النص المفهرس
صفحات 61-80
= القَضِيَّةِ(١) كَانَت بِمَكَّةَ، وكَانَ أبو سُفيَانَ حَاضِرًا بها، وشَرطُ القَضَاءِ على الغَائبِ: أن يَكُونَ غَائِبًا عن البَلَدِ، أو مُستَتِرًا لَا يُقدَرُ عَلَيه، أو مُتَعَذرًا(٢)، ولَم يَكُن هذا الشَّرطُ في أبي سُفيَانَ مَوجُودًا، فَلَا يَكُونُ قَضَاءً على (٣) الغَائبِ، بَل هو إفتَاءٌ، وفي كَونِ إذنِه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في هَذِهِ القَضِيَّةِ(٤) إفتَاءً أو قَضَاءً وجهانِ لِأصحَابِنَا أصَحُّهمَا: أنَّه إفتَاءٌ. انتَهَى. وكَلَامُ الرَّافِعِيِّ في غَيرِ مَوضِعٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَكِنَّه قال في الفَضَاءِ في الغَائبِ، واحتَجَّ الأصحَابُ على أبي حَنِيفَةَ تَُّ في مَنعِه القَضَاءَ على الغَائبِ بِقَضِيَّةِ هندٍ، وكَانَ ذَلِكَ(٥) قَضَاءً منه (١٧٥/٧م) على زَوجِها أبي سُفيَانَ وهو غَائبٌ. انتَھَی. والجُمهورُ على القَضَاءِ على الغَائبِ، وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ إلَّا أنَّ عن مَالِكٍ قَولَينٍ في الحُكمِ عَلَيه في الرِّبَاعِ، ثُمَّ إِنَّ القَضَاءَ على الغَائِبِ إِنَّمَا يَكُونُ في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، ولا يُقضَى عَلَيه في حُقُوقِ الله تعالى، وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وسَائرُ الكُوفيينَ إلى أنَّه لَا يُقْضَى عَلَيه بِشَيءٍ. السَّابِعَةَ عَشرَ: اسْتَدَلَّ به(٦) أيضًا البخارِيُّ والخَطَّابي على أنَّه يَجُوزُ [١٨٦/٢ و] لِلقَاضِي أن يَحْكُمَ بِعِلمِه بِنَاءً على أنَّه قَضَاءٌ، قال: وذَلِكَ أنَّه لَم يُكَلِّفها البَيِّنَةَ فيمَا اذَّعَته من ذَلِكَ؛ إذ كَانَ قَدَ (٧) عَلِمَ رسولُ اللهِوَّهُ مَا بَيْنَهَمَا من الزَّوجِيَّةِ، وأنَّه كَانَ كَالمُستَفيضِ عِندَهم بُخلُ أبي سُفيَانَ(٨). انتَهَى. والأظهَرُ من قَولَي الشَّافِعِيِّ (٩): جَوازُ القَضَاءِ بِالعِلمِ في غَيرِ حُدُودِ الله تعالى. (١) في (ك٢، ح): ((القصة)). في الأصل، (م، ح، ش): ((متعززًا)). والمثبت كما في شرح النووي. (٢) (٣) في الأصل: ((عن)). (٤) في (ك٢، ح): ((القصة)). (٥) ليست في (ش). (٦) لیس في (ك٢، ح، ش). (٧) لیس في (ش). معالم السنن (١٦٧/٣)، وإكمال المعلم (٥٦٥/٥). (٨) ينظر: جامع الأمهات (ص٤٦٤، ٤٦٥)، وروضة الطالبين (١٥٠/٨). (٩) بَابُ النَّفقاتِ ٦١ = ٦٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والأشهَرُ عن أحمَدَ: مَنعُه إلَّا في عَدَالَةِ الشُّهودِ وجَرحِهم. وقال المَالِكِيَّةُ: لَا يَحْكُمُ بِعِلمِهِ مُطلَقًا إلَّا أن يَكُونَ بَعدَ الشُّرُوع في المُحَاكَمَةِ، فَفيه قَولَانِ. فَلَو حَكَمَ بِعِلمِه في غَيرِهِ، فَفي فَسخِه قَولَانِ. وأمَّا مَا أقَرَّ به في مَجلِسٍ الخُصُومَةِ، فَحَكَمَ به فَلَا يُنقَضُ، فَلَو أنكَرَ بَعدَ إِقِرَارِهِ: فقال مَالِكٌ وابنُ القَاسِمِ: لَا يَحكُمُ بِعِلمِه. وقال ابنُ المَاجِشُونِ وسَحنُونٌ: يَحكُمُ. فَلَو أنكَرَ بَعدَ أن حَكَمَ لَم يُفِده على المَشهورِ. ومن العَجبِ جَمعُ البخارِيِّ والخَطَّابي وغَيرِهِمَا بَينَ(١) هذا الاستِدلَالِ والذي قَبلَه، وبَينَ الاِستِدلَالِ به على مَسألَةٍ الَّفَرِ. [ولا يمكن جمع ذلك؛ لأن الاستدلال به على مسألة الظفر](٢) لَا يَكُونُ إلَّا على الفَتوى، وهَذَانِ الاِستِدلَالان(٣) على القَضَاءِ والجَمعِ بَينَهمَا مُتَعَذَّرٌ، والله أعلمُ. ■ الثَّامنةَ عَشرَ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤): فيه أنَّ المَرأةَ لَا يَجُوزُ لَها أن تَأخُذَ من مَالِ زَوجِها شَيئًا بِغَيرِ إذنِهِ، قَلَّ ذَلِكَ أو كَثُرَ. قال: وهذا لَا يُختَلَفُ فيه . قُلتُ: لَكِن(٥) لَا يَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الإذنُ الصَّرِيحُ، فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فيمَا تَقُومُ القَرَائنُ على المُسَامَحَةِ فيه (٦) . ■ (التَّاسِعَةَ عَشرَةً): فيه جَوازُ خُرُوجِ المَرأةِ من بَيتِها لِحَاجَتِها إِذَا أُذِنَ لَها زَوجُها في ذَلِكَ أو عَلِمَت رِضَاه به(٧) . ليس في (ك٢، ح، ش). (١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (٢) (م). (٣) في الأصل، (م): ((الاستدلال)). (٤) المفهم (١٦٢/٥). (٥) ليست في (ش). (٦) في الأصل، (م): ((به)). ينظر: إكمال المعلم (٥٦٥/٥)، وشرح النووي على مسلم (٨/١٢). (٧) بَابُ النَّفقاتِ ٦٣ الحديثُ الثَّانِي وعنُ هَمَّام، عن أبي هرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((اليَدُ العُليا خَيْرٌ من اليَدِ (٧/ ١٧٦م) السُّفلى، وابدَأْ بِمَن تَعُولُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ، وأبو دَاوُدُ(١)، والنسائيُّ(٢) من طَرِيقٍ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هرَيرَةَ، بلفظ: ((أفضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرََكَ غَنِيٌّ، واليَدُ العُليَا خَيرٌ من اليَدِّ السُّفلى، وابدَأْ بِمَن تَعُولُ، تَقُولُ المَرأةُ: إمَّا أن تُطْعِمَنِي [وإما أن تُطَلِّقَنِي](٣)، ويَقُولُ(٤) العَبدُ(٥): أطعِمِنِي واستَعمِلنِي، ويَقُولُ الابنُ: أُطعِمِنِي، إلى مَن تَدَعُنِي؟ فقالوا: يَا أَبَا هرَيرَةَ سَمِعتَ هذا من رسولِ الله وَلا؟ قال: لَا، هذا من كَيسٍ أبي هرَيرَةَ)). لَفظُ البخارِيِّ، ولَم يَذْكُر أبو دَاوُد المَوقُوفَ. وأخرَجَه النسائيّ(٦) من رِوايَةٍ زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ، وفيه: فَسُئلَ أبو هرَيرَةَ: مَن يَعُولُ يَا أَبَا هِرَيرَةَ؟ قال(٧): امرَأْتُك تَقُولُ: أنفِقِ عَلَيَّ أو طَلِّقْنِي، وعَبدُك يَقُولُ: أطعِمِنِي واستَعمِلنِي، وابنُك يَقُولُ: إلى من تَذَرُنِي(٨). وفي رِوايَةٍ لَه (٩) من هذا الوجه رَفَعَ ذَلِكَ، ولَفُهُ: فَقِيلَ: مَن أعُولُ يَا رسولَ الله؟ قال: ((امرَاتُك مِمَّن تَعُولُ تَقُولُ: أطعِمِنِي وإِلَّ فَارِقِي؛ خَادِمُك يَقُولُ: أطْعِمِنِي واستَعمِلنِي، وولَدُك (١٠) يَقُولُ: إلى مَن تَترُكُنِي)) (١١). (١) لیس في (ك٢، ح، ش). البخاري (٥٣٥٥)، وأبو داود (١٦٧٦)، والنسائي في الكبرى (٩٢٠٩). (٢) (٣) ليس في الأصل. وفي (م): ((أو تطلقني)). (٤) في (ح، ك٢): ((تقول)). (٦) (٨) النسائي في الكبرى (٩٢١٠). في (ك٢، ح): ((تردني)). (١٠) في (ح): ((وابنك)). (٥) ليس في (ك٢، ح). (٧) في الأصل، (م): ((فقال)). (٩) لي في (ك٢، ح). (١١) في (ح): ((تردني)). وكرر بعده من أول قوله: ((وفي رواية من هذا الوجه). إلى ((إلى من تتركني)). ٦٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ وأخرَجَ [مُسلِمٌ، و](١) التِّرمِذيُّ (٢): الجُملَتَينِ اللَتَينِ رَوينَاهمَا خَاصَّةً في أثنَاءِ حَدِيثٍ من طَرِيقٍ فَيسٍ بنِ أبي حَازِمٍ(٣)، عن أبي هُرَيرَةَ. وأخرَجَه البخارِيُّ(٤) أيضًا من طَرِيقِ عبدِ الرَّحمَنِ بنِ خَالِدِ بنِ مُسَافِرٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن ابنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هَرَيْرَةَ، بلفظِ: ((خَيرُ(٥) الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عن (٦) ظَهرٍ غِنَّى، وابدَأْ بِمَن تَعُولُ)). ■ الثَّانِيَةُ: تَقَدَّمَ الكَلَامُ على الجُمْلَةِ الأولى في كِتَابِ الزَّكَاةِ. وأمَّا قَولُه: ((وابدَأْ بِمَن تَعُولُ)) فَمَعنَاه: بِمَن تَمُوذُ، ويَلزَمُك نَفقتُه من عِيَالِك، فَإِن فَضَلَ شَيءٌ فَلَيَكُن لِلأَجَانِبِ، يُقَالُ: عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَه، (١٧٧/٧م) يَعُولُهم وأَعَالَهم، وعَيَّلَهم: إِذَا قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيه من قُوتٍ وكِسوةٍ وغَيرِهمَا. قال في ((المُحكَم))(٧): وعِيَالُ الرَّجُلِ الذينَ (٨) يَتَكَفَّلُ بهم. وقال فِي ((المَشَارِقِ))(٩): هم مَن يَقُوتُهُ الإنسَانُ من ولَدٍ وزَوجَةٍ. ■ الثَّالِثَةُ: فيه إِيجَابُ النَّفقةِ على العِيَالِ، وفيه تَقدِيمُ نَفقةِ نَفسِه وعِيَالِه لِأَنَّها مُنحَصِرَةٌ فيه بِخِلَافِ نَفقةٍ غَيرِهم، وفيه الابتِدَاءُ بِالأهَمِّ فَالأَهَمِّ في (١٠) الأمُورِ الشَّرعِيَّةِ(١١). الزَّابِعَةُ: تَرجَمَ النسائيّ في ((سُنَّتِه)) بَعدَ رِوايَةِ هذا الحديثِ على تَفْسِيرِهِ، وأورَدَ فيه حَدِيثَ ابنِ عَجلَانَ(١٢)، عن سَعِيدٍ [٢/ ١٨٦ ظ] المَقْبُرِيِّ، عن أبي هرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّهِ: (تَصَدَّقُوا))، فقال رَجُلٌ: يَا رسولَ الله، عِندِي دِینَارٌ. قال: ((تَصَدَّق به على نَفسِك)). قال: عِندِي آخَرُ. قال: ((تَصَدَّق به على زَوجَتِك)). (٢) مسلم (١٠٦/١٠٤٢)، والترمذي (٦٨٠). ليس في (ك٢، ح). (١) (٣) في (ش): ((خازم)). في (ك٢، ح): ((الشيخان)). والحديث أخرجه البخاري (٥٣٥٦). (٤) (٥) ليس في (ك٢، ح، ش). (٦) في الأصل، (ش، م): ((على)). والمثبت كما في البخاري. (٧) المحکم (٢٤٥/٢). (٩) مشارق الأنوار (٨٦/٢، ١٣٧). (١١) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧، ١٢٦). (٨) في (ك٢، ح): ((الذي)). (١٠) في (ش): ((من). (١٢) النسائي (٢٥٣٤)، وابن حبان (٣٣٣٧، ٤٢٣٥). بَابُ النَّفقاتِ ٦٥ = قال: عِندِي آخَرُ. قال: ((تَصَدَّق به على ولَدِك)). قال: عِندِي آخَرُ. قال: ((تَصَدَّق به على خَادِمِك)). قال: عِندِي آخَرُ. قال: ((أنتَ أبصَرُ)). ورواه ابنُ حِبَّانَ في (صَحِيحِه)) هَكَذَا، ورَواه أبو دَاوُد، وابنُ حِبَّانَ أيضًا (١)، والحَاكِمُ في (مُستَدرَكِه))(٢)، وصَحَّحَه، بِتَقدِيم الولَدِ على الزَّوجَةِ. وقال الخَطَّابي(٣) في الكَلَام عَلَيه: هذا الثَّرتِيبُ إذَا تَأْمَّلته عَلِمت أنَّهِ وَهِ قَدَّمَ [الأولى فَالأولى](٤)، والأقرَبَ فَالأقرَبَ، وهو أنَّه أمَرَه أن يَبدَأْ بِنَفسِه ثُمَّ بِولَدِه؛ لِأَنَّ الولَدَ کَبُضعِه(٥)، فَإِذَا ضَيَّعَه هَلَكَ ولَم يَجِد من يَنُوبُ عنه في الإنفَاقِ عَلَيهِ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِالزَّوجَةِ، وأخرَها(٦) عن دَرَجَةِ الولَدِ؛ لِأَنَّه إذَا لَم يَجِد مَا يُنفِقِ عَلَيها(٧) فَرَّقَ بَينَهمَا، وكَانَ لَها مَن يَمُونُها من زَوجِ أو ذِي رَحِمٍ تَجِبُ نَفْقتُها عَلَيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَادِمَ لِأَنَّه يُبَاعُ عَلَيه إذَا عَجَزَ عن نَفقتِهِ. وقال والِدِي تَخْتُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): وإذا قَد اختَلَفَت الرّوايتَانِ، وكِلَاهمَا من رِوايَةِ ابنِ عَجلَانَ، عن المَقبُرِيِّ، عن أبي هرَيرَةَ، فَيُصَارُ إلى التَّرجِيحِ، وقَد اختُلِفَ على حَمَّدِ بنِ زَيدٍ، فقدَّمَ السُّفيَانَانِ، وأبو عَاصِمِ النبيلُ، ورَوحُ بنُ القَاسِمِ عن حَمَّادٍ (٨) ذِكرَ الولَدِ على الزَّوجَةِ، وهيَ رِوايَةُ الشُّافِعِيِّ في ((المُسنَدِ))(٩)،َ وأبي دَاوُد، والحَاكِمِ في ((المُستَدرَكِ))، وصَحَّحَه، وقَدَّمَ(١٠) الليثُ، ويَحْيِى القَطَّانُ، عن حَمَّادٍ: الزَّوجَةَ على الولَدِ. وهيَ رِوايَةُ النسائيّ، وعِندَ ابنِ حِبَّانَ، والبَيهَقِيِّ(١١) ذَكَرَ الرِّوايَتَينِ مَعًا، وهذا يَقْتَضِي (١٢) تَرجِيحَ رِوايَةَ تَقدِيمِ الولَدِ على الزَّوجَةِ. انتَهَى. ليس في الأصل، (م). (١) (٢) أبو داود (١٦٩١)، وابن حبان (٤٢٣٥)، والحاكم (٤١٥/١). (٣) معالم السنن (٨١/٢). في (ك٢، ش، ح): ((كبعضه)). وهي المثبت بمعنى، وفي (م): ((كبضعته)). (٥) (٦) في الأصل، (م): ((وأخرجها)). (٧) في (ك٢، ح): ((علیه)). (٩) مسند الشافعي (١٢٠/٢/ح ٢٠٩ - شفاء). (٨) بعدها في (ش): (كما)). (١٠) ليس في (ك٢، ح). (١١) السنن الكبرى (٤٦٦/٧، ٤٧٧)، وتقدمت رواية ابن حبان. (١٢) في (ح): ((مقتضي)). (٤) في (ك٢، ح): ((الأول فالأول)). ٦٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والذي أطبَقَ عَلَيه أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا (١٧٨/٧م) قاله الرَّافِعِيُّ، والنَّووِيُّ(١): تَقدِيمُ الزَّوجَةِ على الولَدِ؛ لِأنَّ نَفقتَها أكَدُ فَإنَّها لَا تَسقُطُ بِمُضِيٍّ الزَّمَانِ ولَا بِالإِعسَارِ، ولِأنَّها وجَبَت عِوضًا، لَكِن اعتَرَضَه إمَامُ الحَرَمَينِ (٢) بِأنَّ نَفْقْتَها(٣) إِذَا كَانَت كَذَلِكَ كَانَتِ كَالدُّيُونٍ، ونَفقةُ القَرِيبِ في مَالِ المُفلِسِ تُقَدَّمُ على الدُّيُونِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ (٤) احتِمَالًا في تَقدِيمِ القَرِيبِ، وأيَّدَه بهذا الحديثِ. وهو وجهٌ حَكَاه المُتَولِّي في ((الثَّتِمَّةِ)): أنَّ نَفقَةَ الولَدِ الطّفلِ تُقَدَّمُ على نَفقةِ الزَّوجَةِ. وقَد عَرَفتَ أنَّ الخَطَّابِي مَشَى عَلَيه(٥) في شَرحِ هذا الحديثِ، وعَلَّلَه بِمَا سَبَقَ، والله أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: قَدْ يَدخُلُ فِي قَولِهِ: ((وابدَأْ بِمَن تَعُولُ)): كُلَّ مَن يَمُونُه الإنسَانُ، وإن لَم تَكُن نَفقتُه واجِبَةً عَلَيه، ويُوافِقُه تَفْسِيرُ صَاحِبٍ ((المُحكَم)» العِيَالَ، ويُوافِقُه كَلَامُ الشَّيخِ الإمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبكِيّ في قَسمِ الصَّدَقَاتِ؛ فَإِنَّه قال: الظَّاهرُ أنَّ المُرَادَ بِالعِيَالِ مَن تَلزَمُه نَفقتُه، ومَن لَا تَلزَمُه مِمَّن تَقْتضِي(٦) المُرُوءَةُ والعَادَةُ بِقِيَامِه(٧) بِنَفقتِهِم مِمَّن يُمكِنُ صَرفُ الزَّكَاةِ إلَيه من قَرِيبٍ حُرِّ وغَيرِهِ، وكَذَا الزَّوجَةُ؛ لِأَنَّ نَفقتَها آكَهُ(٨)، وإن كَانَت دَينًا فَإِنَّها تَجِبُ يَومًا فَيَومًا، ولَو جُعِلَت من سَهمِ الغَارِمِينَ فَفي (٩) تَميِيزِ نَصِيبها منه ونَصِيبه من سَهم المَسَاكِينِ عُسرٌ أو خِلَافٌ في الأخذِ بِصِفَتَينٍ، وفي إفرَادِ كُلِّ بِالصَّرفِ من غَيْرِ تَبِعِيةِ (١٠) ◌ُسرٍ حَتَّى لَو كَانَت مِسكِينَةً، ولَها وَلَدٌ لَو كَانَت مُوسِرَةً لَزِمَها نَفقتُه فَهو من عِيَالِها . السَّادِسَةُ: قَد يُستَدَلُّ به على تَحرِيمِ الإِيثَارِ بِقُوتِه أو قُوتِ عِيَالِهِ؛ لِمَا في ذَلِكَ من مُخَالَفَةِ أمرِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِالبَدَاءَةِ بِمَن يَعُولُ، وأقوى [من روضة الطالبين (٦/ ٥٠٠). (١) في (ك٢، ح): ((نفقتهما)). (٣) (٥) في الأصل، (م): ((عليها)). (٧) في (ك٢، ح): ((قيامه)). في (ك٢، ح): ((بقي)). (٩) (٢) نهاية المطلب (٥٣٦/١٥ - ٥٣٧). (٤) في الأصل، (م): ((لذلك)). (٦) في (م): ((تقضي)). (٨) ليست في (ك٢، ح، ش). (١٠) في (ك٢، م): ((تبعة)). بَابُ النَّفقاتِ ٦٧ = ذَلِكَ](١) في الدَّلَالَةِ على هذا قَولُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((كَفَى بِالمَرِهِ إثمًّا أن يُضَبِّعَ مَن يَقُوتُ))(٢)، وهو الذي صَحِّحَه النَّووِيُّ في ((شَرح المُهَذَّبِ))، لَكِن(٣) صَخَّحَ في ((الزَّوضَةِ)) (٤): جَوازَ الإيثَارِ بِقُوتِه دُونَ قُوتِ عِيَالِه. قال في ((شَرِحِ المُهَذَّبِ)): ولَا يُشتَرَطُ في جَوازِ الضِّيَافَةِ الفَضلُ عن نَفقتِه ونَفقةِ عِيَالِهِ، لِتَأُّدِهَا وكَثرَةِ الحَثِّ عَلَيها. قال: ولَيسَت الضِّيَافَةُ صَدَقَةً، واستَدَلَّ على ذَلِكَ بِحَدِيثٍ الأنصَارِيِّ الذي نَزَلَ به الضَّيفُ فَأْطِعَمَه قُوتَ صِبِيَانِه(٥) [٢/ ١٨٧ و]، لَكِنَّه خَالَفَ ذَلِكَ في ((شَرحِ مُسلِم)) فقال: لَا يَجُوزُ؛ لِأنَّها غَيرُ واجِبَةٍ. وأجَابَ عن الحديثِ المَذكُورِ بِحَملِه علىَّ أنَّ الصِّبَيَانَ لَم يَكُونُوا مُحتَاجِينَ لِلأكلِ، وإِنَّمَا طَلَبوه على عَادَةِ الصِّبَانِ في الطَّلَبِ من غَيرِ حَاجَةٍ (٦)، والله أعلمُ. ليس في (ك٢، ح، ش). (١) أحمد (١٦٠/٢)، وأبو داود (١٦٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو. (٢) (٣) في (ك٢، ح): «لکنه)). في (ك٢، ح): ((الزوجة))، وينظر: روضة الطالبين (٤٨٩/٦). (٤) أخرجه البخاري (٣٧٩٨، ٤٨٨٩)، ومسلم (١٧٣/٢٠٥٤) من حديث أبي هريرة نظُه. (٥) شرح النووي على مسلم (١٢/١٤)، والمجموع شرح المهذب (٢٣٥/٦) ط. دار (٦) الفكر. كِتَّابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ ٦٩ (١٧٩/٧م) كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ الحديثُ الأولُ عن هَمَّام، عن أبي هرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لَا أَزَالُ أقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّىِّ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فقد عَصَمُوا مني (١) وأموالَهم وأنفُسَهم إلَّا بِحَقُّها، وحِسَابُهم عَلى الله)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمٌ، والنسائيُّ(٢) من طَرِيق يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ. وأخرَجَه مُسلِمٌ، وأصحَابُ ((السُّنَنِ الأربَعَةُ))(٣) من طَرِيقِ الأعمَشِ، عن أبي صَالِحٍ، كِلَاهِمَا، عن أبي هَرَيرَةَ، بلفظ: ((أمِرتُ أن أُقَاتِلَ)). وأخرَجَه مُسلِمٌ(٤) من طَرِيقِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَعقُوبَ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرَةَ، بلفظ: ((أمِرتُ(٥) أَقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أن لَا إِلَهَ إِلَّ الله ويُؤمنوا بي، وبِمَا جِئت به، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا)) (٦) الحديثَ. وأخرَجَه الأئمّةُ الخَمسَةُ(٧)؛ من طَرِيقِ عُبَيدِ الله بنِ عَبدِ الله بنِ عُتِبَةَ بنِ بعدها في (م): ((دماءهم) . (١) (٢) مسلم (٣٣/٢١)، والنسائي (٣٠٩٠). (٣) مسلم (٣٥/٢١)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦)، وابن ماجه (٣٩٢٧)، والنسائي (٣٩٨٦). (٤) مسلم (٣٤/٢١). ليست في رواية مسلم، وبعدها في (ك٢، ح، ش): ((أن)). (٥) (٦) في (ش): ((عصمه)) . البخاري (١٣٩٩، ٦٩٢٤، ٧٢٨٤)، ومسلم (٣٢/٢٠)، وأبو داود (١٥٥٦)، والترمذي = (٧) = ٧٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ مَسعُودٍ، عن أبي هرَيرَةَ، قال: لَمَّا تُوُفي رسولُ اللهِ وََّ، واستُخِلِفَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ بَعدَه، وكَفَرَ مَن كَفَرَ من العَرَبِ(١)، قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ لِأبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ: كَيفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ، وقَد قال رسولُ اللهِ وَّهِ («أمِرتُ أن أَقَائِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّ الله. فَمَن قال: لَا إِلَهَ إلَّا الله، فقد عَصَمَ مني مَالَه ونَفسَه إلَّا بِحَقٌّه، وحِسَابُه عَلى الله)) (٧/ ١٨٠م) الحديثُ. وجَعَلَه النسائيّ(٢) في رِوايَةٍ لَه من حَدِيثِ أبِي هَرَيرَةَ، عن النبيِّ نَّهِ. من غَيرِ ذِكرِ عُمَرَ(٣). وأخرَجَ الشيخانِ(٤). من طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنِ زَيدٍ بن(٥) عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، عن ابنِ عُمَرَ مَرُفُوعًا: ((أمِرتُ أن أُقَائِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشهَدُوا أن لَا إِلَهَ إلَّا الله [وأن محمدًا رسول الله](٦)، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوه عَصَمُوا مني دِمَاءَهم وأموالَهم، وحِسَابُهم عَلى الله))، وزَادَ البخارِيُّ بَعدَ قَولِه: ((وأموالَهم)): ((إلَّا بِحَقِّ الإِسلام)). ■ الثَّانِيَةُ: أمَرَ الله نَبِيه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُقَاتَلَةِ النَّاسِ حَتَّى يَدخُلُوا في الإِسلَامِ فَامتَثَلَ ذَلِكَ، وأخبَرَ عن نَفسِه أَنَّه (٧) لَا (٨) يَزَالُ يَفعَلُه، ولهذا سُمِّيَ نَبي المَلحَمَةِ؛ أي: القِتَالِ، وفيه أنَّ الجِهادَ من أصُولِ الدِّينِ الَّتِي يَجِبُ القِيَامُ بها، فَإِنَّ الأمرَ لَه أمرٌ لِجَمِيع أمَّتِهِ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلى اختِصَاصِه به، وفَائدَةُ تَوجِيه الخِطَابِ إلَيه أنَّه الدَّاعِي إلى الله تعالى، والمُبَيِّنُ عنه مَعنَى مَا أرَادَ، وعَلى هذا جَاءَ قَوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ فَافتَتَحَ الخِطَابَ بِاسمِهِ خُصُوصًا، ثُمَّ خَاطَبَه وسَائرَ أمَّتِهِ بِالحُكمِ عُمُومًا (٩)، واللهُ أعلمُ. (٢٦٠٧)، والنسائي (٢٤٤٢، ٣٠٩١، ٣٠٩٢، ٣٩٨٠، ٣٩٨١، ٣٩٨٣)، وفي الكبرى = (٣٤٣٣). بعدها في (ش): ((بعده)). (١) (٢) المجتبى (٣٠٩٥)، وفي الكبرى (٣٤١٩). (٣) في (ح): ((عمہ)). (٤) البخاري (٢٥)، ومسلم (٣٦/٢٢). (٥) في (م): ((عن)). ليس في الأصل، (م). وهو مثبت في مصادر التخريج. (٦) (٧) في الأصل، (م): ((لأنه)). (٩) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠٤/١). (٨) في (ح، ش): ((لن)). ٧١ كِتَابُ الجنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ = ■ الثَّالِثَةُ: اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ عَلى أنَّ غَايَةَ القِتَالِ قَولُ: لَا إِلَهَ إِلَّ الله. فَظَاهِرُه الإِكتِفَاءُ بِذَلِكَ في حُصُولِ الإسلامِ، وإن لَم يَضُمَّ إِلَيه شَيئًا، وبه قال بَعضُ(١) أصحَابِنَا، فقال: يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسلِمًا، ويُطَالَبُ بِالشَّهادَةِ الأخرَى، فَإن أبَى جُعِلَ مُرتَدًّا، وخَصَّ (٢) بَعضُهم ذَلِكَ بِالوثَنِيِّ والمُعَطِّلِ؛ لِأَنَّه أقَرَّ بِمَا كَانَ يَجحَدُه. وحَكَى إمَامُ الحَرَمَينِ (٣) ذَلِكَ عن المُحَقِّقِينَ: أنَّ مَن أتَى من الشَّهادَتَينِ بِكَلِمَةٍ تُخَالِفُ مُعتَقَدَه حُكِمَ بِإسلَامِه، وإن أتَى منهمَا بِمَا يُوافِقُه، لَم يُحكَم بِإِسلَامِه، فقال في الوثَنِيِّ والمُعَطِّلِ مَا تَقَدَّمَ، وقال في اليَهودِيِّ: إذَا قال: مُحَمَّدٌ رسولُ الله حُكِمَ بِإِسلَامِه، قال: واختَلَفُوا في أنَّ اليَهودِيَّ، أو النَّصرَانِيَّ إذَا اعتَرَفَ بِصَلَاةٍ تُوافِقُ مِلَّتَنَا، أو حُكمٍ يَختَصُّ بِشَرِيعَتِنَا هَل يَكُونُ ذلِكَ (٤) إِسلامًا (٥)؟ قال: ومَيلُ مُعظَم المُحَقِّقِينَ إلى كَونِه إسلامًا. وعن القَاضِي حُسَينٍ في ضَبطِه أنَّه قال: كُلُّ مَا كَفَرَ المُسلِمُ بِجَحدِه كَانَ الكَافِرُ [١٨٧/٢ظ] المُخَالِفُ لَه مُسلِمًا بِعَقدِهِ، ثُمَّ إن كَذَّبَ غير (٦) مَا صَدَّقَ به كَانَ مُرتَدًّا. وقال أصحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: إِنَّمَا وَرَدَ هذا الحديثُ في العَرَبِ، وكَانُوا عَبَدَةً أوثَانٍ لَا يُوحِّدُونَ، فَاختَصَّ هذا الحُكمُ بهم، وبِمَن(٧) كَانَ في مِثلِ حَالِهم. والذي عَلَيه جُمهورُ العُلَمَاءِ من أصحَابِنَا وغَيرِهم: أنَّه لَا يَصِيرُ مُسلِمًا إلَّا بِنُطقِه بِالشَّهَادَتَينِ. وأجَابوا عن هذا الحديثِ: بِأَنَّ [فيه اختِصَارًا](٨)، [وحَذفًا](٩) دَلَّ عَلَيه قَولُه (٧/ ١٨١م) في الرِّوايَةِ الأخرَى من حَدِيثِ أبي هُرَيرَةَ رَله أيضًا: ((ويُؤمنوا(١٠) بي وبِمَا جِئت به)). والحديثُ إذَا جُمِعَت طُرُقُهُ تَبَيَّنَ المُرَادُ منه، ولَيسَ لَنَا أن نَتَمَسَّكَ بِرِوايَةٍ ونَتْرُكَ (١١) بَقِيَّةَ الرِّوايَاتِ، والنبيُّ وََّ لَم يَخُصَّ بِذَلِكَ العَرَبَ ومَن كَانَ مِثْلَهم، بَل ذَكَرَه ليست في (ش). (١) نهاية المطلب (٥٢٦/١٤، ٥٢٧). (٣) (٥) في الأصل، (م): ((مسلمًا». (٦) ليست (ك٢، ح، ش، م). وينظر: روضة الطالبين (٢٥٨/٦). (٧) في (ح): ((وممن)). (٨) بياض في (ك٢، ح). (١٠) في (ش): ((وتؤمنوا)). في (ح): ((أو حد ما)). (٩) (١١) في (ح): ((ومترك)). (٢) في (ك٢، ح): ((وأخص)). (٤) في الأصل، (م): ((بذلك)). = ٧٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ شَرعًا عَامًّا في حَقُّ (١) كُلِّ أحَدٍ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيضًا قَولُه في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، وهو في ((الصَّحِيحَينِ)) كَمَا تَقَدَّمَ: ((حَتَّى يَشِهَدُوا أن لا إلَهَ إِلَّ الله، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله، ويُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ)). واستَغنَى في هَذِهِ الرِّوايَةِ بِذِكرِ إحداهما(٢) عن الأخرَى؛ لِارتِبَاطِهمَا وشُهرَتِهِمَا. وفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ في بَعضٍ المَواضِعِ الإسلامَ: بِالشَّهادَتَينِ، والبَرَاءَة(٣) من كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الإِسلَامَ(٤)، فَأَخَذَ بَعضُهم بِظَاهِرِهِ، واشتَرَطَ ذَلِكَ، وحَمَلَه أكثَرُهم عَلَى كَافِرٍ يَعتَرِفُ بِأَصلِ رِسَالَةٍ نَبِينًا عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ كَقَومٍ من اليَهودِ(٥) يَقُولُونَ: إنَّه مُرسَلٌ إلى العَرَبِ خَاصَّةٌ، فَهؤلاء لا بُدَّ فِي حَقِّهم من البَرَاءَةِ بِخِلَافِ غَيرِهم، وقَد نَصَّ الشَّافِعِيُّ في مَوضِعِ آخَرَ عَلى هذا التَّفْصِيلِ(٦). الرَّابِعَةُ(٧): استَدَلَّ بهذا الحديثِ ومَا كَانَ مِثْلَه: الكَرَّامِيَّةُ وبَعضُ المُرجِئَةِ عَلى أنَّ الإِيمَانَ هو الإقرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقدِ القَلبِ؛ لِأَنَّه عَلَيه الصَّلَاةُ والسَّلامُ لَم يُعتَبَر سِوى ذَلِكَ. وجَوابُ الجَمَاعَةِ عنه(٨): أنَّه إِنَّمَا عَلَّقَه بِالقَولِ: لِنَّه الذي يَظهَرُ وتُرَتَّبُ عَلَيه الأحكامُ. وأمَّا الاعتِقَادُ بِالقَلبِ، فَلَا سَبِيلَ لَنَا إلى مَعرِفَتِهِ، لَكِنَّه لَا يَصِيرُ فِي البَاطِنِ مُسلِمًا بِدُونِهِ، ولَو اعتَرَفَ لَنَا بِاعتِقَادِهِ حَكَمِنَا بِكُفرِهِ، ومن أقوى مَا يُرَدُّ به عَلى هؤلاء: إجمَاعُ الأمَّةِ عَلى إكفَارِ المُنَافِقِينَ، وإن كَانُوا قَد أظهَرُوا الشَّهادَتَينِ: قال الله تعالى: ﴿وَلَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِّْ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قَولِه ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٤، ٨٥]، ومِمَّا يُرَدُّ ليست في (ح). (١) (٢) في الأصل، (م): ((إحداها)). (٣) في (م): ((وبالبراءة)). ينظر: الأم (٢٠٥/١) ط. دار المعرفة، والاستذكار (١٤٦/٢٢)، والتمهيد (٣١٠/٥)، (٤) وروضة الطالبين (٢٥٧/٦، ٣٠١/٧). هنا في حاشية (ش): ((العيسوية)). ينظر: الملل والنحل الشهرستانى (٢٠/٢)، ط. (٥) مؤسسة الحلبي. (٦) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٢١/١). (٧) في (ح): ((الثالثة)). (٨) ليس في (ش). ٧٣ كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ عَلَيهم قَولُه في الرِّوايَةِ الأخرَى في ((صَحِيحِ مُسلِم)): ((ويُؤمنوا(١) بي وبِمَا جِئتُ به))، وأيضًا فَلَفظُ الرِّوايَةِ الأخرَى في ((الصَّحِيحِ)): ((حَتَّى يَشهَدُو))، والشَّهادَةُ لَا بُدَّ فيها من مُواطَأةِ القَلبِ لِلْسَانِ؛ بِدَلِيلِ تَكذِيبِ الله تعالى لِلمُنَافِقِينَ في قَولِهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ [المنافقون: ١](٢). ■ الخَامِسَةُ(٣): فيه حُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ والجُمهورِ عَلى أَنَّ مَن أظهَرَ الإسلَامَ وأسَرَّ الكُفرَ يُقبَلُ إسلَامُه في الظَّاهرِ، وذَهَبَ مَالِكٌ وأحمَدُ، فيمَا حَكَاه عنهمًا الخَطَّابي(٤) إلى أنَّ تَوبَةَ الزِّندِيقِ، وهو الذي يُنكِرُ الشَّرعَ جُمْلَةٌ لَا تُقبَلُ(٥)، وبه قال بَعضُ أصحَابِنَا: [ومعنى عدم قبولها: تحتم قتله (٦)، لكنه إن صدق في توبته، نفعه ذلك في الدار الآخرة. وقال بعض أصحابنا](٧): إن تَابَ مَرَّةً واحِدَةً قُبِلَت تَوبَتُه، وإن تَكَرَّرَ ذَلِكَ (منه لَم) (٨) تُقبَل(٩) (٧/ ١٨٢م). وقال بَعضُهم: إن أسلَمَ ابْتِدَاءً من غَيرِ طَلَبٍ منه [وإن كان تحت السيف فلا. وقال بعضهم: إن كان داعيًا إلى الصلاة لم تقبل(١٠) منه] (١١)، وإلَّا قُبِلَ؛ فَهَذِهِ خَمسَةُ أوجُهٍ لِأصحَابِنَا، والصَّحِيحُ عِندَهم قَبَولُها مُطلَقًا كَمَا(١٢) تَقَدَّمَ. ■ السَّادِسَةُ: حَدِيثُ ابنِ عُمَرَ صَرِيحٌ في قَتلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ ومَانِعِ الزَّكَاةِ، وهو كَذَلِكَ في الجَاحِدِ؛ [لأنَّه كَافِرٌ] (١٣). وأمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا، فَتَقَدَّمَ الخِلَافُ فيه في أولِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وأمَّا تَارِكُ الزَّكَاةِ بُخلَا، فَإِنَّها تُؤْخَذُ منه قَهرًا، في (ش): ((وتؤمنوا)). (١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٤٧/١)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٨٠/١، ٨١). (٢) (٣) في (ح): ((الرابعة)). (٤) معالم السنن (١١/٢)، ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠٦/١، ٢٠٧). (٥) في (ح، ش): ((يقبل)). (٦) في (ك٢): ((قلبه)) . (٧) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (٨) في (ح): ((مسلم)). (٩) في (ح): ((يقبل)). وفي (ش): ((نقبله)). (١٠) في (ح، ش): ((يقبل)). (١١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (١٢) في (ك٢، ح): ((لما)). (١٣) ليس في (ش). = = ٧٤ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ فَإِن امتَنَعَ بِالقِتَالِ قُوتِلَ. وهو مُوافِقٌ لِقَولِه تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوا الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ولِهذا بَوّبَ البخارِيُّ عَلَى هَذِه الْآيَةِ، وأورَدَ هذا الحديثَ لِمُوافقتِهِ لَها، وقال في آيَةٍ أخرَى: ﴿فَإِخْوَنُّكُمْ فِ آلِينٌ﴾ [التوبة: ١١] [١٨٨/٢ و] (١ وحُكِيَ عن أَنَس١ٍ) بنِ مَالِكِ رَهُ أنَّه قال: هَذِه الآيَةُ من آخِرِ مَا نَزَلَ من القُرآنِ. قال ابنُ بَطَّالٍ (٢): فقامَ الدَّلِيلُ الواضِحُ من هاتَينِ الآيَتَينِ عَلى أَنَّ مَن تَرَكَ الفَرَائضَ أو واحِدَةً منها فَلَا يُخَلَى سَبيلُه، ولَيسَ(٣) بِأخ في الدِّينِ، ولَا (٤) يُعْصَمُ دَمُه ومَالُه. قال: ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ والسَّلاَّمُ: ((فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مني دِمَاءَهم وأموالهم إلَّا بِحَقِّها». ■ السَّابِعَةُ(٥): فيه أنَّ الإسلَامَ يَعصِمُ الدَّمَ والمَالَ، وفي مَعنَى ذَلِكَ العِرضُ (٦)، وبهذَا خَطَبَ النبيُّ وََّ فِي حَجَّةِ الودَاعِ فقال: ((إنَّ دِمَاءَكُم وأموالَكُم وأعرَاضَكُم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ))، وقَولُه: ((إلَّا بِحَقِّها))؛ أي: بِحَقِّ الأنفُسِ والأموالِ، بِأن يَستَحِقَّ النَّفسَ لِكَونِها قَتَلَت مُكَافِئًا لَها عَمدًا عُدوانًا، أو المَالَ بِطَرِيقٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَيُؤْخَذُ حِينَئِذٍ مَا استَحَقَّ، ويُستَئنَى ذَلِكَ من عُمُومِ العِصمَةِ، وقَولُه في رِوايَةٍ البخارِيِّ: ((إلَّا بِحَقِّ الإِسلام)). [أي: بحق يقتضي شريعة سفك النفس، أو أخذ المال به، فأضيف الحق تارة إلى الإسلام](٧)؛ لأنَّه مُقتَضَاه ومُوجِبُه، وتَارَةً إلى الأنفُسِ والأموالِ لِتَعَلُّقِه بها . ■ الثَّامنةُ(٨): قَولُه: (وحِسَابُهم عَلى الله))؛ أي: فيمَا يَستَسرُّونَ(٩) به، ويُخِفُونَه دُونَ مَا يُخلُّونَ به في الظّاهرِ من الأحكامِ الواجِبَةِ، فَإِنَّ حَُّامَ(١٠) (١ - ١) مكرر في الأصل. (٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٧٦/١، ٧٧). (٣) في (ك٢، ح، ش): ((فليس)). (٤) في (ح): (لا)). (٦) في (ك٢، ح): ((الفرض)). (٥) في الأصل: ((الثامنة)). ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (٧) (٨) في الأصل: ((التاسعة)). (٩) في (م): ((يستترون)). وفي (ح، س): ((يستنسرون)). (١٠) في (ح): ((أحكام)). ٧٥ كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ = المُسلِمِينَ(١) يُقِيمُونَ ذَلِكَ عَلَيهم، وفيه أنَّ الأحكَامَ تُجرَى عَلى الظَّاهرِ، والله يَتَولَى السَّرَائرَ، ولِهِذا قال النبيُّ وَّهِ: ((إِنِّي لَم أؤْمَر أن أشُقَّ عَلى قُلُوبِ النَّاسِ ولَا عن بُطُونِهِم)). لَمَّا [قال لَه](٢) خَالِدُ بنُ الولِيدِ: كَم من مُصَلِّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيسَ فِي قَلبه! وهو ثَابِتٌ في ((الصَّحِيحِ))(٣). ■ التَّاسِعَةُ: قال النَّووِيُّ(٤): فِي قَولِه في رِوايَةٍ مُسلِمٍ: ((ويُؤمنوا(٥) بي وبِمَا جِئتُ به)): فيه دَلَالَةٌ ظَاهرَةٌ لِمَذهَبِ المُحَقِّقِينَ والجَمَّاهيرِ من السَّلَفِ والخَلَفِ: أنَّ الإنسَانَ إذَا (٧/ ١٨٣م) اعتَقَدَ دِينَ الإسلام اعتِقَادًا جَازِمًا، لَا تَرَدُّدَ فيه كَفَاه ذَلِكَ، وهو مُؤمن من المُوحِّدِينَ، ولَا يَجِبُ عَلَّيِه تَعَلُّمُ أدِلَّةِ المُتَكَلِّمِينَ، ومَعرِفَةُ الله تعالى بها خِلَافًا لِمَن أوجَبَ ذَلِكَ، وجَعَلَه شَرطًا في كَونِه من أهلِ القِبِلَةِ، وزَعَمَ أنَّه لَا يَكُونُ لَه حُكُمُ المُسلِمِينَ إلَّا به. وهو قَولُ كَثِيرٍ من المُعتَزِلَةِ وبَعضِ أصحَابِنَا المُتَكَلِّمِينَ، وهو خَطَأُ ظَاهرٌ؛ فَإِنَّ المُرَادَ التَّصدِيقُ الجَازِمُ، وقَد حَصَلَ، ولِأنَّ النبيَّ وَِّ اكتَفَى بِالتَّصدِيقِ بِمَا جَاءَ به، ولَم يَشتَرِط(٦) المَعرِفَةَ بِالدَّلِيلِ، وقَد تَظَاهَرَت بهذَا أحَادِيثُ في الصَّحِيحِ يُحَصِّلُ(٧) مَجمُوعُها التَّواتُرَ بِأصلِها والعِلمَ القَطْعِيَّ. انتَهَى. العَاشِرَةُ(٨): أوَرَدَه المُصَنِّفُ تَخْتُهُ فِي كِتَابِ الجِنَايَاتِ لِأمرَينِ: أحَدُهَمَا: دَلَالَتُه عَلى أنَّ نَفسَ المُسلِمِ مَعصُومَةٌ، فَتَكُونُ مَضمُونَةٌ(٩)، ويَدخُلُ فِي ذَلِكَ أَحْكَامُ الجِنَايَاتِ، وتَفَاصِيلُها مَعِرُوَفَةٌ . الثَّانِي: دَلَالَتُه عَلى أنَّ العِصمَةَ تَزُولُ بِارتِكَابِ المُسلِمِ مَا يَقْتَضِي الشَّرعُ قَتَلَه به، فَلَا يَكُونُ الجَانِي مَعصُومًا بِالنِّسَبَةِ إلى ولِيِّ الدَّمِ، وتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَعرُوفَةٌ، واللهُ أعلمُ. في (ش): ((الإسلام)). (١) (٢) في (ك٢، ح، ش): ((قاله). (٣) الحديث في صحيح مسلم (١٤٤/١٠٦٤) من حديث أبي سعيد. وينظر: شرح النووي على مسلم (٢١٢/١، ١٦٣/٧). (٤) شرح النووي على مسلم (٢١٠/١، ٢١١). (٥) (٧) في (ش): ((وتؤمنوا)). في (ش): ((تحصل)). في (ك٢): ((مضونة)). (٩) (٦) في (ك٢، ح): ((يشرط)). (٨) في الأصل: ((الحادية عشر)). = ٧٦ 5 طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: المُقَاتَلَةُ إلى غَايَةِ الإسلامِ يُستَئِنَى منه أهلُ الكِتَابِ، فَإِنَّهم يُقَاتَلُونَ إلى إحدَى غَايَتَيْنِ: إِمَّا الإسلامُ، أو بَذلُ(١) الجِزِيَةِ، قال الله تعالى: ﴿حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. 8 الحديثُ الثَّانِي وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَمْشِيَنَّ أحَدُكُم إلى أخِيه بِالسِّلَاحِ؛ فَإِنَّه لَا يَدرِي أحَدُكُم، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ من نَارٍ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: اتَّفق عَلَيه الشيخانِ(٢) من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ،، بلفظِ: (لَا يُشِيرُ)). وأخرَجَ مُسلِمٌ(٣)، وغَيرُه من طَرِيق مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ مَرفُوعًا: ((مَن أَشَارَ إلى أَخِيه بِحَدِيدَةٍ [١٨٨/٢ ظ]؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعنه، وإن (٤) كَانَ (١٨٥/٧م) أخَاه لِأبيه وأمِّه)). ■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: (لَا يَمْشِيَنَّ)). كَذَا ضَبَطْنَاه في أصلِنَا عن(٥) والِدِي ◌َظْتُ من المَشىٍ، والذي في ((الصَّحِيحَينِ)): (لَا يُشِيرُ)) من الإشَارَةِ، وهو المَعْرُوفُ، وكَذَا وقَعَ فيهمَا بِإِثْبَاتِ اليَاءِ مَرفُوعًا، وهو نَهِيٌّ، بلفظِ الخَبَرِ كَقَولِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقَوله تعالى: ﴿وَاُلْوَالِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وهو أبلَغُ وآكَدُ من صِيغَةِ النَّهي، والرِّوايَةُ الأولى إن ثَبَتَت، فَهيَ في (ك٢، ح): ((بدل)). (١) البخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (١٢٦/٢٦١٧). (٢) (٣) مسلم (١٢٥/٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢). في (ك٢، ح): ((ولو)). (٤) (٥) في (م): ((عند)). S ٧٧ كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ بِمَعنَى الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، ورَاجِعَةٌ إلَيها؛ لِأَنَّ المُرَادَ نَهِيُه عن المَشي إلى جِهَتِهِ مُشِيرًا لَه بِالسِّلَاحِ (١). ■ الثَّالِثَةُ: فيه النَّهيُ عن الإشَارَةِ إلى المُسلِمِ بِالسِّلَاحِ، وهو نَهِيُ تَحرِيم؛ فَإِنَّ فِي(٢) الرِّوايَةِ الأخرَى: ((مَن أَشَارَ إلى أَخِيه بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعنه)). ولَعِنُّ المَلَائِكَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَقٍّ، ولَا يَسْتَحِقُّ اللعنَ إلَّا فَاعِلُ المُحَرَّم، ولَا فَرِقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أن يَكُونَ عَلى سَبيلِ الجِدِّ [أو الهَزلِ. وقَد دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَولُه: ((وإن كَانَ أَخَاهُ(٣) لِأبيه وأمّه))؛ فَإِنَّ الإنسَانَ لَا يُشِيرُ إلى شَقِيقِه بِالسِّلَاحِ عَلى سَبيلِ الجِدِّ](٤)، وإنَّمَا يَقَعُ منه معه هَزلًا (٥)، وبِتَقدِيرِ أن يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبيلِ الجِدِّ، فَتَحْرِيمُ ذَلِكَ أغلَظُ من تَحرِيمِ غَيرِهِ، فَلَا يَصِحُ جَعلُه غَايَةً، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرَادَ الهَزلُ، فَأما (٦) تَحرِيمُه عَلى طَرِيقِ الجِدِّ فواضِحٌ(٧)؛ لِأنَّه(٨) يُرِيدُ قَتلَ مُسلِم أو جَرحَه، وكِلَاهِمَا كَبِيرَةٌ، وأمَّا الهَزلُ؛ فَلِأَنَّه تَروِيعُ مُسلِم، وأَذِّى لَه، وذَلِكَ مُحَرَّمٌ أيضًا، وقَد جَاءَ في الحديثِ: (لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا))(٩). ] الزَّابِعَةُ: المُرَادُ أخُوةُ الإسلامِ، ويَلتَحِقُ به الذِّمِّيُّ أيضًا لِتَحرِيمِ أَذَاه، وخَرَجَ الحديثُ مَخرَجَ الغَالِبِ، ودَخَلَ في السِّلَاحِ مَا عَظُمَ منه وصَغُرَ، وهَل تَدخُلُ العَصَا فِي ذَلِكَ؟ فيه احتِمَالٌ؛ لِأَنَّ التَّروِيعَ حَاصِلٌ، وكَذَلِكَ احتِمَالُ سُقُوطِها من يَدِهِ عَلَيه(١٠)، وقَد يُقَالُ (١١): لَا يُرَادُ بِذَلِكَ إلَّا مَا لَه نَصلٌ بِدَلِيلٍ قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((بِحَدِيدَةٍ)) . الخَامِسَةُ: قَولُه: ((يَنزِعُ في يَدِه)). بِكَسرِ الزَّايِ وبِالعَينِ المُهمَلَةِ، ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٠/١٦). (١) (٢) ليس في (ح، ش، ك٢). (٣) في (ش): ((أخيه)). (٤) ما بين المعكوفين ليس في (ح). (٥) في (ح): ((هؤلاء)). (٧) في (م): ((واضح)). (٦) في (م، ك٢): «فإن)». (٨) بعدها في (ح، ك٢): ((لا)). (٩) أخرجه أبو داود (٥٠٠٤). وينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٠/١٦). (١١) لیس في (ح). (١٠) ليس في (ح، ش، ٢٥). = S ٧٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ومَعنَاه: يَرِمِي في يَدِهِ، ويُحَقِّقُ ضَربَتَه كَأَنَّه يَرفَعُ يَدَه، ويُحَقِّقُ إشَارَتَه. والنَّرْعُ: العَمَلُ بِاليَدِ كَالِاسْتِقَاءِ بِالدَّلوِ ونَحوِهِ، وأصلُه الجَذبُ(١) والقَلعُ. قال في ((المَشَارِقِ))(٢): وأصلُ فَعَلَ إذَا كَانَ عَينُه أو لَامُه حَرفَ حَلقِ أن يَكُونَ مُستَقبله كَذَلِكَ (٣) مَفْتُوحًا، ولَم يَأْتِ فِي المُستَقبَلِ مَكْسُورًا(٤) إلَّا يَنْزِعُ ويُهَنِّئُ. قُلتُ: ومِثْلُه يَرجِعُ، ومَا ذَكَرِنَاه من ضَبطِ هَذِه اللفظَةِ هو الذي حَكَاه القَاضِي عِيَاضٌ(٥) عن جَمِيعِ رِوايَاتِ مُسلِمٍ. ونَقَلَه النَّورِيُّ(٦) (١٨٥/٧م) عن نُسَخ بِلادِنَا، وهو المَشهورُ(٧) في رِوايَةِ البخارِيِّ، ورُوِيَ فيه أيضًا: ((يَنزَغُ)) بِفَتحِ الزَّايِ وبَالِغَيْنِ المُعجَمَةِ، وهو كَذَلِكَ فِي رِوايَةِ أبي ذَرِّ الهَرَوِيِّ، ومَعنَاهِ: يَحمِلُه عَلى تَحْقِيقِ ضَربه، ويُزَيِّنُ ذَلِكَ لَه، ونَزُ (٨) الشَّيْطَانِ إغرَاؤُه، وإغواؤُه. ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ(٩): (فَيَقَعُ)). رَوينَاه في ((صَحِيحِ البخارِيِّ) بِالنَّصبِ والرَّفعِ؛ لِكَونِه في جَوابِ التَّرَجِّي(١٠)، وقَد قُرِئَ بهمَا قَوله تعالى: ﴿لَّعَلِّىَ أَبْلُغُ أَسْبَابَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]؛ قَرَأْ حَفصٌ، عن عَاصِمٍ الأَسْبَبَ بِالنَّصبِ؛ والبَاقُونَ بِالرَّفْعِ(١١) . السَّابِعَةُ: يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الحديثُ عَلى ظَاهرِهِ: في أنَّ الشَّيطَانَ يَتعاطَى بيدِهِ جُرحَ(١٢) المُسلِمِ أو (١٣) يُغرِي المُشِيرَ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلى اختلَافِ(١٤) الرِّوايَتَينِ، ويَحتَمِلُ أنَّه مَجَازٌ عَلى طَرِيقة نِسَبَةِ الأشياءِ القَبِيحَةِ المُستَنْكَرَةِ إِلى الشَّيْطَانِ، والمُرَادُ سَبقُ السِّلَاحِ بِنَفْسِه من(١٥) غَيرِ قَصدٍ. في (ح، ش، ك٢): ((الحدب)). (١) (٣) في (ك٢، ح): («لذلك)). (٥) لیس في (ح). إكمال المعلم (٩٦/٨) وشرح النووي على مسلم (١٧٠/١٦، ١٧١). (٦) (٧) في (ك٢، ش): ((مشهور)). (٩) ليست في (ش). (١١) ينظر: النشر (٢٧٣/٢). (١٣) في (ك٢، ح): ((و)). (١٥) في (ك٢، ح): ((عن)). (٢) مشارق الأنوار (٩/٢). (٤) في الأصل: ((مكسور)). (٨) في (ح، ش): ((ونزع)). (١٠) في (ش): ((الترخي)). (١٢) في (ش): ((خرج)). (١٤) في (م): ((خلاف)). 5 ٧٩ كِتَابُ الجِنَايَاتِ والقِصَاصِ والدِّيَاتِ = ■ الثَّامنةُ: فيه تَأُّدُ حُرمَةِ المُسلِم، والنَّهيُّ الشَّدِيدُ عن تَروِيعِه وتَخْوِيفِه، والتَّعَرُّضِ لَه بِمَا قَدْ يُؤْذِيه. ■ التَّاسِعَةُ: [استَدَلَّ به بَعضُ المَالِكِيَّةِ عَلى مَذهَبهم في سَدِّ الذَّرَائعِ (١ في قَولِه١): ((فَإِنَّه لَا يَدرِي أحَدُكُمْ)) إلى آخِرِهِ. العَاشِرَةُ: وجه إيرَادِهِ في الجِنَايَاتِ: أنَّه إذَا دَلَّ عَلى تَحْرِيمِ مَا قَد يَنْتَهي إلى الجِنَايَةِ، فَتَحْرِيمُ الجِنَايَةِ من بَابِ الأولى](٢). [١٨٩/٢ و] ٠٠٠ الحديثُ الثَّالِثُ وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ: أنَّ النبيَّ وَّهِ بَعَثَ أبَا جَهم بنَ حُذَيفَةَ مُصَدِّقًّا، فَلَاَجَّه رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَه أبو جَهم، فَشَجَّه، فَأَتَوا النبيَّ ◌َِِّ، فقالُوا: القَودَ يَا رسولَ الله، فقال النبيُّ وََّّ (لَكُم كَذَا وكَذَا))، فَلَم يَرِضَوا. فقال: (لَكُم كَذَا وَكَذَا))، فَلَم يَرضَوا. فقال: (لَكُم كَذَا وَكَذَا))، فَرَضُوا. فقال النبيُّ وَّهِ: ((إِنِّي خَاطِبٌ عَلى النَّاسِ، ومُخبِرُهم بِرِضَاكُمْ))(٣). قَالُوا: نَعَمِ، فَخَطَبَ النبيُّ نَّهِ فقال: ((إنَّ هؤلاء الليثِّينَ أَتَونِي يُرِيدُونَ (٧) ١٨٦م) القَودَ، فَعَرَضتُ عَلَيْهِم كَذَا وَكَذَا، فَرَضُوا أَفَرَضِيتُم؟)). قَالُوا: لَا، فَهََّ المُهاجِرُونَ بِهم، فَأْمَرَهم النبيُّ نَّهِ أَن يَكْفُّوا فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهم فَزَادَهم، وقال: ((أَرَضِيتُم))؟ قَالُوا: نَعَم، قال: ((فَإِنِّي خَاطِبٌ على(٤) النَّاسَ، ومُخبِرُهم بِرِضَاكُمْ)). قَالُوا: نَعَم؛ فَخَطَبَ النبيُّ وَِّ، ثُمَّ قال: ((أَرَضِيتُم))؟ قَالُوا: نَعَم. رَواه أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه. (١ - ١) في (ك٢): ((من قوله)) مكررة. (٢) ما بين المعكوفين ليس في (ش) حتى كلمة: ((العاشرة)). والباقي ليس في (ك٢، ح). (٣) في (ش): ((برضاهم)). (٤) زيادة من (ك٢، ش). وهى في مصادر التخريج. ٨٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرَجَه هؤلاء الثَّلَاثَةُ، وابنُ حِبَّانَ في ((صَحِيحِه)(١) من هذا الوجه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ . وقال ابنُ مَاجَه: سَمِعت مُحَمَّدَ بنَ يَحيَى يَقُولُ: تَفَرَّدَ بهذَا مَعمَرٌ، لَا أعلَمُ (٢) رَواه غَیْرُه. ■ الثَّانِيَةُ: أبو جَهمِ بِفَتحِ الجِيمِ وإسكَانِ الهاءِ مُكَبَّرٌ، قِيلَ: اسمُه عَامِرٌ، وقِيلَ: عُبَيْدُ بنُ حُذَيفَةَ. قُرَّشِيٍّ عَدَوِيٌّ أسلَمَ عَامَ الفَتحِ، وكَانَ مُقَدَّمًا في قُرَیشٍ مُعَظّمًا، وكَانَت فيه وفي(٣) بَيتِهِ شِدَّةٌ، وفيه قال النبيُّ ◌َّهِ: ((أمَّا أبو جَهم فَلَا يَضَعُ عَصَاه عن عَاتِقِه))(٤). يُشِيرُ إلى(٥) ضَربِه لِلنِّسَاءِ، وكَانَ عَالِمًا بِالأَنسَابِ، وهو من المُعَمَّرِينَ، شَهدَ بُنيَانَ الكَعبَةِ في الجَاهِلِيَّةِ وفي زَمَنِ ابنِ الزُّبَيرِ. وقِيلَ: إنَّه مَاتَ في آخِرِ خِلَافَةٍ مُعَاوِيَةَ، وهو صَاحِبُ الأَنِجَانِيَّةِ(٦) . ■ الثَّالِثَةُ: المُصَدِّقُ بِفَتحِ الصَّادِ وتَخفيفِها، وكَسرِ الدَّالِ وتَشدِيدِها، هو عَامِلُ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَأْخُذُها، وأمَّا بِتَشدِيدِ (٧/ ١٨٧م) الصَّادِ فَهو المُعطِي، وأصلُه: المُتَصَدِّقُ؛ أدغِمَتِ التَّاءُ في الصَّادِ لِتَقَارُبِ مَخرَجِهِمَا. وقال ثَابِتٌ: إنَّه يُقَالُ بِالشَّخفيفِ لِلَّذِي يَأْخُذُها، والذي يُعطِيها، وجَاءَ استِعمَالُ المُشَدَّدِ في طَالِبٍ الصَّدَقَةِ أيضًا، وأنكَرَه ثَعَلَبٌّ. ■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: فَلَاجَّه رَجُلٌ. هو بِتَشدِيدِ الجِيم كَذَا ضَبَطْنَاه، ورَوِنَاه؛ أي: تَمَادَى في خُصُومَتِه. قال في ((الصِّحَاحِ)): المُلَاجَّةُ التَّمَادِي في الخُصُومَةِ. وقال في ((المُحكَم))(٧): لَجَّ في الأمرِ: تَمَادَى عَلَيه، وأبَى أن يَنصَرِفَ عنه، ووقَعَ (٢) (١) أبو داود (٤٥٣٤)، والنسائي (٤٧٩٢)، وابن ماجه (٢٦٣٨)، وابن حبان (٤٤٨٧). في الأصل، (ش، ك٢): «أعلمه)). (٣) في (م): ((في)). (٤) أخرجه مسلم (٣٦/١٤٨٠). (٥) في (م): ((أن)). حديث الأنبجانية: أخرجه البخاري (٣٧٣، ٧٥٢، ٥٨١٧)، ومسلم (٥٥٦/ ٦١، ٦٢) (٦) من حديث عائشة يا. وينظر: الاستيعاب (١٦٢٣/٤، ١٦٢٤). الصحاح (٣٣٧/١)، والمحكم (٢٠٩/٧). (٧)