النص المفهرس
صفحات 181-200
=
مع أصحابه سَرِيَّةً إلى بَطنِ (١) نَخْلَةٍ في شَهرِ رَجَبٍ قَبَلَ بَدرِ الكُبرَى، وأخَذُوا العِيرَ
والأسِيرِينَ. قال عَبدُ الله ◌ِأصحابه: إنَّ لِرسولِ اللهِوَّهِ مِمَّا غَنِمنا(٢) الخُمُسَ،
وذلك قَبلَ أن يَفرِضَ الله تعالى الخُمُسَ من المَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرسولِ اللهِ وَ خُمُسَ
العِيرِ، وقَسَمَ سَائرَها بَيْنَ أصحابه، وكَانَ ذلك في أَخَرِ يَومٍ من شَهرِ رَجَبٍ. فَقال
لَهم رسولُ الله ◌َّهِ: مَا أمَرَتُكُم بِقِتَالٍ في الشَّهرِ الحَرَامِ؛ فَوَقَفَ العِيرَ والأسِيرَينِ،
وأبَى أن يَأخُذَ (٣من ذلك(٣) شَيئًا، حَتَّى نَزَلَت ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةِ﴾.
[البقرة: ٢١٧]؛ فَحِينَئِذٍ قَبَضَ رسولُ اللهِ وَِّ العِيرَ والأسِيرَينِ)).
وهذه القِصَّةُ لَيسَ إسنادُها بِمُتَّصِلٍ ولَا ثَابِتٍ؛ فإنَّ ابنَ إسحَاقَ قال فيها: وذُكِرَ عن
(٤َبَعضِ آل عَبدَ الله بنَ جَحش٤ٍ): أنَّ عَبدَ الله بنَ جَحشٍ قال لِأصحابه؛ فَذَكَرَ (٥) ذلك.
قال ابنُ سَعدٍ في ((الطََّقَاتِ))(٦): ويُقَالُ: (إنَّ رسولَ اللهِّهِ وَقَفَ غَنَائِمَ نَخْلَةَ
حَتَّى رَجَعَ من بَدرٍ؛ فقسَمَها (٧ مع غَنَائِمِ أهلِ بَدرٍ (٧)، وأعطَى كُلَّ قَومٍ حَقّهم)).
قال: ويُقَالُ: ((إنَّ عَبدَ الله بنَ جَحشٍ خَمَّسَ مَا غَنِمَ، وقَسَمَ بَينَ أصحابه
سَائرَ الغَنَائِمِ؛ فَكَانَ أولَ خُمُسٍ خُمِّسَ في الإسلامِ)).
الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قال ابنُ بَطَّالٍ (٨): وفيه أنَّ قِتَالَ آخَرِ النَّهارِ وإِذَا هَبَّت
رِيَاحُ النَّصرِ أفضَلُ، كَمَا كَانَ النَّبِي ◌َّهِ يَفْعَلُ.
قُلتُ: لَيسَ في الحديثِ أَنَّه قَصَدَ القِتَالَ ذلك الوقتَ، وإنَّمَا فيه أنَّه دَنَا من
القَريَةِ ذلك الوقتَ؛ فَلَعَلَّه غَيرُ مَقْصُودٍ، وإِنَّمَا اقْتَضَى(٩) وُقُوعُ الحَالِ كَذلك (١٠).
(١) ليس في (ح، ش).
(٢) في (م): ((غنمتم)).
(٣ - ٣) في (م): ((منها)).
(٥) في (م): ((یذکر)).
(٤ - ٤) مكانها في (م): ((بعضهم)).
(٧ - ٧) ليس في (ش).
(٦) الطبقات (١١/٢).
(٩) في (م): ((اقتضاه)).
(٨) شرح صحيح البخاري (٢٧٨/٥).
(١٠) نعم، في قصة النعمان بن مقرن مع المغيرة بن شعبة في قتال الفرس [البخاري
(٣١٥٩)]، التصريح باستحباب القتال حين تزول الشمس وتهب الرياح؛ فالاستدلال به
يغني عن هذا. من الفتح (٢٢٤/٦).
بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ
١٨١
١٨٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
(٢٥٠/٧م) الحديثُ الثَّانِي
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أيُّمَا قَرِيَةٍ أَتَيتُمُوها فَأَقَمتُم فيها،
فَسَهمُكُم فيها. وأيُّمَا قَرِيَةٍ عَصَتِ اللهَ ورسولَه، فإنَّ خُمُسَها لِلَّه ولرسولِهِ(١)،
ثُمَّ هيَ لَّكُم)). رَواه مُسلِمٌ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمٌ، وأبو دَاوُد(٢) من هذا الوجه؛ من طَرِيقٍ
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرة(٣).
■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٤): يَحتَمِلُ: أَن يَكُونَ المُرَادُ بِالأولى
الفَيَّ الذي لَم يُوجِف عَلَيه المُسلِمُونَ بِخَيلٍ وَلَا رِكَابٍ، بَل جَلَا عنه(٥) أهلُه أو
صَالَحُوا عَلَيه؛ [فتكونُ سُهمُهم فيها؛ أي: حقهم من العطايا، كما يصرف الفيء.
ويكون المراد بالثانية: ما أخذ عنوة] (٦)؛ فَيَكُونُ غَنِيمَةً يَخرُجُ منه الخُمُسُ، وباقِيه
لِلِغَانِمِينَ، وهو مَعنَى قَولِهِ: ((ثُمَّ هيَ لَكُم))؛ أي: باقِيها.
■ الثالثة: استُدِلَّ به على أنَّه لَا يَجِبُ الخُمُسُ في الفَيءِ؛ لِأَنَّه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يَذْكُر الخُمُسَ إلا في القَريَةِ العَاصِيَةِ التي لَم تُؤْخَذ الغَنِيمَةُ منها
إلا بِإِيجَافِ الخَيلِ والرِّكَابِ.
وقال في الأولى: إنَّ سَهمَ المُستَولين(٧) عَلَيها جَارٍ فيها من غَيرِ اسْتِثنَاءِ
شَيءٍ، وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ ومَالِكٌ وأحمَدُ والجُمهورُ.
في (م): («ورسوله)).
(١)
مسلم (٤٧/١٧٥٦)، وأبو داود (٣٠٣٦).
(٢)
(٣)
لیس في (م).
إكمال المعلم (٧٤/٦)، وشرح النووي (٦٩/١٢).
(٤)
(٥)
في (ش): ((علیه)).
ما بين المعكوفين ليس في (م).
(٦)
في (م): ((المستولي)).
(٧)
١٨٣
بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ
=
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلى إِيجَابِ الخُمُسِ في الفَيءِ، كَمَا أجمَعُوا على إيجَابه في
الغَنِمَةِ.
وقال ابنُ المُنذِرِ(١): لَا نَعلَمُ أَحَدًا قَبلَ الشَّافِعِيِّ قال بِالخُمُسِ في الفَيءٍ.
انتھی .
والذي قاله الشَّافِعِيُّ هو ظَاهرُ القُرآنِ، في قوله تعالى: ﴿ََّ أَقَءَ اللَّهُ عَلَى
رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر:
٧]. [كما قال في آية الغنيمة: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَرَّسُولِ
وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى (٢) وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾] [الأنفال: ٤١].
فَلَفظُ التَّنزِيلِ في القِسمَينِ مُتَّحِدٌ، فَمَا وجه تَفْرِقَةِ الجُمهورِ بَيْنَهمَا؟
ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ قال في الأخمَاسِ الأربَعَةِ: إنها كَانَت في زَمَنِهِ عَلَيه
الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لَه(٣) مَضمُومَةً لِمَالِه من خُمُسِ الخُمُسِ، فَكَانَ لَه أحَدٌ وعِشرُونَ
سَهمًا؛ من خَمسَةٍ وعِشرِينَ سَهمًا .
وأمَّا بَعدَه فَفيها ثَلَاثَةُ أقوالٍ :
أظهَرُها: أنَّها لِلمُرتَزِقَةِ(٤) المُرصَدِينَ لِلجِهادِ.
والثَّانِي: لَلمَصَالِحِ كَخُمُسِ الخُمُسِ.
والثَّالِثُ: أنَّها تُقْسَمُ كَمَا يُقْسَمُ الخُمُسُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ ومَالِكٌ وأحمَدُ (٧/ ٢٥١م): جَمِيعُ الفَيءٍ لِلمَصَالِحِ. وحُكِيَ
عن أبي حَنِيفَةَ أيضًا: أنَّه يَقسِمُ جَمِيعَ الفَيءٍ على ثَلَاثَةِ أسهمٍ لِلْيَتَامَى والمَسَاكِينِ
وابنِ السَّبيلِ، كَمَا يَقُولُه في خُمُسِ الغَنِيمَةِ. وحُكِيَ عنه أيضًا: أنَّ خُمُسَ الفَيءِ
والغَنِيمَةِ يُقْسَمُ على أربَعَةٍ، ثَلَاثَةٌ لِهَؤُلَاءِ، وواحِدٌ لِلفُقَرَاءِ من ذَوِي القُربَى(٥).
(١) الإشراف (١٦٦/٤ - ١٦).
ما بين المعكوفين ليس في (م)
(٢)
(٤)
في (ح): ((للمسترزقة)).
(٣) ليس في (ح).
(٥)
ينظر: شرح مسلم (٦٩/١٢)، والروضة (٣٦٥/٦، ٣٦٦، ٣٥٨، ٣٥٩) للنووي،
والهداية (١٤٨/٢)، والذخيرة (٤٣١/٣ - ٤٣٤)،
١٨٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الرَّابِعَةُ: استُدِلَّ به على أنَّ أرضَ العنوةِ حُكمُها حُكُمُ سَائِرِ الغَنِيمَةِ؛
(" في أن١َّ) خُمُسَها لِأهلِ الخُمُسِ، وأربَعَةَ أخمَاسِها لِلغَانِمِينَ.
الحديثُ الثَّالِثُ
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا هَلَكَ كِسرَى فَلَا يَكُونُ
كِسرَى بَعدَه، وقَيصَرُ لَيَهْلِكَنَّ فَلَا يَكُونُ قَيصَرُ بَعدَه، ولتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهمَا في
سبیلِ الله)).
وعنْ سَعِيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبِي ◌ِِّ، قال(٢): ((إِذَا هَلَكَ كِسرَى
فَلَا كِسْرَى بَعدَه، وإِذَا هَلَكَ فَيَصَرُ فَلَا قَيصَرُ بَعدَه، والذي (٣نَفسُ مُحَمَّد٣ٍ)
بيدِهِ لَتُنفِقُنَّ(٤) كُنُوزَهمَا فِي سَبيلِ الله)).
فيه فوائدُ :
■ الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى: الشيخانِ(٥)؛ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ،
عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: مُسلِمٌ، والتِّرمِذي(٦)؛ من
طَرِيقٍ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. والشيخانِ (٧)؛ من طَرِيقٍ يُونُسَ. ومُسلِمُ (٨) من طَرِيقٍ
مَعَمَرٍ. ثَلَاثَتُهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ. وأخرَجَه البخارِيُّ(٩) أيضًا؛
من طَرِيقِ شُعَيبٍ (١٠) بنِ أبي حَمزَةَ، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَج؛ كُلُّهم عن أبي
هريرةَ
(١ - ١) في (م): ((لأن)).
(٣ - ٣) في (ش): ((نفسي)). وهما روايتان.
(٥) البخاري (٣٠٢٧)، ومسلم (٧٦/٢٩١٨).
(٦)
مسلم (٢٩١٨/ ٧٥)، والترمذي (٢٢١٦).
البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨).
(٧)
(٨)
مسلم (٢٩١٨).
(١٠) في (م): ((سعيد)).
(٢) ليس في (م).
(٤) في (ش): ((ليقسمن)).
(٩) البخاري (٣١٢٠).
=
بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ
١٨٥
( الثَّانِيَةُ: قال النَّووِيُّ في (شَرحِ مُسلِم))(١): قال المُطَرِّزُ وابنُ خَالَويه
وآخَرُونَ من الأئمَّةِ كَلَامًا مُتَدَاخِلًا؛ حَاصِلُه: (٢٥٢/٧م) أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ المُسلِمِينَ
يُقَالُ لَه: أمِيرُ المُؤمنينَ، ومَن مَلَكَ الرُّومِ: فَيصَرُ، [ومَنْ ملَك الفرس: كسرى،
ومَنْ ملَك الترك: خاقان، ومَنْ ملَك القبط: فرعون، ومَنْ ملَك مصر:
العزيز](٢)، ومَن مَلَكَ الحَبَشَةَ: النَّجَاشِيُّ، ومَن مَلَكَ الْيَمَنَ: تُبَّعِ، ومَن مَلَكَ
حِمَيَرَ: القَيلُ بِفَتحِ القَافِ، وقِيلَ: القَيلُ أقَلُّ دَرَجَةً من المَلِكِ. انتهى.
ويَجُوزُ في كِسرَى فَتَحُ الْكَافِ وكَسرُها، (٣لغتان مشهورتان(٣). وحُكِيَ الفَتْحُ
عن الأصمَعِيِّ، والكَسرُ عن غَيرِهِ.
■ الثالثة: مُقْتَضَاه أنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال هذا الكَلَامَ قَبلَ هَلَاكِ
كِسرَى. لَكِنَّ لَفظَ مُسلِمٍ؛ من طَرِيقِ ابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابنِ المُسَيِّبِ،
عن أبي هريرةَ: ((قَد مَاتَ كِسرَى فَلَا كِسرَى بَعدَه)». مع قَولِه في الجُمْلَةِ الأخرَى:
((وإِذَا هَلَكَ قَيصَرُ، فَلَ قَبَصَرَ بَعدَه))، وقَد رَواه التِّرمِذي من هذه الطّرِيقِ التي رَواها
منها مُسْلِمٌ، بلفظِ: ((إِذَا هَلَكَ كِسرَى)).
ويُوافِقُ الرِّوايَةَ التي لَفُها: ((قَد مَاتَ كِسرَى)): مَا في (صَحِيحِ البخارِيِّ))(٤)
عن أبي بَكرَةَ قال: (لَمَّا بَلَغَ رسولَ الله وَ لَّ أنَّ أهلِ فارِسَ قَد مَلَّكُوا عَلَيهم بِنتَ
كِسرَى. قال: لَن يُفْلِحَ قَومٌ وَلَّوا أمرَهم امرَأةً».
وظَاهرُ الرِّوايَتَينِ التَّنَافِي، وجَمِع بَيْنَهمَا أبو العَباسِ القُرُبي(٥)؛ بِأنَّ أبا هريرةَ
سَمِعَ ذلك من النَّبِي وَلِ مَرَّتَيْنِ:
إحداهما: قَبلَ مَوتِ كِسرَى، بلفظ: ((إذَا هَلَكَ كِسرَى)). والأخرَى(٦): بَعدَ
مَوتِه، بلفظ: ((قَد مَاتَ كِسرَى)).
(١) شرح النووي (٢٣/٧).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في (م).
(٣ - ٣) ليس في (م).
(٥) المفهم (٢٥٩/٧، ٢٦٠).
(٤) البخاري (٤٤٢٥، ٧٠٩٩).
(٦) في (ش): ((والآخرون)).
١٨٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال القُرطُبي: إنَّه بَعِيدٌ. ثُمَّ قال: ويَحتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بَيْنَ المَوتِ والهَلَاكِ
فَيُقَالُ: إنَّ مَوتَ كِسرَى كان(١) قَد وقَعَ في حَيَاةِ النَّبِي ◌َِّ؛ فأخبَرَ عنه بِذلك،
وأمَّا هلَاكُ (٢) مُلكِه: فَلَم يَقَع إلا بَعدَ مَوتِ النَّبِيِ نَّهِ ومَوتِ أبي بَكرٍ، وذلك في
خِلَافَةِ عُمَرَ(٣) .
قُلتُ: الظَّاهرُ أنَّ قَولَه فِي تِلكَ الرِّوايَةِ ((قَد مَاتَ كِسرَى))!ُ من الإخبارِ عن
الشَّيءٍ قَبلَ وُقُوعِه لِتَحَقُّقِ وُقُوعِه، كَمَا في قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛
فَعَبَّرَ عن المُستَقْبَلِ بِالمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِه (٤)، وتَتَّفِقُ الرِّوايَتَانِ، والله أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٥): قال الشَّافِعِيُّ، وسَائرُ العُلَمَاءِ: مَعنَاه: لَا
يَكُونُ كِسْرَى بِالعِرَاقِ، ولَا قَيَصَرُ بِالشَّامِ، كَمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ وَِّ؛ فَأعلَمَنَا(٦) ◌ِّ
بِنقِطَاعٍ مُلكِهِمَا في هَذَينِ الإقلِيمَينِ، وكَانَ كَمَا قال.
فأمَّا كِسرَى: فانقَطَعَ مُلكُه، (٧ وزَالَ بالكلية(٧) من جَمِيعِ الأرضِ، وتَمَزَّقَ
مُلكُه كُلَّ مُمَزَّقٍ، واضمَحَلَّ بِدَعوةِ النَّبِي ◌َّر.
وأمَّا قَيصَرُ: فانهَزَمَ من الشَّامِ، ودَخَلَ أقصَى بِلَادِه؛ فافتَتَحَ المُسلِمُونَ
بِلَادَهمَا، واستَقَرَّت لِلمُسلِمِينَ ولِلَّه الحَمدُ (٨ على ذلك٨). انتهى.
ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ(٩) ذلك عن أهلِ العِلمِ.
والحديثُ المُشَارُ إلَيه في (٢٥٣/٧م) تمزيق(١٠) مُلكِ كِسرَى: رَواه
البخارِيُّ(١١) في ((صَحِيحِه))، عن ابنِ عَباسٍ: ((أنَّ رسول الله بَلَهَ بَعَثَ بِكِتَابِه إلى
كِسرَى مع عَبدِ الله بنِ حُذَافَةَ السَّهمِيِّ؛ فأمَرَه أن يَدِفَعَه إلى عَظِيمِ البَحرَينِ؛ فَدَفَعَه
(١)
لیس في (م).
ينظر: البداية والنهاية (٨/١٠ - ١٧).
(٣)
(٤)
ينظر: البحر المحيط (٢١٢/١)، (٥٠٣/٦).
(٥)
شرح النووي (١٨/ ٤٢).
(٧ - ٧) في (م): ((وزالت مملكته)).
(٩) إكمال المعلم (٤٦١/٨).
(١٠) في (م): ((تفريق)).
(٢) في (م): ((إهلاك)).
(٦) في (م): ((فأعلم)).
(٨ - ٨) ليس في (م).
(١١) البخاري (٦٤، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤).
=
بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ
5
١٨٧
عَظِيمُ البَحرَينِ إلى كِسرَى؛ فَلَمَّا قَرَأْهِ مَزَّقَه)). فَحَسِبتُ(١) أنَّ ابنَ المُسَيِّبِ قال:
((فَدَعَا رسولُ اللهِ وَِّ أن يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ)).
وحَكَى القَاضِي أبو بَكرِ ابنُ العَرَبي(٢) في مَعنَاه قَولَينِ:
أحَدُهمَا: أنَّ مَعنَاه: لَا يَعُودُ لِلرُّومِ، ولَا لِلفُرسِ مُلكٌ. قال: وهذا يَصِحُ في
كِسرَى، وأمَّا الرُّومُ: فقد أنبأ النَّبيِوَلَهَ بِبَقَّاءِ مُلكِهم إلى نُزُولِ عِيسَى عَلَيه الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ(٣).
وفي ((صَحِيحِ مُسلِمٍ))، عن المُستَورِدِ القُرَشِيِّ أنَّه قال: سَمِعتُ رسولَ الله وَه
يَقُولُ: (تَقُومُ السَّاعَةُ والزُّومُ أكثَرُ النَّاسِ)).
القَولُ الثَّانِي: أنَّ مَعنَاه: إذَا هَلَكَ كِسرَى وقَيصَرُ؛ فَلَا يَكُونُ بَعدَهمَا
مِثْلُهمَا. قال: وكَذلك كَانَ، وهذا أعَمُّ وأتَمُّ.
قُلتُ: ومِمَّا انقَرَضَ ولَم يَعُد بَقَاءُ اسمٍ قَيصَرَ؛ لِنَّ مُلُوكَ الرُّومِ لَا يُسَمَّونَ
الآنَ بِالأقَاصِرَةِ، وذَهَبَ ذلك الاسمُ عن مُلكِهم؛ فَصَدَقَ أنَّه لَا قَيصَرَ بَعدَ ذلك
الأولِ، وظَهَرَ بِذلك أنَّ قَولَه: (لَا كِسرَى))، على ظَاهِرِهِ مُطلَقًّا.
وأمَّا قَولُه: ((لَا قَبَصَرَ))؛ فَفيه أربَعُ احتِمَالَاتٍ: لَا فَيصَرَ بِالشَّامِ، لَا قَيصَرَ
كَمَا كَانَ، لَا قَيصَرَ في الاسم، لَا قَيصَرَ مُطلَقًا. ولَا يَصِحُ هذا الرَّابِعُ لِمُخَالِفَتِهِ
لِلواقِعِ، والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((ولتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهمَا في سَبيلِ الله))، وقَولُه: ((لَتُنفِقُنَّ
كُنُوزَهمَا فِي سَبيلِ الله))، أمرَانِ وقَعَا كَمَا أخبَرَ بَّهِ، فَقُسِمَتِ كُنُوزُهمَا فِي سَبيلِ الله
على المُجَاهِدِينَ، ثُمَّ أنفقها المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله، والمُرَادُ به الغَزْوُ.
وفي هذا دَلِيلٌ على أنَّ الغَنِيمَةَ لِلمُجَاهِدِينَ، وهو كَذلك، إلا أنَّه يُخرَجُ منها
الخُمُسُ؛ كَمَا نَصَّ عَلَيه الكِتَابُ العَزِيزُ، والله تعالى أعلمُ.
القائل هو: صالح بن كيسان.
(١)
عارضة الأحوذي (٦١/٩، ٦٢). والحديث في مسلم (٢٨٩٨).
(٢)
(٣)
البخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥/٢٤٢).
=
١٨٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الرَّابِعُ
وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ الله وَلِ: (بَعَثَ سَرِيَّةً فيها
عَبدُ الله بنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجِدٍ؛ فَغَيِمُوا إِلَّا كَثِيرَةً، فَكَانَت سُهمَانُهم اثنَي عَشَرَ
بَعِيرًا (١ أو أحَد١َ) (٢٥٤/٧م) عَشَرَ بَعِيرًا، ونُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه الشيخانِ، [وأبو دَاوُد(٢) من هذا الوجه من طَرِيقٍ
مَالِكٍ. وأخرَجَه الشيخانِ(٣) من طَرِيقِ أيُّوبَ السَّختيانِيُّ. ومُسلِمٌ](٤)،
وأبو دَاوُد(٥) من طَرِيقِ الليثِ، وعُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ. ومُسلِمٌ(٦) من طَرِيقٍ
مُوسَى بِنِ عُقْبَةَ، وأسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وعَبدِ الله بنِ عَونٍ. كُلُّهم، عن نَافِعِ، عن
ابنِ عُمَرَ .
وفي رِوايَةٍ مَن سِوى مَالِكِ الجَزمُ: ((بِأنَّ سُهمَانُهم بَلَغَت اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا)).
وزَادَ في رِوايَةِ الليثِ: ((فَلَم يُغَيِّرِه رسولُ اللهِ وَّه))، وفي رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ:
((ونَفَلَنَا رسولُ اللهِ وَلَّهِ بَعِيرًا بَعِيرًا)). وقال أبو دَاوُد: رَواه بُرُدُ بنُ سِنَانٍ، عن نَافِعِ؛
مِثْلَ حَدِيثٍ عُبَيدِ الله.
ورَواه أيُّوبُ عن نَافِع إلا أنَّه قال: ((ونَفَلَنَا بَعِيرًا بَعِيرًا))؛ لَم يَذْكُر: النَّبِي ◌َّ .
ورَواه أبو دَاوُد(٧)؛ من رِوايَةٍ مُحَمَّدِ بنِ إسحَاقَ، عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ،
قال: (بَعَثَ رسولُ اللهِ وَ لِّ سَرِيَّةً إلى نَجدٍ؛ فَخَرَجت معها، فأصَبْنَا نَعَمَا كَثِيرًا(٨)؛
(١ - ١) في (م): ((إحدى أو)).
(٢) البخاري (٣١٣٤)، ومسلم (٣٥/١٧٤٩)، وأبو داود (٢٧٤٤).
البخاري (٤٣٣٨)، ومسلم (١٧٤٩/ ... ).
(٣)
(٤)
ما بين المعکوفین ليس في (ح).
مسلم (٣٦/١٧٤٩، ٣٧)، وأبو داود (٢٧٤٤)
(٥)
(٦)
مسلم (٢٠٠/١٧٤٩.
أبو داود (٢٧٤٣).
(٧)
(٨) في (م): ((كثيرة)) .
١٨٩
بابُ الغَنِيمَةِ والنّفَلِ
فَنَفَلَنَا أمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إنسَانٍ، ثُمَّ قَدِمنَا على رسولِ اللهِوَّهِ، فقسَمَ بَيْنَنَا
غنيمتنا(١)؛ فأصَابَ كُلُّ رَجُلٍ منا اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا بَعدَ الخُمُسِ، ومَا حَاسَبَنَا
رسولُ اللهِ وَ﴿ل بِالذي أعطَانَا صَاحِبُنَا، ولَا عَابَ عَلَيه مَا صَنَعَ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ منا
ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِه)). ورَواه أبو دَاوُد(٢) أيضًا؛ من طَرِيقِ الولِيدِ بنِ مُسلِمٍ، عن
شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةً، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((بَعَثَنَا رسولُ الله ◌ِوَِّ فِي
جَيْشٍ قِبَلَ نَجدٍ، وانبَعَثَت سَرِيَّةٌ من الجَيشِ، فَكَانَ سُهمَانُ الجَيشِ اثنَي عَشَرَ
بَعِيرًا، اثنَا عَشَرَ بَعِيرًا. ونُفِلَ أهلُ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا؛ فَكَانَت سُهمَانُهم ثَلَاثَةَ
عَشَرَ، (٣ثلاثة عشر))(٣). وفيه: قال الوليدُ: حَدَّثَت ابنَ المُبارَكِ بهذا الحديثِ،
قُلتُ: وكَذَا حَدَّثَنَا ابن أبي فَروةَ، عن نَافِعٍ. قال: لَا تَعدِل مَن سَمَّيتَ بِمَالِكِ
هَكَذَا أو نَحوه(٤)؛ يَعِنِي: مَالِكَ بنَ أَنَسٍ.
ورَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٥)؛ من طَرِيقِ الولِيدِ بنِ مُسلِمٍ، وفيه: ((أنَّ
ذلك الجَيشَ كَانَ أربَعَةَ آلَافٍ)).
■ الثَّانِيَةُ: هذا الذي وقَعَ في رِوايَتِنَا من التَّرَدُّدِ فِي رِوايَةِ مَالِكِ، هَل بَلَغَ
كُلُّ سَهم أحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا أو اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا هو كَذلك عِندَ جَمَاعَةٍ؛ رَواة
((المَوطٍ)(٦)، كَمَا حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧) .
لَكِن رَواه أبو دَاوُد في («سُنَنِه))؛ (٨عن القَعنَبي٨)، عن مَالِكِ (٢٥٥/٧م)(٩)
والليثِ؛ فَجَمع القعنبي(١٠) بَينَ رِوايَتَيْهمَا، وقال فيها: ((فَكَانَت سُهمَانُهم اثنَي
عَشَرَ بَعِيرًا)).
(١) ليس في (م).
(٣ - ٣) من (ح).
(٢) أبو داود (٢٧٤١، ٢٧٤٢).
(٤) في (م): ((نحره)).
(٥) التمهيد (١٤/ ٣٧).
الموطأ: رواية يحيى (٢/ ٤٥٠)، ورواية ابن الحسن (٨٦٢)، ورواية أبي مصعب (٩٥٣).
(٦)
(٧)
التمهيد (٣٥/١٤).
(٨ - ٨) ليس في (ح).
هنا انتهى الخرم في الأصل المشار إليه آنفًا، في الفائدة الثالثة من باب قتال الأعاجم
(٩)
والترك.
(١٠) من (ح).
=
١
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
وقال ابنُ عَبدِ البَرِ (١): إِنَّه حَمَلَ فيه حَدِيثَ مَالِكٍ على حَدِيثِ الليثِ؛ لِأَنَّ
الفَعنَبِي رَواه في ((المُوّا)) عن مَالِكٍ على الشَّكُّ، كَمَا رواه غَيرِهِ؛ فَلا أدرِي أمن
القَعنَبِي جَاءَ هذا حِينَ خَلَّطَ حَدِيثَ الليثِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ أم من أبي دَاوُد؟
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢) قَبلَ ذلك: إنَّ جَمَاعَةَ رُواةِ المُوطَّلِ رَووه عن مَالِكٍ
على الشَّكِّ، إلا الولِيدَ بنَ مُسلِمٍ؛ فإنَّه رَوى: ((اثنَي عَشَرَ)) دُونَ شَكِّ، قال: وأظُنُّه
حَمَلَه على رِوايَةِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةً لِهذا الحديثِ؛ فإنَّه رَواه عنه على الجَزمِ
[بِاثنَي عَشَرَ؛ فَحَمَلَ حَدِيثَ مَالِكٍ على هذا. وهو غَلَطٌ. قال: وقال(٣) سَائرٌ
أصحَابٍ نافع](٤)(٥): (اثنَي عَشَرَ))، بَغيرِ شَكِّ. (٦ لم يشك٦) في ذلك منهم غَيرُ
مَالِكٍ.
■ الثالثة: قَولُه: (قِبَلَ نَجدٍ»، بِكَسرِ القَافِ وفَتح الباءِ؛ أي: الذي يَلِي
نَجدًا. قال في ((المُحكَم))(٧): و((قِبَلَ)) يَكُونُ لِمَا ولِيَ الشَّيءَ، تَقُولُ: ذَهَبتُ قِبَلَ
السُّوقِ، وقَالُوا: لِي قِبَلُّك مَالٌ؛ أي: فيمَا يَلِيك، اَّسَعَ فيه؛ فأُجرِي مَجرَى
(عَلَيَّ))، إذَا قُلت: لِي عَلَيك مَالٌ. انتَهَى.
و(نَجِدٌ)) بِلَادٌ مُرتَفِعَةٌ مَعرُوفَةٌ بِالحِجَازِ. قال في ((الصِّحَاح))(٨) وكُلُّ مَا ارتَفَعَ
من تِهامَةَ إلى أرضِ العِرَاقِ فَهو نَجدٌ.
و((السُّهمَانُ))، بِضَمِّ السِّينِ جَمِعُ سَهمٍ، وهو النَّصِيبُ، والمُرَادُ: أنَّ نَصِيبَ
كُلِّ واحِدٍ بَلَغَ هذا العَدَدَ، كَمَا هو مُصَرَّحُ به في رِوايَةٍ أبي دَاوُد، لَا مَجمُوعُ
الأنصِباءِ، كَمَا تَوهَّمَه بَعضُهم. وهو غَلَطُ، كَمَا قاله النَّوِيُّ وغَيرُه(٩).
وقَولُه: ((ونُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا))؛ أي: أعطِيَ كُلُّ واحِدٍ منهم زِيَادَةً على السَّهِمِ
المُستَحَقِّ لَه.
(١)
التمهيد (٣٦/١٤).
(٣)
في (م): ((وکان)).
ما بين المعكوفين ليس في الأصل.
(٥)
(٧)
المحكم (٤٣١/٦).
شرح النووي (٥٥/١٢).
(٩)
(٢) التمهيد (٣٥/١٤، ٣٦).
(٤) في (م): ((مالك يروي)).
(٦ - ٦) ليس في (م).
(٨) الصحاح (٢/ ٥٤٢).
١٩١
بابُ الغَنِيمَةِ والنَّفَلِ
وقال النَّووِيُّ(١): قال أهلُ اللُّغَةِ والفُقَهاءُ: الأنفالُ هيَ العَطَايَا من الغَنِيمَةِ
غَيرُ السَّهم المُستَحَقِّ بِالقِسمَةِ، واحَدُها نَفَلٌ، بِفَتحِ الفاءِ على المَشهورِ، وحُكِيَ
إسكَانُها أيضًا .
■ الرَّابِعَةُ: اختَلَفَتِ الرِّوايَةُ في أنَّ هذا القَسمَ والَّنفيلَ هَل كَانَ من
النَّبِيِ وَّرَ أو من أمِيرِ السَّرِيَّةِ، وأقَرَّه النَّبِي بَّهِ؟ فَظَاهرُ قَولِه في رِوايَةِ الليثِ: (فَلَم
يُغَيِّرِه رسولُ الله ◌ِ وَ ◌ّ): أنَّ جَمِيعَ ذلك كَانَ من أمِيرِ السَّرِيَّةِ، ولَم يُغَيِّرِه النَّبِيََِّ،
وصَرَّحَ في رِوايَةِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ بِقَولِه: ((ونَفَلَنَا رسولُ الله ◌ِّ بَعِيرًا بَعِيرًا))،
وظَاهرُه: أن قَسمَ الغَنِيمَةِ فِعلُ أمِيرِ السَّرِيَّةِ، والتَّنفيلَ فِعلُ النَّبِي وَِّ. وفي رِوايَةٍ
أبي دَاوُد، من طَرِيقِ ابنِ إسحَاقَ: عَكسُ ذلك صَرِيحًا في(٢) أنَّ التَّنفيلَ من أمِيرٍ
السَّرِيَّةِ، وقَسمَ الغَنِيمَةِ من النَّبِيِ نَّل.
وَرَجَّحَ ابنُ (٢٥٦/٧م) عَبدِ البَرِّ(٣) رِوايَةَ غَيرِ ابنِ إسحَاقَ على رِوايَتِه. قال:
لِأنَّهم جَمَاعَةٌ حُفاظٌ، وأشَارَ إلى الاختِلَافِ بَينَ رِوايَتي الليثِ وعُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ.
ثُمَّ قال: وقَد يَحتَمِلُ أن يَكُونَ قَولُه: (نَفَلَنَا))، بِمَعنَى: أَجَازَ ذلك لَنَا، وجَزَمَ بِذلك
الَّوِيُّ في الجَمِعِ بَينَهمَا، فَقال: والجَمِعُ بَينَهمَا أنَّ أمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَلَهم؛ فأجَازَه
رسولُ اللهِ وَّهِ، فَتَجُوزُ نِسَبَتُه إلى كُلِّ منهمَا.
■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُ هذه الرِّوايَةِ وسَائرِ الرِّوايَاتِ المَشهورَةِ: أنَّ هذه
السَّرِيَّةَ لَم تَكُن قِطعَةً من ◌َيشٍ كَبِيرٍ(٤)، بَل هم جَمَاعَةٌ أخرِجُوا لِذلك مُنْفَرِدِينَ(٥)،
فَبَلَغَ كُلُّ سَهمٍ من (٦ سِهامٍ غَنِيمَتِهِم٢) اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وأعطُوا زِيَادَةً على سَهم
الغَنِيمَةِ على طَّرِيقِ التَّنفيلِ كُلَّ واحِدٍ بَعِيرٌ، وفي رِوايَةِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، وقَدْ
السابق.
(١)
(٢)
لیس في (ش).
(٣)
التمهيد (٤١/١٤، ٤٦، ٤٧)، وشرح النووي (٥٥/١٢).
(٤)
في (ح): ((كثير)) .
(٥) في (ش): ((مفردین)).
(٦ - ٦) في (ش): ((سهمانهم)).
=
١٩٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
تَقَدَّمَ ذِكرُها من ((سُنَنِ أبِي دَاوُد)»: ((أنَّ تِلكَ السَّرِيَّةً كَانَت قِطعَةً من جَيشٍ كبير(١)،
وأنَّ كُلَّ واحِدٍ من ذلك الجَيشِ بَلَغَ سَهمُه اثنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وتَمَيَّزَت السَّرِيَّةُ على
الجَيشِ بِتنفيلِ (٢) كُلِّ واحِدٍ منهم بَعِيرًا؛ فَبَلَغَ سَهمُه بِالتَّفيلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا)).
ومَشَى على هذه الرِّوايَةِ: القَاضِي عِيَاضٌ [١٩٨/٢ظ] والنَّووِيُّ، واعتَمَدَ على
ذلك: (٣أبو دَاوُد٣ّ)، وبَوّبَ عَلَيه في ((سُنَتِه)): بابٌ في(٤) نَفلِ السَّرِيَّةِ تَخرُجُ من
العَسگرِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ عَبدَ الله بنَ المُبارَكِ أَشَارَ إلى تَضعِيفِها بِمُعَارَضَتِها لِمَا (٥) هو أصَحُّ
منها؛ بِقَولِهِ: لَا تَعدِل مَن سَمَّيت بمَالِكٍ(٦).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): إنَّمَا قال ابنُ المُبارَكِ هذا لِمُخَالَفَةِ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ
مَالِكًا في مَعنَاه؛ لِأَنَّ في رِوايَةِ مَالِكِ: أنَّ القِسمَةَ والنَّفَلَ كَانَ كُلُّه لَها لَا يَشْرَكُها فيه
جَيشٌ ولَا غَيرُه، وجَعَلَ شُعَيبٌ السَّرِيَّةَ مُنْبَعِثَةٌ من جَيشٍ، وأنَّ الغَنِيمَةَ كَانَت بَيْنَ أهلٍ
العَسكَرِ والسَّرِيَّةِ، وفُضِّلَ أهلُ السَّرِيَّةِ على الجَيشِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ؛ لِمَوضِعِ شَخصِهم
ونَصبهم(٨). قال: ولَا يَختَلِفُ الفُقَهاءُ أنَّ كُلَّ مَا أصَابَته السَّرِيَّةُ يُشَارِكُهم فيه أهلُ
الجَيشِ، ومَا صَارَ لِلعَسكَرِ تَشْرَكُهم فيه السَّرِيَّةُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهمَا رِدٌ لِصَاحِبه.
قُلتُ: المُرَادُ الجَيشُ الخَارِجُ إلى بِلَادِ العَدُوِّ، والذي انفَرَدَت منه هذه
السَّرِيَّةُ لِمَصلَحَةٍ. أمَّا الجَيشُ القَاعِدُ في بِلَادِ المُسلِمِينَ(٩): فَلَا يُشَارِكُ السَّرِيَّةَ
الخَارِجَةَ إِلى بِلَادِ العَدُوِّ وحدَها، والله أعلمُ.
] السَّادِسَةُ: فيه إثباتُ النَّفلِ، والمُرَادُ به تَخصِيصُ مَن صَنَعَ صُنعًا جَمِيلًا
(١) من الأصل.
(٢) في (م): ((بنفل)).
(٣)
ليس في (ح).
من (ش). وهو موافق للتبويب في السنن (٢٧٤١).
(٤)
في الأصل: ((ما)». وفي (ح): ((بما)). (٦) في (م): ((من مالك)).
(٥)
التمهيد (٣٩/١٤، ٤٠).
(٧)
في (م): ((ونصيبهم)). والمثبت موافق للتمهيد.
(٨)
في (ش): ((الإسلام)).
(٩)
١٩٣
بابُ الغَنِيمَةِ وَالنَّفَلِ
في الحَربِ انفَرَدَ به: بِشَيءٍ من المَالِ، وهذا (١) مُجمَعٌ عَلَيه. واختَلَفُوا في مَحِلِّه
هَل هو من أصلِ الغَنِيمَةِ أم من أربَعَةِ أخمَاسِها أم (٢) من خُمُسِ الخُمُسِ؟ وفي
ذلك ثَلَاثَةُ أقوالٍ لِلشَّافِعِيِّ، وبِكُلِّ منها قال جَمَاعَةٌ من العُلَمَاءِ. والأصَحُّ عِندَ
أصحَابِنَا: أنَّه من خُمُسِ الخُمُسِ، وحَكَاه النَّووِيُّ: عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ،
ومَالِكِ، وأبي حَنِيفَةَ، وآخَرِينَ. قال: ومِمَّن قال: إنَّه من أصلِ الغَنِيمَةِ: الحَسَنُ
البَصرِيُّ، والأوزَاعِيُّ، وأحمَدُ، وأبو ثَورٍ، وآخَرُونَ. قال الأولُونَ: ولَو كَانَ
التَّنفيلُ من أصلِ الغَنِيمَةِ لَم يَكُن لِهذا التَّفضِيلِ (٣) مَعنّى، ولَكَانَ الكَلَامُ مُختَلَّ
اللفظِ (٤).
وقال الخَطَّابي (٥): أكثَرُ مَا رُوِيَ من الأخبارِ في هذا البابِ يَدُلُّ على أنَّ
النَّفَلَ(٦) من أصلِ الغَنِيمَةِ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٧): وفي رِوايَةِ مَالِكِ وغَيرِهِ مَا يَدُلُّ على أنَّ النَّفَلَ (٨) لَم
يَكُن من رَأسِ الغَنِيمَةِ، وإنَّمَا كَانَ من الخُمُسِ، وفي رِوايَةِ مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ: أنَّ
ذلك كَانَ من رَأْسِ الغَنِيمَةِ، والله أعلَمُ أيَّ ذلك كَانَ؟ انتَهَى.
وأجَازَ النَّخَعِيُّ أن تُنَفَّلَ السَّرِيَّةُ جَمِيعَ مَا غَنِمَت(٩) دُونَ باقِي الجَيشِ.
قال النَّووِيُّ: وهو خِلَافُ مَا قاله العُلَمَاءُ كَافَّةً. قال العُلَمَاءُ من أصحَابِنَا
وغَيرِهم: لَو نَفَلَهم الإمَامُ من أموالِ بَيتِ المَالِ (١٠العَتيدَةِ دُونَ الغَنِيمَةِ "١) جَازَ.
ومَا حَكَيته أولًا: من أنَّ الَّفيلَ مُجمَعٌ عَلَيه تَبِعت فيه النَّوِيَّ(١١).
لَكِن قال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ)) (١٢) النَّفَلُ على ثَلاثَةِ أوجُهِ :
(١)
(٣)
في (ح): ((وهو)).
في (ش): ((التفصيل)).
(٥)
معالم السنن (٣١٠/٢).
(٧)
التمهيد (٥٠/١٤).
(٩)
في (م): (غنمته)) .
(١٠ - ١٠) مكانها في (ح): ((الغنيمة دون القسمة)).
(١١) شرح النووي (١٢/ ٥٥).
(١٢) التمهيد (٥٠/١٤، ٥١)
(٢) في الأصل: ((أو)).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٥٤، ٥٥).
(٦) في (ح): ((التنفيل)).
(٨) في (ح، ش): ((التنفيل)).
١٩٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أحَدُها: أن يُرِيدَ الإمَامُ تَفضِيلَ بَعضِ الجَيشِ لشَيءٍ يَرَاه؛ من عنائه وبأسِه
وبَلَائه، أو لِمَكْرُوهٍ تَحَمَّلَه دُونَ سَائِرِ الجَيشِ؛ فَيُنَفِّلَه من الخُمُسِ لَا من رَأْسِ
الغَنِيمَةِ.
والوجه الثَّانِي: أنَّ الإمَامَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً من العَسكَرِ؛ فَأرَادَ أن يُنَفِّلَها مِمَّا
غَنِمَتِ دُونَ أهلِ العَسكَرِ؛ فَحَقُّه: أن يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتِ، ثُمَّ يُعطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ
بَعدَ الخُمُسِ مَا شَاءَ رُبعًا أو ثُلُثًا، ولَا يَزِيدُ على الثُّلُثِ؛ لِأَنَّه أقصَى مَا رُوِيَ: أنَّ
النَّبِيِ ◌ّ نَفَلَه، ويَقْسِمُ الباقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أهلِ العَسكّرِ وبَيْنَ السَّرِيَّةِ.
والوجه الثَّالِثُ: أن يُحَرِّضَ الإمَامُ وأمِيرُ الجَيشِ (١أهلَ العَسكَر١ِ) على
القِتَالِ قَبلَ لِقَاءِ العَدُوِّ، ويُنَفِّلَ جَمِيعَهم مِمَّا يَصِيرُ بِأيدِيهم، ويَفتَحُه الله عَلَيهم؛
الرُّبِعَ أو الثُّلُثَ قَبلَ القَسمِ تَحْرِيضًا منه على القِتَالِ، وهذا الوجه كَانَ مَالِكٌ يَكرَهه
ولَا يُجِيزُه ولَا يَرَاهِ، وكَانَ يَقُولُ: قِتَالُهم على هذا الوجه إنَّمَا يَكُونُ لِلدُّنيَا،
وأجَازَه جَمَاعَةٌ من أهلِ العِلمِ. انتَهَى.
وكَذَا حَكَى الخَطَّابي(٢) عن مَالِكِ: أنَّه كَانَ لَا يَرَى النَّفَلَ. والمُرَادُ به:
ذِكرُه أولًا لِلتَّرغِيبِ. وقال الجُمهورُ(٣): إنَّ التَّنفيلَ يَكُونُ في كُلِّ غَنِيمَةٍ سَواءً
الأولى وغَيرُها، وسَواءً غَنِيمَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وغَيرُهمَا. وقال الأوزَاعِيُّ وجَمَاعَةٌ
[١٩٩/٢ و] من الشَّامِينَ: لَا يُنَفِّلُ في أولٍ غَنِيمَةٍ، ولَا يُنَفِّلُ ذَهَبًا ولَا فِضَّةً.
] السَّابِعَةُ: قَولُه ((ونُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا)). قال النَّورِيُّ(٤): مَعنَاه أنَّ الذينَ
استَحَقُّوا النَّفَلَ نُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا، لَا(٥) أنَّ كُلَّ واحِدٍ من السَّرِيَّةِ يُقِلَ.
[قُلتُ: هذا خِلَافُ ظَاهرِ اللفظِ. فالظّاهرُ: أَنَّ كُلَّ واحِدٍ من السَّرِيَّةِ
نُفِلَ](٦)، وسَبَبُه: زِيَادَةُ عنائه ونَفعِه بِانفِرَادِه(٧) عن بَقِيَّةِ الجَيشِ بِتِلكَ السَّفْرَةِ
والمَشَقَّةِ. والله أعلم.
(١ - ١) ليس في الأصل.
(٢) معالم السنن (٣٠٩/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (٥٦/١٢).
(٤) شرح النووي على مسلم (٥٥/١٢).
(٥) في (ح): ((إلا)). وهو موافق لما في شرح النووي. لكن المثبت الصواب. فليتأمل.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في (ح).
(٧) في (ح): ((في إنفراده)).
بابٌ تَحرِيمِ الغُلُول
١٩٥
« بابٌ تَحرِيمِ الغُلُول١)
عن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لَا يَسرِقُ
سَارِقُ حِينَ يَسرِّقُ وهو مُؤمن، ولَا يَزْنِي زَانٍ وهو حِينَ يَزنِي مُؤمن،
ولَا يَشِرَبُ الشَّارِبُ حِينَ يَشرَبُ وهو مُؤمن؛ يَعْنِي: الخَمرَ، والذي نَفسُ
مُحَمَّدٍ بيدِهِ لَا يَنتَهبُ (٢) أحَدُكُمْ نُهِبَةً ذَاتَ شَرَفٍ؛ يَرفَعُ إلَيه المُؤمنونَ
أعيُنَهم فيها، وهو حِينَ يَنتَهِبُها مُؤمن، ولَا يَغُلُّ أحَدُكُم حِينَ يَغُلُّ وهو
مُؤمن؛ فإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ)). لَم يَذكُر البخارِيُّ فيه الغُلُولَ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: انفَرَدَ (٣) به مُسلِمٌ (٤) من هذا الوجه؛ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن
مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ. واتَّفق عَلَيه الشيخانِ(٥)؛ من طَرِيقِ يُونُسَ عن الزُّهرِيِّ، عن
سَعِيدٍ وأبي سَلمَةً. كِلَاهمَا عن أبي هريرةَ بِالجُمَلِ الثَّلاثِ الأولِ، وفيه: ((قال
ابنُ شِهابٍ: فأخبَرَنِي عَبدُ المَلِكِ بنُ أبي بَكرِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، أنَّ أبا بَكرٍ كَانَ
يُحَدِّثُهم هَؤُلَاءِ عن أبي هريرةَ. ثُمَّ يَقُولُ: وكَانَ أبو هريرةَ يُلْحِقُ(٦) معهنَّ: ((وَلَا
يَنْتَهِبُ (٧) نُهِبَةً ذَاتَ شَرَفٍ؛ يَرفَعُ النَّاسُ إِلَيه فيها أبصَارَهُم حِين يَنْتَهِبُها وهو مُؤمن)).
وأخرَجَه الشيخانِ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٨)؛ من طَرِيقِ عُقَيلٍ، عن الزُّهرِيِّ،
(١ - ١) في الأصل: ((الحديث الخامس)).
(٣)
في (م): ((تفرد)).
(٢) في (ح، ش): ((ینھب)).
(٤) مسلم (١٠٣/٥٧).
(٥)
البخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (١٠٠/٥٧). (٦) في (م): ((يلعق)).
(٧)
في (ح): ((ینھب)).
البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (١٠١/٥٧)، والنسائي (٥٦٧٥)، وابن ماجه (٣٩٣٦).
(٨)
=
١٩٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
عن أبي بَكرِ ابنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن أبي هريرةَ: بِالجُمَلِ الأربَعِ(١) الأولِ.
وأخرَجَه الشيخانِ، والنسائيُّ(٢)؛ من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن (٢٥٩/٧م) أبي صَالِحٍ،
عن أبي هريرةَ: بِالجُمَلِ الثَّلاثِ الأولِ، وفيه: ((والثَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ» .
وأخرَجَه أبو بَكرٍ البَزَّارُ(٣) في ((مُسنَدِه))؛ من طَرِيقِ جَابِرِ الجُعفي، عن
عِكرِمَةَ، عن ابنِ عَباسٍ وأبي هريرةً وابنِ عُمَرَ، عن النَّبِيِّهِ وفيه: ((فَإِن تَابَ
تَابَ الله عَلَيه)).
وحَكَى الشَّيخُ كَثُ في ((النُّسخَةِ الكُبرَى)) من الأحكام: أنَّ (٤) في رِوايَةٍ
البَزَّارِ ((يُنزَعُ الإِيمَانُ من قَلبه))، ولَم أرَ هذه الجُمْلَةَ فيه من حَدِيثِ أبي هريرةَ(٥)،
وسَنَذْكُرُها من حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، وغَيرِهِ، ورَواه البَزَّارُ(٦) أيضًا من طَرِيقِ السُّدِّيَّ،
وهو إسمَاعِيلُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي كَرِيمَةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وفيه:
((الإِيمَانُ أكرَمُ على الله من ذلك)). ورَوى البَزَّارُ، والطَّبَرَانِيُّ(٧) في ((الأوسَطِ)) هذا
المَتنَ؛ من حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، وفيه: ((قُلنَا: يا رسولَ الله: كَيفَ يَكُونُ
ذلك؟ قال: يَخرُجُ الإِيمَانُ منه، فإن تَابَ رَجَعَ إلَیه)).
ورَوى أبو دَاوُد(٨) في ((سُنَنِه))؛ من حَدِيثِ سَعِيدِ المَقبُرِيِّ، عن
أبي هريرةَ رَبِهِ، مَرَفُوعًا: ((إِذَا زَنَى الرَّجلُ(٩) خَرَجَ منه الإِيمَانُ، كَانَ عَلَيهِ كَالظُّلَّةِ،
فإِذَا انقَلَعَ(١٠) رَجَعَ إِلَيه الإِيمَانُ)). وإسنَادُه جَيِّدٌ.
ورَوى الطَّبَرَانِيُّ في ((المُعجَمِ الكَبيرِ)) (١١)، بِإِسنَادٍ فيه جَهالَةٌ، عن شَرِيكٍ،
عن رَجُلٍ من الصَّحَابَةِ، عن النَّبِيِِّ قال: ((مَن زَنَى خَرَجَ منه الإِيمَانُ، فإن تَابَ
في الأصل: ((الأربعة)).
(١)
البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (١٠٤/٥٧)، والنسائي (٤٨٨٦).
(٢)
(٣)
البزار (٩٤٣٥).
بلى، هي في حديث أبي هريرة عند البزار (٩٠٢٧).
(٦)
(٧)
أبو داود (٤٦٩٠).
(١٠) في (م): ((انقطع)).
(٤) ليس في الأصل.
(٥)
البزار (٩٧١٦).
البزار - كما في مجمع الزوائد (٢٨٧/١)، والطبراني في الأوسط (٥٣٤).
(٨)
(٩) في الأصل، (م): ((المؤمن)).
(١١) الطبراني (٧٢٢٤).
بابُّ تَحرِيمِ الفُلُول
١٩٧
=
تَابَ الله عَلَيه))، وقال ابنُ حَزم(١): هو نَقلُ تَواتُرٍ يُوجِبُ صِحَّةَ العِلمِ.
■ الثَّانِيَةُ: قال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم))(٢) اختَلَفَ العُلَمَاءُ في مَعنَاه؛
فالصَّحِيحُ الذي قاله المُحَقِّقُونَ: أنَّ مَعنَاه: لَا يَفَّعَلُ هذه (٧/ ٢٦٠م) المعاصِي وهو
كَامِلُ الإِيمَانِ، وهذا من الألفاظِ التي تُطلَقُ على نَفي الشَّيءٍ، ويُرَادُ نَفيُ كَمَالِه
ومُختَارِهِ، كَمَا يُقَالُ: لَا عِلمَ إلا مَا نَفَعَ، ولَا مَالَ إلا الإِبِلُ، ولَا عَيشَ إلا عَيشُ
الآخِرَةِ.
وإنَّمَا تَأولنَاه على مَا ذَكَرْنَاه: لحديثِ أبي ذَرِّ(٣)، وغَيرِهِ: ((مَن قال: لَا إلَهَ
الا الله دَخَلَ الجَنَّةَ، وإن زَنَى [٢٠٠/٢ و] وإن سَرَقَ)). وحَدِيثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ
الضَّحِيحِ المَشهورِ(٤): ((أَنَّهم بايَعُوه صَلى الله عَلَيه وسَلَّمَ على أن لَا يَسرِقُوا ولَا
يَزْنُوا وَلَا يَعصُوا ... إلى آخِرِهِ. ثُمَّ قال لَهِم ◌ََّ: فَمَن وفَّى منكُمْ فأجرُه على الله،
ومَن فَعَلَ شَيئًا من ذلك فَعُوقِبَ في الدُّنيَا فَهو كَفَارَةٌ(٥)، ومَن فَعَلَ ولَم يُعَاقَب فَهو
إلى الله إن شَاءَ عَفا عنه، وإن شَاءَ عَذَّبَهِ)).
فَهذانِ الحديثَانِ مع نَظَائِرِهِمَا في ((الصَّحِيحِ))، مع قَولِ الله وَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، مع إجماع أهلِ الحَقِّ
على أنَّ الزَّانِي والسَّارِقَ والقَاتِلَ وغَيرَهم من أصحَابِ الكَبائِرِ (٦غَيرِ الشّرك٦ِ) لَا
يَكْفُرُونَ بِذلك، بَل هم مُؤمنونَ نَاقِصُو الإيمَانِ؛ إن تَابوا سَقَطَت عُقُوبَتُهم، وإن
مَاتُوا مُصِرِّينَ على الكبائرِ كَانُوا في المَشِيئَةِ؛ فإن شَاءَ اللهَ عَفا عنهم وأدخَلَهم
الجَنََّ أولًا، وإن شَاءَ عَذَّبَهم وأدخَلَهم الجَنَّةَ.
قال(٧): وكُلُّ هذه الدَّلَائلِ تَضطَرُّنَا إلى تَأْوِيلِ هذا الحديثِ وشَبَهه، ثُمَّ إِنَّ
(١)
المحلى (١٢٠/١١).
شرح النووي على مسلم (٤١/٢، ٤٢).
(٢)
(٣)
البخاري (١٢٣٧)، ومسلم (٩٤/١٥٣).
(٤)
البخاري (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩/٤١).
في (ح، ش): ((كفارته)). وهما روايتان.
(٥)
(٦ - ٦) ليس في (ح).
(٧) ليس في (ح).
=
١٩٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
هذا التّأْوِيلَ ظَاهرٌ سَائغٌ(١) في اللُّغَةِ مُستَعمَلٌ فيها كَثِيرًا. وإذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ
ظَاهرًا وجَبَ الجَمِعُ بَيْنَهمَا .
وتَأولَ بَعضُ العُلَمَاءِ هذا الحديثَ على مَن فَعَلَ ذلك مُستَحِلَّا مع عِلمِه
بِوُرُودِ الشَّرعِ بِتَحرِيمِهِ.
وقال الحَسَنُ ومُحَمَّدُ بنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ: مَعنَاه: يُنزَعُ منه اسمُ المَدحِ الذي
يُسَمَّى به أولِيَاءُ الله المؤمنينَ، ويَستَحِقُّ اسمَ الذَّمِّ؛ فَيُقَالُ: سَارِقٌ، وزَانٍ، وَفَاجِرٌ،
وفاسِقٌ. وحُكِيَ عن ابنِ عَباسٍ ﴿هَا: أنَّ مَعنَاه: يُنزَعُ منه نُورُ الإِيمَانِ(٢)، وفيه
حَدِيثٌ مَرفُوعٌ(٣).
وقال المُهَلَّبُ: يُنزَعُ منه بَصِيرَتُه في طَاعَةِ الله تعالى. وذَهَبَ الزُّهرِيُّ إلى أنَّ هذا
الحديثَ ومَا أَشبَهَه يُؤمَنُ بها، وتُمَرُّ على مَا جَاءَت، ولا يُخَاضُ في مَعنَاها؛ فإنَّا
لَا نَعلَمُ مَعنَاها، وقال: أمِرُوها كَمَا أمَرَّها مَن قَبلَكُم. وقِيلَ في مَعنَى الحديثِ غَيْرُ مَا
ذَكَرته مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَل بَعضُها غَلَطٌ فَتَرَكتها، وهذه الأقوالُ التي ذَكَرتها في تَأْوِيلِه
كُلِّها مُحتَمَلَةٌ، والصَّحِيحُ في مَعنَى الحديثِ: مَا قَدَّمِنَاه أولًا، والله أعلَمُ (٤). انتَهَى.
ويُوافِقُ التَّأْوِيلَ الذي صَحَّحَه: مَا رَواه البَزَّارُ في ((مُستَدِهِ)، عن أبي جَعفَرٍ
مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ تَخْتُهُ: أنَّه سُئلَ عن ذلك، (٧/ ٢٦١م) فأدَارَ دَارَةً واسِعَةً في
الأرضِ، ثُمَّ أدَارَ في وسَطِ الدَّارَةِ دَارَةً. فَقال: الدَّارَةُ الأولى الإسلَامُ، والدَّارَةُ
التي في وسَطِ الدَّارَةِ الأولى(٥) الإيمَانُ؛ فإذَا زَنَا: خَرَجَ من الإيمَانِ إلى الإسلامِ،
ولا يُخرِجُه من الإسلام الا الشِّركُ (٦).
وقَرَّرَ ابنُ حَزمٍ(٧) هذا القَولَ بِتَقرِيرٍ حَسَنٍ، وهو: أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَقِّ: أنَّ
في (ش): ((شائع)).
(١)
علقه البخاري موقوفًا قبل (٦٧٧٢)، ووصله ابن أبي شيبة (٤٠٤/٤).
(٢)
(٣)
أخرجه أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار (٦٢١/٢). وينظر: فتح الباري (٥٩/١٢).
(٤)
وينظر: شرح ابن بطال (٣٩٠/٨)، وإكمال المعلم (٣١١/١).
(٥)
ليس في الأصل، (ح).
البزار (٩٤٣٦). وينظر: التمهيد (٢٥١/٩).
(٦)
المحلى (١٢١/١١ - ١٢٣).
(٧)
١٩٩
بابٌ تَحرِيمِ الغُلُول
الإِيمَانَ اعتِقَادٌ بِالقَلبِ ونُطقٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ فَرضِها ونَفْلِها،
واجتِنَابُ المُحَرَّمَاتِ. فالمُرتَكِبُ لِبَعضِ هذه الأمُورِ لُّم يَخَلَّ اعتِقَادُه ولَا نُطقُه،
وإِنَّمَا اختَلَّتِ طَاعَتُه، فالإِيمَانُ المَنفي عنه هو (١) الطَّاعَةُ. هذا مَعنَى كَلَامِهِ.
وقال الخَطَّابي(٢) في ((أعلَامِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ)): وقَد يَكُونُ المُرَادُ به الإنذَارَ
بِزَوالِ الإِيمَانِ إِذَا اعتَادَها، واستَمَّرَّ عَلَيهَا كَقَولِه: ((مَن يَرَتَعِ حَولَ الحِمَى يُوشُِ
أن يَقَعَ فيه»، وكَانَ بَعضُهم يَروِيه: ((لَا يَشرَبِ الخَمرَ»، بِكَسرِ الباءِ على مَعنَی
النَّهيٍ، يَقُولُ: إذَا كَانَ مُؤمِنًا فَلَا يَفعَل هَكَذَا. انتَهَى.
ورَوى الطََّرَانِيُّ(٣) في ((مُعجَمِهِ الصَّغِيرِ))، عن عَلقَمَةَ بنِ قَيْسٍ: أَنَّ عَلِيًّا
رَوَى عن النَّبِيِ ◌ّهِ هذا الحديثَ .. ، ((فقامَ رَجُلٌ فَقال: يَا أمِيرَ المُؤمنينَ، مَن زَنَى
فقد كَفَرَ. فَقال عَلِيٍّ: إنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهَ كَانَ يَأْمُرُنَا أن نُبهمَ أَحَادِيثَ الرُّخَصِ؛ لَا
يَزنِي الزَّانِي وهو مُؤمن أنَّ ذلك الزِّنَا لَه حَلَالٌ؛ فإن آمَنَ به أنَّه لَه حَلَالٌ فقد کَفَرَ،
ولَا يَسرِقُ وهو مُؤمن بِتِلكَ السَّرِقَةِ أنَّها لَه حَلَالٌ، فإن آمَنَ بها أنَّها لَه [٢٠٠/٢ظ]
حَلَالٌ فقد كَفَرَ، ولَا يَشرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشرَبُها وهو مُؤمن(٤) أنَّها لَه حَلَال، فإن
شَرِبَها وهو مُؤمن أنَّها لَه حَلَالٌ فقد كَفَرَ، ولَا يَنتَهبُ نُهِبَةً ذَاتَ شَرَفٍ حِينَ يَنْتَهُها،
وهو مُؤمن أنَّها لَه حَلَالٌ، فإن انتَهَبَها وهو مُؤمن أنَّها لَه حَلَالٌ فقد كَفَرَ)). لَكِن في
إسنَادِهِ إسمَاعِيلُ بنُ يَحيَى الَّيِمِيُّ(٥)، وهو مَنسُوبٌ إلى الكَذِبِ.
وقال ابنُ حَزمٍ في ((المُحَلى)) (٦): ذَكَرَ مَعمَرٌ هذا الحديثَ عن الزُّهرِيِّ
وقَتَادَةَ. وعن رَجُلٍ عَن عِكرِمَةَ، عن أبي هريرةَ. وعن أبي هارُونَ العَبدِيِّ، عن
أبي سَعِيدِ الخُدرِيِّ؛ عن النَّبِيِهِ قال: ((هذا نَهِيٌّ، يَقُولُ: حِينَ هو مُؤمن فَلَا
يَفعَلنَّ؛ لَا يَسرِقُ، وَلَا يَزْنِي، ولَا يَقْتُلُ)).
الثالثة: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٧): أَشَارَ بَعضُ العُلَمَاءِ إلى أنَّ مَا في هذا
(١)
لیس في (ح).
أعلام الحديث (١٢٣٦/٢، ١٢٣٧). والحديث عند البخاري (٢٠٥١).
(٢)
(٣)
المعجم الصغير (٢ /١٣٠) (٩٠٦).
(٤) بعده في (ش): ((بها)).
(٥)
في (ش): ((التميمي)).
(٦) المحلى (١٢١/١١).
إكمال المعلم (٣١٢/١)، وشرح النووي (٤٥/٢).
(٧)
=
٤٢٠٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
الحديثِ تَنبيةٌ على جَمِيع أنواع المعاصِي والتَّحذيرُ منها؛ فَتَبَّهَ بِالزِّنَى على جَمِيعِ
الشَّهَواتِ، وبِالسَّرِقَةِ على الرَّغَبَةِ في الدُّنْيَا والحِرصِ على الحَرَامِ، وبِالخَمرِ على
جَمِيعِ مَا يَصُدُّ عن الله تعالى، ويُوجِبُ الغَفلَةَ عن حُقُوقِه، وبِالاِنتِهابِ المَوصُوفِ
على الاِستِخفافِ (٧/ ٢٦٢م) بِعِبادِ الله وتَركِ تَوقِيرِهم، والحَيَاءِ منهم، وجَمعِ الدُّنَا
من غَيرِ وجهها، والله أعلمُ.
قُلتُ: وقَد يُقَالُ: لَا يَلزَمُ من ثُبُوتِ هذا (١) الوعِيدِ في هذه الكَبائِرِ ثُبُوتُه فيمَا
هو من جِنسِها من المعاصِي التي لَا تَبلُغُ مَفسَدَتُه مَفسَدَتَها، لَا سِيَّمَا مَا كَانَ منها
صَغِيرَةٌ لَم يُصِرَّ عَلَيه فاعِلُه؛ فإنَّه مُكَفَّرٌ بِاجتِنَابِ الكَبائِرِ، وبِفِعلِ الطَّاعَاتِ من
الصَّلَواتِ الخَمسِ وغَيرِها، والله أعلمُ.
■ الرَّابِعَةُ: قَّدَ النَّبِيِبَ نَفْيَ الإِيمَانِ عن مُرتَكِبٍ بَعضٍ هذه الأمُورِ بِحَالَةِ
ارتِكَابه(٢) لَها؛ فَدَلَّ ذلك على أنَّه لَا يَستَمِرُّ بَعدَ فَرَاغِه من مُباشَرَةِ الفِعلِ،
فَيَحْتَمِلُ: أن يُؤْخَذَ بِظَاهرِ هذا الَّقِيدِ. وَيَحتَمِلُ: أن يُقال: إنَّ زَوالَ ذلك إِنَّمَا هو
إِذَا تَابَ، أمَّا إذَا كَانَ مُصِرًّا فَهو كَالمُرتَكِبٍ، فَصِحَّةُ نَفي الإيمَانِ عنه مُستَمِرٍّ.
وقَد يَدُلُّ لِذلك قَولُه في بَقِيَّةِ الحديثِ: ((والثَّوبَةُ مَعرُوضَةٌ بَعدُ)). والأولُ
أظهَرُ. ويُوافِقُه مَا ذَكَرَه ابنُ حَزمٍ(٣)؛ عن نَافِعٍ بن (٤) جُبَيرِ بنِ مُطعِم، أنَّه قال: ((لَا
يَزْنِي وهو مُؤْمِن حِينَ يَزْنِي، فإذَا زَايَلَه رَجَعَ إِلَّيهِ الإِيمَانُ لَيسَ إِذَا تَابَ منه، ولَكِن(٥)
إذَا أَخَّرَ عن العَمَلِ به)). قال الرَّاوِي عنه: وحَسِبته أنَّه ذَكَرَ ذلك عن ابنِ عَباسٍ.
ولَعَلَّ السَّبَبَ في اختِصَاصِ ذلك بِحَالَةِ الفِعلِ أنَّه في تِلكَ الحَالَةِ كَالكَافِرِ في
جَوازٍ قِتَالِه لِدَفعِه عن تِلكَ المَعْصِيَةِ.
وقَد تأولنا(٦) من (٧) هذا مَعنى حَسَن في حِكْمَةٍ نَفي الإيمَانِ عنه: وهو
(١) ليس في الأصل، (م).
(٢) في الأصل، (م): ((الارتكاب)). وينظر: فتح الباري (٥٩/١٢).
(٤) في (م): ((عن).
(٣)
المحلى (١٢١/١١).
(٥)
بعده في (م): ((المراد)).
(٦) في (م): ((بان لنا)). وينظر: فتح الباري (١٢/ ٦١).
في الأصل: ((في)).
(٧)