النص المفهرس

صفحات 21-40

كِتَابُ الأيمَانِ
٢١
=
قُلتُ: قَولُه: (مِائَةٌ إِلَّ واحِدًا)) مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ لِقَولِه: (تِسعَةً وتِسعِينَ))؛ لِجَوازٍ
اشتِبَاهها في الخَطّ بِسَبعَةٍ وسَبعِينَ، ولَم يُفِد (١) شَيئًا زَائدًا عَلى مَا تَقَدَّمَ حَتَّى
(١٥٠/٧م) يَقُولَ: إنَّ هذا اللفظَ فيه نَفيُّ الزِّيَادَةِ وإبطَالُها. وقَد تَقَدَّمَ (٢) أنَّ
المَقصُودَ: الإخبَارُ بِأنَّ مَن أحصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَا قَبَلَه مُوِّئٌ لَه، والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٣): تَعِينُ هَذِهِ الأسمَاءِ لَم يُخَرَّج في
((الصَّحِيحَينِ))، وخَرَّجَه التِّرمِذِيُّ وغَيرُه، وفيها اختِلَافٌ، ثَبَتَت أسمَاءُ في رِوايَةٍ،
وفي أخرَى أسمَاءٌ أَخَرُ تُخَالِفُها، وقَد اعتَنَى بَعضُ أهلِ العِلمِ بِتَخْرِيجِ مَا منها في
كِتَابِ الله مُفرَدًا غَيرَ مُضَافٍ، ولَا مُشتَقٍّ من غَيرِه (٤): كَقَادِرٍ، وقَدِيرٍ، ومُقتَدِرٍ،
ومَلِكِ النَّاسِ، ومَالِكِ، وعَلِيمِ، وعَالِمِ الغَيبِ، فَلَم تَبلُغ(٥) هذا العَدَدَ. واعتَنَى
آخَرُونَ بِذَلِكَ فَحَذَفُوا التَّكرَارَ، ولَم يَحْذِفُوا الإضَافَاتِ فوجَدُوها عَلى مَا قَالُوا
تِسعَةً وتسعِينَ في القُرآنِ، كَمَا ذُكِرَ في الحديثِ، لَكِنَّه عَلى الجُمْلَةِ لَا عَلى
تَفْسِيرِها في الحديثِ. واعتَنَى آخَرُونَ بِجَمعِها مُضَافَةً وغَيرَ مُضَافَةٍ، ومُشتَقَّةً وغَيرَ
مُشْتَقَّةٍ، ومَا وقَعَ منها في هذا الحديثِ عَلى اختِلَافِها، وفي غَيرِهِ من الأحَادِيثِ،
ومَا أجمع(٦) عَلَيه (٧) أهلُ العِلم عَلى إطلَاقِهِ فَبَلَّغَها أضعَافَ هذا العَدَدِ المَذْكُورِ في
الحديثِ، وقِيلَ إنَّ هَذِهِ التِّسعَةَ والتِّسعِينَ (٨) مَخفيةٌ في جُمْلَةِ أسمَاءِ الله تعالى
كَالِاسمِ الأعظَمِ فيها ولَيْلَةِ القَدرِ فِي السَّنَةِ، انتَهَى.
ولَمَّا ذَكَرَ ابنُ حَزم(٩) [١٧٨/٢ظ]: أنَّ الأحَادِيثَ بِإحصَائها مُضطَرِبَةٌ لَم
تَصِح(١٠). قال(١١): وإِنَّمَّا يُؤخَذُ(١٢) من نَصِّ القُرآنِ، ومَا صَحَّ عن النبيِّ ◌َّلـ
قال: وقَد بَلَغَ إحصَاؤُها إلى مَا نذكُرُهُ(١٣)، وهيَّ: اللهُ، الرَّحمَنُ، الرَّحِيمُ،
في (ك٢، ح): ((ينف)).
(١)
(٣)
إكمال المعلم (١٧٦/٨).
(٤)
في (ش): ((غير)).
(٦)
في (ح): ((اجتمع)).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((وتسعين)).
(١٠) في (ك٢، ح، ش): ((يصح)).
(١٢) في (ش): ((توجد)).
(٢) في (ح، ش): (تقرر)).
في (ح، ش): ((يبلغ)).
(٥)
(٧) ليست في (ك٢، ح، ش).
(٩) المحلى (٣١/٨).
(١١) في (ح، ش): ((وقال)).
(١٣) في (م): ((يذكره)).

٢٢
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
العَلِيمُ، الحَكِيمُ، الكَرِيمُ، العَظِيمُ، الحَلِيمُ، القَيُّومُ، الأكرَمُ(١)، السَّلَامُ، الثَّوَابُ،
الرَّبُّ، الوهابُ، الإِلَه، القَرِيبُ، السَّمِيعُ، المُجِيبُ، الواسِعُ، العَزِيزُ، الشَّاكِرُ،
القَاهرُ، الآخَرُ، الظّاهرُ، الكَبِيرُ، الخَبِيرُ، القَدِيرُ، البَصِيرُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ،
الغَفَّارُ، القَهارُ، الجَبَّارُ، المُتَكَبِّرُ، المُصَوِّرُ، البَرُّ، مقتَدِرُ(٢)، البَارِيُّ، العَلِيُّ،
الغَنِيُّ، الولِيُّ، القَوِيُّ، الحَيُّ(٣)، الحَمِيدُ(٤)، المَجِيدُ، الودُودُ، الصَّمَدُ، الأحَدُ،
الواحِدُ، الأولُ، الأعلى، المُتعالِي، الخَالِقُ، الخَلَّاقُ، الرَّزَّاقُ، الحَقُّ، اللِطِيفُ،
رَؤُوفٌ، عَفُورٍّ، الفَتَّاحُ، المَتِينُ، المُبينُ، المُؤمن، المُهَيمن، البَاطِنُ، القُدُّوسُ،
المَلِكُ(٥)، مَلِيكٌ، الأكبَرُ، الأعَزُّ، السَّيِّدُ، سُبوحٌ، وِترٌ، حَنَّانٌ، جَمِيلٌ، رَفيقٌ،
المُسعِّرُ(٦)، القَابِضُ، البَاسِطُ، الشَّافي، المُعطِي (٧)، المُقَدِّمُ، المُؤَخِّرُ، الذَّهرُ.
هذا آخَرُ مَا ذَكَرَه، وجُمْلَتُه أربَعَةٌ وَثَمَانُونَ.
الزَّابِعَةُ: أورَدَه البخارِيُّ(٨) فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ، وبَوّبَ عَلَيه: مَا يَجُوزُ
من الإِشتِرَاطِ، والُّنيَا في الإقرَارِ، والشُّرُوطِ الَّتِي يَتعارَفُها (٩) النَّاسُ بَينَهم، وإِذَا
قال مِائَّةً (٧/ ١٥١م) إلَّا واحِدَةً(١٠) أو ثِنَتَينِ. قال: وقال ابنُ عَونٍ، عن ابنِ سِيرِينَ:
قال رَجُلٌ لِكَرِيِّه: [أدخِل رِكَابَك] (١١)، فَإِن(١٢) لَم أرحَل معك يَومَ كَذَا وكَذَا،
فَلَكَ مِائَةُ دِرهَم، فَلَم يَخرُج. فقال شُرَيحُ: مَن شَرَطَ عَلى نَفسِه طَائعًا غَيرَ مُكرَهٍ
فَهو عَلَيه. وقالَ أيُّوبُ عن ابنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا، وقال: إن لَم آتِك
الأربِعَاءَ، فَلَيسَ بَيْنِي وَبَينَك بَيْعٌ، [فَلَمْ يَجِئْ](١٣)، فقال شُرَيحٌ لِلمُشتَرِي: أنتَ
أَخْلَفْتَ فقضَى عَلَيه.
(١) في (م): ((ذو الإكرام)). وفي الأصل، (ش): ((الإكرام)).
(٢)
في (م): ((المقتدر)).
(٣) في (ك٢، ح): ((المحيي)).
(٤)
ليست في (ك٢، ح).
(٥) في (ك٢، م): ((المالك)).
(٦)
في الأصل: ((المعسر)). وفي (ك٢): ((المسير))، وفي (م): ((الميسر)).
(٧)
لیست في (ك٢، ح).
(٨) البخاري عقب حديث (٢٧٣٥).
(١٠) في (ش): ((واحد)).
(٩) في (ك٢، ح): ((يتعافها)).
(١١) زيادة من البخاري. وهي في (م) بين معكوفتين.
(١٢) في الأصل: ((إن)).
(١٣) زيادة من البخاري، وهي في (م) بين معكوفتين.

كِتَابُ الأيمَانِ
٢٣
=
قُلتُ: وكَأنَّ البخارِيَّ قَصَدَ الاِستِدلَالَ به عَلى أنَّ الكَلَامَ إِنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ،
فَإِذَا كَانَ فيه استِئِنَاءٌ أو شَرطٌ عَمِلَ به. وأخَذَ ذَلِكَ من قَولِه: ((مِائَةً إِلَّا واحِدًا))،
وهو في الاِسْتِثنَاءِ مُسَلّمٌ، فَلَو قال في البَيعِ: بِعتُ من هَذِهِ الصُّبَرَةِ مِائَةَ صَاعٍ إلَّا
صَاعًا صَحَّ وعُمِلَ به، وكَانَ بَائعًا بِتِسعَةٍ (١) وتسعِينَ [صاعًا. ولو قال في الإقرار
له: عندي مائة درهم إلا درهم (٢) كان مقرًّا له بتسعةٍ وتسعين](٣)، ولَا يُؤخَذُ بِأولٍ
كَلَامِه ويُلغِي (٤) آخِرَه، لَكِن في استِبَاطِ ذَلِكَ من هذا الحديثِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَولَه مِائَةً
إلَّا واحِدًا، إنَّمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَم يُستَقَد به فَائِدَةٌ مُستَأنَفَةٌ حَتَّى يَستَنِطَ منه
هذا الحُكمَ لِحُصُولِ هذا المَقصُودِ بِقَولِهِ: ((تِسعَةً وتِسعِينَ اسمًا)). نَعَم، كَانَ يَصِحُ
إيرَادُ هذا الكَلَامِ الثَّانِي مُنقَطِعًا(٥) عن (٦) الأولِ، وحِينَئذٍ فَيَحصُلُ به هذا الغَرَضُ.
وأمَّا الشُّرُوطُ فَلَيسَت صُورَةَ الحديثِ، ولِلنَّاسِ خِلَافٌ كَثِيرٌ(٧) في تَصحِيحِ الشُّرُوطِ
وإيطَالِها والتَّفصِيلِ فيها، وذَلِكَ مُقَرَّرٌ في مَواضِعِه من كُتُبِ الفِقه وغَيرِها،
واللهُ أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: قال أبو القاسم(٨) القُشَيرِيُّ: فيه دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإِسمَ هو
المُسَمَّى؛ إذ لَو كَانَ غَيرُه كَانَت الأسمَاءُ لِغَيرِه لقَولِه(٩) تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ
الْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١٠): الاسمُ في العُرفِ العَامِّ
هو الكَلِمَةُ الدَّالَّةُ عَلى أمرٍ مُفرَدٍ. وبهذا الاعتِبَارِ لَا فَرقَ بَينَ الاِسمِ والفِعلِ
والحَرفِ؛ إذ كُلُّ [واحِدٍ منها](١١) يَصدُقُ عَلَيه ذَلِكَ الحَدُّ، فَلَا فِعلَ ولَا حَرفَ في
العُرفِ العَامِّ، وإنَّمَا ذَلِكَ اصطِلَاحُ النَّحوِيِّينَ والمَنطِقِيِّينَ، ولَيسَ ذَلِكَ الآنَ من
(١)
في (ك٢، ش): ((لتسعة)).
(٢) في (ش): ((درهمًا)).
ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٣)
(٤)
في (ش): ((ويلقى)).
(٧) في (ك٢، ش): ((كبير)).
(٦)
في (٢٥): ((على)).
في (م): ((العباس)). وينظر: شرح النووي على مسلم (٥/١٧).
(٨)
(٩) في (م): «كقوله)).
(١٠) المفهم (١٤/٧، ١٥).
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((منها)). وكتب في الأصل، (م) بدل: ((منها)): ((منهما)).
(٥) في (ش): ((مقتطعًا)).

=
٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
غَرَضِنَا. وإذَا [فَهمتَ هَذَا](١)، فَهمتَ غَلَطَ مَن قال: إنَّ الإِسمَ هو المُسَمَّى
حَقِيقَةً، كَمَا قالت(٢) طَائفَةٌ من جُهالِ الحَشْوِيَّةِ، فَإِنَّهم صَرَّحُوا بِذَلِكَ، واعتَقَدُوه
حَتَّى ألزِمُوا عَلى ذَلِكَ أنَّ مَن قال: سُمٌّ، مَاتَ. ومَن قال: نَارٌ، احتَرَقَ، وهَؤُلَاءِ
أخَسُّ من أن يُشتَغَلَ(٣) بِمُخَاطَبَتِهم. وأمَّا مَن قال من النَّحوِيِّينَ ومن المُتَكَلِّمِينَ:
الإِسمُ هو المُسَمَّى، فَلَم يُرِيدُوا ذَلِكَ، وإنَّمَا أرَادُوا أنَّه هو من حَيثُ إِنَّه لَا يَدُلُّ
إلَّا عَلَيه، ولا يُفيدُ(٤) إِلَّا هو فَإِن كَانَ ذَلِكَ الاسمُ من الأسمَاءِ الدَّالَّةِ (٧/ ١٥٢م)
عَلى [١٧٩/٢ و] ذَاتِ المُسَمَّى، دَلَّ عَلَيها من غَيرِ مَزِيدِ أمرٍ آخَرَ، وإن كَانَ من
الأسمَاءِ الدَّالَّةِ عَلى مَعنّى زَائدٍ، وَلَّ عَلى تِلكَ الذَّاتِ مَنسُوبَةً إلى ذَلِكَ الزَّائدِ
خَاصَّةً دُونَ غَيرِهِ.
وبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّكَ إِذَا قُلتَ: زَيدٌ مَثَلًا، فَهو يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَشَخِّصَةٍ في
الوُجُودِ من غَيرِ زِيَادَةٍ، ولَا نُقْصَانٍ، فَلَو قُلتَ مَثَلًا: العَالِمُ، وَلَّ هذا عَلى تِلكَ
الذَّاتِ مَنسُوبَةً إلى العِلم، وكَذَلِكَ لَو قُلتَ الغَنِيُّ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى تِلكَ الذَّاتِ مع
إِضَافَةِ مَالٍ إلَيها، ومن هنَا صَحَّ عَقلًا أن تَكثُرَ(٥) الأسمَاءُ المُختَلِفَةُ عَلَى ذَاتٍ
واحِدَةٍ، ولَا (٦) يُوجِبُ (٧) تَعَدُّدًا فيها ولَا تَكثِيرًا، وقَد غَمُضَ فَهمُ هذا مع وُضُوحِه
عَلى بَعضٍ أئمَّةِ المُتَكَلِّمِينَ، وفَرَّ منه هَرَبًا من لُزُوم تَعَدُّدٍ في ذَات الإلَه حَتَّى تَأولَ
هذا الحديثَ بِأن قال: إنَّ الإِسمَ فيه يُرَادُ به التَّسمِيَّةُ، وَرَأى أنَّ هذا يُخَلِّصُه(٨) من
التَّكثِيرِ. وهذا فِرَارٌ من غَيرٍ مَفَرِّ إلى غَيرِ مَفَرِّ، وذَلِكَ أنَّ التَّسمِيَةَ إِنَّمَا هيَ وضعُ
الاسمِ أو ذِكرُ الاسمِ، فَهِيَ نِسبَةُ الاسم إلى مُسَمَّاه. فَإِذَا قُلنَا: إنَّ لِلَّه تِسعَةً
وتسعِينَ تَسمِيَةً، اقتَضَى ذَلِكَ أن يَكُونَ لَهَ تِسعَةٌ وتسعُونَ اسمًا، يَنسُبُها كُلَّها إِلَيه
فَبَقِيَ الإلزَامُ بَعدَ ذَلِكَ التَّكَلُّفِ، والتَّعَسُّفِ. ثُمَّ قال: وقَد يُقَالُ: الاسمُ هو
(١)
ليس في (ك٢، ح).
(٣)
في (ح): ((يستعمل)).
(٥)
في (ك٢، ح): ((تنكير)). وفي (ش): ((تتكثر)).
(٦)
في الأصل، (م): ((لا)).
في (ك٢، ح): ((محصله)).
(٨)
(٢) في الأصل، (م): ((قالته)).
(٤) في الأصل، (ك٢، م): ((يقيد)).
(٧) في (ح): ((توجب)).

كِتَابُ الأيمَانِ
٢٥
=
المُسَمَّى، ويَعِنِي به أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ الَّتِي هيَ الاسمُ قَد تَطلُقُ، ويُرَادُ بها المُسَمَّى،
كَمَا قِيلَ ذَلِكَ في قَوله تعالى: ﴿سَوِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾﴾ [أي: سَبِّح رَبَّك](١)،
فَأْرِيِدَ بِالِاِسمِ المُسَمَّى، انتَهَى(٢).
ووجَدتُ لِشَيخِنَا الإمَامِ بَهاءِ الدِّينِ أحمَدَ بنِ شَيخُ الإسلامِ تَقِيِّ الدِّينِ
السُّبكِيّ في شَرحِه عَلى ((مُختَصَرِ ابنِ الحَاجِبِ)) في هَذِهِ المَسألَةِ تَحقِيقًا حَسَنًا.
فقال: وجه التَّحقِيقِ فيها عَلى مَا تَلَقَّينَاه من أفواه مَشَابِخِنَا: أن يُقال: إذَا سَمَّيتَ
شَيْئًا بِاسمِ فَالنَّظَرُ (٣) فِي ثَلَاثَةِ أَشَيَاءَ:
ذَلِكَ الاسمُ، وهو اللفظُ.
ومَعنَاه قَبلَ التَّسمِيَةِ.
ومَعنَاه بَعدَ التَّسمِيَةِ، وهو الذَّاتُ الَّتِي أطلِقَ اللفظُ عَلَيها.
والذَّاتُ واللفظُ مُتَغَابِرَانٍ(٤) قَطِعًا، والنُّحَاةُ إِنَّمَا يُطلِقُونَ عَلى اللفظِ؛ لِأنَّهم
إِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ في(٥) الألفَاظِ، وهو غَيرُ المُسَمَّى قَطعًا عِندَ الفَرِيقَينِ، والذَّاتُ هيَ
المُسَمَّى عِندَ الفَرِيقَينِ، ولَيسَ هو الاسمُ قَطعًا، والخِلَافُ في الأمرِ الثَّالِثُ، وهو
مَعنَى اللفظِ قَبلَ التَّلقِيبِ، فَعَلى قَواعِدِ المُتَكَلِّمِينَ يُطلِقُونَ الاِسمَ عَلَيه، ويَختَلِفُونَ
في أنَّه الثَّالِثُ أو لا. فالخِلَافُ (٦) عِندَهم حِينَئذٍ في الاِسمِ المَعنَوِيِّ، هَل هو
المُسَمَّى أو لا؟ لَا في الاِسمِ اللفظِيِّ.
وأمَّا النُّحَاةُ، فَلَا يُطلِقُونَ الاِسمَ عَلى غَيرِ اللفظِ؛ لِأنَّ صِنَاعَتَهم إنَّمَا تَنْظُرُ
في الألفَاظِ (٧/ ١٥٣م) والمُتَكَلِّمُ لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، ولَا يَمنَعُ هذا الإطلَاقَ؛ لِأَنَّه
إطلاقُ اسمِ المَدُلُولِ عَلى الدَّالِ، ويَزِيدُ(٧) شَيئًا آخَرَ دَعَاه عِلمُ الكَلَامِ إلى
حَقِيقَتِهِ(٨) في مَسأَلَةِ الأسمَاءِ والصِّفَاتِ، وإطلَاقِها عَلى البَارِي تعالى عَلى مَا هو
ليس في (ك٢، ح، ش).
(١)
في (ك٢، ح): ((فانظر)).
(٣)
(٥)
لیس في (ك٢، ح).
في (ك٢، ح): ((ويزيدا)).
(٧)
(٢) ليست في (ك٢، ح).
(٤) في (ش): ((يتغايران)).
(٦) في الأصل، (م): ((والخلاف)).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((تحقيقه)).

=
٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
مُقَرَّرٌ في عِلم أصُولِ الدِّينِ. ومِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قُلتَ: عَبدُ الله أنفُ النَّاقَةِ، فَالنُّحَاةُ
يُرِيدُونَ بِاللقَبِ لَفظَ أنفِ النَّاقَةِ، والمُتَكَلِّمُونَ(١) يُرِيدُونَ مَعنَاه، وهو مَا يُفْهَمُ منه
من مَدحٍ أو ذَمِّ.
وقَولُ النُّحَاةِ: إنَّ اللقَبَ ويَعِنُونَ به اللفظَ مُشعِرٌ(٢) بِضِعَةٍ أو رِفِعَةٍ لَا يُنَافيه؛
لِأنَّ اللفظَ يُشعِرُ لدَلَالَتِهِ (٣) عَلى المَعنَى، والمَعنَى في الحَقِيقَةِ هو المُقْتَضِي لِلضِّعَةِ
أو الرِّفعَةِ، وذَاتُ عَبدِ الله هيَ المُلَقَّبُ عِندَ الفَرِيقَينِ، فَهَذَا(٤) تَنقِيحُ مَحَلِّ الْخِلَافِ
فِي هَذِهِ المَسألَةِ فَلْيُتَأمَّل، فَإِنَّه تَنقِيحٌ حَسَنٌ، وبه يَظهَرُ أنَّ الخِلَافَ في أَنَّ الإِسمَ
المُسَمَّى أو غَيرُه خَاصٌّ بِأسمَاءِ الأعلَامِ المُشتَقَّةِ لَا في كُلِّ اسمٍ، والمَقصُودُ به
إِنَّمَا هو المَسألَةُ المُتَعَلِّقَةُ بِأصُولِ الدِّينِ كَمَا أَشَرِنَا إِلَيه. انتَهَى.
■ السَّادِسَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥) بَعدَ كَلَامِه المُتَقَدِّم: إذَا تَقَرَّرَ هذا
فَافهَم أنَّ أسمَاءَ الحَقِّ سُبحَانَه وتعالى وإن تَعَدَّدَت فَلَا تَعَدُّدَ في ذَاتِهِ ولَا تَركِيبَ،
[١٧٩/٢ ظ] لَا عَقلِيًّا كَتَرِكِيبِ المَحْدُودَاتِ، ولَا مَحسُوسًا، كَتَركِيبِ الجُسمَانِيَّاتِ،
وإِنَّمَا تَعَذَّدَت(٦) أسمَاؤُه تعالى بِحَسَبِ الاِعْتِبَارَاتِ الزَّائِدَةِ عَلى الذَّاتِ، ثُمَّ هَذِهِ
الأسمَاءُ من جِهَةِ دَلَالَتِها عَلى أربَعَةِ أضرُبٍ:
فَمنها: مَا يَدُلُّ عَلى الذَّاتِ مُجَرَّدَةً كَاسمِه: الله (٧) تعالى عَلى قَولِ مَن
يَقُولُ: إنَّه عَلَمٌ غَيرُ مُستَقٍّ، وهو الخَلِيلُ وَغَيرُهُ(٨)؛ لِأَنَّه يَدُلُّ(٩) عَلى المَوجُودِ
الحَقِّ المَوصُوفِ بِصِفَاتِ الجَلَالِ والكَمَالِ دَلَالَةً مُطلَقَةً غَيرَ مُقَيَّدَةٍ بِقَيدٍ، ولِأنَّه(١٠)
أَشْهَرُ أسمَائه حَتَّى يُعرَفَ كُلُّ أسمَائه به (١١) فَيُقال: الرَّحمَنُ اسمُ الله، ولَا
يُقَالُ: الله اسمُ الرَّحمَنِ؛ ولِأَنَّ(١٢) العَرَبَ عَامَلَته مُعَامَلَةَ الأسمَاءِ الأعلامِ في
في الأصل: ((والمكلمون)).
(١)
(٣)
في (م): ((بدلا لته)).
(٥)
المفهم (١٥/٧، ١٦).
(٧)
ليس في (ك٢، ح، ش).
(٩) في (ح): ((بدل)).
(١١) ليست في (ش).
(٢) ليس في (ك٢، ح).
(٤) في (ك٢، ح): ((فها)).
(٦) في (ك٢، ح): ((تعدد)).
(٨) ينظر: المصباح المنير (١٩/١).
(١٠) في (ش): ((لأنه)).
(١٢) في الأصل، (م): ((لأن)).

كِتَابُ الأيمَانِ
٢٧
=
النِّدَاءِ، فَجَمَعُوا بَيْنَه وبَينَ يَاءِ النِّدَاءِ، ولَو كَانَ مُشتَقًّا، لَكَانَت لَامُه زَائدَةً، وحِينَئِذٍ
لَا يُجْمَعُ بَيْنَه وبينَها في النِّدَاءِ كَمَا لَا يُقَالُ: يَا لحَارِثُ(١)، وَلَا يَا لِعَبَّاسُ(٢).
ومنها: مَا يَدُلُّ عَلى صِفَاتِ(٣) البَارِئ(٤) تعالى الثَّابِتَةِ لَه كَالعَالِمِ والقَادِرِ
والسَّمِيعِ والبَصِيرِ .
ومنها: مَا يَدُلُّ عَلى إضَافَةِ أمرٍ مَا لَه كَالخَالِقِ، والرَّازِقِ.
ومنها: مَا يَدُلُّ عَلى سَلبٍ شَيءٍ عنه كَالقُدُّوسِ، والسَّلَامِ. وهَذِه الأقسَامُ
الأربَعَةُ لَازِمَةٌ مُنحَصِرَةٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ النَّفيِ والإثبَاتِ، فَاختَبِرِها تَجِدها كَذَلِكَ. انتَهَى(٥).
■ السَّابِعَةُ: وفيه: أنَّ أسمَاءَ الله تعالى تَوقِيفيةٌ، (٧/ ١٥٤م) لَا يَجُوزُ أن
يُسَمَّى إلَّا بِمَا سَمَّى به نَفسَه. وإِلَيه ذَهَبَ الشَّيخُ أبو الحَسَنِ الأشعَرِيُّ. وقِيلَ:
يَجُوزُ تَسمِيَتُه بِمَا يَلِيقُ به. وقِيلَ: إن ورَدَ الفِعلُ(٦) بِذَلِكَ، ولَم يُوهم نَقِصًا،
والخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في عِلمٍ أصُولِ الدِّينِ.
■ الثَّامنةُ: فيه جَوازُ الحَلِفِ بِجَمِيعِ أسمَاءِ الله تعالى المُتَقَدِّمِ ذَكَرُها لِقِيَامِ
الدَّلِيلِ عَلى أنَّها أسمَاؤُه، واندِرَاجِها في قَولِهِ: ((فَليَحِلِف بالله)؛ فَإِنَّهَ لَيسَ المُرَادُ
هذا اللفظَ بِخُصُوصِه، بَل كُلُّ مَا أطلِقَ عَلَيه تعالى من أسمائه الحُسنَى وصِفَاتِه
العُليَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُه، ولِهذا المَعنَى أورَدَ الشَّيخُ تَخْفُ هذا الحديثَ فِي كِتَابِ
الأيمَانِ، وكَذَا استَدَلَّ به عَلى ذَلِكَ(٧) ابنُ حَزم(٨)، وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الحَنَفيةِ
والمَالِكِيَّةِ، وهو وجهٌ عِندَ الشَّافِعِيَّةِ؛ حَكَاه ابنُ كَجَّ: أنَّ الحَلِفَ بِأَيِّ اسمٍ كَانَ من
أسمَاءِ الله تعالى التِّسعَةِ والتِّسعِينَ صَرِيحٌ. ومُقَابِلُه وجهٌ غَرِيبٌ، حَكَاهُ ابنُ كَجّ
أيضًا: أنَّه لَيسَ في الأسمَاءِ صَرِيحُ في الحَلِفِ إِلَّ اللهَ، والمَشهورُ عِندَهم انِقِسَامُ
الأسمَاءِ إلى ثَلَاثَةِ أقسَامٍ. وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ:
في (م): ((يا الحارث)). وفي (ح): ((يا بالحارث)).
(١)
(٢)
في (م): ((يا العباس)). وفي (ك٢، ح): ((بالقياس)).
(٣)
في (ش): ((صفة)).
(٤) في (ح): ((البادي)).
(٥)
في (ش): ((والله أعلم)).
(٦) في (ك٢، ح): ((النقل)).
ليس في (ك٢، ح، ش).
(٧)
(٨) المحلى (٣٠/٨).

٢٨
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
أحَدُها: مَا يَخْتَصُّ به تعالى، ولا يُطلَق في حَقِّ غَيرِهِ كَالله والرَّحمَنِ وَرَبِّ
العَالَمِينَ ونَحوِها؛ فَتَنْعَقِدُ(١) به (٢) اليَمِينُ ولَو أطلَقَ أو نَوى غَيرَ الله تعالى.
ثَانِيها: مَا يُطلَق عَلَيه وعَلى غَيرِهِ، لَكِنَّ الغَالِبَ إطلَاقُه عَلَيه، وأنَّه يُقَيَّد(٣)
في حَقِّ غَيرِهِ بِضَربٍ(٤) من التَّقِيدِ كَالجَبَّارِ والحَقِّ والرَّبِّ ونَحوِها. فَالحَلِفُ به
يَمِينٌ، ولَو أطلِقَ فَإِن نَوى به غَيرَ الله تعالى، فَلَيسَ بيمِينٍ .
ثَالِثُها: مَا يُطلَقُ في حَقِّ الله تعالى وفي حَقِّ غَيرِهِ، ولَا(٥) يَغلِبُ استِعمَالُه
في أحَدِ الطَّرَفَينِ كَالحَيِّ والمَوجُودِ والمُؤمن ونَحوِها، فَإِن نَوى به غَيرَ الله تعالى
أو أطلِقَ فَلَيسَ بيمِينٍ. وإن نَوى اللهَ تعالى فوجهانِ: صَحَّحَ النَّوِيُّ أنَّه يَمِينٌ،
وكَذَا في ((المُحَرَّرِ))(٦) لِلرَّافِعِيِّ، لَكِنْ صَحَّحَ فِي شَرحَيه عَلى (الوجِيز)): ((الكَبيرِ))،
و((الصَّغِيرِ)): أنَّه لَا يَكُونُ يَمِينًا، وصَخَّحَ ابنُ تَيمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ)) الأولَ. وقال
القَاضِي من الحَنَابِلَةِ بِالثَّانِي(٧) .
■ التَّاسِعَةُ: قَولُه: ((مَن أحصَاها دَخَلَ الجَنَّةَ)). قال الخَطَّابي(٨): الإحصَاءُ
في هذا يَحتَمِلُ وُجُوهًا :
أظهَرُها: العَدُّ لَها حَتَّى يَستَوفيها، يُرِيدُ: أنَّه لَا يَقْتَصِرُ عَلى بَعضُها، لَكِن
يَدعُو اللهَ بها كُلِّها، ويُثنِي عَلَيه بِجَمِيعِها، فَيَستَوجِبُ المَوعُودَ عَلَيها من
الثَّوابِ.
والوجه الثَّانِي: أنَّ مَعنَى الإحصَاءِ فيها: الإطَاقَةُ، قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ
(١)
في (ك٢): ((فيتعقد)).
(٢)
في الأصل، (م): ((بها)).
في (م): ((بقيد)). وفي (ك٢، ح): ((بعيد)). وينظر: روضة الطالبين (١٢/٨)
(٣)
(٤)
في (ك٢، ح): ((لضربٍ)).
(٥)
في (ك٢، ح، ش): (لا)).
(٦)
المحرر (٤٧٣).
ينظر: الشرح الكبير (٢٤١/١٢)، وروضة الطالبين (١٢/٨)، والمحرر في الفقه
(٧)
(١٩٦/٢).
(٨) أعلام الحديث (١٣٤٢/٢، ١٣٤٣).

٢٩
كِتَابُ الأيمَانِ
=
لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال النبيُّ وَّهِ: ((استَقِيمُوا وَلَن تُحصُوا))(١)؛ أي: لَن
تُطِيقُوا أن تَبلُغُوا كُنهَ الاِستِقَامَةِ، ولَكِن اجتَهَدُوا فِي ذَلِكَ مَبلَغَ الوُسعِ والطَّاقَةِ،
والمَعنَى: (٧/ ١٥٥م) أنَّ مَن أطاقَ(٢) القِيَامَ بحقٌ(٣) هَذِهِ الأسمَاءِ والعَمَلِ
بِمُقتَضَاها، وهو أن يَعتَبِرَ معانِيَها فَيُلزِمَ نَفسَه بِواجِبها، فَإذَا قال: الرَّزَّاقُ وَثِقَ
بِالرِّزْقِ، [٢/ ١٨٠ و] وكَذَا فِي سَائِرِ الأسمَاءِ.
والثَّالِثُ: أنَّ مَعنَاه مَن عَقَلَها، وأحَاطَ عِلمًا بِمعانِيها من قَولِ العَرَبِ: قُلَانٌ
ذُو(٤) حَصَاةٍ؛ أي: ذُو عَقلٍ ومَعرِفَةٍ. وقال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥)، بَعدَ ذِكرِه
مَعنَى هذا الكَلَامِ: والمَرجُوُّ من كَرَمِ الله تعالى، أنَّ مَن حَصَلَ لَه إحصَاءُ هَذِهِ
الأسمَاءِ عَلى إحدَى هَذِهِ المَرَاتِبِ مع صِحَّةِ النَّّةِ أن يُدخِلَه الله الجَنَّةَ، لَكِنَّ المَرْتَبَةَ
الأولى: رُتبَةُ أصحَابِ اليَمِينِ. والثَّانِيَةَ: وهيَ الَّتِي في كَلَامِ الخَطَّابي، ثَالِئًا
لِلسَّابِقِينَ. والثَّالِثَةَ: وهيَ الَّتِي في كُلَامِ الخَطَّابِي ثَانِيًا: لِلصِّدِّيقِينَ.
وقال النَّووِيُّ(٦): قال البخارِيُّ، وغَيرُه من المُحَقِّقِينَ: مَعنَاه: حِفظُها،
وهذا هو الأظهَرُ؛ لِأَنَّه جَاءَ مُفَسَّرًا في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((مَن حَفِظَها)). ثُمَّ قال:
وقال بَعضُهم: المُرَادُ حِفظُ القُرآنِ وتِلَاوتِه كُلِّه؛ لِأَنَّه مُستَوفٍ لَها. قال: وهذا
ضَعِيفٌ، والصَّحِيحُ الأولُ، وحَكَاه في ((الأذكَارِ)) عن الأكثَرِينَ.
العَاشِرَةُ: قَولُه: ((إِنَّه وِتْرٌ)). بِكَسرِ الواوِ وفَتحِها، لُغَتَانِ قُرِئَ بهمَا في(٧)
المَشهورِ (٨). والوِترُ: الفَردُ، ومَعنَاه في حَقِّ الله: الواحِدِ الذي لَا شَرِيكَ لَه،
أخرجه ابن ماجه (٢٧٧) من حديث ثوبان
(١)
(٢)
في (م): ((أطلق)).
(٣)
في (ك٢، م): ((بحق)).
(٤)
في الأصل: ((ذو))).
(٥)
المفهم (١٧/٧).
شرح النووي على مسلم (٥/١٧، ٦)، والأذكار (ص١٠١).
(٦)
(٧)
في (ك): ((على)).
ينظر: النشر (٢٩٩/٢).
(٨)

=
٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ولَا نَظِيرَ، فَهو واحِدٌ فِي ذَاتِه فَلَا انقِسَامَ لَه(١)، وواحِدٌ في إلاهيَّتِهِ فَلَا نَظِيرَ لَه،
وواحِدٌ في مُلكِه ومِلكِه فَلَا شَرِيكَ لَه.
وقَولُه: ((يُحِبُّ الوِترَ)). قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢) قِيلَ: مَعنَاه فَضَّل الوِترَ في
العَدَدِ عَلى الشَّفع في(٣) أسمَائِه؛ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الوحدَانِيَّةِ [في صفاته. وقيل:
يحتمل أن يكون معناه منصرفًا إلى صفةٍ من يعبد(٤) الله بالوحدانية،](٥) والتَّفَرُّدِ.
[وقِيلَ: ذَلِكَ رَاجِعٌ إلى صِفَةٍ مَن يَعْبُدُ اللهَ](٦) عَلى سَبيلِ الإخلاصِ، لَا يُشْرِكُ [في
عِبَادَتِه](٧) أحَدًا. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ مَعنَاهِ: أَنَّه يَأْمُرُ ويُفَضِّلُ الوِترَ في الأعمَالِ،
وكَثِيرٍ من الطَّاعَاتِ كَمَا جَعَلَ الصَّلَواتِ خَمسًا وِتْرًا، وشُرِعَت(٨) أعدَادُ الطَّهارَاتِ
والإِسْتِطَابَةُ وأكفَانُ المَيِّتِ ونُصُبُ الزَّكَوات(٩) من (١٠) الخَمسِ أواقٍ والخَمسَةِ
(١) قول المصنف: ((لا انقسام له)). هي استخدام لعبارة المتكلمين في تعريفهم التوحيد بأنه:
إفراد القديم من المحدث. وبأن الموحد هو: الذي سلبت عنه الكيفية والكمية، فهو
واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له.
والذي نراه أن ذلك غير لائق بالله تعالى ربك، فلا نصفه إلا بما وصف به نفسه أو
وصفه به نبيه ﴿قُلٌ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ... ﴾ وخطورة هذا التعريف أنه غير جامع، حيث
خلط بين توحيد الربوبية والإلهية، فأما توحيد الإلهية، فلا صلة له من قريب أو بعيد
بهذا التعريف، ويعد هذا انحرافًا واضحًا عن طريق الجادة، ويعد إلباسًا واضحًا بحقيقة
التوحيد الخالص. ينظر: التعريفات للجرجاني (ص٦٩)، والمطالب العالية للرازي
(٢٥٧/٣، ٢٥٨)، وشرح أسماء الله الحسنى للزجاج (ص٥٧، ٥٨)، والتوحيد
لأبي منصور الماتريدي (ص٢٠ - ١١٥)، والمغني للقاضي عبد الجبار (٢٤١/٤،
٢٤٢)، والإرشاد للجويني (ص٥٢، ٥٣)، والملل والنحل (٤٠/١ - ٤٢).
وينظر في بيانه بطلان ما تقدم: التدمرية (١٨٤/١)، وبيان تلبيس الجهمية (٤٥١/١)، (٣/
١١٨ - ١٢٦ وما بعدها)، ودرء التعارض (١٥١/١ _ ٢٢٥)، ومجموع الفتاوى (٩٨/٣).
(٢) إكمال المعلم (١٧٧/٨)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٦/١٧).
(٤) في (ك٢): ((تعبد)).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٣)
في (ش): ((من)).
(٦)
ما بين المعكوفين من (م). وهو بنصه في إكمال المعلم.
(٧)
في (ك٢، ح، ش): ((بعبادته)) .
(٩) في (م): ((الزكاة)).
(٨) في (ك٢، ح): ((وجعلت)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((في)).

كِتَابُ الأيمَانِ
٣١
=
أوسُقٍ ونِصَابُ الإِلِ وأكثَرُ(١) نِصَابِ الغَنَمِ وأولُ نِصَابِ البَقَرِ وِتْرًا في العُقُودِ،
وخَلقًا كَثِيرًا(٢) من مَخلُوقَاتِه عَلى عَدَدِ الوِترِ من السَّمَواتِ والأرضِ والبُحُورِ،
وعَدَدِ الأيَّامِ في الجُمُعَةِ، ونَحوِ ذَلِكَ. انتَهَى.
وصَدَّرَ النَّووِيُّ كَلَامَه بهذَا الأخِيرِ، واقتَضَى كَلَامُه تَرجِيحَه، وكَذَا رَجَّحَه
أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣)، فقال: ظَاهرُه: أنَّ الوِتَرَ هنَا لِلجِنسِ؛ إذ لَا مَعهودَ(٤)
جَرَى ذِكرُه يُحمَلُ عَلَيه، فَيَكُونُ مَعنَاه عَلى هَذَا: أنَّه يُحِبُّ كُلَّ وِترٍ شَرَعَه وأمَرَ
به، ومَعنَى مَحَبَّتَه لَه: أنَّه أمَرَ به، وأثَابَ عَلَيه، ويَصلُحُ ذَلِكَ (١٥٦/٧م)
لِلعُمُومِ(٥) لِمَا خَلَقَه وِترًا من مَخلُوقَاتِهِ، ومَعنَى مَحَبَّتِهِ لَه: أنَّه خَصَّصَه (٦) بِذَلِكَ
لِحِكْمَةٍ(٧) عَلِمَها، وأمُورٍ قَدَّرَها. قال: ويَحتَمِلُ أن يُرِيدَ بِذَلِكَ الوتر(٨) واحِدًا
بِعَينِه فَقِيلَ: هو صَلَاةُ الوِتِرِ. وقِيلَ: يَومُ الجُمُعَةِ. وقِيلَ: يَومُ عَرَفَةَ. وقِيلَ:
آدَم، وقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ. قال: وهَذِهِ الأقوالُ مُتَكَافِئَةٌ، وأشبَهَ مَا (٩) تَقَدَّمَ حَملُه عَلى
العُمُومِ، وقَد ظَهَرَ لِي وجهٌ، وأرجُو أن يَكُونَ أولى بِالمَقصُودِ، وهو: أنَّ الوِتَرَ
يُرَادُ به الثَّوحِيدُ، فَيَكُونُ مَعنَاهِ: أنَّ اللهَ تعالى في ذَاتِه وأفعَالِه وكَمَالِه واحِدٌ،
ويُحِبُّ التَّوحِيدَ؛ أي: أن يُوحَّدَ، ويُعتَقَدُ انفِرَادُه به دُونَ خَلقِه، فَيَلتَئمُ أولُ
الحديثِ وآخِرُه، وظَاهرُهُ وبَاطِنُه. انتَهَى.
في (ك٢): ((والأكبر)). في (ح، ش): ((الأكثر)).
(١)
(٢)
في (ح): ((کبیرًا)).
(٣)
المفهم (١٨/٧).
في (ك٢، ح): ((مفهوم)).
(٤)
(٥)
في (ك٢، ح): ((العموم)).
في (ش): ((خصّه)).
(٦)
(٧)
في (ك٢، ح، ش): ((لحكم)).
ليست في الأصل، (م).
(٨)
(٩)
في (ك٢، ح): ((بما)). ودع عنك محاولة المصنف تأويل صفة المحبة لله تعالى،
فالله وَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾﴾ [الشورى: ١١].

=
٣٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الحديثُ الثَّالِثُ (١)
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، لَو
تَعَلَّمُونَ مَا أَعلَمُ: لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيتُم كَثِيرًا»، رواه البخارِيُّ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه البخارِيُّ في الأيمَانِ والنُّذُورِ من ((صَحِيحِه))(٢) عن
إبراهيمَ بنِ مُوسَى، عن هشَامٍ بِنِ يُوسُفَ، عن مَعمَرٍ، عن هَمَّامٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: أورَدَه الشَّيخُ تَظْتُهُ هنَا تَبَعًا لِلبخارِيِّ؛ لِلاستِدلَالِ به عَلى صِحَّةٍ
الحَلِفِ بهذا اللفظِ ومَا كَانَ مِثلَه من الألفَاظِ الَّتِي يُفهَمُ منها ذَاتُ الله تعالى، ولَا
تَحْتَمِلُ (٣) غَيرَه، وإن لَم يَكُن من أسمَائه الحُسنَى كَقَولِه: والذي أعبُدُه،
أو (٤) أسجُدُ لَه، أو أصَلِّي لَه، أو والذي(٥) فَلَقَ الحَبَّةَ، أو مُقَلِّبِ القُلُوبِ، وقَد
صَرَّحَ به أصحَابُنَا، ولَا يُمكِنُ أن يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ فيمَا (٦) إذَا نَوى اللهَ تعالى، أو
أطلَقَ. فَإِن قال: قَصَدتُ غَيرَه [١٨٠/٢ظ]: فقال أصحَابُنَا: لَا يُقبَلُ ظَاهرًا قَطعًا،
ولَا بَاطِنَا فيمَا بَينَه وبَيْنَ الله تعالى، عَلى الصَّحِيحِ المَعْرُوفِ في المَذهَبِ، وحُكِيَ
فيه وجهٌ ضَعِيفٌ(٧) .
■ الثَّالِثَةُ: فيه تَرجِيحُ جَانِبِ الخَوفِ، وشِدَّةُ أمرِ الآخِرَةِ وعِظَمُه، وفيه
تَمَيُّزُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِمعارِفَ قَلبيةٍ وبَشَرِيَّةٍ(٨) لَا يُشَارِكُه فيها غَيرُه، وحَظُ
الأمَّةِ منها مَعرِفَتُها عَلى الجُمْلَةِ؛ فَإِنَّه لَا سَبِيلَ لَهم إلى تَفَاصِيلِها (٩). وفي ((صَحِيحِ
مُسلِم)(١٠)، من حَدِيثِ أَنَسٍ: أنَّ النبيَّ وَ ﴿ قال: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه،
في (ك٢، ح): ((الخامس)).
(١)
(٣)
في (ح، ش): ((یحتمل)).
(٥)
في (ك٢، ح): ((الذي)).
(٧)
ينظر: روضة الطالبين (١١/٨).
في (ح): «مفاصلها)).
(٩)
(٢) البخاري (٦٦٣٧).
(٤) في (ك٢، ح): ((م)).
(٦) ليست في (ش).
(٨) في (ك٢، ح، ش): ((وبصرية)).
(١٠) مسلم (١١٢/٤٢٦).

كِتَابُ الأيمَانِ
كم
٣٣
=
لَو رَأيْتُم مَا رَأيتُ (١٥٧/٧م) لَضَحِكتُم قَلِيلًا، ولَبَكَيتُم كَثِيرًا». قَالُوا: ومَا رَأيت
يا رسولَ الله، قال: ((رَأيتُ الجَنَّةَ والنَّارَ)). فَجَمع الله تعالى لِنَبيه عَلَيه الصَّلَاةُ
والسَّلامُ بَيْنَ عِلمِ اليَقِينِ وعَينِ اليَقِينِ، مع الخِشَةِ القَلبيةِ واستِحِضَارِ العَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ
عَلى وجهٍ لَم يُجمَعِ لِغَيرِهِ، ولِهِذا قال عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لِأصحابه: ((إنَّ أتْقَاكُم
وأعلَمكُم بالله أنَا))، وهو في ((الصَّحِيحَينِ))(١)(٢) من حَدِيثِ عَائِشَةَ.
■ الزَّابِعَةُ: وفيه الحَلِفُ من غَيرِ اسْتِحِلَافٍ؛ لِتَقوِيَّةِ المخَبَرِ(٣) به وتَأْكِيدِه.
الحديثُ الزَّابِعُ (٤)
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ
عَلى أحَدِكُم يَومٌ لَأَن يَرَانِي ثُمَّ لَأن يَرَانِي: أُحَبُّ إلَيه من أهلِه ومَالِه
معهم))، رواه مُسلِمٌ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: رَواه مُسلِمٌ(٥) من هذا الوجه عن مُحَمَّدِ بنِ رَافِعٍ، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن مَعمَرٍ [عن، هَمَّامٍ](٦)، عن أبي هرَيرَةَ، بِلَفِظِ: ((والذي نَفسُ
مُحَمَّدٍ (فِي بَدِهِ)(٧)، لَيَأْتِيَنَّ عَلى أحَدِّكُمْ يَومٌ ولَا (٨) يَرَانِي ثُمَّ لَأن (٩) يَرَانِي: أحَبُّ
إلَيه من أهلِه ومَالِه معهم)). وهذا اللفظُ مُخَالِفٌ لِلَّفِظِ الذي نَقَلته ورَويته عن
والِدِي تَخْلَتُهُ في هَذِه الأحكَامِ؛ فَإِنَّ حَاصِلَ معنى(١٠) رِوايَتِنَا: إخبَارُهُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ
والسَّلَامُ أنَّه (١١) يَأتِي عَلى الإنسَانِ زَمَانٌ يَكُونُ رُؤيَةٍ(١٢) النبيِّ وَّرُ فيه، وهو
(١)
(٣)
في (ك٢، ح، ش): ((الصحيح)).
في الأصل، (م): ((الخبر)).
مسلم (٢٣٦٤/ ١٤٢).
(٥)
في (ش): ((بیده)) .
(٧)
(٩) في (ك٢، ح): ((ولا)).
(١١) في (ك٢، ح، ش): ((بأنه)).
(٢) البخاري (٢٠)، ومسلم (١٢٧/٢٣٥٦).
(٤) في (ك٢، ح): ((السادس)).
(٦) ليس في (ك٢، ح).
(٨) في (ش): ((ولأن)).
(١٠) ليست في الأصل، (م)
(١٢) في (م): ((رؤيته)).

=
ـدى
٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
غَرِيبٌ فَقِيرٌ، لَا أهلَ لَه ولَا مَالَ، أحَبُّ إلَيه من فَقدِ رُؤيَتِه مع وُجُودِ الأهلِ
والمَالِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِتَكرِيرِ اللفظِ في قَولِه: (لَأَن(١) يَرَانِي، ثُمَّ لَأَن يَرَانِي)). [وأما
رواية مسلم، فإن ظاهرَ لفظِها مشكلٌ، وقال الراوي عنه أبو إسحاق إبراهيم بن
محمد بن سفيان: المعنى فيه عندي: لأن يراني](٢) معهم، أحَبُّ إلَيه من أهلِه
ومَالِه، وهو عِندِي مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، وتَبِعَه القَاضِي عِيَاضٌ(٣) عَلى ذَلِكَ، وزَادَ أيضًا
التَّقْدِيمَ والتَّأخِيرَ في قَولِه: ((لَا يَرَانِي)). [فقال: قيل معناه على التقديم والتأخير:
لأن يراني معهم، أحب إليه من أهله وماله، ثم لا يراني، وكذا جاء في ((مسند
سعيد بن منصور)): ((ليأتين على أحدكم يوم لأن يراني، أحب إليه من أن يكون له
مثل أهله وماله ثم(٤) لا يراني)](٥)؛ أي: رُؤيَتُه إِيَّايَ أحظَى عِندَه وأحَبُّ إلَيه،
وهو أفرُ به من أهلِه ومَالِه. انتَھَى.
قال النَّووِيُّ(٦): والظَّاهرُ أنَّ قَولَه في تَقْدِيم: (لأن (٧) يَرَانِ))، وتَأخِيرِ: ((ثُمَّ
لَا يَرَانِي)) (١٥٨/٧م) كَمَا قال: وأمَّا لَفظَةُ معهم [فَهِيَ عَلى](٨) ظَاهرِها، وفي
مَوضِعها. وتَقْدِيرُ الكَلَامِ: يَأتِي عَلى أحَدِكُمْ يَومٌ لَأن يَرَانِي فيه لَحظَةً ثُمَّ لَا يَرَانِي
بَعدَها(٩): أحَبُّ إلَيه من أهلِه ومَالِهِ جَمِيعًا. انتَهَى.
وتَوجِيه مَا قاله ابنُ سُفيَانَ وحَكَاه القَاضِي: من تَقدِيرٍ تَقدِيمِ ((معهم)) أنَّ
مَعنَاه لَأَن يَرَانِي مَوجُودًا كَائنًا معهم، وجَمع (١٠) الضَّمِيرَ بِاعتِبَارِ الرَّأىِ وأصحابه.
ولِهِذا جَاءَ في بَعضِ الرِّوايَاتِ معه بِالإِفرَادِ، نَقَلَها القَاضِي، وتَوجِيه بَقَائه عَلى
حَالِهِ مُؤَخَّرًا عَودُ الضَّمِيرِ في قَولِه: معهم: عَلى الأهلِ؛ أي: إنَّ رُؤيَتَه إِيَّايَ أحَبُّ
إِلَيه من أهلِه، ومن مَالِه مع أهلِه أيضًا، فَإِنَّ قَد يَسمَحُ الإنسَانُ بِفِرَاقِ أهلِهِ، ولَا
يَسمَحُ بِفِرَاقِ مَالِه، ويَجُوزُ أن لَا يُقَدِّرَ قَولَه: ((ولَا يَرَانِي)) مُؤَخَّرًا، بَل يَبقَى بِحَالِه
(١)
(٣)
في (ك٢، ح): ((لا)).
إكمال المعلم (٣٣٦/٧).
ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(٥)
(٧)
ليس في (ك٢، ح).
ليست في (ش).
(٩)
(٢) ليس في الأصل، (م).
(٤) زيادة من (ش).
(٦) شرح النووي على مسلم (١١٨/١٥).
(٨) في (٢٤، ح، ش): ((فعلى)).
(١٠) في (ش): ((وجميع)).

كِتَابُ الأيمَانِ
٣٥
من التَّقْدِيم. والمَعنَى: إنذَارُه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِفِرَاقِهِ، وأنَّه يَأتِي عَلى أصحَابه
وقتٌ لَا يَرَونَهُ(١) فيه، ولَا يَتَمَكّنُونَ(٢) من ذَلِكَ لِوفَاتِهِ، ورُؤْيَتُه في ذَلِكَ الوقتِ
أحَبُّ إلَيهم من أهلِيهم وأموالهم. ويُوافِقُ ذَلِكَ: أنَّ القُرطُبي لَمَّا ذَكَرَ لَفظَ مُسلِمٍ
قال: كَذَا صَحِيحُ الرِّوايَةِ، ولَم يَتَعَرَّض لِشَيءٍ مِمَّا ذَكَرَه القَاضِي والنَّووِيُّ(٣).
■ الثَّانِيَةُ: إن قُلتَ: مَا مَعنَى الإخبَارِ بِوُقُوعٍ ذَلِكَ في المُستَقبِلِ، مع أنَّ
الواجِبَ عَلَيهم وعَلى غَيرِهم [١٨١/٢ و] أن يَكُونَ أحَبَّ إلَيهم من أموالِهم
وأهلِيهم(٤)، ومن أنفُسِهم أيضًا، ويَجِبُ فِدَاؤُهُ لَو(٥) احتِيجَ إلى ذَلِكَ بِالمَالِ
والنَّفْسِ.
قُلتُ: لَيسَ الكَلَامُ فِي ذَاتِهِ الكَرِيمَةِ، بَل في (٦) رُؤْيَتِه لَحِظَةً واحِدَةً، فَلَو خُيِّرَ
صَحَابِيٍّ في زَمَنِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ رُؤيَتِه في لَحِظَةٍ مُعَيِّنَةٍ وفَقدِ أهلِهِ ومَالِهِ،
وبَيْنَ انِتِفَاءِ رُؤْيَتِه في تِلكَ اللحظَةِ مع بَقَاءِ أهلِهِ ومَالِهِ، فَاختَارَ بَقَاءَ أهلِهِ ومَالِهِ، لَم
يَكُن في ذَلِكَ مَحذُورٌ؛ لِأَنَّ انِتِفَاءَ الرُّؤيَةِ تِلكَ اللحظَةِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مَفسَدَةٌ،
وفَقدُ(٧) الأهلِ والمَالِ اللذين(٨) بهمَا (٩) قِيَامُ النَّاسِ، يَحصُلُ به الضَّرَرُ(١٠) البَلِيغُ،
فَأخبَرَ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِغَلَبَةِ الشوق(١١) إليه(١٢) عِندَ فَقدِهم رُؤيَته بِحَيثُ
يُؤْثِرُونَ رُؤْيَتَه لَحِظَةً واحِدَةً، ولَو حَصَلَ فِرَاقُهم لَه عَقِبَها عَلى الأهلِ والمَالِ (١٣)،
والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةُ: قال النَّورِيُّ(١٤): مَقصُودُ الحديثِ: حَثُّهم عَلى مُلَازَمَةِ مَجلِسِه
(١)
في (ح): ((ترونه)).
(٢) في (ح): ((تتمكنون)).
إكمال المعلم (٣٣٦/٧)، وشرح النووي على مسلم (١١٨/١٥)، والمفهم (١٧٤/٦).
(٣)
(٤)
في (ك٢، ح، ش): ((وأهاليهم)).
(٦)
في (م): ((وفي)).
(٥) في (ك٢، ح، ش): ((إذا)).
في (٢٥): ((وبفقد)). وفي (ح): ((وتفقد)».
(٧)
(٨)
في (م): ((الذي)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((الضرير)).
(١٢) ليست في (م).
(١٤) شرح النووي على مسلم (١١٨/١٥، ١١٩).
(٩) في (ش): ((هما)).
(١١) ليست في الأصل. وفي (م): ((الميل)).
(١٣) في الأصل: ((والله)).

=
٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
الكَرِيم، ومُشَاهَدَتِه حَضَرًا وسَفَرًا؛ لِلتَّدُبِ بِآدَابه وتَعَلَّم الشَّرَائع وحِفِظِها لِيُبَلِّغُوها،
وإِعلَاَمُهم أنَّهم (١) سَيَندَمُونَ عَلى مَا فَرَّطُوا فيه من الزِّيَادَةِ من(٢) مُشَاهَدَتِه
ومُلَازَمَتِهِ، ومنه قَولُ عُمَرَ ◌َبه: ألهانِي (١٥٩/٧م) عنه (٣) الصَّفقُ بِالأسواقِ(٤).
قُلتُ: وقَد وجَدنَا ذَلِكَ في حَقِّ أشياخنا(٥) ومُعَلِّمِينَا فنَدِمِنَا (٦) غَايَةَ النَّدَم
عَلى النَّقصِيرِ في حق (٧) مُلَازَمَتِهم إلى وفَاتِهم، وتَبَيَّنَ لَنَا سُوءُ الرَّأي في ظَنِّنَا: أنَّ
القَدرَ الذي حَصَلنَاه عنهم كَافٍ لنا(٨)، وفَاتَنَا بِذَلِكَ من المَصَالِحِ مَا آلَا
نُحصِيه](٩)؛ فَكَيفَ بِسَيِّدِ السَّادَاتِ (١٠) ◌ِ.
■ الرَّابِعَةُ: قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(١١): مَعنَى الحديثِ: إخبَارُه عَلَيه
الصَّلاةُ والسَّلَامُ بِأنَّه إذَا فُقِدَ تَغَيَّرَت الحَالُ عَلى أصحابه من عَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ وفَقدِ
عَظِيم فوائدِها، ولِمَا(١٢) طَرَأْ عَلَيهم من الاختِلَافِ والمِحَنِ والكُرَبِ والفِتَنِ،
وعَلىَ (١٣) الجُمْلَةِ فَسَاعَةُ مَوتِه اختَلَفَت (١٤) الآرَاءُ ونَجَمَت الأهواءُ، وكَادَ النِّظَامُ
يَنحَلُّ، لَولَا أنَّ اللهَ تعالى تَدَارَكَه بِثَانِي اثنَينٍ، وأهلِ العَقدِ والحَلِّ. وقَد عَبَّرَ
الصَّحَابَةُ عن مَبدَإِ ذَلِكَ الَّغَيُّرِ (١٥) لَنَا بِقَولِهم: مَا سَوّينَا التُّرَابَ عَلى رسولِ اللهِ وَه
حَتَّى أنكَرنَا قُلُوبَنَا، فَكُلَّمَا حَصَلَ واحِدٌ منهم في كُربَةٍ من تِلكَ الكُرَبِ، وذَّ أنَّه
يَرَى (١٦) رسولَ الله وَّه بِكُلِّ مَا معه من أهلٍ ومَالٍ، وذَلِكَ لِتَذَكُرِه(١٧) مَا فَاتَ من
بَرَكَاتٍ مُشَاهَدَتِه، ولِمَا حَصَلَ بَعدَه من فَسَادِ الأمرِ وتَغَيُّرِ حَالَتِهِ. انتَهَى.
(١)
في (٢٥، ح): ((أنه)).
(٢) في (ش): ((في)).
(٣)
ليس في (ك٢، ح، ش).
أخرجه البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٣٦/٢١٥٣) وهذا لفظه.
(٤)
(٥)
في الأصل، (م): ((أنفسنا)).
في (م): («فقد ندمنا)». وفي الأصل، (ك٢، ح): («ندمنا)).
(٦)
(٧)
ليس في الأصل، (م).
(٩) في (ك٢، ح): ((لم نحصه)).
(١١) المفهم (١٧٥/٦).
(١٣) في (ك٢، ح): ((على)).
(١٥) في (ح): ((التعبير)).
(١٧) في (٢٤، ح): ((لتذكرة)).
(٨) ليس في الأصل، (م).
(١٠) بعدها في (ش): ((ومعدن السعادات)).
(١٢) في (ح): ((وما)).
(١٤) في (ك٢، ح، ش): ((اختلف)).
(١٦) في (ك٢، ح، ش): ((رأى)).

كِتَابُ الأيمَانِ
٣٧
=
] الخَامِسَةُ: هذا الحديثُ كَالذي قَبلَه والذي بَعدَه، في أنَّ إيرَادَه في هذا
البَابِ لِلاستِدلَالِ(١) به عَلى الحَلِفِ بِمِثلٍ قَولِه: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه))، كَمَا
تَقَدَّمَ في الحديثِ الذي قَبَلَه، والله أعلَمُ.
الحديثُ الخَامِسُ (٢)
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، لَا
يَسمَعُ بِي أَحَدٌ منِ هَذِه الأمَّةِ، ولَا يَهودٌِّ وَلَا نَصرَانِيٍّ، ومَاتَ ولَم يُؤمن
بالذي أرسِلتُ به إلَّا كَانَ من أصحَابِ النَّارِ))، (رَواه مُسلِمٌ)(٣).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه مُسلِمٌ(٤) من طَرِيقِ عَمرِو بنِ الحَارِثِ، عن أبي يُونُسَ،
عن أبي هُرَيْرَةَ رَُّه، بلفظِ: ((من هَذِهِ الأمَةِ، يَهودِيّ (٧/ ١٦٠م) ولَا نَصرَانِيٌّ)).
■ الثَّانِيَةُ: قَولُه: ((لَا يَسمَعُ بي أحَدٌ من هَذِه الأمَّةِ)). يَتَنَاولُ جَمِيعَ أمَّةِ
الدَّعوةِ، مَن هو مَوُودٌ في زَمَنِهِ، ومن يَتَجَدَّدُ وُجُودُه بَعدَه إلى يَومِ القِيَامَةِ، فَذِكرُه
اليَهودِيَّ والنَّصرَانِيَّ بَعدَ ذَلِكَ من ذِكرِ الخَاصِّ بَعدَ العَامِّ، وإنَّمَا ذَكَرَهمَا تَنبيهًا عَلى
مَن سِواهمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ(٥) اليَهودَ والنَّصَارَى لَهم كِتَابٌ، فَإِذَا كَانَ هذا شَأْنُهم مع
أنَّ لَهم ◌ِتَابًا، فَغَيرُهُم مِمَّن لَا كِتَابَ لَه أولى. قاله النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٦).
ويَحْتَمِلُ أن يُرَادَ بهذِهِ الأمَّةِ: العَرَبُ الذينَ هم عَبَدَةُ الأوثَانِ، وحِينَئذٍ فَعَظْفُ
اليَهودِيِّ والنَّصرَانِيِّ عَلى بَابِه؛ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا فيمَا تَقَدَّمَ، وقَولُه في رِوايَتِنَا: ((وَلَا
يَهودِيٌّ وَلَا نَصرَانِيٌّ)» يُوافِقُ ذَلِكَ.
■ الثَّالِثَةُ: ومَفهومُه: أنَّ مَن لَم يَسمَعِ بِالنبيِّ وََّ [١٨١/٢ ظ]، ولَم تَبلُغه
في (ش): ((الاستدلال)).
(١)
(٢) في (ك٢، ح): ((السابع)).
(٣)
ليس في (ش).
(٤) مسلم (١٥٣/ ٢٤٠).
في الأصل: ((لا)).
(٥)
(٦) شرح النووي على مسلم (١٨٨/٢).

1
٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
دَعوةُ الإسلام، فَهو مَعذُورٌ عَلى مَا تَقَرَّرَ في الأصُولِ: أنَّه لَا حُكمَ قَبلَ وُرُودٍ
الشَّرعِ عَلى الصَّحِيحِ(١).
■ الرَّابِعَةُ: وفيه نَسُ المِلَلِ كُلِّها بِرِسَالَةٍ نَبَيْنَا وَلِ(٢).
الخَامِسَةُ: وفيه الانتِفَاعُ بِالإسلامِ قُبَيلَ(٣) المَوتِ، ولَو في المَرَضِ
الشَّدِيدِ مَا لَم يَصِل إلى المُعَايَنَةِ.
■ السَّادِسَةُ: وفيه تَكفيرُ مَن أنكَرَ بَعضَ مَا جَاءَ به إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَصِّ
قَطعِيٍّ وأجمعت عَلَيه الأمَّةُ، واللهُ تعالى أعلَمُ.
الحديثُ السَّادِسُ (٤)
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والله مَا أوتِيكُم من شَيءٍ، ولا
أمتَعُكُمُوه؛ إن أَنَا إِلَّ خَازِنٌ أضَعُ حَيثُ أمِرتُ))، رواه البخارِيُّ.
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه أبو داودَ(٥) من هذا الوجه عن سَلَمَةَ بنِ شَبيبٍ، عن
عَبدِ الرَّزَّاقِ .
وأخرَجَه البخارِيُّ(٦) عن مُحَمَّدٍ بنِ سِنَانٍ، عن فُلَيحِ، عن هلَالٍ، عن
عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي عَمرَةً، عن أبي هرَيرَةً، بلفظِ: ((مَا أعطِيَّكُم ولا أمتَعُكُمْ أَنَّا
قَاسِمٌ أَضَعُ حَيثُ أمِرت)).
■ الثَّانِيَةُ: أورَدَه البخارِيُّ في الخُمُسِ وبَوّبَ عَلَيه: بَابُ قَوله تعالى:
﴿فَأَنَ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ يَعنِي: لِلرسولِ قَسمُ ذَلِكَ.
شرح النووي على مسلم (١٨٨/٢).
(١)
شرح النووي على مسلم (١٨٨/٢).
(٢)
في (ك٢، ش): ((قبل)).
(٣)
أبو داود (٢٩٤٩).
(٥)
(٤) في (ك٢، ح)
(٦) البخاري (٣١١٧).

كِتَابُ الأيمَانِ
5
٣٩
=
قال ابنُ بَطَالٍ(١): غَرَضُه الرَّدُّ عَلى مَن جَعَلَ لِلنبيِّ وَّهِ خُمُسَ الخَمسِ مِلكًا
استِدلَالًا بِقَولِه تعالى: ﴿وَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَِّ خُمُسَهُ, (٧/ ١٦١م)
وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ(٢). قال إسمَاعِيلُ بنُ إسحَاقَ: وقد(٣)
قِيلَ في الغَنَائم كُلُّها: لِلَّه ولِلرسولِ، كَمَا قِيلَ في الخُمُسِ: لِلَّه ولِلرسولِ،
فَكَانَتْ(٤) الأنفَالُ كُلُّها لِلنبِيِّ وَّهِ، بَل عَلِمَ المُسلِمُونَ أَنَّ(٥) الأمرَ فيها مَرُدُودٌ إلَيه،
فقسَّمَها وََّ، وكَانَ فيها كَرَجُلٍ من المُسلِمِينَ، بَل لَعَلَّ مَا أخَذَ من ذَلِكَ أقَلَّ من
حَظّ رَجُلٍ بَلَغَنَا أَنَّه تَنَفَّلَ سَيفَه ذَا الفقارِ يَومَ بَدٍ، وقِيلَ: جَمَلًا لِأبي جَهلٍ، وقَد
عَلِمَ كُلُّ ذِي عَقلِ أنَّه لَا شِركَ بَينَ الله ورسولِه وبَينَ أحَدٍ من النَّاسِ، وأنَّ مَا (٦)
كَانَ لِلَّه [ولرسولِه، فَالمَعنى فيه] (٧) واحِدٌ؛ لِأنَّ طَاعَةَ الله طَاعَةُ رسولِه. وسُئلَ
الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ بنِ عَلِيٍّ عن قَولِه وَّ: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُسَهُ﴾. قال: هذا مِفتَاحُ كَلَامِ؛ لِلَّه (٨) الدُّنيَا والآخِرَةُ(٩).
قال المُهَلَّبُ: وإنَّمَا خُصَّ بِنِسَبَةِ الخُمُسِ إِلَيه ◌َّهِ؛ لِأنَّه لَيسَ لِلغَانِمِينَ فيه
دَعوى، وإنَّمَا هو إلى اجتِهادِ الإمَامِ، فَإِن رَأَى دَفْعَهُ(١٠) في بَيْتِ المَالِ لِمَا يَخْشَى
أن يَنْزِلَ بِالمُسلِمِينَ دَفَعَه (١١)، أو يَجعَلُهُ فيمَا يَرَاهِ، وقَد يُقَسِّمُ منه لِلغَانِمِينَ، كَمَا
أنَّه يُعطِي من المَغَانِمِ لِغَيرِ الغَانِمِينَ، كَمَا قَسَّمَ لِجَعفَرٍ وغَيرِهِ مِمَّن لَم يَشْهَد الوقعَةَ،
شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٧٤/٥، ٢٧٥).
(١)
(٢)
في (ك٢، ح): (للشافعي)).
(٣) ليس في الأصل، (م).
(٤)
في (ح، ش): ((أفكانت)). وفي (٢٥): ((أو كانت)).
(٥)
لیست في (ك٢، ح).
(٦) ليس في (ك٢، ح، ش).
في الأصل، (م): ((ورسوله فالمعنِيُّ به)). والمثبت موافق لما في ابن بطال.
(٧)
(٨)
في (م): «ولله)».
الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (٤٣١/١٢)، والنسائي في الكبرى (٤٤٢٩)، وابن زنجويه في
(٩)
الأموال (٧٥، ١٢٤٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٢٣٤/٣، ٢٧٧)، والحاكم
(١٢٩/٢)، والبيهقي (٣٣٨/٦).
(١٠) في (ك٢، ح): ((رفعه)).
(١١) في (ك٢، ح): (رفعه)). وفي (ش): ((وقعة)).

=
٤٠
2
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فَالخُمُسُ وغَيرُهُ (١) إلى قِسمَتِهِ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ واجتِهادِهِ، ولَيسَ لَه في
الخُمُسِ مِلكٌ، ولَا يَتَمَلَّكُ من الدُّنيَا إلَّا قَدرَ حَاجَتِهِ، وَغَيرُ ذَلِكَ كُلِّه عَائِدٌ عَلى
المُسلِمِينَ، وهذا مَعنّى(٢) لِتَسمِيَتِهِ(٣) القَاسِمَ، ولَيسَت(٤) هَذِهِ الثَّسمِيَةُ بِمُوجِبَةٍ (٥)
أَلَّا يَكُونَ لَه أثَرَةٌ(٦) في اجتِهادِه لِقَومِ دُونَ قَومٍ. انتَهَى.
وفيه نَظَرٌ؛ فَظَاهرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ خُمُسَ الخُمُسِ لِلرسولِ مِلكًا؛ لِأنَّ الأصلَ
في اللام(٧) الدَّلَالَةُ عَلى المِلكِ فَصَرِفُها عن مَدُلُولِها يَحتَاجُ إلى دَلِيلٍ، ولَيسَ في
هذا الحديثِ (٨) التَّصرِيحُ بِأنَّه في الخُمُسِ، فَكَيفَ تُرَدّ(٩) دَلَالَةُ القُرآنِ الصَّرِيحَةُ بِمَا
لَا دَلِيلَ فيه؟ وهَل يَدُلُّ قَولُ القَائلِ: أنَا قَاسِمٌ أو أنَا (١٠) خَازِنٌ، عَلى أنَّه لَا مِلكَ
لَه في شَيءٍ أصلاً؟ وهذا من أيِّ الدَّلَالَاتِ؟.
وأمَّا مَا حَكَاه عن الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ أنَّه قال في ذِكرِ (١١) الله
تعالى في هَذِه الآيَةِ: إنَّه افتِتَاحُ كَلَام؛ فَإِنَّ لَه الدُّنيَا والآخِرَةَ، فَهو كَلَامٌ
صَحِيحٌ، فَلَا مَعنَى لِجَعلِ سَهم لِلَّه(١٢) وَلَه جَمِيعُ الأمُورِ، ولَو ◌ُجُعِلَ لِلَّه سَهمٌ
لَكَانَت قِسمَةُ الخُمُسِ عَلى سِتَّةٍ، ولَا قَائلَ به، ولَا يَلَزَمُ ذَلِكَ في ذِكرِ الرسولِ؛
فَإِنَّه بَشَرٌ يَتَأْتَّى لَه المِلكُ كَالأصنَافِ المَذكُورَةِ [١٨٢/٢ و] بَعدَه. وبهذا قال
الأكثَرُونَ، وهو قَولُ أبي حَنِيفَةَ (٧/ ١٦٢م) والشَّافِعِيِّ وأحمَدَ: إنَّ خُمُسَ الغَنِيمَةِ
والفَيءٍ يُقَسَّمُ عَلى خَمسَةِ أسهمِ: سَهمِ لِلرسولِ (١٣) وٍَّ، وسَهم لِذَوِي قُرْباهُ،
وهم بَنُو هاشِمِ وبَنُو المُطَّلِبِ، يَشتَرِكُ فيه (١٤) غَنِيُّهم وفَقِيرُهم، وَسَهمٍ لِلْيَتَامَى،
وهو صَغِيرٌ لَا أَبَ لَه بِشَرطِ الفَقْرِ، وسَهمٍ لِلمَسَاكِينِ، وسَهمٍ لِابنِ السَّبِيلِ.
(١) بعده في (م): ((يرجع)).
(٣)
في (ك٢، ح): ((تسميته)).
في (ح): ((لموجب)). وفي (ش): ((بموجب)).
(٥)
(٦)
في (ح، ش) ((أثره).
(٨) ليست في (ح).
(١٠) ليس في (ك٢، ح، ش).
(١٢) في (٢٥، ح): ((الله)).
(١٤) ليس في الأصل، (م).
(٢) ليست في (ش).
(٤) في الأصل، (ك٢، ح): ((وليس)).
(٧) في (ش): ((الإمام)).
(٩) في (ك، ش): ((يرد)).
(١١) ليست في (ش).
(١٣) في (ك٢): ((الرسول)).