النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
واستَثنَى أصحَابْنَا(١) من تَحرِيمِ الطَّلَاقِ في الحَيضِ صُورًا:
إحداها(٢): أن يُطَلِّقَها بِعِوضٍ منها. فَلَو سَأَلَته الطَّلَاقَ وَرَضِيَت به بِلَا
عِوضٍ، أو اختَلَعَها أجنَبي: فَفيه لِأصحَابِنَا خِلَافٌ، والأصَحُّ تَحرِيمُه فيهمَا.
والمَشهورُ عِندَ الحَنَابِلَةِ: تحريمُ (٣) إِيَاحَةِ الطَّلَاقِ في الحَيضِ بِسُؤَالِ المَرأةِ، وإن
لَم يَكُن بِعِوضٍ(٤).
قال الرَّافِعِيُّ: فَلَو عُلِّقَ طَلَاقُها بِمَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِها فَفَعَلَته مُختَارَةً، يَحْتَمِلُ
أن يُقال (٨٥/٧م): هو كَمَا لَو طَلَّقَها بِسُؤَالِها. والمَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ: تَحرِيمُ
الخُلعِ كَالظَّلَاقِ.
ثَانِيها: إِذَا طُولِبَ المُولِي بِالظَّلَاقِ فَطَلَّقَ في الحَيضِ، قال الإمَامُ والغَزّالِيُّ
وغَيرُهمَا (٥): لَيسَ بِحَرَام لِأنَّها طَالِبَةٌ (٦) رَاضِيَةٌ. قال الرَّافِعِيُّ: وكانَ(٧) يُمكِنُ أن
يُقال بِتَحرِيمِه؛ لِأَنَّه أحوجَها (٨) بِالإِيذَاءِ إلى الطَّلَبِ، وهو غَيرُ مُلجٍَ لِلطَّلَاقِ لِتَمَكُنِهِ
من الفَيْئَةِ، ولَو طَلَّقَ القَاضِي عَلَيهِ إِذَا قُلْنَا به، فَلَا شَكَّ أَنَّه لَيسَ بِحَرَامٍ في الخَيضِ.
واختَلَفَ المَالِكِيَّةُ (٩) فِي ذَلِكَ، فقال أشهَبُ: لَا تَطْلُقُ (١٠) عَلَيهِ لِتَعَذُّرِ الوطءِ
في الخَيضِ، ويُطَلِّقُ عِندَ ابنِ القَاسِمِ، وهو الأصَحُّ؛ لِإِمكَانِ الكَفَّارَةِ لَه فَيَسقُطُ
حُكُمُ الإِيلَاءِ.
ثَالِثُها: لَو رَأى الحَكَمَانِ فِي صُورَةِ الشِّقَاقِ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَا في الحَيضِ؛ فَفي
(شَرحِ مُختَصَرِ الجُوبِيِّ): أنَّه لَيْسَ بِحَرَامِ لِلحَاجَةِ إلى قَطعِ الشَّرُ(١١).
رَابِعُها: لَو قال: أنتِ طَالِقٌ مع آخِرِ حَيضِك(١٢)، أو آخِرِ جُزءٍ من أجزاء(١٣)
(١) ينظر: روضة الطالبين (٣/٨ - ٤).
ليست في الأصل، (م).
(٣)
(٥)
الوسيط في المذهب (٣٦٢/٥)، وروضة الطالبين (٤/٨).
(٦)
في الأصل، (م): ((طالبته).
(٨)
في (م): ((أخرجها)).
(١٠) في (ش): ((يطلق)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((حيضتك)).
(٢) في (ك٢، ش): ((أحدها)).
(٤) في (ك٢، ح): ((متعوضًا)).
(٧) في الأصل، (م): ((وهذا)).
(٩) ينظر: عارضة الأحوذي (١٢٦/٥).
(١١) روضة الطالبين (٥/٦).
(١٣) في (م): ((آخر)).

=
٤٦٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
خَيضِك(١)، فَالأَصَحُّ عِندَ أصحَابِنَا(٢): أنَّه سُنِّيٌّ لِاستِعِقَابه الشُّرُوعَ في العِدَّةِ،
بِخِلَافِ قَولِه: أنتِ طَالِقٌ مع آخِرِ جُزءٍ من الظُّهرِ فَإِنَّه بِدعِيٍّ، وإن لَم يَطَأها(٣) في
ذَلِكَ الظُّهرِ، وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ .
فَلَو نَجَّزَ الظَّلَاقَ في ظُهرٍ لَم يُجَامِعها فيه، فَصَادَفَ حُدُوثَ الحَيضِ عَقِبَ
[طَلَاقِهِ، أَو نَجَّزَه في الخَيضِ فَصَادَفَ حُدُوثَ الظُّهرِ عَقِبَ](٤) طَلَاقِهِ: لَم أَرَ فيه
نَقْلًا. والأظهَرُ: أنَّه في الأولى سُنِّيٍّ، ومع ذَلِكَ يُستَحَبُّ(٥) الرَّجعَةُ لِطُولِ العِدَّةِ،
وفي الثَّانِيَةِ بِدعِيٌّ، لَكِن لَا تُستَحَبُّ الرَّجِعَةُ لِعَدَمِ التَّطوِيلِ.
وحَاصِلُ هَذَا: أنَّ لِلبِدعَةِ حُكمَينِ الإثمَ واستِحبَابَ الرَّجعَةِ، فَثَبَتَ هنَا
أحَدُهمَا دُونَ الآخَرِ، كَمَا قاله (٦) أصحَابُنَا في الطَّلَاقِ المُعَلَّقِ إذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ
في الحَيضِ؛ فَإِنَّه ثَبَتَ فيه أحَدُ الحُكمَينِ، وهو استِحِبَابُ الرَّجْعَةِ دُونَ الإثم، والله
أعلَمُ.
خَامِسُها: لَو كَانَتِ الحَامِلُ تَرَى الدَّمَ، وقُلنَا: هو حَيضٌ وهو الأصَحُّ،
فَطَلَّقَها فيه لَم يحرم(٧) عَلى الصَّحِيحِ(٨) عِندَنَا، وعِندَ المَالِكِيَّةِ. وكَذَا قال
الحَنَابِلَةُ: إنَّه لَا بِدعَةَ فِي طَلَاقِ الحَامِلِ.
قال ابنُ المُنذِرِ(٩): وبه قال أكثَرُ العُلَمَاءِ؛ منهم: طَاوُسٌ، والحَسَنُ،
وابنُ سِيرِينَ، ورَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبي(١٠) سُلَيمَانَ، وَآخَرُونَ.
سَادِسُها: غَيرُ المَدُخُولِ بها لَا يَحرُمُ طَلَاقُها في الخَيضِ عِندَنَا (١١)، وعِندَ
الحَنَابِلَةِ؛ إذ لَا عِدَّةَ عَلَيها. وهو المَشهورُ عِندَ المَالِكِيَّةِ والحَنَفيةِ، وإن (١٢) كَانَ
الحَنَفيةُ لَا يُعَلِّلُونَ بِتَطوِيلِ العِدَّةِ، وقَالُوا في تَوجِيهِه: إنَّ الرَّغَةَ في غَيرِ المَدْخُولِ
(١) في (ك٢، ح): ((حيضتك)).
(٣) في (ش): ((يطأ)).
(٥)
في (م): «تستحب».
(٧)
في (ش): ((تحرم))
الإشراف على مذاهب العلماء (١٨٥/٥).
(٩)
(١٠) ليس في (ش).
(١٢) في (ك٢، ح): ((فإن)).
(٢) روضة الطالبين (٦/٦ - ٧).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في (ك٢، ح).
(٦) في (م): ((قال)).
(٨) في (ش): ((الأصح)).
(١١) في (ك٢، ح): ((وعندنا)).

=
٤٦٣
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
بها صَادِقَةٌ لَا تَقِلُّ بِالحَيضِ مَا لَم يَحصُل مَقصُودُه منها (٨٦/٧م) وفي المَدخُولِ(١)
بها(٢) تَتَجَدَّهُ(٣) بِالظُّهرِ. وقال زُفَرُ: يَحرُمُ طَلَاقُ غَيرُ المَدْخُولِ بها في الخَيضِ
كَالمَدْخُولِ بها. وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ: إجمَاعَ العُلَمَاءِ عَلى الأولِ، ولَم يَحفَظ قَولَ
زُفَرَ، ثُمَّ حَكَى عن أشهَبَ مِثلَه: أنَّه لَا يُطَلِّقُها، وإن كَانَت غَيرَ مَدخُولٍ بها
حائضًا (٤).
سَابِعُها: إذَا طَلَّقَها في حَيضِ طَلقَةً ثَانِيَةً مَسبوقَةً بِأُولَى (°في ظُهر٥ٍ) أو
حَيضٍ، فَهَذِهِ الثَّانِيَةُ حَرَامٌ إن قُلنَا: تَستَأنِفُ العِدَّةَ، وهو الجَدِيدُ الأَظهَرُ، وإلَّا
فوجهانِ لِعَدَمِ التَّطوِيلِ، فَاسْتِنَاءُ هَذِه (٦عَلَيَّ ضَعِيف٦ٌ).
واعلَم أنَّ النِّفَاسَ كَالحَيضِ في تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فيه إلَّا فيمَا ذَكَرْنَاه. كَذَا
صَرَّحَ به الفُقَهاءُ القيَّاسُونَ(٧) من أصحَابِنَا وَغَيرِهم. وقاله ابنُ حَمِ الظَّاهِرِيُّ
أيضًا؛ لِاعتِقَادِه(٨) دُخُولَ النِّفَاسِ في مُسَمَّى الحَيضِ. ووقَعَ في كَلَامِ الرَّافِعِيِّ من
أصحَابِنَا في الخَيضِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَحرِيمِ الطَّلَاقِ في النِّفَاسِ. وهوَ ذُهولٌ؛ فقد
قُرِّرَ في كِتَابِ الظَّلَاقِ خِلَافُه كَمَا هو المَعرُوفُ، وقال ابنُ العَرَبي: حُكِيَ عن
[١٥٩/٢ و] بَعضِ المَخَاذيل مِمَّن يَقُولُ بِخَلقِ القُرآنِ ولا يُعتَبَرُ بِقَولِه: إنَّ النُّفَسَاءَ لَا
تَدخُلُ في هذا الحُكمِ(٩).
■ الرَّابِعَةُ: قَولُه: (مُره فَليُرَاجِعها)). قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ
العُمدَةِ)(١٠): يَتَعَلَّقُ به مَسألَةٌ أصُولِيَّةٌ، وهيَ أنَّ الأمرَ بِالأمرِ بِالشَّيءِ هَل هو أمرٌ
بِذَلِكَ الشَّيءٍ أَم لَا؟ فَإِنَّه عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ قال لِعُمَرَ: (مُره). فَأمَرَه بِأمرِهِ،
وعَلى كُلِّ حَالٍ: فَلَا يَنْبَغِي أَن يَتَرَدَّدَ في اقتِضَاءٍ ذَلِكَ الطَّلَبَ، وإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يَنْظُرَ
(١) في (ك٢، ح): ((الدخول)).
(٣) في (ح، ش): ((يتجدد)).
(٥ - ٥) في (ك٢، ح): ((بطهر)).
(٧) في (م): ((القياسيون)).
(٩) المحلى (١٧٦/١٠)، وعارضة الأحوذي (١٢٨/٥).
(١٠) إحكام الأحكام (ص ٥٩٠، ٥٩١).
(٢) ليس في (ش).
(٤) التمهيد (٧٢/١٥، ٧٣).
(٦ - ٦) فى الأصل، (م): ((عَلى ضعفٍ)).
(٨) في (ك٢، ح): ((اعتقاده)).

=
٤٦٤
حمـ
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
في أنَّ لَوازِمَ صِيغَةِ الأمرِ هَل هيَ لَوازِمٌ لِصِيغَةِ الأمرِ بِالأمرِ أم لَا؟ بِمَعنَى أنَّهمَا
هَل يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلى الطَّبِ من وجهٍ واحِدٍ أم لَا؟
قُلتُ: الذي صَحَّحَه ابنُ الحَاجِبٍ(١) وغَيرُه في المَسألَةِ الأصُولِيَّةِ: أنَّه لَا
يَكُونُ أمرًا بِذَلِكَ. ولَا يُنَّجَه تَخْرِيجُ هَذِه المَسألَةِ عَلى تِلكَ القَاعِدَةِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ نَّه
لَيْسَ آمِرًا لِابنِه، وإنَّمَا هو مُبَلِّغْ لَه أمرَ النبيِّ وَّهِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُ ابنِ عُمَرَ في
رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ: (فَإِنَّ رسولَ اللهِوَّهِ أَمَرَنِي بهذَا))، وقَولُه في رِوايَةٍ لِمُسلِمٍ أيضًا،
((وَرَاجَعَها عَبْدُ الله، كَمَا أَمَرَه رسولُ اللهِ وَلَ). وفي ((الصَّحِيحَينِ)) من طَرِيقٍ(٢)
يُونُسَ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((فَأْمَرَه أن يُرَاجِعَها))، ومن طَرِيقِ أَنَسٍٍ بنِ سِيرِينَ
عنه: ((لِيُرَاجِعها))، وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ وغَيرِهِ؛ من طَرِيقٍ أبي الزُّبَيرِ عنه:
(لِيُرَاجِعها))(٣)، وفي رِوايَةٍ [طَاؤُسٍ عنه، عِندَ مُسلِمٍ: ((فَأْمَرَه] (٤) أن يُرَاجِعَها)).
فَفِي هَذِه الرِّوايَاتِ أمرُه من غَيرِ تَوسُّطِ أمرِ عُمَرَ، وهو صَرِيحٌ فيمَا قُلْنَاه، ولَا
يُتَّجَه هِنَا مَا قَالُوه في تَمثيل(٥) الآمِرِ بِالأمرِ، بِأن يَقُولَ لِزَيدٍ: مُر عَمرًا (٨٧/٧م) أن
يَبِيعَ هَذِه السِّلعَةَ؛ من أنَّه لَو تَصَرَّفَ الثَّالِثُ قَبلَ إذنِ الثَّانِي لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه؛ بِنَاءً عَلى
أنَّه لَيسَ أمرًا، فَإِنَّ ابنَ عُمَرَ لَو حَضَرَ وسَمِعَ هذا الكَلَامَ من النبيِّ وَّ أُو بَلَغَه ذَلِكَ
من غَيرِ أبيه عُمَرَ ◌َُه: لَوْجَبَ عَلَيهِ العَمَلُ به، [ولَم يَتَوقَّف وُجُوبُ العَمَلِ(٦) به](٧)
عَلى أمرٍ عُمَرَ (٨له بذلك٨)؛ فَدَلَّ عَلى أنَّه مَأمُورٌ بِأمرِ النبيِّ وَّهِ، وإنَّمَا خَرَجَ عَلى
هَذِهِ القَاعِدَةِ قَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ: (مُرُوا أولَادَكُم بِالصَّلَاةِ وهم أبناءُ سَبع)) (٩)؛
لِأَنَّ الصِّبَيَانَ لَيسُوا مَحَلَّا لِلتَّكَلِيفِ فَلَا يَأْمُرُهم الشَّارِعُ بِشَيءٍ (١٠)، وإِنَّمَا يَأَمُرُهم
الأولِيَاءُ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الثَّمرِينِ لهم (١١)، كَسَائِرِ مَا يُرَبِونَهم عَلَيهِ، واللهُ أعلمُ.
(١) ينظر: رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب (٥٥٧/٢).
(٢)
في (ش): ((طاوس و) ..
(٣) في (ك٢، ح): ((فيراجعها)).
مكانها في (ك٢، ح): ((عنه عند مسلم فأمره طاوس)). وهو اضطراب في العبارة.
(٤)
(٥)
في الأصل، (م): ((تمسك)).
ما بين المعكوفين ليس في (ك٢،
(٧)
(٦) في (م): ((الأمر)).
(٨ - ٨) من (ك٢، ح، ش).
ح).
(٩) أبو داود (٤٩٥) عن عبد الله بن عمرو. (١٠) في (ك٢، ح، ش): ((لشيء)).
(١١) من (ك٢، ح).

كهر
٤٦٥
=
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
الخَامِسَةُ: فيه الأمرُ بِمُرَاجَعَةِ المُطَلَّقَةِ في الحَيضِ، وهو أمرُ استِحِبَابِ
عِندَ أبي حَنِيفَةً والشَّافِعِيِّ والأوزَاعِيِّ وأحمَدَ في المَشهورِ عنه. وحَكَاه النَّوِيُّ(١)
عن سَائِرِ الكُوفيينَ وفُقَهاءِ المُحَدِّثِينَ. وقال مَالِكٌ وأصحابُه: هيَ واجِبَةٌ يُجبَرُ
عَلَيها مَا بَقِيَ من العِدَّةِ شَيءٌ. وقال أشهَبُ: مَا لَم تَطهر من الثَّانِيَةِ، فَإِن أَبَى
أجبَرَه الحَاكِمُ بِالأدَبِ، فَإِن أبَى ارتَجَعَ الحَاكِمُ عَلَيهِ، ولَو وطِئَها بِذَلِكَ عَلى
الأصَحِّ.
ومَا حَكَيته أولًا عن أبي حَنِيفَةَ من الاستِحِبَابِ هو المَشهورُ فِي كُتُبٍ (٢)
الخِلَافِ، ومِمَّن حَكَاه عنه الثَّورِيُّ. لَكِن حَكَاهِ صَاحِبُ ((الهدَايَةِ))(٣) عن بَعضٍ
المَشَايِخِ، ثُمَّ قال: والأصَحُّ أنَّه واجِبٌ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الأمرِ، ورَفعًا (٤) لِلمَعصِيَةِ
بِالقَدرِ المُمكِنِ بِرَفع أثَرِهِ وهو العِدَّةُ، ودَفعًا لِضَرَرٍ تَطوِيلِ العِدَّةِ. انتَهَى.
وقال دَاوُد الظّاهِرِيُّ(٥): يُجَبَرُ عَلى الرَّجعَةِ إِذَا طَلَّقَها حَائضًا، ولَا يُجَبَرُ إِذَا
طَلَّقَها نُفَسَاءَ. وذَكَرَ إِمَامُ الحَرَمَينِ (٦) أنَّ المُرَاجَعَةَ، وإن كَانَت مُستَحَبَّةً فَلَا يَنْتَهي
الأمرُ فيه إلى أن يَقُولَ: تَرِكُ المُرَاجَعَةِ مَكرُوهٌ. قال النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ)): ويَنبَغِي
أن يُقال بِالكَرَاهَةِ لِلحديثِ الصَّحِيحِ الوارِدِ فيها ولِدَفعِ الإِيذَاءِ.
وحَكَى ابنُ عَبدِ البَرِّ (٧) خِلَافًا في سَبَبِ الأمرِ بِالرَّجِعَةِ (٨): قِيلَ: عُقُوبَةً
لَه (٩). وقِيلَ: دَفعٌ للضَّرَرِ عنها بِتَطوِيلِ العِدَّةِ عَلَيها؛ فَلَو اذَّعَت المَرأةُ أنَّهِ طَلَّقَها
في الحَيضِ وقال الزَّوجُ: في ظُهرٍ: فقال سَحنُونٌ: القَولُ قَولُها، ويُجَبَرُ عَلى
الرَّجعَةِ. والأصَحُّ أنَّ القَولَ قَولُه.
■ السَّادِسَةُ: الأمرُ بِالمُرَاجَعَةِ صَرِيحٌ في وُقُوعِ الظَّلَاقِ فِي الحَيضِ، وإن
كَانَ مَعصِيَةً، وأصرَحُ [١٥٩/٢ظ] منه قَولُ ابنِ عُمَرَ: ((وحُسِبتْ لَها التَّطْلِيقَةُ الَّتِي
شرح صحيح مسلم (٦٠/١٠).
(١)
(٣) الهداية (٢٢٨/١).
(٥)
التمهيد (٦٧/١٥).
التمهيد (٦٦/١٥، ٦٧).
(٧)
ليس في (ح، ك٢).
(٩)
(٢) في (ك٢، ح): ((كتبه)).
(٤) في (ش): ((ودفعًا)).
(٦) روضة الطالبين (٥/٨).
(٨) في (ش): ((بالمراجعة)).

=
٤٦٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
طَلَّقتها))(١)، وهو في ((صَحِيح مسلم))، كما تقدم. وقوله: ((وحسبت علي بتطليقة))،
وهو في ((صحيح (٢) البخارِيِّ)) كَمَا تَقَدَّمَ، وهذا مَذهَبُ (٨٨/٧م) الأئمَّةِ الأربَعَةِ.
وحَكَاه النَّووِيُّ(٣) عن العُلَمَاءِ كَافَّةً، قال: وشَذَّ بَعضُ أهلِ الّاهرِ، فقال: لَا يَقَعُ
طَلَاقُهُ لِنَّه غَيرُ مَأْذُونٍ لَه فيه؛ فَأَشبَهَ طَلَاقَ الأجنبيةِ. انتَهَى.
وحَكَاه الخَطَابي(٤): عن الخَوارِجِ والرَّوافِضِ.
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): لَا مُخَالِفَ في ذَلِكَ إلَّا أهلُ البِدَعِ والضَّلَالِ
والجَهلِ، ورُوِيَ مِثلُه عن بَعضِ التابعين (٦)، وهو شُذُوذٌ لَم يُعَرِّجَ عَلَيه أهلُ العِلمِ.
انتَھَی.
وحَكَاه ابنُ العَرَبي (٧): عن ابنٍ (٨) عُلَيَّةَ. ومِمَّن ذَهَبَ إلى هذا الشُّذُوذِ: ابنُ
حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٩). وأجَابَ عن الأمرِ بِالمُرَاجَعَةِ بِأنَّ (١٠) ابنَ عُمَرَ كَانَ اجتَنَبَها
فَأَمَرَه بِرَفضٍ فِرَاقِها، وأن يُرَاجِعَها كَمَا كَانَت قَبلُ.
وحَاصِلُ كَلَامِه: حَمَلُ المُرَاجَعَةِ عَلى مَدُلُولِها اللُّغَوِيِّ، وهو الرَّدُّ إلى حَالِها
الأولِ. وهو مَردُودٌ؛ لِأنَّ حَملَ اللفظِ عَلى الحَقِيقَةِ الشَّرعِيَّةِ مُقَدَّمُ عَلى حَملِهِ عَلى
الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، كَمَا هو مُقَرَّرُ في أصُولِ الفِقه (١١).
وأجَابَ عن قَولِ ابنِ عُمَرَ: ((حُسِبَت عَلَيَّ بَتَطلِيقَةً))(١٢)، بِأَنَّه لَم يَقُل فيه إنَّه
عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ هو الذي حَسِبَها تَطْلِيقَةً، وإنَّمَا هو إخبَارٌ عن نَفسِهِ، ولَا
حُجَّةَ فيه. وهو (١٣) مَرَدُودٌ؛ فَإِنَّه لَم يَقُل ((حَسِبتها))؛ فَنَسَبَ الفِعلَ إلى نَفسِه. وإِنَّمَا
قال ((حُسِبَتْ))؛ فَأَقَامَ المَفعُولَ مَقَامَ الفَاعِلِ ولَم يُصَرِّح به، فَهو مُنصَرِفٌ إلى
(١) في (م): ((طلقها)).
شرح النووي على مسلم (٦٠/١٠).
(٣)
(٥)
التمهيد (٥٨/١٥، ٥٩).
عارضة الأحوذي (١٢٧/٥).
(٧)
(٩) المحلى (١٦٦/١٠).
(١١) ينظر: البحر المحيط (٥٧٨/١).
(١٣) في (ش): ((فإنه)).
(٢) ليس في الأصل، (م).
(٤) معالم السنن (٢٣٢/٣).
(٦) في الأصل، (م): ((الرافضيين)).
(٨) في (ش): ((أبي)).
(١٠) في (ك٢، ح): ((فإن)).
(١٢) في الأصل، (م): ((تطليقة)).

٤٦٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
==
المُتَصَرِّفِ في الأحكامِ الشَّرعِيَّةِ، وهو الرسولُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ؛ كقَولِه(١):
أُمِرِنَا بِكَذَا، ونُهينًا عن كَذَا(٢).
ثُمَّ تَمَسَّكَ ابنُ حَزم(٣) عَلى أنَّ الطَّلَاقَ لَم يَقَع بِرِوايَةِ أبي الزُّبَيرِ المُتَقَدِّمِ
ذِكرُها (٤). وقال: هذا إسنَادٌ في غَايَةِ الصِّحَّةِ لَا يَحْتَمِلُ الثَّوجِيهاتِ.
وهو عَجِيبٌ؛ فقد تَقَدَّمَ عن أبي دَاوُد أنَّه قال: الأحَادِيثُ كُلُّها عَلى خِلَافِ
مَا قال أبو الزُّبَيرِ.
وعن الخَطَّابي(٥) أنَّه نَقَلَ عن أهلِ الحديثِ أَنَّهم قَالُوا: لَم يَروِ أبو الزُّبَيرِ
حَدِيثًا أنكَرَ من هَذَا. فَكَيفَ يَتَمَسَّكُ بِرِوايَةٍ (٦) شَاذَّةٍ، ويَتْرُكُ الأحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ
الَّتِي هيَ مِثلُ الشَّمسِ في الوُضُوحِ. وقَولُه: إنَّ(٧) هَذِهِ الرِّوايَةَ لَا تَحْتَمِلُ(٨)
التَّوجِيهاتِ. مَردُودٌ؛ فقد تَقَدَّمَ من كَلَامِ الخَطَّابي وابنِ عَبدِ البَرِّ تَأْوِيلُها بِتَقدِیرِ
صِحَّتِها. وقَد أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ◌َُّ(٩) إلى ضَعِفِها وتَأوِيلِها، فقال: ونَافِعٌ أَثبَتُ عن
ابنِ عُمَرَ من أبي الزُّبَيرِ. والأثبَتُ من الحديثَينِ(١٠) أولى أن يُقال به إذَا خَالَفَه،
وقَد وافق نَافِعًا غَيرُه من أهلِ الثَّبتِ في الحديثِ؛ حَكَاه عنه البَيْهَقِيُّ في
(المَعرِفَةِ). ثُمَّ قال: واستَدَلَّ الشَّافِعِيُّ (١١) رَبِهِ، بِقَولِهِ رَتْ: ﴿اَلَّلَقُ مَّتَانِ فَإِسَاءٌ
◌ِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، لَم يُخَصِّص ◌َلَاقًا دُونَ (٨٩/٧م) طَلَاقٍ.
قال: ولَم تَكُن (١٢) المَعصِيَةُ إِن كَانَ عَالِمًا يُطرَحُ عنه التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّ المَعصِيَةَ لَا
تَزِيدُ الزَّوجَ خَيرًا إن لَم تَزِده(١٣) شَرًّا، وبَسَطَ الكَلَامَ فيه. وحَمَلَ قَولَه في حَدِيثٍ
(١) في (م): ((لقوله)).
ينظر: الكفاية (ص ٤٢٠)، وشرح التبصرة والتذكرة (ص٦٦).
(٢)
(٣)
المحلى (١٦٥/١٠، ١٦٦).
(٥)
معالم السنن (٢٣٥/٣).
(٨) في (ح): ((يحتمل)).
(٧) ليس في (ح).
(٩) الأم (٢٦٢/١٠)، ومعرفة السنن والآثار (٤٥٣/٥).
(١٠) في (ش): ((المحدثين)).
(١٢) في (ك٢، ح): ((يكن)).
(٤) ليس في (ش).
(٦) في (ك٢، ح): (رواية)).
(١١) معرفة السنن والآثار (٤٥٤/٥، ٤٥٥).
(١٣) في الأصل، (م): ((يرد))، وفي (ش): ((يرده).

=
٤٦٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
أبي الزُّبَيرِ: ((لَم يَرَه(١) شيئًا))، عَلى أنَّه لَم يَحسِبه شَيئًا صَوابًا غَيرَ خَطٍَ يُؤْمَرُ
صَاحِبُهُ أَلَّا يُقِيمَ عَلَيهِ، أَا تَرَى أَنَّه يُؤمَرُ بِالمُرَاجَعَةِ، ولَا يُؤمَرُ بها الذي طَلَّقَها
ظَاهِرَةً(٢)، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ أخطأ في فِعلِه، وأخطَأ في جَوابٍ أَجَابَ(٣): لَم
يَصنَعِ شَيْئًا؛ يَعِنِي(٤): لَم يَصنَعِ شَيْئًا صَوابًا. انتَهَى.
ثُمَّ حَكَّى ابنُ حَزمٍ (٥) عن بَعضِهم أنَّه تَقَلَ الإجمَاعَ عَلى وُقُوعِ الطّلَاقِ، وَرَدَّه
بِأنَّ الخِلَافَ فيه مَوجُودٌ. ثُمَّ أخَذَ يَستَدِلُّ عَلى وُجُودِ الخِلَافِ؛ بِأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ
قال: إنَّه يَحرُمُ طَلَاقُها حَائضًا. وقال: مُحَالٌ أن يُجِيزَ(٦) ابنُ عَبَّاسِ مَا يُخبِرُ بِأَنَّه
حَرَامٌ.
وهذا عَجِيبٌ؛ فَإِنَّه مَوضِعُ الخِلَافِ بَينَه وبَينَ الكَافَّةِ؛ فَإِنَّهم يَقُولُونَ: هو
حَرَامٌ، ومع ذَلِكَ فَهو نَافِذٌ. وابنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ كَغَيرِهِ يُحَرِّمُه ويُوقِعُه.
ثُمَّ حَكَى عن ابنِ مَسعُودٍ (٧) أنَّه قال: مَن طَلَّقَ كَمَا أمَرَه الله تعالى فقد
بَيَّنَ الله تعالى لَه، ومَن خَالَفَ فَإِنَّا لَا نُطِيقُ خِلَافَه. وهَذِهِ العِبَارَةُ لَا يُفهَمُ منها
شَيءٌ مِمَّا قاله.
ثُمَّ حَكَى عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال في الرَّجُلِ [١٦٠/٢و] يُطَلِّقُ امرَأْتَه، وهيَّ
حَائضُ: لَا يُعتَدُّ بِذَلِكَ.
وقَد عَرَفتَ أنَّ الذي في الصَّحِيحِ عنه خِلَافُ ذَلِكَ. ثُمَّ حَكَى عن طَاؤُوسٍ
أَنَّه كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ [وجهَ الطَّلَاقِ ووجه العدة، وكان يقول: (٨ وجهُ
الطلاق٨)(٩): أن يُطَلِّقَها طَاهرًا من غَيرِ جِمَاعٍ، وإِذَا (١٠) اسْتَبَانَ حَملُها .
(١) في الأصل، (م): ((يرد))، وللمصدر. (٢) في (ك٢، ح): ((ظاهرة)).
في (م): ((أجابه)). وبعده في المعرفة: ((به)).
(٣)
(٥) المحلى (١٦٣/١٠، ١٦٤).
(٤)
في (ك٢، ح): ((بمعنى)).
(٦) في (ح): ((یخیر)).
(٨ - ٨) ليس في (ش).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م).
(١٠) في (ش): ((وإن)).
(٧) عبد الرزاق (١١٣٤٢).

٤٦٩
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخپِيرِ
وهو قَابِلٌ لِلتَّأوِيلِ: بِأن (١ يُرِيدَ أنَّه١) لَا يَرَاه طَلَاقًا مُبَاحًا. ثُمَّ حَكَى عن
خِلَاسِ(٢) بنِ عَمرٍو أنَّه قال في الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امرَأتَه، وهيَ حَائضٌ، فقال: لَا
يُعتَدُّ(٣) بها .
ثُمَّ قال ابنُ حَزم: والعَجَبُ من جَرَاءَةٍ(٤) مَن اذَّعَى الإجمَاعَ عَلى خِلَافٍ
هَذَا، وهو لَا يَجِدُ فيمَا يُوافِقُ قَولَه عن أحَدٍ من الصَّحَابَةِ غَيرَ رِوايَةٍ عن ابنِ عُمَرَ
قَد عَارِضَها(٥) مَا هو أحسَنُ منها عنه، ورِوايَتَيْنِ سَاقِطَتَينِ عن عُثمَانَ وَزَيدِ بنِ
ثَابِتٍ. قال: بَل نَحنُ أسعَدُ بِدَعوى الإجمَاعِ هِنَا (٦).
قال ابنُ عَبدِ البَرّ(٧): واحتَجَّ بَعضُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمَا رُوِيَ
عن الشَّعبي أنَّه قال: إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امرَأتَه وهيَ حَائضٌ لَم يُعتَدَّ بها، في قَولِ ابنِ
عُمَرَ عن النبيِّ وََّ. قال: وإنَّمَا مَعنَاه: لَم يُعتَدَّ (٨) بِتِلكَ الحَيضَةِ في العِدَّةِ، كَمَا
رُوِيَ ذَلِكَ عنه مَنصُوصًا أنَّه قال: يَقَعُ عَلَيها(٩) الطَّلَاقُ، ولَا يُعتَدُّ بِتِلكَ الحَيضَةِ(١٠).
■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ: (ثُمَّ لِيُمسِكها حَتَّى تَطْهِرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهِرَ))، يَقْتَضِي
مَنعَ تَطلِيقِها في الظُّهرِ التَّالِي لِتِلكَ الحَيضَةِ، وفي ذَلِكَ لِلشَّافِعِيَّةِ وجهانِ: (٩٠/٧م)
أصَخُّهمَا عِندَهم المَنعُ، وبه قَطَعَ المُتَولِّي. قال الرَّافِعِيُّ: وكَأنَّ الوجهَينِ في أنَّه
هَل يَتَأدَّى به الاِسْتِحِبَابُ بِتَمَامِه؟ فَأَمَّا أصلُ الإِبَاحَةِ والاستِحِبَابِ فَيَنبَغِي أن
يَحصُلَ بِلَا(١١) خِلافٍ؛ لِاِ ندِفَاعٍ ضَرَرِ تَطوِيلِ العِدَّةِ(١٢) .
ومَا بَحَثَه الرَّافِعِيُّ قَد صَرَّحَ به الإمَامُ وغَيرُه؛ قال الإمَامُ (١٣): قال الجُمهورُ:
(١ - ١) في (ح): ((يزيد أن)).
(٢) في (م): ((جلاس)). وينظر: تهذيب الكمال (٣٦٤/٨).
(٣) في (م): ((يعتبر)).
(٤) في (ك٢): ((جرأة)).
(٥)
في (م): ((أعاضها)).
في (ك٢، ح): ((هذا)). وفي المطبوع من المحلى (١٦٤/١٠): ((هاهنا).
(٨) في (ش): ((تعتد)).
(٦)
التمهيد (٦٦/١٥).
(٧)
(٩) ليس في (ش).
(١٠) وينظر: مصنف ابن أبي شيبة (٥/٥ -٧).
(١٢) ينظر: روضة الطالبين (٦/٦).
(١١) في (ك٢، ح): ((لما)).
(١٣) نهاية المطلب (١٥/١٤ - ١٦).
=

=
٤٧٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
يُستَحَبُّ أن لَا يُطَلِّقَها فيه، وقال بَعضُهم: لَا بَأسَ به. وقال الغَزّالِيُّ في
((الوسِيطِ))(١): هَل يَجُوزُ أن يُطَلِّقَ في هذا الظُّهرِ؟ فيه وجهانِ. فَجَعَلَ الخِلَافَ في
الجَوازِ، وتَبِعَه عَلى ذَلِكَ صَاحِبُ ((الذَّخَائِ))(٢)، ومَالَ النَّووِيُّ إلى الأولِ، وقال:
إِنَّ كَلَامَ الغَزَّالِيِّ شَاةٍّ أو مُؤَولٌ؛ فَلَا يُغْتَرُّ بِظَاهِرِهِ، والله أعلمُ.
وَذَهَبَ المَالِكِيَّةُ(٣) إلى أنَّ تَأْخِيرَ الطَّلَاقِ عن ذَلِكَ الظُّهرِ الثَّالِي لِتِلكَ الحَيضَةِ
اسْتِحِبَابٌ. وكَلَامُ الحَنَابِلَةِ يَقتَضِي أنَّ الخِلَافَ فيه في الجَوازِ. وعِبَارَةُ ابْنِ تَيمِيَّةً
في ((المُحَرَّرِ)) (٤): ولَا يُطَلِّقُها في الظُّهرِ المُتَعَقِّبِ لَه فَإِنَّه بِدعَةٌ، وعنه جَوازُ ذَلِكَ.
وذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ(٥): أنَّه يُطَلِّقُها في الظُّهرِ الذي يَلِي الحَيضَةَ.
وحَكَاه أبو الحَسَنِ الكَرِيُّ عن أبي حَنِيفَةَ، قال: وقال أبو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ:
لَا يُطَلِّقُها فيه، بَل يُؤَخِّرُ إلى الظّهرِ الذي يَلِيه.
وقال الخَطَّابِي (٦): أكثَرُ الرِّوايَاتِ أنَّه قال: ((مُره(٧) فَلْيُرَاجِعها، ثُمَّ لِيُمسِكها
حَتَّى تَطهرَ، ثُمَّ إن شَاءَ أمسَكَ وإن شَاءَ طَلَّقَ))، هَكَذَا رَواه يُونُسُ بنُ جُبَيرٍ،
وأنَسُ(٨) بنُ سِيرِينَ، وَزَيدُ بنُ أسلَمَ، وأبو وائلٍ؛ عن ابنِ عُمَرَ. وكَذَلِكَ رَواه
سَالِمٌ عن ابنِ عُمَرَ؛ من طَرِيقِ مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ عنه، وإِنَّمَا رَوى هَذِه الزِّيَادَةَ
نَافِعٌ، وقَد رُوِيَت أيضًا عن سَالِمٍ، من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ.
■ الثَّامنةُ: الذي في الحديثِ الأمرُ بِإِمسَاكِها في الظُهرِ التَّالِي لِتِلكَ
الحَيضَةِ، ولَيسَ فيه الأمرُ بِوطئها. وقَد قال بَعضُ أصحَابِنَا: يُستَحَبُّ لَه جِمَاعُها
في ذَلِكَ الظُهرِ لِيَظهَرَ مَقصُودُ الرَّجعَةِ. ويَدُلُّ لَه مَا رَواه ابنُ عَبدِ البَرِّ في
((الَّمهيدِ)) (٩)؛ من طَرِيقِ عَبدِ الحَمِيدِ بنِ جَعفَرٍ، عن نَافِعٍ ومُحَمَّدِ بنِ قَيسٍ، عن
(١) الوسيط في المذهب (٣٦٣/٥).
(٢) هو: القاضي أبو المعالي مجلّ بن جُمَيع بن نجا القرشي المخزومي، المتوفى سنة
(٥٥٠هـ). كشف الظنون (١/ ٨٢٢).
(٣) ينظر: الاستذكار (١٢٧/٦).
(٥)
شرح معاني الآثار (٥٣/٣، ٦٠).
(٧)
في (ك٢، ح): ((مرة)).
(٩) التمهيد (٥٤/١٥).
(٤) المحرر (٥١/٢).
(٦) معالم السنن (٢٣٣/٣).
(٨) في (ك٢، ح): ((وبن أنس)).

=
5
٤٧١
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
ابنِ عُمَرَ: ((أنَّه طَلَّقَ امرَأْتَه، وهيَ في دَمِها حَائضٌ؛ فَأمَرَه رسولُ اللهِوَ ل ◌َ أن
يُرَاجِعَها، فَإِذَا طَهرَت مَسَّها حَتَّى إِذَا طَهرَت أخرَى، فَإِن شَاءَ طَلَّقَها وإن شَاءَ
أمسَكَها)». ولَكِنَّ الأَصَحَّ عَدَمُ استِحبَابه اكتِفَاءَ بِإِمَكَّانِ الاِستِمِتَاعِ.
■ التَّاسِعَةُ: ذَكَرَ العُلَمَاءُ في الحِكمَةِ في تَأْخِيرِ الظّلَاقِ إلى ظُهرٍ بَعدَ
الظُّهرِ (١) الذي يَلِي ذَلِكَ الحَيضَ أمُورًا :
أحَدُها: لِئَلَا تَصِيرَ الرَّجعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ، فوجَبَ أن يُمسِكَها زَمَانًا
كَانَ يَحِلُّ لَه فيه طَلَاقُها، وإنَّمَا أمسَكَها لِتَظْهَرَ فَائدَةُ الرَّجعَةِ، وهذا جَوابُ
أصحابِنَا .
والثَّانِي: أنَّه عُقُوبَةٌ لَه وتَوبَةٌ من مَعصِيَتِه (٩١/٧م) بِاسْتِدرَاكِ جِنَايَتِهِ، وعَبَّرَ
عنه بَعضُهم: بِأَنَّه مُعَامَلَةٌ(٢) بِنَقِيضِ [١٦٠/٢ظ] مَقصُودِه؛ فَإِنَّه عَجَّلَ مَا حَقُّه أن
يَتَأَخَّرَ قَبَلَ وقتِهِ، فَمُنِعَ منه في وقتِه، وصَارَ كَمُستَعجِلِ الإرثِ يَقْتُلُ مُورِثَه.
والثَّالِثُ: أنَّ الظُّهرَ الأولَ مع الحَيضِ الذي يَلِيه، وهو الذي طَلَّقَ فيه كَقُرٍ
واحِدٍ؛ فَلَو طَلَّقَها في أولِ ظُهرٍ لَكَانَ كَمَن طَلَّقَ في الخَيضِ.
والرَّابِعُ: أنَّه نُهَيَ عن طَلَاقِها في الظُّهرِ؛ لِيَطُولَ مَقَامُه معها، فَلَعَلَّه يُجَامِعُها
فَيَذْهَبُ مَا في نَفسِه من سَبَبِ طَلَاقِها فَيُمسِكَها. قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣):
وهذا أشبهها وأحسَنُها .
■ العَاشِرَةُ: قَولُه: ((وإن شَاءَ طَلَّقَ قَبَلَ أن يَمَسَّ))؛ أي: قَبلَ أن يَطَأها.
وقَد صَرَّحَ به (٤) في قَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((قَبلَ أن يُجَامِعَها)). فيه تَحرِيمُ
الطَّلَاقِ في ظُهرِ جَامعها فيه.
وبه(٥) صَرَّحَ الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم، لَكِن لَم تَقُلِ المَالِكِيَّةُ هَنَا بِإجبَارِهِ
عَلى الرَّجعَةِ، كَمَا قَالُوه في طَلَاقِ الحَائضِ. [وشَذَّ بَعضُهم فقال: يُجبَرُ
(١) في (م): ((طهر أي)).
(٢) في (ش): ((مقابلة)).
(٣) المفهم (٢٢٥/٤، ٢٢٦)، والتمهيد (٦٦/١٥، ٦٧).
(٤) من الأصل، (م).
(٥) في الأصل، (م): ((وفيه)).

=
٤٧٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
كَالحَيضِ](١)، وحَكَى الحَنَّاطِيُّ(٢) من أصحَابِنَا وجهًا: أنَّه لَا تُستَحَبُّ الرَّجعَةُ هنَا
أو لَا يَتَأَّدُ استِحبَابُها تَأكُّدَه في طَلَاقِ الحَائضِ، والمَشهورُ عِندَهم: التَّسوِيَةُ
بَيْنَهمَا في ذَلِكَ.
وقال الشَّعبي: يَجُوزُ أن يُطَلِّقَها في ظُهرِ جَامعها فيه.
وعَلَّلَ أصحَابُنَا تَحرِيمَ الطَّلَاقِ في ظُهرٍ جَامعها فيه بِأَنَّه قَدْ يَتَبَيَّنُ(٣) حَمَلُها
فَيَنْدَمُ .
وعَلَّلَه الحَنَفيةُ: بِأنَّه إِذَا جَامعها فَتَرَتِ رَغبَتُه فيها (٤)، فَلَا يَتَحَقَّقُ حَاجَتُه إلى
الطَّلَاقِ.
ورَأى الظّاهِرِيَّةُ، ومنهم ابنُ حَزمٍ: أنَّ طَلَاقَها في ظُهرٍ جَامعها فيه غَيرُ نَافِذٍ
كَمَا قَالُوه في طَلَاقِ الخَائضِ.
والأصَُّ عِندَ أصحَابِنَا: أنَّه لَو وطِئَها في الحَيضِ فَطَهَرَت ثُمَّ طَلَّفَها فِي ذَلِكَ
الظّهرِ، حَرُمَ لِ حِتِمَالِ العُلُوقِ(٥).
■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَحَلُّ(٦) تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ في ظُهرٍ جَامعها فيه مَا لَم
يَظهَرِ حَملُها، فَإِن ظَهَرَ حَملُها لَم يَحِرُمِ طَلَاقُها، ويَدُلُّ لَه قَولُه في بَعضٍ طُرُقٍ
حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمِ ذِكرُها: ((ثُمَّ لِيُطَلِّقها طَاهرًا أو حَامِلًا)).
وبهذَا صَرَّحَ الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم. وعَلَّلَه أصحَابُنَا: بِأَنَّ إِذَا طَلَّقَها
بَعدَ ظُهورِ الحَملِ فقد أقدَمَ عَلى ذَلِكَ [عَلى (٧) بَصِيرَةٍ] (٨) فَلَا يَنْدَمُ.
(١) ليس في (ش).
الشيخ الجليل أبو عبد الله الطبري الحنّاطي؛ نسبة إلى بعض أجداده كان يبيع الحنطة،
(٢)
كان حافظًا لكتب الشافعي، صاحب وجوهٍ، مات في حدود سنة (٤٠٠هـ). طبقات
ابن السبكي (٣٦٧/٤ - ٣٧١).
(٣)
في (ح): ((تبین)).
(٤) في (م): ((عنها)).
(٥) ينظر: التمهيد (٦٧/١٥) وما بعدها، والمحلى (١٦٣/١٠، ١٦٤)، وروضة الطالبين
(٧/٨).
(٦) في (ح): ((هل)).
(٨) ما بين المعكوفين في (بصره).
(٧) ليس في (ك٢).

كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
کې
٤٧٣
=
وعَلَّلَه الحَنَفيةُ: بِأنَّ زَمَنَ الحَملِ زَمَنُ الرَّغبَةِ في الوطءِ، وفيها لِمَكَانٍ وَلَدِهِ
منها؛ فَإِقِدَامُه عَلى الطَّلَاقِ فيه يَدُلُّ عَلى احتِيَاجِه لِذَلِكَ، (١ ولا بُدَّا) من تَقِيدِ كَونِه
لَا يُحَرِّمُ طَلَاقَ الحَامِلِ بِمَا إذَا كَانَ منه؛ لِيُحتَرَزَ به عَمَّا إذَا كَانَ الحَملُ من غَيرِهِ بِأن
نَكَحَ حَامِلًا من الزِّنَا ووطِتَها (٧/ ٩٢م) وطَلَّقَها أو وُطِئَت مَنكُوحَةٌ بِشُبهَةٍ، وحَمَلَت(٢)
منه ثُمَّ طَلَّقَها زَوجُها وهيَ طَاهرٌ؛ فَإِنَّه يَكُونُ بِدعِيًّا لِأنَّ العِدَّةَ تَقَعُ بَعدَ وضع(٣)
الحَملِ، والنَّقَاءِ من النِّفَاسِ، فَلَا تُشرَعُ(٤) عَقِبَ الطَّلَاقِ في العِدَّةِ(٥)، والله أعلم (٦).
■ الثَّانِيَةَ عَشرَ: في قَولِهِ: (ثُمَّ إِن شَاءَ أمسَكَ بَعدُ، وإن شَاءَ طَلَّقَ))، دَلِيلٌ
عَلى أنَّه لَا إثمَ في الطَّلَاقِ بِغَيرِ سَبَبٍ، وهو كَذَلِكَ. لَكِنَّه مَكْرُوهٌ، لِمِا (٧) في سُنَّنِ
أبي دَاوُد، وغَيرِه (٨): أنَّ رسولَ الله وَّهِ، قال: ((أبغَضُ الحَلَالِ إلى الله الطَّلَاقُ)).
وعن أحمَدَ بنِ حَنْبَلٍ رِوايَةٌ: أنَّه يَحرُمُ لِغَيرِ حَاجَةٍ، والمَشهورُ عنه:
الكَرَاهَةُ. ثُمَّ قَد يَجِبُ أو يَحرُمُ لِعَارِضٍ، وِذَلِكَ صَرَّحَ أصحَابُنَا، وحَمَلُوا هذا
الحديثَ عَلى الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ مع اسْتِقَّامَةِ الحَالِ.
وأمَّا التَّحرِيمُ فقد عَرَفت لَه صُورَتَينٍ، ولَه صُورَةٌ ثَالِثَةٌ، وهيَ أن يَكُونَ(٩)
عِندَه زَوجَتَانِ(١٠) فَأَكثَرُ فَيَقْسِمُ، ويُطَلِّقُ واحِدَةً قَبَلَ المَبيتِ عِندَها.
وأمَّا الوُجُوبُ فَفي صُورَتَيْنِ:
إِحَدَاهمَا: في الحَكَمَينِ إِذَا بَعَثَهمَا القَاضِي عِندَ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوجَينِ، وَرَأْيَا
المَصلَحَةَ في الطَّلَاقِ فَيَجِبُ عَلَيهِمَا الطَّلَاقُ.
(١ - ١) في (ش): ((ولا)).
(٣) في (م): ((قطع)).
(٥) روضة الطالبين (٨/٨).
(٧) في الأصل، (م): ((كما)).
(٨)
مرسلٌ. ينظر: علل الدار قطني (٢٢٥/١٣).
(٩) في (ك٢، ش): ((تكون)). ورسمها في (ح) بالوجهين.
(١٠) في (ك٢): ((زوجان)).
(٢) في (ح، ش): ((وحبلت)).
(٤) في (ك٢، ح): ((يشرع).
(٦) من (ش).
أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨) من حديث ابن عمر .
ـّ مرفوعًا. والصواب أنه

٤٧٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والثَّانِيَةُ: المُولِي إِذَا مَضَت(١) عَلَيه أربَعَةُ أشهرٍ وطَالَبَت المَرأةُ بِحَقِّها،
فَامْتَنَعَ من الفَيْئَةِ أو الطَّلَاقِ؛ فَالأصَحُّ عِندَنَا: أنَّه يَجِبُ عَلى القَاضِي طَلَقَةٌ رَجِعِيَّةٌ.
قَالُوا: ويَكُونُ الطَّلَاقُ مَندُوبًا، وهو فيمَا إِذَا كَانَت المَرأةُ غَيرَ عَفِيفَةٍ، (٢ أو
خَافَا٢ً) أو أحَدُهمَا ألا يُقِيمَا حُدُودَ الله.
وظَهَرَ بِذَلِكَ [١٦١/٢ و] انقِسَامُ الظَّلَاقِ إلى أربَعَةِ أقسَامِ: حَرَامِ، ومَكُرُوهٍ،
وواجِبٍ، ومَندُوبٍ. وكَذَا حَكَاه النَّووِيُّ(٣) عن(٤) أصحَابِنَا، وقالَ: ولَا يَكُونُ
مُبَاحًا مُستَوِيَ الطَّرَفَيْنِ.
وحَكَى ابنُ الرِّفعَةِ في الكِفَايَةِ عن الجيلِيِّ(٥): أنَّه يَكُونُ مُبَاحًا. قال: ولَم
يُصَوِّره.
ولَعَلَّه فيمَا إذَا كَانَ الزَّوجُ لَا يَهواها، ولَا تَسمَحُ نَفسُه بِالْتِزَامِ مُؤَنَّتِها (٦) من
غَيرِ حُصُولِ [غَرَضِ الاِستِمتَاعِ؛ فَإِنَّه لَا كَرَاهَةَ في الطَّلَاقِ، والحَالَةُ هَذِهِ صَرَّحَ
بِذَلِكَ الإمَامُ(٧). وقال الحَنَاِلَةُ(٨): يُبَاحُ الطَّلَاقُ عِندَ الحَاجَةِ إِلَيه](٩).
] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: واستُدِلَّ به عَلى أنَّه لَا بِدعَةَ في جَمع (١٠) الطَّلقَاتِ؛
لِأَنَّه عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يُقَيِّد الظَّلَاقَ الذي جَعَلَه إلى خِيرَتِهِ بِعَدَدٍ، وبهذا قال
الشَّافِعِيُّ وأحمَدُ وأبو ثَورٍ وابنُ حَزمٍ من أهلِ الظَّاهرِ .
قال الشَّافِعِيُّ (١١): لَو كَانَ في عَدَدِ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ ومَحْظُورٌ عَلَّمَه،
(١) في (ح): ((مضى)).
(٢ - ٢) في (ح): ((إرجاعًا)).
(٣) شرح صحيح مسلم (٦١/١٠ - ٦٢). (٤) في الأصل، (م): ((من)).
(٥) هو: صائن الدين عبد العزيز بن عبد الكريم بن عبد الكافي الهمامي الجيلي، شرَح التنبيه
والوجيز وغيرهما، وكلامه كلام عارف بالمذهب؛ غير أن في شرحه غرائب، حتى قال
ابن الصلاح والنووي والسبكي: لا يعتمد في النقول عليه. وكان ابن الرفعة ينقل عنه في
الكفاية كثيرًا. طبقات ابن السبكي (٢٥٦/٨)، لسان الميزان لابن حجر (٣٤/٤).
(٦) في (م): ((مؤنها)).
(٨) ينظر: الإنصاف (٣١٧/٨).
(١٠) في (ش): ((جميع)).
(٧) نهاية المطلب (١٢/١٤).
(٩) ما بين المعكوفين ليس في (ش).
(١١) الأم (٤٥٧/٦). وينظر: معرفة السنن والآثار (٤٥٥/٥).

=
٤٧٥
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
(١) إن شَاءَ الله١ُ)، إِيَّاه؛ لِأَنَّ مَن خَفي عَلَيه أن يُطَلِّقَ امرَأتَه طَاهرًا كَانَ مَا يُكرَه
من عَدَدِ الطَّلَاقِ ويُحَبُّ (٢)، لَو كَانَ فِيهِ مَكَرُوهٌ أشبَهَ أن يَخْفَى عَلَيه. انتهى.
وعَكَسَ الخَطَّابي(٣) هذا (٧/ ٩٣م) الاستِدلَالَ، قال: لِأَنَّه لَمَّا أمَرَه أن لا
يُطَلِّقَ في الظُهرِ الذي يَلِي الحَيضَ عُلِمَ أَنَّه لَيسَ لَه أن يُطَلِّقَها بَعدَ الطَّلقَةِ الأولى
حَتَّى يَستَبِثَها بِحَيضَةٍ، فَيَخرُجَ(٤) منه: أنَّه لَيسَ لَه إِيقَاعُ طَلقَتَينِ فِي قُرٍ(٥) واحِدٍ .
قال: وتَأولَ (٦) أصحَابُ الشَّافِعِيِّ الخَبَرَ عَلى أنَّه إنَّمَا مَنَعَه من طَلَاقِها في
ذَلِكَ الظُّهرِ؛ لِئَلَا تَطُولَ عَلَيها العِدَّةُ؛ لِأَنَّ المُرَاجَعَةَ لَم تَكُن (٧) تَنفَعُها (٨) حِينَئِذٍ،
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: كَانَ(٩) يَجِبُ عَلَيه أن يُجَامِعَها في الظُّهرِ لِيَتَحَقَّقَ (١٠) مَعنَى
المُرَاجَعَةِ، وإِذَا جَامعها لَم يَكُن لَه (١١) أن يُطَلِّقَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ هو الذي يَقَعُ
في طُهرٍ لَم يُجَامِع فيه. انتَھَی.
ومِمَّن ذَهَبَ إلى أنَّ جَمعَ (١٢) الطَّلقَاتِ الثَّلَاثِ بِدعَةُ: مَالِكٌ، والأوزَاعِيُّ،
وأبو حَنِيفَةَ، والليثُ، وبه قال دَاوُد، وأكثرُ أهلِ الظَّاهِرِ (١٣).
■ الرَّابِعَةَ عَشَرَ: قَولُه: ((فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ الله تعالى أن يُطَلَّقَ(١٤)
لَها النِّسَاءُ))؛ أي: فيها. استُدِلَّ به عَلى أنَّ الأقرَاءَ (١٥ في العِدَّةِ ١٥)، و(١٦) هيَ
الأطهارُ؛ لِأَنَّ اللهَ تعالى لَم يَأمُر بِطَلَاقِهِنَّ(١٧) في الحَيضِ بَل حَرَّمَه، وبهذا
(١ - ١) في (ش): ((الله إن شاء)).
(٣) معالم السنن (٢٣٣/٣).
(٥) في (م): ((فردٍ)).
(٧)
في (ك٢): ((يكن)).
(٩) ليس في (ح).
(٢) في (ش): ((ويجب)).
(٤) في (م): ((فتخرج)).
(٦) في (ح، ش): ((وتأوله)).
(٨) في (م): ((ينفعها)).
(١٠) في الأصل، (٢): ((لتتحقق)). وفي (ح): ((التحقق)). وفي (ش): (لتحقيق)). والمثبت
موافق المصادر.
(١١) ليس في الأصل، (م).
(١٢) في (ح): ((جمیع)).
(١٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٦٢/١٠)، والمحلى (١٦٧/١٠ -١٧٣)، والتمهيد
(٦٩/١٥) وما بعدها.
(١٤) في (م): ((تطلق)).
(١٦) من (ح، ٢٥).
(١٥ - ١٥) ليس في (م).
(١٧) في (ك٢، ح): ((بطلاقها)).

=
٤٧٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
قال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفَةً وأحمَدُ: هيَ الحَيضُ.
وأجَابَ بَعضُهم عن هذا الحديثِ: بِأنَّ الإشَارَةَ في قَولِه: ((فَتِلكَ العِدَّةُ))
تَعُودُ(١) إلى الحَيضَةِ. وهو مَردُودٌ؛ لِأنَّ الطَّلَاقَ في الحَيضِ غَيْرُ مَأْمُورٍ به، بَل هو
مُحَرٌَّ، وإِنَّمَا الإِشَارَةُ إلى الحَالَةِ المَذْكُورَةِ، وهيَ حَالَةُ الظّهرِ أو إلى العِدَّةِ.
وقال الذَّاهبونَ إلى أنَّها الحَيضُ: مَن قال بِالأطهارِ يَجَعَلُها (٢) قُرأينٍ وبَعضَ
الثَّالِثِ، وظَاهرُ القُرآنِ أنَّها ثَلَاثَةٌ، ونَحنُ نَشتَرِطُ ثَلَاثَ حِيَضٍ كَوامِلَ؛ فَهِيَ (٣)
أقرَبُ إلى مُوافقةِ القُرآنِ .
ولِهذا صَارَ الزُّهرِيُّ، مع قَولِه: إنَّ الأقرَاءَ هيَ الأطهارُ، إلى أنَّه لَا تَنْقَضِي
العِدَّةُ إلَّا بِثَلَاثَةِ أطهارٍ كَامِلَةٍ، ولَا تَنقَضِي بِظُهرَينِ وبَعضِ الثَّالِثِ، وهذا مَذهَبٌ
انفَرَدَ به.
وقال غَيرُهُ: لَو طَلَّقَها وقَد بَقِيَ من الظُّهرِ لَحِظَةٌ يَسِيرَةٌ حُسِبَت قُرءًا، ويَكفيها
طُهرَانِ. وأجابوا عن هذا الاعتِرَاضِ: بِأنَّ الشَّيْئَينِ وبَعضَ الثَّالِثِ يُطلَقُ عَلَيها اسمُ
الجَمعِ؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومُدَّتُه شَهرَانِ
وبَعضُ الثَّالِثِ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والمُرَادُ(٤) يَومٌ
وبَعضُ الثَّانِي(٥).
الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال الخَطَّابي(٦): في قَولِهِ: ((مُره))(٧)، دَلِيلٌ عَلى أنَّ
الرَّجعَةَ لَا تَفتَقِرُ إلى رِضَى المَرأةِ ولَا ولِيِّها، ولَا تَجدِيدِ عَقدٍ، والله أعلمُ.
] السَّادِسَةَ عَشَرَ: قال الخَطَّابي أيضًا (٨): زَعَمَ بَعضُ أهلِ العِلمِ: أنَّ مَن
قال لِزَوجَتِه وهيَ حَائضٌ: إذَا طَهرتِ فَأنتِ (٧/ ٩٤م) طَالِقٌ؛ فَإِنَّه غَيرُ مُطَلِّقٍ لِلسُّنَّةِ،
(١) في (ك٢، ح): ((يعود).
(٣) في (ك٢، ح): ((فهو)).
(٢) في (م): ((وجعلها)).
(٤) في (ح، ك٢): ((فالمراد)).
(٥) ينظر: المفهم (٢٢٦/٤، ٢٢٧)، والتمهيد (٨٥/١٥ - ٨٩)، وشرح النووي على مسلم
(٦٢/١٠، ٦٣).
(٦) معالم السنن (٢٣٣/٣)، وينظر: شرح النووي على مسلم (٦٢/١٠).
(٧) في (ك٢، ح): ((مرة)).
(٨) معالم السنن (٢٣٣/٣).

٤٧٧
كِتَابُ الطَّلَاقِ والتَّخِيرِ
=
واستُدِلَّ بِقَولِهِ: ((ثُمَّ(١) إن (٢ شَاءَ أَمسَكَ، وإن٢) شَاءَ طَلَّقَ)).
قال: فَالمُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ هو الذي يَكُونُ مُخَيَّرًا في (٣) وقتِ طَلَاقِهِ بَينَ إِيقَاعِ
الطَّلَاقِ وتَركِه.
الحديثُ الثَّانِي
وعن عُروةَ، عن عَائشَةَ: ((أنَّ رِفَاعَةَ القُرَظِيَّ طَلَّقَ امرَأْتَه فَبَتَّ طَلَاقَها
[١٦١/٢ ظ]، فَتَزَوجَها بعده(٤) عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الزَّبيرِ. فَجَاءَت إلى النبيِّ
فقالت: يَا نَبِي الله، إنَّها كَانَت عِندَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلَاثٍ تَطْلِيقَاتٍ؛
فَتَزَوجَتِ بَعدَه عَبدَ الرَّحمَنِ بِنَ الزَّبيرِ، وإِنَّه والله مَا معه يَا رسولَ الله إلَّا
مِثْلُ هَذِهِ الهدبَةِ. فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ وَّهِ ثُمَّ قال: لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أن تَرجِعِي
إلى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَه، ويَذُوقَ عُسَيلَتَك. قالت: وأبو بكرٍ
جَالِسٌ عِندَ النبيِّ بَّهِ، وخَالِدُ بنُ سَعِيدٍ جَالِسٌ بِبَابِ الحُجرَةِ لَم يُؤذَن لَهَ،
فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكرٍ، يَقُولُ: يَا أَبَا بَكرٍ، أَلَا تَزجُرُ هَذِه عَمَّا تَجِهَرُ
به(٥) عِندَ رسولِ الله ◌َّ؟!)).
فيه فوائدُ:
■ الأولى: أخرَجَه من هذا الوجه مُسلِمٌ (٦) من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ. وأخرَجَه
البخارِيُّ من طَرِيقِ عَبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ، والنسائيُّ من طَرِيقِ يَزِيدَ بنِ زُرَيعِ؛
ثَلَاثَتُهم عن مَعمَرٍ(٧). وأخرَجَه الأئمَّةُ السِّنَّةُ خَلَا أبَا دَاوُد(٨) من طَرِيقِ سُفْيَانَ
ليس في (م).
(١)
(٢ - ٢) ليس في (ك٢، ح).
(٤) ليس في الأصل، (م).
(٦) مسلم (١١٣/١٤٣٣).
(٥)
ليس في الأصل، (م).
(٣)
ليس في (ش).
البخاري (٦٠٨٤)، والنسائي (٣٤٠٩).
(٧)
(٨) البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١١١/١٤٣٣)، والترمذي (١١١٨)، وابن ماجه (١٩٣٢)،
والنسائي (٣٢٨٣، ٣٤١١).

=
٤٧٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
ابنِ عُيَينَةَ. وأخرَجَه مُسلِمٌ(١) من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ. وأخرَجَه البخارِيُّ من
طَرِيقِ عُقَيلِ بنِ خَالِدٍ، وأخرَجَه النسائيّ أيضًا من طَرِيقِ أَيُّوبَ بنِ مُوسَى؛ خَمسَتُهم
عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائشَةَ.
■ الثَّانِيَةُ: رِفَاعَةُ بِكَسرِ الرَّاءِ، القُرَظِيّ بِضَمِّ القَافِ، وبِالظَّاءِ المُشَالَةِ؛ من
بَنِي قُرَيظَةَ، و(٢) هو ابنُ سَمْوألٍ بِفَتحِ السِّينِ المُهمَلَةِ وإسكّانِ المِيمِ، وقِيلَ:
ابنُ رِفَاعَةً(٣) (٧/ ٩٥م). وهو أحَدُ العَشَرَةِ الذينَ نَزَلَ فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ (٤)
وَضَّلْنَا لَمُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص: ٥١] الآيَةَ، كَمَا رَواه الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِه))، وابنُ
مَردُويه في (تَفْسِيرِه)) من حَدِيثِ رِفَاعَةَ، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ(٥).
وامرَأْتُه هَذِه اسمُها تَمِيمَةُ بِنتُ وهبٍ(٦)، كَمَا رَواه مَالِكٌ في ((المُوطَّ))؛ من
رِوايَةِ ابنِ وهبٍ، عنه عن المِسورِ بنِ رِفَاعَةَ، عن الزُّبيرِ (٧ بنِ عَبد٧ِ) الرَّحمَنِ بنِ
الزَّبيرِ، عن أبيه: ((أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امرَأتَه (٨تميمة بنت وهب٨ٍ) عَلى عَهدِ
رسولِ اللهِ وَّ ثَلَاثًا(٩)، فَنَكَحَها عَبدُ الرَّحَمَنِ بنُ الزَّبير فَاعتَرَضَ عنها، فَلَم يَستَطِعِ
أن يَمَسَّها فَطَلَّقَها، ولَم يَمَسَّها. فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أن يَنكِحَها، وهو زَوجُها الذي كَانَ
طَلَّقَهَا قَبَلَ عَبدِ الرَّحمَنِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرسولِ اللهِوَّهِ فَنَهاه عن تَزْوِيجِها، وقال: لَا
تَحِلُّ لَك حَتَّى تَذُوقَ العُسَيلَةَ)).
هَكَذَا أسنَدَه ابنُ وهبٍ عن مَالِكِ في رِوايَتِهِ، ومن طَرِيقِهِ رَواه البَيْهَقِيُّ في
((سُنَتِه))، وابنُ عَبدِ البَرِّ في (التَّمهيدِ))(١٠). ورَواه يَحيَى بِنُ يَحيَى، وأكثَرُ رُواةٍ
مسلم (١١٢/١٤٣٣)، والبخاري (٥٢٦٠)، والنسائي (٣٤٠٨).
(١)
(٢)
ليس في الأصل، (ك٢).
(٣) ينظر: معرفة أبي نعيم (١٠٧٩/٢).
(٤)
في (ش): ((فصلنا)).
(٥) الطبراني في المعجم الكبير (٥٣/٥) (٤٥٦٣)، وابن مردويه - كما في الدر المنثور
(٤٧٩/١١).
(٦) ينظر: طبقات ابن سعد (٤٥٧/٨).
(٧ - ٧) في (ك٢، ح): ((عن عبيد)). والمثبت الصواب.
(٨ - ٨) في الأصل، (م): ((ثلاثًا)).
(١٠) البيهقي (٣٧٥/٧)، والتمهيد (٢٢١/١٣).
(٩) في الأصل، (م): ((فتزوجها)).

=
كِتَابُ الطَّلَاقِ والأَّخِيرِ
٤٧٩
((المُوطَّ)) عن مَالِكِ مُرسَلًا، لَم يَقُولُوا: عن أبيه(١). قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٢):
وابنُ وهبٍ من أجَلِّ مَن رَوى عن مَالِكِ هذا الشَّأنَ، وأثبَتِهم فيه. قال: فَالحديثُ
مُسنَدٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ، وتَابَعَ ابنَ وهبٍ عَلى رِوايَتِه عن مَالِكِ مُتَّصِلًا: إبراهيمُ بنُ
طَهِمَانَ، رَواه النسائيّ في ((مُسنَدِ مَالِكِ))(٣)، وعُبَيْدُ الله بنُ عَبدِ المَجِيدِ الحَنَفي.
قال(٤): وذَكَرَه أيضًا سَحنُونٌ عن ابنِ وهبٍ، وابنِ القَاسِمِ، وعَلِيٍّ بنِ زِيَادٍ؛ كُلُّهم
عن مَالِكِ، وفيه: عن أبيه.
قال والِدِي تَخْذَُّ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)): وكَذَا رَواه القَعنَبي عن مَالِكِ مُتَّصِلًا؛
رَواه الطَّبَرَانِيُّ في ((مُعجَمِهِ الكَبيرِ))(٥)، عن (٦ علي بن٦) عَبدِ العَزِيزِ، عن القَعنَبي.
انتَھَی.
وهذا الذي ذَكَرته من أنَّها تَمِيمَةُ بِنتُ وهبٍ هو الذي ذَكَرَه ابنُ بَشكُوالَ في
(مُبُهَمَاتِه)(٧). وقال ابنُ طَاهِرٍ في ((مُبهَمَاتِه)): هيَ أمَيمَةُ (٨) بِنتُ الحَارِثِ، كَمَا رُوِيَ
عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقِيلَ: تَمِيمَةُ بِنتُ أبي عُبَيدِ القُرَظِيَّةُ (٩)؛ رُوِيَ عن قَتَادَةَ. وفي
حَدِيثٍ عَائِشَةَ: تَمِيمَةُ بِنتُ وهبٍ. وعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الزَّبيرِ بِفَتحِ الزَّايِ وکَسرِ
(٩٦/٧م) البَاءِ، بِلَا خِلافٍ صَحَابي مَعرُوفٌ، والزَّبِيرُ هو ابنُ بَاطًا، وقِيلَ: بَاطَيَا
قُرَظِيٌّ(١٠)، قُتِلَ عَلَى يَهودِيَّتَه في غزوةٍ بَنِي قُرَيظَةَ. وذَكَرَ ابنُ مَندَه، وأبو نُعَيمِ (١١)
(١) الموطإ برواية يحيى (٥٣١/٢)، وبرواية محمد بن الحسن (٥١٨/٢)، وبرواية أبي مصعب
الزهري (٥٧٧/١) (١٤٩٢)، وبرواية سويد بن سعيد الحدثاني (ص٢٥٨) (٣٢١).
(٢)
التمهيد (٢٢٠/١٣، ٢٢١).
(٣)
نص عليه المزّي في تهذيب الكمال (٣١١/٩)، والجوهري (٦٤٠).
(٤)
(٥) الطبراني في المعجم الكبير (٥٣/٥) (٤٥٦٥).
(٦ - ٦) ليس في (م).
(٧) غوامض الأسماء المبهمة (٦٢٢/٢، ٦٢٣).
(٨) في (ك٢): ((أمية)).
(٩) في (ش): ((القرطبية)).
(١٠) ليس في (ك٢، ح).
(١١) معرفة الصحابة لأبي نعيم (١٨٤٤/٤).
لیس في (ش).

٤٨٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
فِي كِتَابَيهِمَا ((مَعرِفَةِ الصَّحَابَةِ)): أنَّه من الأنصَارِ من الأوسِ، وأنَّه الزَّبيرُ بنُ زَيدِ بنِ
أمَيَّةَ بنِ زَيدِ بنِ مَالِكِ بنِ عَوفِ بنِ عَمرِو بنِ عَوفِ بنِ مَالِكِ بنِ الأوسِ.
قال والِدِي تَخُّْ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)»: ولَيسَ بجيدٍ. وحَكَى النَّوِيُّ في
(شَرحِ مُسلِمٍ)(١) الأولَ عن المُحَقِّقِينَ، وقال: إنَّه الصَّوابُ، وأمَّا ابنُه الزُّبَيرُ بنُ
عَبدِ الرَّحمَنِ :
فَقِيلَ: هو كَجَدِّه بِالفَتحِ، وصَحَّحَه [٢/ ١٦٢و] ابنُ عَبدِ البَرِّ (٢)، وحَكَاه عن
رِوايَةٍ يَحيَّى بنِ يَحيَى، وابنٍ وهبٍ، وابنِ القَاسِمِ، والقَعنَبي وغَيرِهم، وحُكِيَ
الإِخْتِلَافُ فيه في رِوايَةٍ يَحيَى بِنِ بُكَير. والذي يَقْتَضِيه كَلَامُ البخارِيِّ،
والدَّارَقُطْنِيّ، وابنِ مَاكُولًا: أنَّه بِالضَّمِّ كَالجَادَّةُ(٣)، وصَحَّحَه الذَّهَبِيّ(٤).
■ الثَّالِثَةُ: قَولُه: ((فَبَثَّ طَلَاقَها))، هو بِتَشدِيدِ التاء(٥) المُثَنَّةِ من فَوقُ؛
أي: طَلَّقَها ثَلَاثًا، وأصلُ البَتِّ القَطعُ، وهَكَذَا رَواه الجُمهورُ، وفي رِوايَةٍ
لِلنسائيّ: ((فَأَبَثَّ)) رُبَاعِيٌّ، وهيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، حَكَاها الجَوهَرِيُّ عن الفَرَّاءِ، وحَكَى
عن الأصمَعِيِّ إنكَارَها(٦) .
يُقَالُ(٧) : بَثَّ يَبْتُّ بِالضَّمِّ في المُضَارِعِ، وحَكَى فيه الكَسرَ أيضًا.
قال في ((الصِّحَاح)): وهو شَاذٌّ؛ لِأنَّ بَابَ المُضَاعَفِ إذَا كَانَ يَفعَلُ منه
مَكْسُورًا لَا يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا إلَّا أحرُفٌ مَعْدُودَةٌ، وهيَ بَثَّه يَبْتُه وبَبِثُّه، وعَلَّه في الشُّربِ
يَعُلُّه ويَعِلُه، (٨ُ ونَمَّ الحديثُ يَنُمُّه ويُنِمُه٨)، وشَدَّه يَشُدُّه ويَشِدُّه، وحَبَّه يحِبّه(٩).
شرح النووي على مسلم (٢/١٠).
(١)
(٢) التمهيد (٢٢١/١٣، ٢٢٢).
(٣)
في (م): «کالجد)».
المؤتلف والمختلف للدارقطني (١١٣٩/٣)، والإكمال لابن ماكولا (١٦٦/٤، ١٦٧)،
(٤)
والمشتبه (٣٣٣/١).
(٥) ليس في الأصل، (م).
(٦) عبارة الأصمعي: (( ... ولا يقال: يُبِتُ)).
(٧) في (ح، ش، ك٢): ((فقال)).
(٨ - ٨) في (م): ((تم الحديث يتمه)). والصواب المثبت، وينظر: لسان العرب (٦/٢)، تاج
العروس (٤٣٠/٤).
(٩) زاد محقق الصحاح واحدةً، فقال: ورمَّه يَرُمه ويَرِمّه. وينظر: القاموس المحيط (١٤٤٠/١).