأبو داود (٢٢٠٩)،
والترمذي (١١٨٣) عن أبي هريرة.
(٩) البخاري (٣١، ٦٨٧٥)، ومسلم (١٤/٢٨٨٨).