النص المفهرس
صفحات 81-100
5 ٨١ = كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ في بَعضِ ((نُسَخِ أبي دَاوُد)): فَلَاحَّه، بِتَشدِيدِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، فَإن صَحَّتِ الرِّوايَةُ به، فَهو مِثلُ الأولِ في المَعنَى من الإلحَاحِ في المَسألَةِ، وهو المُدَاومَةُ عَلَيها، ومنه قَولُهم(١): أَخَّ السَّحَابُ؛ أي: دامَ(٢) مَطَرُه. وأورَدَه الخَطَّابي في ((معالِمِ السُّنَنِ))(٣) من طَرِيقِ ابنِ دَاسَّةَ، عن أبي دَاوُد: فَلَاجَّه رَجُلٌ أو لَاحَاه، عَلى الشَّكِّ. ولَم يَتَكَلَّم عَلى الأولى، وإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلى الثَّانِيَةِ، وهيَ قَولُه: لَا حَاه. وقال: مَعنَاه: نَازَعَه، وخَاصَمَه، وفي بَعضِ الأمثَالِ: عَادَاك من لَاحَاك(٤). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: فَشَجَّه، بِالشِّينِ المُعجَمَةِ، والجِيمِ؛ أي: جَرَحَه في رَأْسِه ووجهه. والشَّجَّةُ: الجِرَاحَةُ في الرَّأسِ أو الوجه دُونَ غَيرِهمَا من البَدَنِ، كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ ((المُحكَم))(٥) من أهلِ اللُّغَةِ، وقاله الفُقَهاءُ(٦) من أصحَابِنَا وغَيرِهم. وخَصَّها (٧) صَاحِبًا ((الصِّحَاحِ))، و((المَشَارِقِ)) بِجِرَاحَةِ الرَّأسِ، ولَعَلَّهمَا ذَكَرًا الغَالِبَ. وقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ)(٨): الشَّجُّ في الرَّأسِ خَاصَّةً في الأصلِ، ثُمَّ استُعمِلَ في غَيرِهِ من الأعضَاءِ (٩)، وظَاهرُ قَولِه: في غَيرِه. أنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالوجه، وهو غَيْرُ مَعرُوفٍ. ■ [١٨٩/٢ظ] السَّادِسَةُ: قَولُه: فَأَتَوا النبيَّ ◌َّهِ؛ أي: المَشْجُوجُ، ومَن يُسَاعِدُه عَلى ذَلِكَ، وقَد تَبَيَّنَ بِآخِرِ الحديثِ أنَّهم من بَنِي لَيثٍ، والقَودُ: بِفَتحِ القَافِ والواوِ: القِصَاصُ، وهو منصوبٌ بِمَحذُوفٍ؛ أي: فَطَلَبَ القَودَ. في (ك٢، ح، ش): ((قوله)). (١) (٢) في الأصل، (م): ((قام)). (٣) معالم السنن (٢٠/٤). الأمثال لابن سلام (ص٧٩) ط. دار المأمون للتراث، جمهرة الأمثال (٢٢٥/٢) ط. (٤) دار الفكر، بيروت، والتمثيل والمحاضرة (ص٣٦) ط. الدار العربية للكتاب، ومجمع الأمثال (٣١٢/٢) ط. دار المعرفة، بيروت - لبنان. (٥) المحكم (١٧٤/٧). الصحاح للجوهري (١٤٩٥/٤)، ومشارق الأنوار (٢٤٤/٢). (٦) (٧) في (ك٢، ح، ش): ((وخصهما)). وفي (م): ((وخصصها)) (٨) النهاية في غريب الحديث (٤٤٥/٢). في (ش): ((الأعصار)). (٩) ٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ السَّابِعَةُ: تَقرِيرُ النبيِّ نَِّ هذا عَلى طَلَبِ القَودِ ومُرَاضَاتُه لَه بِمَا يَخْتَارُه من العِوضِ، يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القِصَاصِ فيه، وذَلِكَ يَرُدُّ عَلى قَولِ أبِي دَاوُد ◌َُّ في تَبَوِيبِه في ((سُنَّتِه)): العَامِلُ يُصَابُ عَلَى يَدِهِ الخَطَأ. فَإِنَّه لَو كَانَ خَطَأَ، لَم يَكُن فیه قَودٌ. ■ الثَّامنةُ: قال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وأبو حَنِيفَةَ رحمهم الله: لَا قِصَاصَ في شَيءٍ من شِجَاجِ الرَّأسِ والوجه إلَّا في المُوضِحَةِ، وهيَ الجِرَاحَةُ الَّتِي تُوضِحُ العَظمَ؛ أي: تَكشِفُه. وقال مَالِكٌ، ومُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ: يَجِبُ القِصَاصُ فِيمَا قَبَلَها أيضًا من الجِرَاحَاتِ، وهيَ الحَارِصَةُ، والدَّامِيَةُ، والبَاضِعَةُ، (١٨٨/٧م) والمُتَلَاحِمَةُ، والسِّمحَاقُ. وإنَّمَا لَا (١) يَجِبُ القِصَاصُ فيمَا بَعدَها من الهاشِمَةِ، وغَيرِها. وقال أشهَبُ: يَجِبُ في الهاشِمَةِ القِصَاصُ إلَّا أن تَصِيرَ مُنَقِّلَةً(٢). وقال ابنُ القَاسِمِ: لا بد(٣) أن تَصِيرَ مُنَقِّلَةٌ(٤). وقال ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ: يَجِبُ القِصَاصُ فِي سَائِرِ الجُرُوحِ تَمَسُّكًا بِقَولِه تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. فَعَلى قَولِ الأكثَرِينَ: يَتَعَيَّنُ في هَذِه الشَّجةِ(٥) أن تَكُونَ مُوضِحَةً؛ لِأِنَّه لَا قِصَاصَ فيمَا سِواها. وعَلى قَولِ غَيرِهم: لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ. ولَا يُمكِنُ الاستِدلَال بِالحديثِ لِأَحَدِ الشِّقَّينِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ غير (٦) مُحتَمَلَة، فَلَا اسْتِدلَالَ بها(٧). ■ التَّاسِعَةُ: فيه وُجُوبُ القِصَاصِ عَلى الوالِي كَغَيرِهِ من الجُنَاةِ. قال الخَطَّابِي(٨): ورُوِيَ عن أبي بَكرٍ، وعُمَرَ عِ﴿هَا: أنَّهمَا أَقَادَا(٩) من العُمَّالِ، ومِمَّن رَأَى عَلَيهِم القَودَ: الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ، وإسحَاقُ. ليس في (ك٢، ح). (١) (٢) في (ش): ((منقلبة)). (٤) في (ش): ((منقلبة)). (٥) ليست في (م). وفي الأصل: ((لا)). (٣) في الأصل، (م، ك٢): ((النسخة)). (٦) في (ش): ((عين)). ينظر: المحلى (٤٠٣/١٠) والهداية (١٨٢/٤، ١٨٣)، وروضة الطالبين (٥٤/٧، ٥٥)، (٧) وجامع الأمهات (ص٤٩٢)،، وجواهر العقود (٢٢٠/٢). (٨) معالم السنن (٤ /٢٠). (٩) في الأصل، (م): ((قاد)). ٨٣ كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ = قُلتُ: لَا أعلَمُ في ذَلِكَ خِلَافًا عِندَ العَمدِ العُدوانِ. وإنَّمَا اختَلَفُوا في ضَمَانِ الخَطَإِ المَقصُودِ بِه التَّأْدِيبُ والتَّعزِيرُ. ■ العَاشِرَةُ: إن قُلتَ: أرشُ المُوضِحَةِ مُقَدَّرٌ، وهو خَمسٌ من الإِبِلِ كَمَا قد (١) رُوِيَ ذَلِكَ من عِدَّةِ طُرُقٍ منها: حَدِيثُ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، رَواه أصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةُ))، وحَسَّنَه التِّرمِذِيُّ(٢). فَلِمَ وقَعَت المُمَاكَسَةُ فِي ذَلِكَ، والمُرَاوضَةُ، ولِمَ لَا ألزِمُوا الخَمس (٣) من الإِبِلِ؟ قُلتُ: هذا مِمَّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِنَايَةَ كَانَت عَمدًا، فَكَانَت الخِيَرَةُ لِلْمَجْنِيِّ(٤) عَلَيه في الاقتصَاصِ(٥)، فَرُوضِيَ عن ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ عَلى هذا لِيَعفُو عن القِصَاصِ، ولهذا قال الخَطَّابي (٢): فيه دَلِيلٌ عَلى جَوازٍ إرضَاءِ المَشجُوجِ بِأكثَرَ من دِيَةِ الشَّجَّةِ إِذَا طَلَبَ المَشِجُوجُ القِصَاصَ. الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قال الخَطَّبي(٧): وفيه حُجَّةٌ لِمَن رَأى وُقُوفَ الحَاكِم عن الحُكمِ بِعِلمِه؛ لِأنَّهم لَمَّا رَضُوا بِمَا أعطَاهم النبيُّ وَّةِ، ثُمَّ رَجَعُوا عنه، لَمْ يُلزِمِهِم بِرِضَاهم الأولِ حَتَّى كَانَ مَا رَضُوا ظَاهرًا . قُلتُ: وقَد يَقُولُ المُجَوِّزُ(٨) لِلحُكمِ بِالعِلمِ: لَم يَصدُر منهم أولًا تَصرِيحٌ بِالعَفوِ عن القِصَاصِ عَلى ذَلِكَ المِقدَارِ، وإنَّمَا حَصَلَ منهم رُكُونٌ؛ لِذَلِكَ لَا يَلزَمُهم الاِستِمرَارُ عَلَيه، وقَد يُقَالُ: كَانَ قَصدُ النبيِّ وَّهِ تَطِيبَ خَواطِرِهم واستِمَالَتَها، وكَانَ يُعطِيهم ذَلِكَ المَبلَغَ من عِندِهِ، فقصَدَ أن يَحصُلَ منهم الرِّضَى بِذَلِكَ في الْبَاطِنِ والاستِمِرَارُ عَلَيهِ، والله أعلمُ. ■ الثَّانِيَةَ عَشرَةَ: قال ابنُ حَزم(٩): في هذا الخَبَرِ عُذر الجَاهلِ، وأنَّه لَا ليس في الأصل، (م). (١) أبو داود (٤٥٦٦)، والترمذي (١٣٩٠)، وابن ماجه (٢٦٥٥)، والنسائي (٤٨٦٧). (٢) (٣) في الأصل، (م): ((بخمس)). (٤) في (ك٢، ح): ((في المجني)). (٥) في الأصل، (م): ((القصاص)). (٦) معالم السنن (٢٠/٤). (٧) معالم السنن (٢٠/٤). المحلى (٤١٠/١٠، ٤١١). (٩) (٨) في (ك٢، ح): ((المحرر)). = ٨٤ طرح التثريب في شَرْحِ الثّقْرِيبِ يَخرُجُ من الإِسلَامِ بِمَا لَو فَعَلَه العَالِمُ الذي قَامَت عَلَيه الحُجَّةُ لَكَانَ كَافِرًا؛ لِأَنَّ هؤلاء الليثِيِّينَ كَذَّبوا النبيَّ بَّهِ، وتَكذِيبُهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ بِلَا خِلافٍ، لَكِنَّهم (١٨٩/٧م) عُذِرُوا بِالجَهالَةِ فَلَم يَكفُرُوا. قُلتُ: ويَحتَمِلُ أنَّهم إنما(١) أنكَرُوا الاِستِمِرَارَ عَلى ذَلِكَ الرِّضَى حَيثُ يَجُوزُ لَهم الرُّجُوعُ عنه إذَا لَم يَقَع تَصرِيحٌ بِالعَفوِ، أو ظَنُّوا أنَّ لَهم الرُّجُوعَ بَعدَ العَفوِ الصَّرِيحِ، لَا أنَّهم أنكَرُوا أنَّ ذَلِكَ وقَعَ منهم قَبَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّه ◌ُفْرٌ بِلَا شَكٌّ كَمَا قال [٢ /١٩٠ و]. ■ الثَّالِثَةَ عَشرَ: قال الخَطَّابي (٢): وفيه دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَولَ في الصَّدَقَةِ قَولُ رَبِّ المَالِ، وأنَّه لَيسَ لِلسَّاعِي ضَربُه وإكراهه عَلى مَا لَم يَظهَر لَه من مَالِه. والله أعلم. (١) في الأصل، (م): ((لما)). (٢) معالم السنن (٢٠/٤). بَابُ اشتِبَاه الجَانِي بِغَيرِه ٨٥ بَابُ اشتِبَاهُ الجَانِي بِغَيرِه جَ عن هَمَّام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّ: «نَزَلَ نَبي من الأنبياءِ تَحتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَته نَمِلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهازِهِ فَأُخْرِجَ(١) من تَحتها، وأمَرَ بها فَأَحْرِفَت في النَّارِ))، قال: ((فَأُوحَى الله ◌َتْ إِلَيه: فَهَلَّا نَملَةً واحِدَةً)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: انفَرَدَ به مُسلِمٌ (٢) من هذا الوجه، وأخرَجَه الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ(٣) من رِوايَةِ أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ. واتَّفق عَلَيْه الشيخانِ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه (٤) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، وأبي سَلَمَةَ بن(٥) عَبدِ الرَّحمَنِ؛ كِلَاهمَا، عن أبي هُرَيْرَةَ، بلفظِ: ((قَرَصَت نَملَةٌ نَبيَّ من الأنبياءِ، فَأَمَرَ بِقَرِيَةِ الثَّملِ، فَأُحْرِقَت، فَأُوحَى اللهُ إلَيه: أفي أن](٦) قَرَصَتك نَملَةٌ؟)). قال البخارِيُّ: ((أحرَقَت)). وقال (٧/ ١٩٠م) البَاقُونَ: ((أهلَكتَ أمَّةً [من الأمَم](٧) تُسَبِّحُ)). في الأصل، (م): «فأحرق». (١) مسلم (٢٢٤١ /١٥٠). (٢) البخاري (٣٣١٩)، ومسلم (١٤٩/٢٢٤١)، وأبو داود (٥٢٦٥)، والنسائي في الكبرى (٣) (٨٦١٥). البخاري (٣٠١٩)، ومسلم (١٤٨/٢٢٤١)، وأبو داود (٥٢٦٦)، والنسائي (٤٣٦٩)، (٤) وابن ماجه (٣٢٢٥). (٥) في (م): ((بن)). في (م): ((الأن)). وفي (ك٢، ح): ((أي أن)). وفي الأصل، (ش): ((إلى أن)). (٦) ليس في (ش). (٧) ٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((لَدَغَته)) بِالدَّالِ المُهمَلَةِ، [والِغَينِ (١) المُعجَمَةِ؛ أي: قَرَصَته، ويُستَعمَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ ذَواتِ السُّمُومِ. أمَّا اللذع(٢) بِالذَّالِ المُعجَمَةِ](٣)، والعَينِ المُهمَلَةِ، فَهو الخَفيفُ من إحرَاقِ النَّارِ كَالِكَيٌّ ونَحوِهِ. والجهازُ: بِفَتحٍ الجِيمِ وكَسرِها: المَتَاعُ. وقَولُه: ((فَأْمَرَ بها فَأحرِقَت)). قَد يُفهَمُ منه أنَّ المُرَادَ تِلكَ الثَّملَةُ. لَكِن يَرُدُّه قَولُه: فَهَلَّا نَملَةٌ واحِدَةً؛ فَيَحتَمِلُ أن يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى الشَّجَرَةِ، وهيَ الَّتِي عَادَ عَلَيها الضَّمِيرُ في قَولِه: ((من تَحتِها))، والمُرَادُ: إحرَاقُها لِتَحرِقَ(٤) الثَّملَ. [ويَحْتَمِلُ أن يَعُودَ عَلى قَرِيَةِ النَّملِ](٥)، وهيَ مَنزِلُهنَّ، وإن لَم يَتَقَدَّم لَها في هَذِه الرِّوايَةِ ذِكْرٌ؛ بِدَلِيلٍ قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((فَأَمَرَ بِقَريَةِ النَّملِ فَأحرِقَت))، وقَولُهُ: (فَهَلَّا نَملَةً واحِدَةً)). واحِدَةٌ مَنصُوبٌ بِفِعلِ مَحذُوفٍ تَقدِيرُه: فَهَلَّا أحرَقت أو عَاقَبت نَملَةً واحِدَةً، وهيَ الَّتِي قَرَصَتك لِأنَّها الجَانِيَةُ، وأمَّا غَيرُها فَلَيسَت لَها جِنَايَةٌ، والله أعلم(٦) . ■ الثَّالِثَةُ: قال النَّوِيُّ(٧): قال العُلَمَاءُ: هذا الحديثُ مَحمُولٌ عَلى أنَّ شَرِعَ ذَلِكَ النبيِّ كَانَ فيه جَوازُ قَتلِ الثَّملِ، وجَوازُ الإحرَاقِ بِالنَّارِ، ولَم يُعتَب عَلَيه في أصلِ القَتلِ والإِحرَاقِ، بَل(٨) في الزِّيَادَةِ عَلى النَّمْلَةِ الواحِدَةِ. وأمَّا في شَرعِنَا، فَلَا يَجُوزُ الإِحرَاقُ بِالنَّارِ لِلحَيَوانِ؛ إلَّا إِذَا أحرَقَ إنسَانًا فَمَاتَ بِالإِحرَاقِ، فَلِولِيِّه الاِقِتِصَاصُ بِإِحرَاقِ الجَانِي، وسَواءٌ في مَنعِ الإِحرَاقِ بِالنَّارِ الَّمَلُ(٩) وَغَيْرُه؛ لِلحديثِ المَشهورِ: ((لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا الله))(١٠). وأمَّا قَتلُ النَّملِ: فَمَذهَبُنَا أنَّه لَا يَجُوزُ، واحتَجَّ أصحَابُنَا فيه بِحَدِيثٍ في (ح، م): ((بالغين)). (١) (٢) ليست في (م). وفي (ش): ((اللدغ)). ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٣) (٤) في (ح): (ليحرق)). (٥) لیس في (ك٢، ح). (٦) ينظر: فتح الباري (٣٥٨/٦). (٧) شرح النووي على مسلم (٢٣٩/١٤)، والحديث عند أبي داود (٥٢٦٧). (٨) لیس في (ك٢، ح). (٩) في الأصل، (ش، م): ((القمل)). (١٠) سبق تخريجه في باب صلاة الجماعة، الحديث الرابع، الفائدة الثالثة والعشرون. ٨٧ = بَابُ اشتِبَاه الجَانِي بِغَيرِه ابنِ عَبَّاسِ ﴿ّ: ((أنَّ النبيَّ وََّ نَهَى عن قَتلِ أربَع من الدَّوابِّ: الثَّملَةُ والنَّحلَةُ والهدهدُ والصُّرَدُ)). رَواه أبو داودَ (١) بِإسنَادٍ صَحِيحَ عَلى شَرطِ البخارِيِّ ومُسلِم. انتَھَی. وقال القَاضِي عِيَاضٌ (٢): فيه دَلِيلٌ عَلى جواز(٣) قَتلِ النَّملِ وكُلِّ مُؤذٍ، لَكِنَّ اللهَ تعالى عَتَبَه(٤) عَلى النَّشَفي لِنَفْسِه بِقَتلِه هَذِه الأمََّ العَظِيمَةَ المُسَبِّحَةَ بِسَبَبٍ واحِدَةٍ. وقِيلَ: كَانَ عَتْبُهُ عَلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا جَاءَ فِي خَبَرٍ: أَنَّ مَرَّ بِقَرِيَةٍ أهلَكَها الله تعالى، فقال: يَا رَبِّ قَد كَانَ فيهم صِبيَانٌ ودَوابُّ، ومَن لَم يَقتَرِف ذنبًا، ثُمَّ إنَّه نَزَلَ تَحتَ شَجَرَةٍ؛ فَجَرَتِ لَه هَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي قَدَّرَها الله تعالى عَلى يَدِه؛ تَنبيهًا لَه عَلَى مَا سَبَقَ منه(٥) . وفيه أنَّ الِنسَ المُؤذِيَ يُقْتَلُ وإن لَم يُؤْذِ، وتُقْتَلُ (٦) أولَادُها وإن لَم تَبلُغ الأذَى، عَلى أحَدِ القَولَينِ. ثُمَّ حُكِيَ عن الإمَامِ المَازريّ(٧) أنَّه قال (٨): يُكرَه قَتلُ النَّمل عِندَنَا؛ إلّا أن يُؤْذوا(٩) (٧/ ١٩١م)، ولا يُقدَّرُ عَلى دَفعِهم إلّا بِالقَتلِ فَيُسْتَخَفَّ (١٠). وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١١): ظَاهرُ هذا الحديثِ: أنَّ هذا النبيَّ إنَّمَا عَاتَبَه الله؛ حَيثُ انْتَقَمَ لِنَفْسِه بِإِهلَاكِ جَمعِ أذَاه منه واحِدٌ. وكَانَ الأولى به الصَّبرَ والصَّفْحَ، لَكِن وقَعَ لِلنبيِّ أنَّ هذا النَّوْعَ مُؤذٍ [١٩٠/٢ ظ] لِبَنِي آدَمَ، وحُرمَةُ بَنِي آدَمَ أعظَمُ من حُرمَةِ غَيرِهِ من الحَيَوانِ غَيرِ النَّاطِقِ، (١) أبو داود (٥٢٦٧). إكمال المعلم (١٧٦/٧، ١٧٧)، ووقع في المطبوع: ((ثم حكى عن الإمام الماوردي)). (٢) وهو خطأ، صوابه ((المازري)). وينظر: المعلم بفوائد مسلم (٢٨٢/٢). (٣) زيادة من (ك٢، ح). وينظر: إكمال المعلم (١٧٦/٧). (٤) مكررة في الأصل. القصة ذكرها الكلاباي في بحر الفوائد (١٨٩/١) إثر حديث أبي هريرة المشروح. (٥) في (ح): ((ويقتل)). (٦) في (ك٢، ح، ش): ((الماوردي)). وهو خطأ، وينظر: المعلم بفوائد مسلم (٢٨٢/٢). (٧) (٨) بعدها في (ك٢، ح): ((أنه)). (١٠) في (ش): ((فيستحب)). (٩) في (م): ((يؤذي)). (١١) المفهم (٥٤٢/٥، ٥٤٣). = ٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَلَو انفَرَدَ لَه هذا النَّظَرُ، ولَم يَنضَمَّ إِلَيه التَّشَفيِ الطَّبِيعِيُّ لَم يُعَاتَب، والله أعلَمُ، لَكِن لَمَّا انضَافَ التَّشَفي الذي دَلَّ عَلَيه سِيَاقُ الحديثِ عُوتِبَ عَلَيهِ، والذي يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرِنَا (١) التَّمَسُّكُ بِأصلٍ عِصمَةِ الأنبياءِ، وأنَّهم أعلَمُ النَّاسِ (٢) بالله وبِأحكامِه، وأشَدُّهم لَه خَشِيَةً. انتَهَى. واعلَم أنَّ هذا الذي أطلَقَه النَّوِيُّ: من أنَّه لَا يَجُوزُ قَتلُ النَّملِ عِندَنَا. مَحَلُّه في الثَّملِ الكَبيرِ المَعرُوفِ بِالسُّلَيمَانِيِّ، كَذَا قاله الخَطَّابِي، والبَغَوِيُّ في أواخِرِ (شَرحِ السَُّّةِ) (٣). قال البَغَوِيّ: وأمَّا الصَّغِيرُ المُسَمَّى بِالَّملِ، فَاسمُه: الذَّرُّ، وقَتْلُه جَائِزٌ بِغَيرِ الإِحرَاقِ. وفي ((الِاسْتِقِصَاءِ» عن ((الإِيضَاحِ)) لِلصَّيمَرِيِّ: أنَّ الذي يُؤْذِي منه يَجُوزُ قَتلُه، بَل يُستَحَبُّ. ونَقَلَ المُحِبُّ الظَّبَرِيُّ شَارِحُ ((التَّنبيه)) عن الشَّافِعِيِّ تَخْلُقُهُ: أَنَّه أطلَقَ كَرَاهَةَ قَتلِ النَّملِ، وهو يَدُلُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الجَوازِ في الصَّغِيرِ: فَإِنَّه إمَّا عَامّ أو خَاصٌّ(٤). وقَد بَوّبَ(٥) أبو داودَ في ((سُنَتِهِ)) عَلى هذا الحديثِ: قَتلِ الذَّرِّ. فَدَلَّ عَلى أنَّه فَهِمَ أنَّ قِصَّةَ هذا النبيِّ كَانَت(٦) في الذَّرُ؛ فَحِينَئِذٍ يَستَوِي حُكمُها عِندَنَا وفي شَرِيعَتِهِ . الزَّابِعَةُ: الظَّاهرُ أنَّ المُرَادَ فِي قَولِه: ((فَهَلَّا نَملَةً واحِدَةً)): تِلكَ النَّملَةُ الَّتِي قَرَصَته؛ أي: هَلَّا(٧) اقتَصَرت عَلى مُعَاقَبَتِها وحدَها دُونَ مَن لَم يَجنِ عَلَيك، وإذَا لَم يَكُن لَه سَبِيلٌ إلى مَعرِفَتِها بِعَينِها (٨) احتَاجَ إلى الاِنكِفَافِ عن الكُلِّ. ولِهذا بَوّبَ عَلَيه المُصَنِّفُ تَخْتُهُ: اشتِبَاه الجَانِي بِغَيرِهِ. ويَكُونُ هذا وجهَ العَتبِ. وهو الذي أشَارَ إلَيه النَّوِيُّ فيمَا تَقَدَّمَ بِقَولِه: بَل في (٩) الزِّيَادَةِ عَلى الثَّمَلَةِ الواحِدَةِ. لَكِن مَا أُدرِي، كَيفَ يَجْتَمِعُ هذا مع جَوازٍ قَتلِ الثَّملِ فِي شَرِيعَةٍ ذَلِكَ النبيِّ وإحرَاقِه؟ فَإِنَّه حِينَئذٍ يُبَاحُ لَه ذَلِكَ، وإن لَم يَلدَغه منها شَيءٌ. في (ش): «ذكره)). (١) معالم السنن (٢٨٣/٢، ١٥٧/٤)، وشرح السُّنَّة (١٩٨/١٢). (٣) (٤) في (ح): ((خص)). (٦) ليست في (ش). ليست في (ش). (٢) ليست في (ح). (٥) بعدها في (ش): ((عليه)). (٧) في (ح): ((لا هل لا)). (٩) زيادة من (ك٢، ح). (٨) بَابُ اشتِبَاه الجَانِي بِغَيرِه كير ٨٩ والظّاهرُ أنَّ القَصَّةَ(١) إِنَّمَا ذُكِرَتِ ضَربَ مَثَلِ لَه في سُؤَالِه عن إهلَاكِ القَرِيَةِ، وفيها مَن لَا ذَنبَ لَه، إن صَحَّ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللهَ تعالى لَه بِحُكم المُلكِ أن يُهلِكَ مَن لَا ذَنبَ لَه، فَإِذَا اختَلَطَ المُذنِبُ بِغَيرِهِ، وأهلِكُوا بِعَامٍّ شَمِلَ الفَرِيقَينِ، ولِهذا النبيِّ عَلى مَا قَرَّرُوه(٢) أن يَحرِقَ من الثَّملِ مَا لَم يَلدَغه. فَإِذَا (٧/ ١٩٢م) اختَلَطَ مَا لَدَغَه بِغَيْرِهِ، فَلَه إهلَاكُ الجَمِيعِ، فَلَم يَنْزِل عَلَيه هذا الوحيُّ إِنكَارًا لِمَا فَعَلَ، بَل جَوابًا لَه وإيضَاحًا؛ لِحِكْمَةِ شُمُولِ الهَلَاكِ لِجَمِيعِ أهلِ تِلكَ القَرِيَةِ، والله أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣) في قَولِه: «أهلَكت أمَّةً من الأمَم تُسَبِّحُ)): مُقْتَضَاه أنَّه تَسبيحُ مَقَالٍ ونُطقٍ، كَمَا قَد أخبَرَ تعالى عن النَّمَلَةِ الَّتِي سَمِعَ سُلَيْمَانَ عَلَّهُ قَولَها: ﴿آدْخُلُوْ مَسَكِّنَكُمْ لَا يَخِْمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨] إلى آخِرِهِ، وفيه دَلَالَةٌ عَلى أنَّ لَها نُطقًا، لَكِن لَا يُسمَعُ إلَّا بِخَرقِ عَادَةٍ لِنَبي أو وليٍّ، ولَا يَلزَمُ من عَدَمِ إدَرَاكِنَا لَه عَدَمُه في نَفسِه، وقَد يَجِدُ الإنسَانُ في نَفسِه قَولًا، ولَا يَسمَعُ منه إلَّا بِنُطْقِ، وقَد خَرَقَ الله تعالى العَادَةَ لِنَبينَا عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، فَأسمعه كَلَامَ النَّفْسِ من قَومِ تَحَدَّثُوا مع أنفُسِهِم فَأخبَرَهم به، وكَذَا وقَعَ لِكَثِيرٍ من الأولِيَاءِ، وإِيَّاه عنى بِقَولِه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ: ((إنَّ في أمَّتِي مُحَدَّثِينَ، وإن عُمَرَ منهم))(٤)، انتَهَى بِمَعنَاه. (١) في الأصل، (م، ش): ((القضية)). (٢) في (ح): ((قرره)). (٣) المفهم (٥٤٣/٥). البخاري (٣٦٨٩)، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة (٤) ٠ كِتَابُ الجهادِ ١. كِتَابُ الجِهادِ الحديثُ الأولُ عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: «مَثَلُ المُجَاهدِ في سَبيلِ الله كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِ الدَّائمِ، الذي لَا يَفْتُرُ من صِيَامِ ولَا صَلَاةٍ حَتَّی یَرجِعَ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمُ (١)؛ من رِوايَةِ سُهَيلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عن أبيه (١٩٣/٧م)، عن أبي هريرةَ قال: ((قِيلَ لِلنَّبِيِ وَّهِ: مَا يَعدِلُ الجِهادَ في سَبيلِ الله [١٩١/٢ و] ◌َ؟ قال: لَا تَستَطِيعُونَه. قال: فَأَعَادُوا عَلَيه مَرَّتَينٍ أو ثَلَاثًا، كُلُّ ذلك يَقُولُ: لَا تَستَطِيعُونَه. قال في الثَّالِئَةِ: مَثَلُ المُجَاهِدِ)). فَذَكَرَه (٢)، إلا أنَّه قال بَدَلَ ((الدَّائم)) (٣): ((القَانِتِ بِآيَاتِ الله)). وأخرَجَه البخارِيُّ(٤)؛ من رِوايَةٍ أبي حَصِينٍ(٥)، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِ بَّهِ فَقال: دُلَّنِي على عَمَلٍ يَعدِلُ الجِهادَ؟ قال: لَا أجِدُه. قال: هَل تَستَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ: أن تَدخُلَ مَسجِدَك فَتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ، وتَصُومَ ولَا تُفطِرَ؟ قال: ومَن يَستَطِيعُ ذلك؟ قال أبو هريرةَ: إنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَستَنُّ في ◌ِوَلِه؛ فَيُكتَبُ لَه حَسَنَاتٌ)). ومن طَرِيقِ الزُّهرِيِّ(٦)، مسلم (١١٠/١٨٧٨). (١) (٢) في (ح): ((فذكر الحديث)). في الأصل، (م): ((القائم)). (٣) (٤) البخاري (٢٧٨٥). في (م): ((حفص)). (٥) (٦) البخاري (٢٧٨٧). = ٩٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ، بلفظ: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبيلِ الله، والله أعلَمُ بِمَن يُجَاهِدُ فِي سَبيلِهِ، كَمَثَلِ الصَّائِ القَائِ)). ■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ (١): هذا تَعِظِيمٌ لِأمرِ [الجِهادِ جِدًّا؛ لِأنَّ الصَّلَاةَ والصِّيَامَ والقِيَامَ بِآيَاتِ الله أفضَلُ الأعمَالِ، فقد عَدَلَها](٢) المُجَاهِدُ، وصَارَت جَمِيعُ حَالَاتِهِ: من تَقَلُّبه في تَصَرُّفاتِهِ من أكلِهِ ونَومِه وبَيعِه وشِرَائه لِمَا يَحتَاجُه، وأجرُه في ذلك كَأجرِ المُثَابِرِ على الصَّومِ والصَّلَاةِ، وتِلَاوةِ كِتَابِ الله الذي لَا يُفْتَرُ، وقَلِيلٌ (٣) مَا يَقدِرُ عَلَيه، ولذلك قال: (لَا تَستَطِيعُونَه)). وفيه(٤): أنَّ الفَضَائِلَ لَا تُدرَكُ بِالقِيَاسِ، وإِنَّمَا هِيَ من (° الله عَطَاءٌ) وإحسَانٌ. قُلتُ: المُجَاهِدُ في جَمِيعِ حَالَاتِه في عِبادَةٍ مع المَشَقَّةِ البَدَنِيَّةِ والقَلبيةِ، ومُخَاطَرَتِه بِنَفْسِه التي هيَ أعَزُّ الأَشْيَاءِ عِندَه، وبَذْلِهِ (٦) لَها فِي رِضَى الله تعالى. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((حَتَّى يَرجِعَ))، الظَّاهرُ أنَّه أرَادَ به انتِهاءَ رُجُوعِه إلى وطَنِهِ، وأكَّدَ بهذه الغَايَةِ استيعَابَ هذا الفَضلِ جَمِيعَ حَالَاتِه؛ بِحَيثُ لَا يَخرُجُ في حَالَةٍ من الأحوالِ عن كَونِهِ مَثَلَ الصَّائِمِ القَائِمِ الدَّائِمِ، ويَحتَمِلُ: أنَّ المُرَادَ ابتِدَاءُ رُجُوعِه، وهو بَعِيدٌ. ■ الزَّابِعَةُ: فيه أنَّ الجِهادَ أفضَلُ الأعمَالِ؛ لِأَنَّه شَبَّهَ المُجَاهَدَ فِي حَالَةٍ(٧) الجِهادِ وفي وسَائِلِه ومُقَدِّمَاتِهِ بِحَالَةٍ مَن لَا يَقْتُرُ من صَلَاةٍ وصِيَامٍ وقِرَاءَةٍ؛ فَكَانَ هو بِمُفرَدِهِ كَهذه الأعمَالِ بِمَجمُوعِها، وهو قِيَاسُ قَولِ(٨) القَاضِي حُسَينٍ من أصحَابِنَا: إنَّ الحَجَّ أفضَلُ الأعمَالِ لِاشْتِمَالِه على عَمَلِ البَدَنِ والمَالِ. وقال ابنُ دَقِيقِ العِيدِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(٩): القِيَاسُ(١٠) يَقْتَضِي أنَّ الجِهادَ أفضَلُ الأعمَالِ التي هيَ (١٩٤/٧م) وسَائلُ؛ فإنَّ العِبادَاتِ على قِسمَينِ: مَقصُودٌ (١) إكمال المعلم (٢٩٧/٦). (٣) في (ش): ((وقيل)). (٥ - ٥) في (ح): ((إعطاء الله)). (٧) في (ش): ((حال)). (٩) إحكام الأحكام ص١٧١). (٢) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٤) بعده في (ش): ((أيضًا)). (٦) في (ح): ((وبذل)). (٨) من الأصل، (م). (١٠) ليس في (ش). كِتَابُ الجِهادِ ٩٣ = لِنَفسِه، ووسِيلَةٌ (١ إلى غَيرِه١). وفَضِيلَةُ الوسِيلَةِ بِحَسبٍ فَضِيلَةِ المُتَوسَّلِ إلَيه، والجِهادُ وسِيلَةٌ إلى إعلَانِ الدِّينِ ونَشرِه وإخمَالِ الكُفرِ ودَحضِه؛ فَفَضِيلَتُه بِحَسَبٍ فَضِيلَةِ ذلك. والله أعلم. الحديثُ الثَّانِي وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّ قال: ((تَكَفَّلَ الله لِمَن جَاهَدَ فِي سَبیلِه، لَا يُخرِجُه من بَيتِه إلا الجِهادُ في سَبيلِهِ وتَصدِيقُ كَلِمَتِهِ، أن يُدخِلَه الجَنَّةَ أو يَرجِعَه إلى مَسكَتِهِ الذي خَرَجَ منه مع مَا نَالَ من أجرٍ أو غَنِيمَةٍ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ(٢)؛ من هذا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ، ومُسلِمٌ من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الحِزَامِي(٣)؛ كِلَاهمَا عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ، ولَه عِندَهمَا غَيرُ هذا الطَّرِيقِ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: (تَكَفَّلَ الله))، وفي رِوايَةٍ أخرَى في ((الصَّحِيحِ)): (تَضَمَّنَ الله))(٤). ومَعنَاهمَا أوجَبَ الله تعالى لَه الجَنَّةَ بِفَضلِه وكَرَمِه، وهذا الضَّمَانُ والكَفالَةُ مُوافِقٌ لِقَولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةَ(٥). ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((وتَصدِيقُ كَلِمَتِه))؛ أي: كَلِمَةِ الشَّهادَتَينِ فَيُعَادِي مَن أباهمَا(٦)، وقِيلَ: تَصدِيقُ كُلَامِ الله تعالى بِمَا لِلمُجَاهِدِينَ من عَظِيمِ الثَّوابِ. (١ - ١) في (ح): ((لغيره)). البخاري (٣١٢٣، ٣٢٣٢، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣)، ومسلم (١٠٤/١٨٧٦). (٢) (٣) في الأصل، (م): ((الخزامي)). وهو تصحيف. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٦٦/٨). (٤) البخاري (٣٦، ٥٥٣٤)، ومسلم (١٠٣/١٨٧٦). شرح النووي على مسلم (٢٠/١٣). (٥) (٦) في (ح): ((أتاهما)). ٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الرَّابِعَةُ: وفيه اعتِبارُ [١٩١/٢ ظ] الإخلاصِ في الأعمَالِ، وأنَّه لَا يَزْكُو منها إلا مَا كَانَ خَالِصًا لِلَّه تعالى. وفي قَولِه: ((من بَيتِه))، إشَارَةٌ إلى وُجُودِ هذا القَصدِ من ابتِدَاءِ ذلك العَمَلِ (١). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه: ((أن يُدخِلَه الجَنَّةَ(٢))، قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): يَحْتَمِلُ أن يُدخِلَه عِندَ مَونِه، كَمَا قال تعالى في الشُّهَدَاءِ: ﴿أَحْيَُّ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي الحديثِ: ((أرواحُ الشُّهَدَاءِ في الجَنَّةِ)) (٤) (١٩٥/٧م). ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ المرادُ(٥) دُخُولَه الجَنَّةَ عِندَ دُخُولِ السَّابِقِينَ والمُقَرَّبِينَ، بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، ولَا مُؤَاخَذَةٍ بِذَنبِ، وتَكُونُ الشَّهادَةُ مُكَفِّرَةً لِذُنُوبِه(٦)، كَمَا صَرَّحَ به في الحديثِ الصَّحِيحِ(٧). ■ السَّادِسَةُ: قَولُه: ((أو يَرجِعَه))، بِفَتح اليَاءِ(٨) وإسكَانِ الرَّاءِ وكَسرِ الجِيم، وقَولُه: ((إلى مَسكَنِه))، بِكَسرِ الكَافِ وفَتحِها؛ لُغَتَانِ حَكَاهمَا الجَوهَرِيُّ وَغَيرُه(٩)، وقَولُه: ((الذي خَرَجَ منه))، تَأْكِيدٌ لِمَا جُبِلَ عَلَيه الإنسَانُ من مَحَبَّةِ الوطَنِ. السَّابِعَةُ: ظَاهرُ قَولِه: ((مع مَا نَالَ من أجرٍ أو غَنِيمَةٍ)، أنَّهمَا لَا يَجْتَمِعَانِ؛ لِأَنَّ (أو)) لِأَحَدِ الشَّيْئَينِ؛ فَمَتَى حَصَلَت لِلْمُجَاهِدِ غَنِيمَةٌ لَا أجرَ لَه، ولَا أعلَمُ قَائِلًا بِذلك. وإِنَّمَا نَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (١٠) عن قَومِ: أنَّ الغَنِيمَةَ تُنقِصُ من أجرٍ (١) إكمال المعلم (٢٩٣/٦)، وشرح النووي على مسلم (٢٠/١٣). (٢ - ٢) ليس في (ح، ش، ٢٥). (٣) إكمال المعلم (٢٩٤/٦)، وشرح النووي على مسلم (٢٠/١٣). (٤) هو نص عبارة النووي، ولم نهتد إلى الحديث بهذا اللفظ؛ لكن معناه ثابت فى أحاديث كثيرة. ليس في الأصل، (م). (٥) (٦) في الأصل، (م): ((لذنبه))، وفي (ح): ((للذنوب)). (٧) ينظر: صحيح مسلم (١٨٨٥/١١٧). (٨) ليس في (ح). الصحاح (٤٨٤/٢)، (١٢١٦/٣)، وجمهرة اللغة (٨٥٦/٢). (٩) (١٠) التمهيد (٣٤٣/١٨، ٣٤٢). كِتَابُ الجهادِ ٩٥ = الغَانِم؛ لحديثٍ رَووه عن النَّبِيِ وَِّ أنَّه قال: ((مَا من سَرِيَّةٍ أَسْرَت فأخفقت))؛ أي: لَمْ (١) تَغْنَمْ (٢) شَيْئًا: ((إلا كُتِبَ لَها أجرُها مَرَّتَينٍ)(٣). قَالُوا: وفي هذا مَا يَدُلُّ على أنَّ العَسكَرَ إِذَا لَم يَغْنَم كَانَ أعظَمَ لِأَجرِهِ. قال: واحتَجُوا أيضًا بِحَدِيثِ عَبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العَاصِي: أنَّ رسولَ الله وَه قال: ((مَا من غَازِيَةٍ تَغْزُو في سَبيلِ الله فَتُصِيبَ غَنِيمَةً، إلا تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أجرِهم من الآخِرَةِ، ويَبقَى لَهم [الثُّلُثُ؛ فإن لَم يُصِيبوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهم](٤) أجرُهم))، والحديثُ رَواه مُسلِمٌ(٥) وغَيرُه. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وهذا إنَّمَا فيه تَعجِيلُ بَعضِ الأجرِ مع التَّسْوِيَةِ فيه لِلغَانِمِ وغَيرِ الغَانِمِ، إلا أنَّ الغَانِمَ عُجِّلَ لَه ثُلُثَا أجرِهِ، وهمَا مُستَوِيَانٍ في جُمْلَتِهِ، وقَد عَوضَ الله مَنْ لَم يَغْنَم في الآخِرَةِ بمقدار(٦) مَا فَاتَه من الغَنِيمَةِ، والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ. وقال النَّووِيُّ(٧) في ذلك الحديثِ: الصَّوابُ الذي لَا يَجُوزُ غَيرُه: أنَّ مَعنَاه أنَّ الغُزَاةَ إِذَا سَلِمُوا وغَنِمُوا يَكُونُ أجرُهم أقَلَّ من أجرٍ مَن لَم يَسلَم أو سَلِمَ ولَم يَغْنَم، وأنَّ الغَنِيمَةَ هيَ في مُقَابَلَةِ جُزءٍ من أجرٍ غَزْوِهم؛ فإذَا حَصَلَت لَهم فقد تَعَجَّلُوا ثُلُثَي أجرِهم المُتَرَتِّبِ(٨) على الغَزْوِ، وتَكُونُ هذه الغَنِيمَةُ من جُمْلَةِ الأجرِ، وهذا مُوافِقٌ(٩) لِلأحَادِيثِ (١٠) الصَّحِيحَةِ المَشهورَةِ عن الصَّحَابَةِ؛ كَقَولِهِ(١١): ((منا مَن مَاتَ ولَم يَأكُل من أجرِهِ شَيئًا، ومنا مَن أينَعَت لَه ثَمَرَتُه فَهو يَهدِبُها))؛ أي: يَجتنِيها. قال: ولَم يَأتِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ هذا، واختَارَ القَاضِي عِيَاضٌ(١٢) مَعنَى مَا ذَكَرته بَعدَ حِكَايَتِه أقوالًا فاسِدَةَ(١٣): منها: قَولُ مَن زَعَمَ أنَّ هذا الحديثَ لَيسَ بِصَحِيحِ، ولَا يَجُوزُ أن يُنقَصَ في (ك٢، ح، ش): ((لا)). (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٧/٥) من حديث فروة اللخمي، وفيه ضعف. (٣) (٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ح). (٦) ليس في: الأصل، (م). في (٢٥، ش، ح): ((المرتب)». (٨) (١٠) في الأصل: ((الأحاديث)). (١٢) إكمال المعلم (٣٣٠/٦، ٣٣١). (٢) في (ش): ((تقيم) . (٥) مسلم (١٩٠٦). (٧) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٢، ٥٣). (٩) في الأصل، (م): ((يوافق)). (١١) البخاري (١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠ /٤٤). (١٣) ليس في (ش). ٩٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ثَوابُهم بِالغَنِيمَةِ كَمَا لَم يُنقَصُ ثَوابُ أهلٍ بَدٍ، وهم أفضَلُ المُجَاهِدِينَ، وهيَ أفضَلُ (١٩٦/٧م) غَنِيمَةٍ. قال: وزَعَمَ بَعضُ هَؤُلَاءِ أنَّ أبا هانِئٍ حُمَيدَ بنَ هانِئٍ رَاوِيَهُ(١) مَجهولٌ، وَرَجَّحُوا الحديثَ السَّابِقَ في أنَّ المُجَاهدَ يَرجِعُ بِمَا يَنَالُ من أجرٍ وغَنِيمَةٍ؛ فَرَجَّحُوه على هذا الحديثِ لِشُهرَتِه وشُهرَةِ رِجَالِه، ولِأَنَّه في ((الصَّحِيحَينِ))، وهذا في مُسلِم(٢) خَاصَّةً. وهذا القَولُ باطِلٌ من أوجُهٍ؛ فإنَّه لَا تعارُضَ بَينَه وبَينَ هذا الحديثِ المَذكُورِ: فإنَّ الذي في الحديثِ السَّابِقِ رُجُوعَه بِمَا نَالَ من أجرٍ وغَنِيمَةٍ، ولَم يَقُل: إنَّ الغَنِيمَةَ تُنقِصُ الأجرَ أم لا، ولَا قال: أجرُه كَأجرٍ مَن لَم يَغْنَمِ، فَهو مُطلَقٌ وهذا مُقَيِّدٌ؛ فَوجَبَ حَملُه عَلَيه. وأمَّا قَولُهم: أبو هانِئٍ مَجهولٌ. فَغَلَظٌ فاحِشٌ، بَل هو ثِقَةٌ مَشهورٌ؛ رَوى عنه الليثُ بنُ سَعدٍ، وحَيوةُ، وابنُ وهبٍ، وخَلَائقُ من الأئمَّةِ، ويَكفي في تَوثِيقِه احْتِجَاجُ مُسلِمٍ به في (صَحِيحِه)(٣). وأمَّا قَولُهم: إنَّه لَيسَ في ((الصَّحِيحَينِ)). فَلَيسَ بِلَازِمِ [٢/ ١٩٢و] في صِحَّةٍ الحديثِ كَونُه في ((الصَّحِيحَينِ))، ولَا في أحَدِهمَا(٤). وأمَّا قَولُهم: في غَنِيمَةِ بَدٍ. فَلَيسَ في غَنِيمَةِ بَدرٍ نَصُّ أنَّهم لَو لَم يَغْنَمُوا لَكَانَ أجرُهم على قَدرِ أجرِهم، وقَد غَنِمُوا فقط، وكَونُهم مَغْفُورًا لَهم مَرضِيًّا عنهم ومن أهلِ الجَنَّةِ، لَا يَلزَمُ منه أن لَا يَكُونَ ورَاءَ هذا مَرتَبَةٌ أخرَى، هيَ أفضَلُ منه مع أنَّه شَدِيدُ الفَضلِ(٥) عَظِيمُ القَدرِ . ومن الأقوالِ الباطِلَةِ مَا حَكَاه القَاضِي عن بَعضِهم أنَّه قال: لَعَلَّ الذي تَعَجَّلَ ثُلُثَي أجرِهِ إِنَّمَا هو في غَنِيمَةٍ أُخِذَت على غَيرِ وجهها. وهذا غَلَظُ فاحِشٌ؛ إذ لَو كَانَت على خِلَافِ وجهها لَم يَكُنْ ثُلُثَ(٦) الأجرِ. (١) ليس في (ش). (٢) في (ش): («مسألة)). ينظر: تهذيب الكمال (٤٠١/٧ - ٤٠٣). (٣) (٤) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة (ص٤٠)، وفتح المغيث (٣٠/١). (٥) في (ح): ((العقل)). (٦) في (م): ((ثابت)). كِتَابُ الجهادِ ٩٧ = وزَعَمَ بَعضُهم: [أنَّ التي أخفقت يَكُونُ لَها أجرٌ بِالأسَفِ على مَا فاتَها من الغَنِيمَةِ فَيُضَاعَفُ ثَوابُها كَمَا بِضَاعَفُ لِمَن أَصِيبَ في مَالِهِ وأهلِه. وهذا القَولُ فاسِدٌ مُبايِنٌ لِصَرِيحِ الحديثِ. وزَعَمَ بَعضُهم](١): أنَّ الحديثَ مَحمُولٌ على (٢) مَن خَرَجَ بِيَّةِ الغَزوِ والغَنِيمَةِ مَعَا فِيَنقُصُ(٣) ثَوابُه. وهذا أيضًا ضَعِيفٌ، والصَّوابُ مَا قَدَّمْنَاه. انتَهَى. والجَوابُ عن هذا الحديثِ: أنَّ مَعنَاه مع (٤) مَا نَالَ من أجرٍ بِلَا غَنِيمَةٍ إن لَم يَغْنَم، أو من أجرٍ وغَنِيمَةٍ مَعًا إن غَنِمَ؛ فالأجرُ حَاصِلٌ على كُلِّ حَالٍ، وهو مُقَدَّرٌ في الشِّقِّ الثَّانِي مع الغَنِيمَةِ، وإن لَم يُصَرِّح بِذِكرِهِ. وكَيفَ يَكُونُ(٥) المُجَاهِدُ المُخلِصُ بِلَا أجرٍ مع كَونِهِ كَالصَّائِ القَائِ الدَّائِ الذي لا يَفتُرُ، فَمَن هو بهذه الصُّفَةِ يُمكِنُ أن يَكُونَ بِلَا أجرٍ؟ وقَد امتَنَّ الله تعالى عَلَيْنَا بِإِباحَةِ الغَنَائِمِ لَنَا، ولَو كَانَ حُصُولُها مَانِعًا من الأجرِ لَم تَحصُل بها المنةُ، بَل هيَ حِينَئذٍ (٦) نَقِمَةٌ، وقَد (ضَرَبَ النَّبِيِوَّ لِعُثمَانَ (٧/ ١٩٧م) رَظُهُ فِي قِصَّةٍ(٧) بَدرٍ بِسَهمِه وأجرِه))(٨)، وهو صَرِيحٌ في اجتِمَاعِهِمَا . وقال بَعضُهم: ((أو)) في هذا الحديثِ بِمَعنَى الواوٍ؛ أي: من أجرٍ وغَنِيمَةٍ. وكَذَا وقَعَ بِالواوِ في رِوايَةِ أبي دَاوُد(٩)، وكَذَا حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ والنَّووِيُّ(١٠) عن رِوايَةٍ مُسلِمٍ؛ من طَرِيقِ المُغِيرَةِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ الحِزَامِي(١١). (١) ليس في (ح). في (م): ((ينقص)). (٣) (٥) ليس في الأصل. (٦) لیس في (ش). (٧) في الأصل: ((قضية». (٨) البخاري (٣١٣٠). أبو داود (٢٤٩٤). (٩) (١٠) إكمال المعلم (٢٩٤/٦)، وشرح مسلم (٢١/١٣). (١١) في (م): ((المخزومي)). (٢) في (م): ((على أن)). (٤) ليس في (ش). ٩٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحديثُ الثَّالِثُ فجّ وعنه، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((والذي نَفسِي بيدِه، لَودِدت أنِّ أُقَاتِلُ في سَبيلِ الله فأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أُحيَا فَأُقْتَلُ. فَكَانَ أبو هريرةَ يَقُولُ: ثَلَاثًا أُشَهِدُ الله)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه من هذا الوجه البخارِيُّ(١) من طَرِيقِ مَالِكٍ. واتَّفق عَلَيه الشيخانِ(٢) بِمَعنَاه في أثناءِ حَدِيثٍ من طَرِيقٍ عُمَارَةَ بنِ القَعقَاعِ، عن أبي زُرعَةَ، عن أبي هريرةَ. ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ اليَمِينِ وانعِقَادُها بِقَولِه: ((والذي نَفْسِي بيدِه))، ومَا كَانَ مِثلَ ذلك مِمَّا يَدُلُّ على الذَّاتِ، ولَا خِلَافَ في هذا. قال أصحَابُنَا: اليَمِينُ يَكُونُ بِأسمَاءِ الله تعالى أو صِفاتِه أو مَا دَلَّ على ذَاتِه سبحانه(٣). ■ الثَّالِثَةُ: وفيه جوازُ الحَلِفِ لِتَأْكِيدِ الأمرِ وتَعِظِيمِه، من غَيرِ احتياجٍ إلى ذلك في خُصُومَةٍ ولَا غَيرِها، وإِنَّمَا المَكُرُوه الاستِخفافُ بِالْيَمِينِ. ■ الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((نَفسِي)) بِإِسكَانِ الفاءِ، ولَو قال قائلٌ ذلك في غَيرِ هذا الحديثِ بِفَتحِ الفاءِ لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا، لَكِن لَا يَجُوزُ النُّطقُ(٤) بِالحديثِ بِالفَتحِ؛ لِأَنَّه غَيرُ مَروِيٍّ، واليَدُ هنَا القُدرَةُ والمِلكُ، قاله القَاضِي عِيَاضٌ(٥). ■ الخَامِسَةُ: فيه تَمَني الإنسَانِ الخَيرَ، وإن كَانَ مُحَالًا في العَادَةِ، والمَكُرُوه إنَّمَا هو الثَّمَنِّي في الشَّهَواتِ وأمُورِ الدُّنيَا (٦). البخاري (٧٢٢٧). (١) البخاري (٣٦/٥٥٣٤)، ومسلم (١٠٣/١٨٧٦). (٢) (٣) شرح النووي على مسلم (٢١/١٣). إكمال المعلم (٢٩٥/٦). (٥) (٤) في (ح): ((المنطق)). إكمال المعلم (٢٩٦/٦)، وشرح النووي (٢٢/١٣). (٦) كِتَابُ الجِهادِ M ٩٩ = ■ السَّادِسَةُ: لَم يَتَمَنَّ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ القَتلَ في سَبيلِ الله إلا بَعدَ المُقَاتَلَةِ؛ لِيَكُونَ منه عَمَلٌ وإِقَامَةٌ (٧/ ١٩٨م) لِلدِّينِ، وهو مُوافِقٌ لِقَولِه تعالى: ﴿يُقَطِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ﴾ [التوبة: ١١١]. ■ السَّابِعَةُ: قَولُه: ((ثُمّ (١) أُحْيَا))، ضَبَطناهُ(٢) بِضَمِّ الهَمزَةِ على البِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، ويَجُوزُ فيه الفَتحُ على البِنَاءِ لِلفاعِلِ، وقَولُ أبي هريرةَ: ((ثَلَاثًا))؛ أي: قال [٢/ ١٩٢ ظ] [النَّبي ،﴿ [ذلك ثَلَاثًا. وقَولُه: ((أُشهِدُ اللهَ)) بِضَمِّ أولِه، تَأكِيدٌ لِمَا يُخبِرُ به من تَمَنِّه](٣) عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ](٤) القَتلَ في سَبِيلِ الله ثَلَاثًا . وقَد ورَدَ تَمَنِّه ذلك أربَعًا، وهو في ((صَحِيحِ البخارِيِّ)»(٥)؛ من طَرِيقٍ شُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ ◌َظُه، بلفظِ: ((والذي نَفسِي بيدِهِ، لَودِدت أنّي(٦) أقتَلُ في سَبيلِ الله ثُمَّ أحيَا، ثُمَّ أَقتَلُ ثُمَّ أحيَا، ثُمَّ أقتلُ ثُمَّ أحيًا، ثُمَّ أقتلُ)). ■ الثَّامنةُ: فيه فَضلُ الجِهادِ والشَّهادَةِ. الحديثُ الزَّابِعُ وعنه، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّ قال: ((والذي نَفسِي بيدِهِ، لَا يُكلَمُ أحَدٌ في سَبيلِ الله، والله أعلَمُ بِمَن يُكلَمُ فِي سَبيلِه، إلا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وجُرحُه يَثْعَبُ دَمًّا: اللونُ لَونُ دَم، والرِّيحُ رِيحُ مِسكٍ)). وعن هَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِنَّهِ: («كُلُّ كَلم يُكلَمُه المُسلِمُ في سَّسَبيلِ الله، ثُمَّ يَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيئَتِها إِذَا طُعِنَتَّ تَفَجَّرُ دَمَّا: اللونُلَونُ دَم، والعَرفُ عَرفُ المِسِكِ)). قال أبي(٧): يَعنِي: العَرفَ الرِّيحَ. من (ح). (١) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٣) (٥) البخاري (٢٧٩٧). (٢) من الأصل، (ح). (٤) ما بين المعكوفين ليس في (ش). (٦) في (ك٢، ح، ش): ((أن)). القائل هو: عبد الله بن أحمد. ينظر: مسند أحمد (٣١٧/٢). (٧) = ١٠٠ 3 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فیه (١٩٩/٧م) فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه من الطَّرِيقِ الأولى (١): البخارِيُّ(٢) من طَرِيقِ مَالِكِ. ومُسلِمٌ من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَينَةَ. كِلَاهمَا، عن أبي الزِّنَادِ، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: البخارِيُّ(٣) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ المُبارَكِ. ومُسلِمٌ من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ. كِلَاهِمَا عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هريرةَ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: (لَا يُكلَمُ))، بِضَمِّ اليَاءِ وإسكَانِ الكَافِ وفَتحِ اللامِ مُخَفَّفَةً؛ أي: لَا يُجرَحُ، والكَلِمُ: بِفَتَحِ الكَافِ وإسكَانِ اللامِ، الجُرحُ (٤) . ■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((والله أعلَمُ بِمَن يُكلَمُ في سَبيلِه))، جُملَةٌ مُعتَرِضَةٌ، نَبَّهَ بها على الإخلاصِ في الغَزوٍ، وأنَّ الثَّوابَ المَذكُورَ فيه إنَّمَا يَكُونُ(٥) لِمَن أخلَصَ فيه وقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هيَ العُليا(٦). الزَّابِعَةُ: قَولُه: ((يَثْعَبُ))، بِفَتحِ اليَاءِ وإِسكَانِ الثَّاءِ المُثَلََّةِ وفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، مَعنَاه: يَجرِي مُتَفَجِرًا (٧) كَثِيرًا، وهو بِمَعنَى قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: (تَفَجَّرُ دَمًّا))، وهو بِفَتح الجِيم وتَشدِيدِها، وأصلُه: تَتَفَجَّرُ(٨) فَحُذِفَت إحدَى التَّاءَينِ تَخفيفًا(٩). ■ الخَامِسَةُ: قَولُه في الرُّوايَةِ الثَّانِيَةِ: ((كُلُّ كَلم يُكلَمُه المُسلِمُ))، مُخَصِّصٌ لِقَولِه في الرِّوايَةِ الأولى: ((أحَدٌ) (١٠)، فان أرِيدَ بِالمُسلِّمِ الكَامِلُ الإسلامِ، فَهو لَا يَكُونُ كَلِمُه إلا في سَبيلِ الله، ولهذا لَم يُذكَر في الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ. قَولَه: ((والله أعلَمُ بِمَن يُكلَمُ في سَبيلِه))، وقَولُه: (ثُمَّ تَكُونُ)) هو بِالتَّاءِ المُثَنَّةِ في (ح): ((الأول)). (١) البخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٠٥/١٨٧٦). (٢) (٣) البخاري (٢٣٧)، ومسلم (١٠٦/١٨٧٦). شرح النووي على مسلم (٢١/١٣). (٤) (٦) شرح النووي على مسلم (٢٢/١٣). (٨) في (ح، ش): ((ينفجر)). (١٠) ليس في (ش). (٥) في (ش): ((هو)). (٧) في (م): ((منفجرًا)). (٩) شرح النووي على مسلم (٢٢/١٣).