النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ بَابٌ مَا يَحرُمُ من الأجنَبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ مُؤمناتٍ في الهُدنَةِ، وأنَّهُ (٧/ ٤٨م) كَانَ مُقْتَضَى الصُّلحِ رَدَّهُنَّ، فَنَزَلَ نَقضُ الصُّلِحِ في النِّسَاءِ بِقَولِه تعالى: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَّ﴾. [الممتحنة: ١٠] فَقَد فُهمَ ذَلِكَ من قِصَّةٍ ذَكَرَها، واللهُ أعلمُ. ٤٠٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بَابُ عِشرَةِ النِّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ الحديثُ الأولُ عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: اجتَمَعنَ أزواجُ النبيِّ وَّهِ فَأْرِسَلنَ فَاطِمَةَ إلى النبيّ وََّ، فَقُلنَ لَها قُولِي لَهُ: إِنَّ نِسَاءَك يَنشُدنَكِ العَدلَ في ابنَةِ أبي قُحَافَةَ. قالت: فَدَخَلَت على النبيِّ وَُّ وهو مَعَ عَائِشَةَ في مِرطِها، فقالت لَهُ: إنَّ نِسَاءَك أرسَلَنِي إلَيك، وهُنَّ يَنشُدْنَكِ العَدلَ (٤٩/٧م) في ابنَةِ أبي قُحَافَةَ. فقال لَها النبيُّ وَِّ: ((أَتُحِبينَنِي؟))(١) قالت: نَعَم. قال: ((فَأْحِبيها)). فَرجَعَتْ إِلَيهِنَّ فَأْخِبَرَتِهُنَّ مَا قال لَها. فَقُلنَ: إِنَّك لَم تَصنَعِي شَيْئًا، فَارِجِعِي إِلَيه، فقالت: واللهِ لَا أرجِعُ إلَيه فيها [١٤٨/٢ و] أُبَدًّا. قال الزُّهرِيُّ: وَكَانَت ابنَةَ رسولِ اللهِ وَِّ حَقًّا، فَأرسَلْنَ زَيْتَبَ ابنَةَ جَحشٍ، قالت عَائِشَةُ: وهيَ التي كَانَت تُسَامِينِي من أزواج النبيِّ ◌َّ. قالت: إنَّ أزواجَك أرسَلنَنِي إلَيك، وهُنَّ يَنشُدنَك العَدلَ فَي ابنَةِ أبي قُحَافَةَ، ثُمَّ أقبَلَت عليَّ تَشْتُمُنِي، فَجَعَلِتُ أرقُبُّ النبيَّ نَّهِ، وأَنْظُرُ طَرِفَهُ هَل يَأْذَنُ لِي في أن أنتَصِرَ منها، فَلَم يَتَكَلَّم، فَشَتَمَتِنِي حَتَّى ظَنَنت أنَّهُ لَا يَكرَهُ أن أنتَصِرَ منها، فَاستَقبَلتها فَلَم ألبَث(٢) أن أفحَمتُها. قالت: فقال لَها النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّها ابنَةُ أبي بَكرٍ)). قالت عَائِشَةُ: ولَم أرَ امرأةً خَيرًا منها، وأكثَرَ صَدَقَةً، وأوصَلَ لرحم (٣)، وأبذَلَ لِنَفسِها في كُلِّ شَيءٍ يُتَقَرَّبُ(٤) به إلى الله رَتْ من زَينَبَ، مَاَ عَدَا سَورَةٍ(٥) من غربٍ (٦) حَدٍّ كَانَ فيها، في (ك٢، ش): ((أتحبيني)). (١) (٣) في (ش): ((لرحمها)). (٥) في (ح، ش): ((سودة). (٢) في (ش): ((أليت)). (٤) في (ش): ((تتقرب)). (٦) في الأصل، (ك٢، ح): ((عرب)). ٤٠٣ = بَابٌ عِشرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ تُوشِكُ (١) منها الفَيئَةَ. رَواهُ النسائي من هَذَا الوجه، وقال: هَذَا خَطَأْ، والصَّوابُ(٢) الذِي قَبلَهُ، يُرِيدُ جَعلَ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ، مَكَانَ عُروةَ كَمَا في ((الصَّحِيحَينِ)). فيه فوائدُ : ■ الأولى: رَواهُ النسائيُّ(٣) من هَذَا الوجه، فقال: أخبرنا (٧/ ٥٠م) مُحَمَّدُ بنُ رَافِعِ النَّيِسَابُورِيُّ، ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، حدثنا عَبدُ الرَّزَّاقِ، فَذَكَرَهُ، ثُمَّ قال: هَذَا خَطَأٌ، والصَّوَّابُ الذِي قَبلَهُ. يُرِيدُ: مَا رَواهُ قَبلَ ذَلِكَ، من طَرِيقٍ صَالِحٍ بِنِ كَيْسَانَ، وشُعَيبٍ بنِ أبي حَمزَةَ. ورَواهُ مسلمٌ(٤) في ((صَحِيحِه))، من طَرِيقٍ صَالِحٍ بِنِ كَيْسَانَ، ويُونُسَ ثَلَائَتُهُم، عن الزُّهرِيِّ، عن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامِ، عن عَائِشَةَ. وذَكَرَهُ البخاريُّ(٥) تَعلِيقًا، فقال: وقال أبُو مَروانَ، وهو يَحيَى بنُ أبي زَكَرِيًّا الغَسَّانِيُّ، عن هشَامِ بنِ عُروةَ، عن رَجُلٍ من قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ من المَوالِي، عن الزُّهرِيِّ، عن مُحَمَّدٍ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامِ، قالت(٦) عَائِشَةُ، قال: كُنتُ عِندَ النبيِّ وََّ، فَاسْتَأْذَنت فَاطِمَةُ. هَذا(٧) لفظه من غَيرِ زِيَادَةٍ، فَطَوى القِصَّةَ لِتَقَدُّمِها من وجهٍ آخَرَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وقَد يُتَوهَّمُ من (٨) قَولِ الشَّيخِ تَخْذَقُ: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ في ((الصَّحِيحَينِ)). أنَّها في البُخَارِيِّ مُسنَدَةٌ(٩)، ولَيسَ كَذَلِكَ، وإِنَّمَا هيَ فيه مُعلقَةٌ كَمَا عَرَفته (١٠)، ومَا صَوّبَهُ النسائيُّ، وافَقَهُ عليه مُحَمَّدُ بنُ يَحيَى الذُّهلِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ، وتَبِعَهُمَا (١) في الأصل، (م): ((توشك)). وفي (ح): ((توسل)). (٢) في (ش): ((فالصواب)). (٣) النسائي (٣٩٥٦)، وفي الكبرى (٨٨٩٤). (٤) مسلم (٨٣/٢٤٤٢). في (ش): ((عن)). (٦) (٨) في الأصل، (م): ((في)). (١٠) في (ش): ((عرفت)). (٥) البخاري قبل الحديث (٢٥٨١). (٧) في (ح، م): ((هذه). (٩) في (ش): ((في مسنده)). ٤٠٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أبُو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ في ((الأطرَافِ))(١)، وبَسَطَ فيه الاختِلَافَ على الزُّهرِيِّ في ذَلِكَ، فَإِنَّهُ(٢) قَد اختُلِفَ عليه فيه من وُجُوهٍ أخرَى هذا أرجَحُها. ورَوى البخاريُّ(٣) من طَرِيقِ سُلَيمَانَ بنِ بِلَالٍ، عن هِشَامِ بنِ عُروةَ، (٤عن أبيه٤)، عن عَائِشَةَ: أنَّ نِسَاءَ النبيِّ وَِّ كُنَّ حِزِبَيْنٍ؛ فَحِزِبٌ(٥) فيه عَائِشَةُ، وحَفصَةُ، وصَفيةُ، وسَودَةُ، والحِزِبُ الآخَرُ (٦): أمُّ سَلَمَةَ، وسَائِرُ نِسَاءِ رسولِ اللهِ وَّه. وكَانَ المُسلِمُونَ قَد عَلِمُوا حُبَّ رسولِ اللهِوَّهِ عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَت(٧) عِندَ أحَدِهم(٨) هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أن يُهدِيها إلى رسولِ الله وََّ، [أخَّرَها حَتَّى إذَا كَانَ رسولُ اللهِ وَّهُ فِي بَيتِ عَائِشَةَ بَعَثَ الهديةَ(٩) إلى رسولِ اللهِ،وَو](١٠) فِي بَيتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزِبُ أمِّ سَلَمَةَ، فَقُلنَ لَها: (٥١/٧م) كَلِّمِي رسولَ اللهِ وَّرِ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَن أَرَادَ أن يُهدِيَ إلى رسولِ الله وَّرِ هَدِيَّةٌ، فَليُهدِ إِلَيه حَيثُ كَانَ من بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتَهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلنَ(١١)، فَلَم يَقُل لَها شَيئًا، فَسَأَلْنَها(١٢)، فقالت: مَا قال لِي شَيْئًا، فَقُلنَ لَها: فَكَلِّمِيه(١٣)، قالت (١٤) فَكَلَّمَتَهُ حِينَ دَارَ إِلَيها، فَلَمْ يَقُل لَها شَيْئًا، فَسَألْنَها (١٥)، فقالت: مَا قال لِي شَيئًا، فَقُلنَ لَها: كَلِّمِيه حَتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ إِلَيها، فَكَلَّمَتَهُ، فقال لَها: ((لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّ الوحيَ لَم يَأْتِنِي وأنَا في ثَوبٍ امرأةٍ إلا عَائِشَةَ)). قالت: فقالت: أَتُوبُ إلى الله من أذَاكَ يَا رسولَ الله. ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَونَ فَاطِمَةَ بِنتَ رسولِ الله وَّهِ. فَذَكَرَ الحديثَ المُتَقَدِّمَ (١٦) دُونَ قَولِ عَائِشَةَ: ((ولم أرَ امرَأةً خَيرًا منها)) إلى آخِرِهِ. (١) علل الدارقطني (١٣٩/١٥)، وتحفة الأشراف (٢٩٧/١٢) ح (١٧٥٩٠). (٣) البخاري (٢٥٨١). (٢) في (ح): ((فإن)). (٤ - ٤) ليس في (ش). (٥) في (ح): ((فحرب). (٦) بعده في (م): ((فيه)). (٧) في الأصل، (ح، م): ((كان)). (٨) في (ك٢): ((أحد)). (٩) في (م): ((صاحب العطية)). وفي البخاري: ((صاحب الهدية)). (١٠) ما بين المعكوفين ليس في الأصل. (١١) بعده في (ش): («لها)). (١٢) في (ش): ((فسألتها)). (١٣) في (ش): «فكلّمتهُ)). (١٤) ليست في الأصل، (م). (١٦) بعده في (ش): ((ذكره)). (١٥) في (ش): ((فسألتها)). بَابٌ عِشرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ ٤٠٥ ■ الثَّانِيَةُ: قَولُها: اجتَمَعنَ أزواجُ النبيّ وَّهِ. كَذَا فِي رِوايَةٍ أُحمَدَ، والنسائيُّ، بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وهيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَرَدَت في الكِتَابِ(١) والسُّنَّةِ، وهيَ المَشهورَةُ عِندَ النَّاسِ [١٤٨/٢ظ] بِلُغَةِ: أكَلُونِي البَرَاغِيثُ، ولَو قالت: اجتمع(٢) لَكَانَ أفصَحَ، وقَد تَبَيَّنَ بِالرِّوايَةِ التي سُقْنَاها من عِندِ (٣) البُخَارِيِّ: أنَّ المُرَادَ من أمَّهاتِ المُؤمنينَ من عَدَا حَفْصَةَ وصَفيةَ وسَودَةَ. ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ(٤): يَنشُدنَك. هو بِفَتح أولِه، وبِضَمِّ الشِّينِ؛ أي: يَسألنَك كَمَا في رِوايَةِ الأخرَى، يُقَالُ: نَشَدت فُلَانًا إِذَا قُلتَ لَهُ: نَشَدْتُك اللّهَ؛ أي: سَألتُك باللهِ(٥)، كَأَنَّك ذَكَّرته إِيَّاهُ، فنشد(٦)؛ أي: تَذَكَّرَ، ونِسَبَةُ عَائِشَةَ رَّا إلى أبي قُحَافَةَ، وإن كَانَ صَحِيحًا سَائِغًا، إلا أنَّ فيه نَوعَ غَضِّ(٧) منها؛ لِنَقصِ رُتَتِه بِالنِّسَبَةِ إلى أبيها الصِّدِّيقِ، و(٨) لَا سِيَّمَا إِن كَانَ ذَلِكَ(٩) قَبلَ إسلام أبي قُحَافَةَ ■ الرَّابِعَةُ: قال النَّووِيُّ(١٠): مَعنَاهُ: يَسألنَك التَّسوِيَةَ بَينَهُنَّ في مَحَبَّةٍ القَلبِ، وكَانَ وَّه يُسَوِّي بَينَهُنَّ في الأفعَالِ والمَبيتِ ونَحوِهِ. وأمَّا مَحَبَّةُ القَلبِ، فَكَانَ يُحِبُّ عَائِشَةَ أكثَرَ منهُنَّ، وأجمَعَ المُسلِمُونَ على أنَّ مَحَبَّتَهُنَّ لَا تَكْلِيفَ فيها ولَا يَلزَمُهُ التَّسوِيَةُ فيها؛ لِأِنَّهُ لَا قُدرَةَ لِأَحَدٍ عليها إلا اللهُ وَ، وإنَّمَا يُؤمَرُ بِالعَدلِ في الأفعَالِ. وقَد اختَلَفَ أصحَابُنَا وغَيرُهُم من العُلَمَاءِ في أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ هَل كَانَ يَلزَمُهُ القَسمُ بَيْنَهُنَّ(١١) في (١٢) الدَّوامِ والمُواسَاءُ(١٣) فِي ذَلِكَ، كَمَا يَلزَمُ غَيْرَهُ أم لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، بَل يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ من إيثَارٍ وحِرِمَانٍ؟ (١) في الأصل، (م): ((كتاب الله)). (٣) ليست في (ش). (٢) في الأصل، (م): ((أكلني)). (٤) ليست في (ش). (٦) ليست في الأصل، (م). (٥) في الأصل، (م، ح): ((الله)). وينظر: مشارق الأنوار (٢٨/٢). (٧) في (ح): ((عض)). (٨) ليس في الأصل، (م). (١٠) شرح النووي على مسلم (٢٠٥/١٥، ٢٠٦). (١١) ليست في الأصل. (٩) في (ش) ((كذلك)). (١٢) ليست في الأصل. وفي (م): ((على)). (١٣) في شرح النووي: ((المساواة)). = ٤٠٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ فَالمُرَادُ بِالحديثِ طَلَبُ المُواسَاةِ (١) في مَحَبَّةِ القَلبِ، لَا (٢) العَدلِ في الأفعال، فإنه كَانَ حَاصِلًا قَطعًا، ولِهَذَا كَانَ يُطَافُ بِهِ وََّ فِي مَرَضِه عليهنَّ حَتَّى ضَعُفَ، فَاستَأْذَنَهُنَّ في أن (٥٢/٧م) يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَأْذِنَّ لَهُ. قُلتُ: الأصَحُ عِندَ الشَّيخِ أبي حَامِدٍ، والعِرَاقِيِّينَ، والبَغَوِيِّ: وُجُوبُ القَسم عليه كَغَيرِهِ. وإِنَّمَا قال بِعَدَم وُجُوبِه الإصطَخرِيُّ(٣). وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٤): لَيسَ مَعنَاهُ أنَّهُ جَارَ عليهنَّ فَمَنعُهُنَّ حَقًّا هو لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ مُنَزَّةٌ عن ذَلِكَ، ولِأَنَّهُ لَم يَكُنْ العَدلُ بَيْنَهُنَّ واجِبًا عليه، لَكِن صَدَرَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ بِمُقْتَضَى الغَيْرَةِ والحِرصِ على أن يَكُونَ لَهُنَّ مِثلُ مَا كَانَ لِعَائِشَةَ من إهدَاءِ النَّاسِ لَهُ إذَا كَانَ في بُيُوتِهِنَّ، ويَحتَمِلُ أنَّهُنَّ طَلَبنَ منهُ التَّسوِيَةَ في مَحَبَّةِ القَلبِ؛ ولِذَلِكَ قال لِفَاطِمَةَ عَا(٥): ((أَست تُحِبينَ مَن أحِبُّ))؟ قالت: بَلى. قال: ((فَأْحَبِي هَذِه)). وكِلَا الأمرَينِ لَا (٦) يَجِبُ العَدلُ بَيْنَ النِّسَاءِ فيه، أمَّ الهَدِيَّةُ فَلَا تُطلَبُ من المُهدِي، فَلَا يَتَعَيَّنُ لَها وقتٌ، وأمَّا الحُبُّ فَغَيرُ دَاخِلٍ تَحتَ قُدرَةِ الإنسَانِ ولَا كَسبه. قُلتُ: مُقْتَضَى القِصَّةِ التي سُقْنَاها من عِندِ البُخَارِيِّ: أنَّ الذِي (طَلَبنَهُ منهُ)(٧) مُسَاواتَهُنَّ لِعَائِشَةَ في الإهدَاءِ لِلنبيّ وَّهِ فِي بُيُوتِهِنَّ، وقَد صَرَّحَت لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِذَلِكَ مِرَارًا قَبلَ حُضُورٍ فَاطِمَةَ وزَينَبَ، ولَم يَصدُر ذَلِكَ منهُنَّ عن اعتِدَالٍ، وهَذَا الكَلَامُ فيه تَعرِيضٌ بِطَلَبِ الهَدِيَّةِ واستِدعَائِها، وذَلِكَ يُنَافِي كَمَالَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أي: أن يَقُولَهُ(٨) على سَبيلِ العُمُومِ. أمَّا قَولُهُ ذَلِكَ لِواحِدٍ بِعَينِه على سَبيلِ الاِنْبِسَاطِ إلَيه وتَكرِيمِه بذلك(٩)، فَلَا مَنع (١٠) منهُ، بَل آحَادُ ذَوِي المروءات(١١) يَمتَنِعُ من مِثلٍ ذَلِكَ، ولَعل قَولَهُ (١) في شرح النووي: ((المساواة)). (٢) في الأصل: ((إلا)). (٣) ينظر: الحاوي الكبير (٥٧٠/٩)، وروضة الطالبين (٣٥٤/٥). (٤) المفهم (٣٢٤/٦، ٣٢٥). (٥) في (ح): ((رضي الله عنها)). (٦) ليس في (ش). في (ك٢): ((طلبته منهن)). وفي (ش): (طلب)). (٧) (٨) في (ش): ((يقول)). (١٠) في (م): ((مانع)). (٩) ليست في الأصل. (١١) في (م): ((المودات)). = ٤٠٧ بَابُ عِشرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في جَوابٍ أمِّ سَلَمَةَ: ((لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّ الوحيَ لَم يَأْتِنِي وأَنَا فِي ثَوبٍ امرَأَةٍ إلا عَائِشَةَ)). إشَارَةً إلى أنَّ تَقلِيبَ قُلُوبِ النَّاسِ لِلإهدَاءِ في نَوبَةِ عَائِشَةَ أمرٌ سَمَاوِيٌّ لَا حِيلَةَ لِي فيه ولَا صُنعَ؛ بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِها بِنُزُولِ الوحي عليَّ وأنَا في ثَوبها دُونَ غَيرِها من أمَّهاتِ المُؤمنينَ، فَلَا يُمكِنُنِي قَطعُ ذَلِكَ، ولَا أمرُ النَّاسِ بِخِلَافِهِ(١) . الخَامِسَةُ: قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٢): دُخُولُ فَاطِمَةَ وزَينَبَ على النبيّ وَّ﴿ وهو مَعَ عَائِشَةَ في مِرطِها، دَلِيلٌ على جَوازٍ مِثْلِ ذَلِكَ؛ إذ لَيسَ فيه كَشفُ [١٤٩/٢ و] عَورَةٍ، ولَا مَا يُستَقْبَحُ على مَن فَعل ذَلِكَ مَعَ خَاصَّتِهِ وأهلِه. قُلتُ: قَد تَبَيَّنَ بِرِوايَةٍ مُسلِمٍ، والنسائيِّ، من طَرِيقِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عن عَائِشَةَ أنَّ كُلَّ مِنهُمَا لَم يَدْخِّل (٣) إلا بَعدَ اسْتِئِذَانٍ (٤)، فَلَو كَرِهَ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ دُخُولَهُمَا على تِلكَ الحَالَةِ؛ لَحَجَبَهُمَا أو (٥) تَغَيَّرَ عن حَالَتِهِ (٦) (٥٣/٧م) التي كَانَ عليها . فَإِن قُلتَ: فَقَد رَوى النسائي، وابنُ مَاجَه(٧) من رِوايَةِ البهيّ (٨)، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، قالت: مَا عَلِمتُ حَتَّى دَخَلَت عليَّ زَيْنَبُ بِغَيرِ إذنٍ وهيَ غَضَبَى. فَذَكَرت شَيئًا من هَذِهِ القِصَّةِ. قُلتُ: الظَّاهرُ أنَّ هَذِه واقِعَةٌ أخرَى، وسَنَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا، والله أعلم. ] السَّادِسَةُ: المِرطُ بِكَسرِ المِيم وإسكَّانِ الرَّاءِ، ذَكَرَ بَعضُهُم: أنَّهُ كِسَاءٌ مُعلمٌ يَكُونُ تَارَةً من خَزِّ وَارَةً من صُوفٍ، وزَادَ بَعضُهُم في وصفِه: أن يَكُونَ مُرَبَّعًا. وقال بَعضُهُم: إنَّ سَدَاه من شَعرٍ، ولَم يَشتَرِط بَعضُهُم فيه أن يَكُونَ مُعلمًا؛ أي: لَهُ علمٌ(٩). (١) بعده في (ش): ((والله أعلم)). (٢) المفهم (٣٢٤/٦). (٣) في (ك٢): ((تدخل)). (٤) في (ك٢، ح، ش): ((الاستئذان)). (٥) في (ش): ((و)). (٦) في (ك٢، ح، ش). النسائي في الكبرى (٨٩١٤، ٨٩١٥، ١١٤٧٦)، وابن ماجه (١٩٨١). (٨) في الأصل، (ك٢، ش، م): ((النهي)). (٧) (٩) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣١٩/٤، ٣٢٠)، والصحاح (١١٥٩/٣). ٤٠٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ا السَّابِعَةُ: قَولُها تُسَامِينِي؛ أي: تُعَادِلنِي(١)، [وتضاهيني في طلب الحظوة والمنزلة الرفيعة، مأخوذ من السمو، وهو الارتفاع. وقال بعضهم: إنه مأخوذ](٢) من قَولِهِم: سَامَهُ خُطّةَ(٣) خَسفٍ؛ أي: كَلَّفَهُ مَا يَشُقُّ عليه ويُذِلُّهُ. قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٤): وفيه بُعدٌ من جِهَةِ اللِّسَانِ والمَعنَى. واللهُ أعلمُ. ■ الثَّامنةُ: قَولُها: تشتِمُنِي(٥) بِكَسرِ التَّاءِ، والطَّرِفُ بِفَتحِ الطَّاءِ وإسكَانٍ الرَّاءِ: البَصَرُ. قال النَّووِيُّ(٦): واعلم أنَّهُ لَيسَ فيه دَلِيلٌ أنَّ النبيّ ◌َهِ أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، ولَا أَشَارَ بِعَينِهِ ولَا غَيرِها، بَل لَا يَحِلُّ اعتِقَادُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ بِّهِ يَحْرُمُ عليه خَائِنَةُ الأعيُنِ، وإنَّمَا فيه أنَّها انتَصَرَتِ لِنَفسِها فَلَم يَنْهَها. وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٧): كَانت(٨) زَيْنَبَ لَمَّا بَدَأتها بِالعَتبِ واللوم كَانَت كَأنَّها (٩) ظَالِمَةٌ، فَجَازَ لِعَائِشَةَ أَن تَنْتَصِرَ لِقَولِه تعالى: ﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ تُلِّمِهِ، فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَهِم مِّن سَبِيلٍ [الشورى: ٤١]. ٤١ قُلتُ: وفي رِوايَةِ النسائيّ من طَرِيقِ [البهيِّ(١٠)، عن](١١) عُروةَ، عن عَائِشَةَ، فَأعرَضت عنها، حَتَّى قال النبيّ ◌َِّ: ((دُونَك فَانتَصِرِي))، فَأَقبَلت عليها حَتَّى رَأيتها قَد يَبِسَتَ(١٢) رِيقُها في فيها مَا تَرُدُّ عليَّ شَيئًا. وهَذَا مِمَّا يَدُلُّ على أنَّها واقِعَةٌ أخرَى كَمَا تَقَدَّمَ، والله أعلم. ■ التَّاسِعَةُ: قَولُها: حَتَّى أفحَمتُها. بِالفَاءِ والحَاءِ المُهمَلَةِ أي: أسكَتُها، يُقَالُ: أفحَمَهُ(١٣) إذَا أسكَتَهُ في خُصُومَةٍ أو غَيرِها . (١) في الأصل: ((تعاديني، م)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). وينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠٦/١٥). (٤) المفهم (٣٢٥/٦). (٣) في (ك٢، ح، ش): ((حظه)). (٥) في (م): ((يشتمني)). (٦) شرح النووي على مسلم (٢٠٧/١٥). (٨) في (م): ((كأن)). وفي المفهم: ((وكانت)). (٧) المفهم (٣٢٦/٦). (٩) في (ح): ((لها)). (١١) ما بين المعكوفين، ليس في (ش). (١٣) في (ش): ((أفحمته)). (١٠) في الأصل، (ك٢، م): ((النهي)). (١٢) في (ك٢): ((حبست)). = ٤٠٩ بَابٌ عِشرَةِ النِّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ ■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّها ابنَةُ أبي بَكرٍ)). قال النَّووِيُّ(١): مَعنَاهُ الإشَارَةُ إلى كَمَالٍ فَهمِها وحُسنِ نَظَرِها. وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٢): هو تَنبيهٌ على أصلِها الكَرِيمِ الذِي نَشَأْت عنهُ، واكتَسَبَت الجَزَالَةَ والبَلَاغَةَ والفَضِيلَةَ منهُ، وطِيبُ الفُرُوعِ بِطِيبٍ عُذُوقِها(٣)، وغِذَاؤُها من عُرُوقِها كَمَا قال : طِيبُ الفُرُوعِ من الأصُولِ ولَم يُرَ فَرِعٌ يَطِيبُ وأصلُهُ الزَّقُومُ فَفيه مَدِحُ عَائِشَةَ وأبيها ◌ُّ. قُلتُ: ولَعلهُ استَحسَنَ منها كَونَها لَم تَبدَأْ زَيْنَبَ بِالكَلَامِ حَتَّى تَكَلَّمَت زَيْنَبُ وزَادَتِ، فَصَارَت عَائِشَةُ مُنْتَصِرَةً لَا سَبيلَ عليها، ثُمَّ بَعدَ ذَلِكَ بَلَغَت مَا أَرَادَت، فَكَانَ(٤) لَها العَاقِبَةُ والظّفَرُ بِالمَقْصُودِ(٥). الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: (٥٤/٧م) فيه فَضِيلَةٌ ظَاهرَةٌ لِمَّي(٦) المُؤمنينَ(٧) المَذكُورَتَينِ، أمَّا زَيْنَبُ؛ فَلِمَا اتَّصَفَت به من هَذِه الأوصَافِ الجَمِيلَةِ. وأمَّا عَائِشَةُ؛ فَلِأَنَّهُ لَم يَمِنَعها مَا كَانَ بَيْنَهُمَا من وصفِها بِمَا تَعرِفُهُ منها. وقَولُها: وأبذَلُ لِنَفسِها في كُلِّ شَيءٍ يُتَقَرَّبُ (٨) به إلى الله وَثَ. هو بِالذَّالِ المُعجَمَةِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ من البَذلِ وهو العَطَاءُ، وأن يَكُونَ من البِذْلَةِ وهو (٩) الإِمتِهانُ بِالعَمَلِ والخِدمَةِ، فَكَانَت زَينَبُ ◌َّنَا تَعمَلُ بيدِها(١٠) عَمَلَ النِّسَاءِ من الغَزْلِ والنَّسيج (١١) وغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَت عَادَةُ النِّسَاءِ بِعَمَلِه والتَّكَسُبِ به (١٢)، وكَانَت تَتَصَدَّقُ(١٣) بِذَلِكَ، وتَصِلُ به ذَوِي رَحِمِها، وهيَ التي كَانَت أطولَهُنَّ [يَدًا (١) شرح النووي على مسلم (٢٠٧/١٥). في (ح): ((عروقها)). وكذا في المفهم. (٣) (٤) في (ك٢، ح، ش): ((وكانت)). (٦) في الأصل، (م): ((لأمتي)). (٨) في الأصل: ((يترقب)). (١٠) في (ح): (بيديها)). وفي (ش): ((ببدنها)). (١١) في (ك٢، ح، ش): ((والنسج)). (١٣) ليست في (ش). (٢) المفهم (٣٢٧/٦). (٥) بعده في (ش): ((انتهى)). (٧) ليست في (ح). (٩) في (ك٢): ((وهي)). (١٢) ليست في (ش). 5 ٤١٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ بِالعَمَلِ والصَّدَقَةِ، وأَشَارَ إلَيها النبيُّ [١٤٩/٢ ظ] بَّهِ بِقَولِه: ((أسرَعُكُنَّ لِحَاقًّا بي أطولُكُنَّ بَدًا))](١). وقَولُها: من زَينَبَ. وضَعَت الّاهرَ مَوضِعَ المُضمَرِ، وكَانَ الأصلُ أن تَقُولَ(٢): منها. كَمَا قالت أولًا: ولَم أرَ امرأةً خَيرًا منها(٣). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَولُها: مَا عَدَا. من صِيَغِ الاِستِثنَاءِ وهيَ مَعَ ((مَا)) فِعلٌ يُنصَبُ مَا بَعدَهُ، وبِدُونِها حَرفٌ يُخفَضُ مَا بَعدَهُ على المَشهورِ في الحَالَتَينِ. والسَّورَةِ: بِفَتحِ السِّينِ المُهمَلَةِ، وإسكّانِ الواوِ و(٤)بعدَها رَاءٌ، ثُمَّ هاءٌ: الثَّورَانُ وعَجَلَةُ الغَضَبِ، ومنهُ سَورَةُ الشَّرَابِ وهيَ قُوتُهُ وحِدَّتُهُ. والغَربُ: بِفَتحِ الغَينِ المُعجَمَةِ، وإسكَانِ الرَّاءِ المُهمَلَةِ، وآخِرُهُ بَاءٌ(٥) مُوحَّدَةٌ: الحِدَّةُ وهيَ شِدَّةُ الخُلُقِ وثَورَانُهُ(٦)، ومنهُ غَربُ السَّيفِ، وهو حَدُّهُ، وغَربُ كُلِّ شَيءٍ حَدُّهُ، يُقَالُ: في لِسَانِهِ غَرِبٌ؛ أي: حِدَّةٌ. والحَدُّ بِفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ، يَحتَمِلُ: أن يُرَادَ به القَوِيُّ الشَّدِيدُ(٧) من حَدِّ الشَّرَابِ (٨) وهو صَلَابَتُهُ، وحَدُّ الرَّجُلِ وهو بَأسُهُ، ويَحَمِلُ: أن يُرَادَ غَضَبٌ بَالِغْ أقصَى الغَايَةِ من حَدِّ الشَّيءٍ وهو مُنتَهاهُ، ويَحتَمِلُ: أن يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَولِه: غَربٍ، فَإِنَّ الحِدَّةَ بِكَسرِ الحَاءِ وآخِرُهُ هاءٌ، والحَدُّ بِفَتحِ الحَاءِ بِلَا هاءٍ آخِرُهُ: مَا يَعتَرِي الإنسَانَ من النَّزَقِ(٩) والغَضَبِ، وكَذَا في رِوايَتِنَا: من غَربٍ حَدٍّ. بِتَنِينِهِمَا، وفي رِوايَةٍ مُسلِمٍ، والنسائيِّ: سُورَةً من حَدٍّ. لَيسَ فيهِمَا (١٠) لَفِظُ: غَربٍ(١١) وفي بَعضِ ((نُسَخِ مُسلِمٍ)): من حِدَّةِ بِكَسرِ الحَاءِ وبِالهاءِ. وقَولُها: ((توشِكُ))(١٢) بِضَمِّ أولِه وبِكَسرِ الشِّينِ الْمُعجَمَةِ؛ أي: تُسرِعُ، وقَولُهُ: ((الفَيئَةَ))(١٣)، (١) ما بين المعكوفين ليس في (ح). والحديث أخرجه البخاري (١٤٢٠)، ومسلم (١٠١/٢٤٥٢). (٢) في (ح، ش): ((يقول)). (٣) ينظر: المفهم (٣٢٥/٦). (٦) (٤) لیس في (ح، ش). في (ح، ش): ((وتورانه)). (٨) في الأصل: ((السراب)). وينظر: الصحاح (٤٦٣/٢)، ومقاييس اللغة (٤/٢). (١٠) في (ش): ((فيها)). (٩) في (ح): ((النزف)). (١١) في الأصل: ((عرب)). (١٣) في الأصل، (ك٢): ((الفئة)). (٥) في (ش): ((ياء). (٧) في (ح): ((السديد)). (١٢) في الأصل، (م): ((يوشك)). S ٤١١ = بَابُ عِشرَةِ النِّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ بِفَتحِ الفَاءِ وبِالهَمزِ؛ أي: الرُّجُوعُ، وهو مَنصُوبٌ بِقَولِه توشِكُ(١). ومَعنَى الكَلَام: وصفُها بِأنَّها كَامِلَةُ الأوصَافِ، إلا أنَّ فيها شِدَّةَ خُلُقٍ وسُرعَةَ غَضَبٍ تَرجِعُ عنها سَرِيعًا ولَا تُصِرُّ عليها فَهِيَ سَرِيعَةُ الغَضَبِ سَرِيعَةُ الرِّضَا، فَتِلكَ (٧/ ٥٥م) بِتِلكَ، كَمَا جَاءَ في الحديثِ. قال النَّووِيُّ: وقَد صَحَّفَ صَاحِبُ ((التَّحرِيرِ)) في هَذَا الحديثِ تَصحِيفًا قَبيحًا جِدًّا فقال: مَا عَدَا سَودَةَ بِالدَّالِ. وجعلها سَودَةَ بِنتَ زَمعَةَ، وهَذَا من فَاحِشٍ(٢) الغَلَطِ؛ نَبَّهت عليه لِئَلَّا يُغتَرَّ به(٣). الحديثُ الثَّانِي وعنها، قالت: والله، لَقَد رَأيتُ رسولَ اللهِوَّ﴿ يَقُومُ على بَابٍ حُجرَتي، والحَبَشَةُ يَلعَبُونَ بِالحِرَابِ، ورسولُ اللهِ وَّهِ يَستُرُنِي(٤) بِرِدَائِه؛ لِأَنظُرَ إلى لَعِبهم بَينَ أذُنِه وعَاتِقِه، ثُمَّ يَقُومُ من أجلِي؛ حَتَّى أكُونَ أنَا التي أَنصَرِفُ، فَاقِدُرُوا قَدَرَ الجَارِيَةِ الحديثَةِ السِّنِّ الحَرِيصَةِ للهوِ (٥). وقال الشيخانِ: على اللهوِ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ البخاريُّ(٦) من طَرِيقِ مَعمَرٍ بِمَعنَاهُ، وفيه بَعدَ قَولِه(٧): الحديثَّةِ السِّنِّ)): ((تَسمَعُ اللهو)). وأخرجهُ البخاريُّ(٨) أيضًا من طَرِيقٍ صَالِحِ بنِ كَيسَانَ، وفيه: والحَبَشَةُ يَلعَبُونَ في المَسجِدِ. ولَيسَ فيه مَا بَعدَ قَولِه: إلى لَعِبهم. (١) في الأصل، (م): ((يوشك)). (٢) بعده في (ش): ((اللفظ)). (٣) في (ش): ((يعتريه)). وينظر: المفهم (٣٢٥/٦، ٣٢٦)، وشرح النووي على مسلم (٢٠٦/١٥، ٢٠٧)، والنهاية في غريب الحديث (٤٢٠/٢) (٣٥٠/٣). ليست في (ش). (٤) (٦) البخاري (٥١٩٠). البخاري (٤٥٤). (٨) (٥) في (ك٢، ش، ح): ((للهوى)). (٧) في (ش): ((وقوله)). ٤١٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأخرجهُ البخاريُّ تَعلِيقًا، ومسلمٌ(١) مُسنَدًا من طَرِيقِ يُونُسَ بنِ يزَيد(٢)، وفيه: حَرِيصَةٌ على اللهوِ. وذَلِكَ عِندَ مُسلِم، ولَيسَ عِندَ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا سَاقَ هَذِهِ الرِّوايَةَ المُعلقَةَ مُختَصَرَةً. وأخرجهُ البخاريُّ(٣) من طَرِيقِ الأوزَاعِيِّ وفيه: ((الحَرِيصَةُ على اللهوِ)). وأخرجهُ مسلمٌ، والنسائيُّ(٤) من طَرِيقِ عَمرِو بنِ الحَارِثِ، وفيه: ((فَاقِدُرُوا قَدرَ الجَارِيَةِ العربَةِ (٥) الحديثَةِ السِّنِّ)). خَمسَتُهُم، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ، ولَهُ طُرُقٌ أخرَى تَرَكتها اختِصَارًا . ■ الثَّانِيَةُ: فيه جَوازُ اللعِبِ بِالسِّلَاحِ ونَحوِهِ من آلَاتِ الحَربِ في المَسجِدِ، ويَلتَحِقُ به مَا في مَعنَاهُ من الأسبَابِ المُعِينَةِ على الجِهادِ وأنواعِ البِرِّ. وقال المُهَلَّبُ شَارِعُ البُخَارِيِّ(٦): المَسجِدُ (٥٦/٧م) مَوضُوعٌ لِأمرِ جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ، فَمَا كَانَ من الأعمَالِ مِمَّا يَجمَعُ مَنفَعَةَ الدِّينِ وأهلِه، فَهو جَائِزٌ في المَسجِدِ، واللعِبُ بِالحِرَابِ من تَدرِيبِ الجوارح(٧) على مَعَانِي الْحُرُوبِ، وهو (٨) من الإِشْتِدَادِ لِلِعَدُوِّ والقُوةِ على الحَربِ، فَهو جَائِزٌ في المَسجِدِ وغَيرِهِ. ■ الثَّالِثَةُ: وفيه جوازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إلى لَعِبِ الرِّجَالِ [١٥٠/٢)]. قال ابنُ بَطَّالٍ(٩): وقَد يُمكِنُ أن يَكُونَ تَرِكُهُ إِيَّاها لِتَنظُرَ إلى اللعِبِ بِالحِرَابِ لِتَضْبِطَ السُّنَّةَ في ذَلِكَ، وتَنقُلَ تِلكَ الحَرَكَاتِ المُحكَمَةَ إلى بَعضٍ مَن يَأتي من أبْنَاءِ المُسلِمِينَ وتُعَرِّفَهُم بِذَلِكَ. البخاري تعليقًا (٤٥٥)، ومسلم (١٨/٨٩٢). (١) (٢) في الأصل، (ك٢، م): ((زيد)). (٣) البخاري (٥٢٣٦). مسلم (١٧/٨٩٢)، والنسائي في الكبرى (٨٩٠٣). (٤) في (م، ش): ((الغربة))، وكذا عند مسلم، ولم أجد اللفظة عند النسائي من الطريق (٥) المذكورة، أو من غيرها . (٦) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠٤/٢)، وفتح الباري لابن حجر (٥٤٩/١) .. (٧) في الأصل، (ح): ((الخوارج)). وفي (م): ((الشجعان)). ولعل الأشبه ما أثبته، وهو الذي عند ابن بطال، والله أعلم. في الأصل، (م): ((وهي)). (٨) (٩) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠٤/٢). = ٤١٣ بَابُ عِشْرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ الرَّابِعَةُ: وفيه أنَّهُ لَا بَأسَ بِتَروِيحِ النَّفسِ بِالنَّظَرِ إلى بَعضِ اللهوِ المُبَاحِ. ■ الخَامِسَةُ: استُدِلَّ به على جَوازٍ نَظَرِ المَرأةِ لِلرَّجُلِ، وفيه لِأصحَابِنَا أوجُهُ : أحَدُها: وهو الذِي صَحَّحَه(١) الرَّافِعِيُّ (٢) جَوازَهُ؛ فَتَنظُرُ جَمِيعَ بَدَنِه إلا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكِبَةِ. والثَّانِي: لَها أن تَنظُرَ منهُ مَا يَبْدُو في المِهِنَةِ فَقَط. وهَذَا الحديثُ مُحتَمَلٌ لِلوجهَينِ . والثَّالِثُ: وهو الذِي صَحَّحَهُ النَّوِيُّ(٣) تبعًا(٤) لِجَمَاعَةِ تَحرِيمِ نَظَرِها لَهُ كَمَا يَحرُمُ نَظَرُهُ إِلَيها. واستَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِقَولِه تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ [النور: ٣١]. وبِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمِّ سَلَمَةَ وأمِّ حَبيبَةَ رَّ: ((احتَجِبَا عنهُ)) أي: عن ابنِ أمِّ مَكثُومٍ، فقالتًا: إنَّهُ أعمَى لَا يُبصِرُنَا، فقال ◌َله: ((أَفَعَمْيَاوانِ أنتُمَا أَستُمَا تُبصِرَانِه)). رَواهُ التِّرمِذِيُّ وغَيرُهُ(٥) وحَسَّنَهُ و ء هو وغَیرُهُ. وأجَابُوا عن حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بِجَوابَينِ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ لَيسَ فيه أنَّها نَظَرَت إلى وُجُوههم وأبدَانِهم، وإِنَّمَا نَظَرَت لَعِبَهُم وحِرَابَهُم (٦)، ولَا يَلزَمُ من ذَلِكَ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلى البَدَنِ، وإن وقَعَ بِلَا قَصدِ صَرَفَتْهُ في الحَالِ. والثَّانِي: لَعِلَّ هَذَا كَانَ قَبلَ نُزُولِ الآيَةِ في تَحرِيم النَّظَرِ، أو أنَّها كَانَت (١) في (ك٢، م): ((صحح)). (٢) الشرح الكبير (٤٧٧/٧). شرح النووي على مسلم (١٨٤/٦)، وروضة الطالبين (٣٦٩/٥). (٣) (٤) ليست في الأصل، (م). أخرجه أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، والنسائي في الكبرى (٩١٩٧). (٥) (٦) في (ش): ((وجوابهم)). ٤١٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ صَغِيرَةً قَبَلَ بُلُوغِها، فَلَم تَكُن مُكَلَّفَةً على قَولِ مَن يَقُولُ: إنَّ الصَّغِيرَ المُرَاهِقَ لَا يُمنَعُ النَّظَرَ، ولَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الخِلَافِ فيمَا إذَا كَانَ النَّظَرُ بِغَيرِ شَهوةٍ ولَا خَوفٍ فِتْنَةٍ، فَإِن كَانَ كَذَلِكَ حَرُمَ قَطْعًا (١). ■ السَّادِسَةُ(٢): وفيه بَيَانُ مَا كَانَ عليه رسولُ اللهِ نَّهَ مِن الرَّأْفَةِ والرَّحمَةِ وحُسنِ الخُلُقِ ومُعَاشَرَةِ الأهلِ بِالمَعْرُوفِ، وذَلِكَ من أوجُهِ : منها: تَمكِينُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ عَائِشَةَ من النَّظَرِ إلى هَذَا اللهوِ. ومنها : أنَّهُ لَم يَقطَع ذَلِكَ عليها، بَل جَعل الخِيرَةَ إِلَيها في قَدرٍ وُقُوفِها . ومنها: مُبَاشَرَتُهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ سِترَها بِنَفسِه الكَرِيمَةِ وبِرِدَائِه ومُرَافَقَتُها (٣) في ذَلِكَ بِنَفْسِه، وأنَّهُ لَم يَكِلُهُ إلى غَيرِهِ، وإلى ذَلِكَ أَشَارَت بِقَولِها: ثُمَّ (٧/ ٥٧م) يَقُومُ من أجلِي (٤). السَّابِعَةُ (٥): إن قُلتَ: في هَذِهِ الرِّوايَةِ: أنَّها كَانَت في تِلكَ الحَالَةِ بَيْنَ أذُنِه وعَاتِقِه. وفي رِوايَةٍ أخرَى: خَدِّي على خَدِّه. وفي رِوايَةٍ أخرَى: فَوضَعتُ رَأْسِي على مَنكِبِه. وكُلُّها في ((الصَّحِيحِ)). فَكَيفَ الجَمِعُ بَيْنَها (٦)؟ قُلتُ: لَا تَنَافِي بَيْنَها، فَإِنَّها إذَا وضَعَت رَأْسَها على مَنكِبه، صَارَت بَيْنَ أُذُنِهِ وعَاتِقِه، فَإِن تَمَكَّنَت في ذَلِكَ صَارَ خَدُّها على خَدِّه، وإن لَم تَتَمَّكَّن قَارَبَ خَذُّها خَدَّهُ. ■ الثَّامنةُ(٧): قَولُها: فَاقدُرُوا. هو بِضَمِّ الدَّالِ وكَسرِها، لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الجَوهَرِيُّ(٨) وغَيرُهُ، وهو من التَّقدِيرِ؛ أي: قَدِّرُوا في أنفُسِكُم قَدرَ رَغْبَةٍ مَن تَكُونُ (١) بعده في (ش): ((والله أعلم)). (٢) في (ح): ((الخامسة)). (٣) في الأصل: ((ومرافقها)). (٤) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨٣/٦، ١٨٤). (٥) في (ح): ((السادسة)). في (ح): ((السابعة)). (٧) الصحاح للجوهري (٧٨٧/٢). (٨) (٦) في الأصل، (ح): ((بينهما)). = ٤١٥ بَابُ عِشْرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ بهذِهِ الصِّفَةِ من حَدَاثَةِ السِّنِّ والحِرصِ على اللهوِ، ولَا مَانِعَ لَها من ذَلِكَ متى(١) تنتَهيَ(٢)، وأَشَارَت بِذَلِكَ إلى طُولٍ مُدَّةٍ وُقُوفِها لِذَلِكَ. ومن المَعلُومِ أنَّ مَن كَانَت بهذِهِ الصِّفَةِ، تُحِبُّ اللهو والتَّفَرُّجَ والنَّظَرَ إلى اللعِبِ حُبَّا بَلِيغًا، وتَحرِصُ على إِدَامَتِهِ مَا أمكَنَها، ولا تمل (٣) ذَلِكَ إلا بَعدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ (٤). وقَولُهُ في رِوايَةٍ مُسلِمٍ: العَرِبَةُ. بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ، وكَسرِ الرَّاءِ وبِالبَاءِ المُوحَّدَةِ، ومَعنَاهُ المُشْتَهِيَةُ لَلَعِبِ، المُحِبَّةُ لَهَ(٥). ■ التَّاسِعَةُ(٦): قَولُهُ: الحَرِيصَةُ للهوِ (٧)، كَذَا وقَعَ في أصلِنَا من ((مُسنَدِ الإِمَامِ أحمَدَ». ومَعنَاهُ: أنَّها حَرِيصَةٌ لِأَجلِ تَحصِيلِ مَا تَهواهُ نَفسُها من اللعِبِ واللهوِ، ولَم تَتَّصِف بِالحِرصِ لِأجلِ مَحَبَّةِ المَالِ كَمَا يُعهَدُ من غَيرِها، فَإِنَّها لَم تَكُن بِتِلكَ الصِّفَةِ، ومَا كَانَ حِرصُها إلا كَحِرصِ الصِّغَارِ على تَحصِيلِ مَا تَهوى نَفسُها من النَّظَرِ للعِبِ. وفي ((الصَّحِيحِ)): حَرِيصَةً على اللهوِ. وهو أظهَرُ تَوجِيهًا وهو [٢/ ١٥٠ظ] مَنصُوبٌ على الحَالِ. وفي رِوايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ(٨) تَقَدَّمَ ذِكرُها: ((الحديثَةِ السِّنِّ تَسمَعُ اللهو)). أي: إنَّ حَدَاثَةَ مِنْهَا مَعَ سَمَاعِ اللهوِ يُوجِبُ مُلَازَمَتَها لَهُ، فَمَا ظَنُّك بِرُؤيَةِ اللهوِ التي هيَ أبلَّغُ من سَمَاعِه؟ العَاشِرَةُ: (٩) قَولُها في أولِ الحديثِ: ((والله)). فيه الحَلِفُ لِتَوكِيدِ الأمرِ وتَقوِيَتِه . وقَولُها: رَأيتُ، بِضَمِّ التَّاءِ. والحُجرَةُ: أَرَادَت بها مَنزِلَها، وكَلَامُ بَعضِهم يَقْتَضِي أنَّ أصلَها حَظِيرَةُ الإبلِ. (١) في (ح، م): ((حتى). (٣) في الأصل، (م): ((يمكن). ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨٥/٦). (٤) (٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٨٥/٦). (٦) في (ح): ((الثامنة)). في (ش): ((البخاري)). (٨) (٢) في (م): ((ينتهي)). (٧) في (ك٢، ح، ش): (للهوى)). (٩) في (ح): ((التاسعة)). ٤١٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والحَبَشَةُ، بِفَتح الحَاءِ والبَاءِ والشِّينِ، ويُقَالُ فيهم: حَبَشٌ بِغَيرِ هاءٍ. وقال صَاحِبُ ((المُحكَم)) (١): وقَد قَالُوا: الحَبَشَةَ، ولَيسَ بِصَحِيحٍ في القِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَا واحِدَ لَهُ على مِثَالٍ فَاعِلِ؛ فَيَكُونُ مُكَسَّرًا على فَعَلةٍ (٢)، والله أعلم. (٧/ ٥٧م) الحديثُ الثَّالِثُ وعنها، قالت: كُنتُ ألعَبُ بِالبَنَاتِ، فَيَأْتِينِ صَواحِبِي، فَإِذَا دَخَلَ رسولُ الله ◌َّهِ فَرَرنَ منهُ؛ فَيَأْخُذُهُنَّ رسولُ اللهِ نَّهِ فَيَرُدُّهُنَّ إِلَيَّ . فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ الشيخانِ (٣) من طَرِيقِ هِشَامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ، وفي لَفِظٍ لِمُسلِم (٤): وهُن(٥) اللعِبُ. ■ الثَّانِيَةُ: قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): فيه جَوازُ اللعِبِ بهنَّ. قال: وهُنَّ مَخصُوصَاتٌ من الصُّورِ المَنهيِّ عنها؛ لِهَذَا الحديثِ، ولِمَا فيه من تَدرِيبِ النِّسَاءِ في صِغَرِهنَّ لِأمرِ أنفُسِهنَّ وبُيُوتِهِنَّ وأولَادِهنَّ. قال: وقَد أجَازَ(٧) العُلَمَاءُ بَيعَهُنَّ وشِرَاءَهُنَّ، وَرُوِيَ عن مَالِكِ كَرَاهَةُ شِرَائِهِنَّ، وهَذَا مَحمُولٌ على كَرَاهَةِ الإِكْتِسَابِ بها وتَنزِيه ذَوِي المُرُوآتِ عن تَولِّي بَيعِ ذَلِكَ، لَا كَرَاهَةِ اللعِبِ. قال: ومَذهَبُ جُمهورِ العُلَمَاءِ: جَوازُ اللعِبِ بهنَّ. وقالت طَائِفَةٌ: هو مَنسُوخٌ بِالنَّهيِ عن الصُورِ . انتَھَی. المحكم (١١٥/٣). (١) (٢) في (ح، ش): «فعله)). (٣) البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٨١/٢٤٤٠). (٤) في (ش): ((مسلم)). إكمال المعلم (٤٤٧/٧، ٤٤٨). (٦) في (ش): ((أجاب)). (٧) (٥) في (م): ((وهم). İŞ ٤١٧ بَابُ عِشرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ = ومُقْتَضَاهُ: استِئْنَاءُ ذَلِكَ من امتِنَاعِ المَلَائِكَةِ عَلَلُ مِن دُخُولِ البَيتِ الذِي فيه صُورَةٌ. وقَد يُقَالُ فيه مِثلُ الخِلَافِ المُتَقَدِّمِ بَينَ الخَطَّابي والنَّوِيِّ في الكَلبِ المَأْذُونِ في اتِّخَاذِهِ، هَل تَمتَنِعُ المَلَائِكَةُ من دُخُولِ البَيتِ الذِي هو فيه؟ فقال الخَطَّابي: لَا، وهو أرجَحُ. وقال النَّوِيُّ(١): نَعَم. وفي اطّرَادٍ (٢) مِثلِ ذَلِكَ هُنَا نَظَرٌّ؛ إذ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَنَعَ النبيّ وَِّ دُخُولَ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي بَيْتِهِ، وإِن كَانَ اللعِبُ بها مُبَاحًا لِحِرصِه على دُخُولِ المَلَائِكَةِ إِلَيه، وأنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُم منهُ. واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣): البَنَاتُ جَمعُ بِنتٍ، وهُنَّ الجَوارِي، وأضِيفَت إلى (٤) اللعِبِ وهيَ جَمعُ لُعبَةٍ، وهو مَا تَلعَبُ(٥) به البَنَاتُ(٦)؛ لِأنَّهُنَّ هن (٧) اللواتي يَصنَعنَها ويَلعَبنَ بها. قُلتُ: المُرَادُ بِالْبَنَاتِ هُنَا: نَفسُ اللعِبِ وتَسمِيَتُهُنَّ بِذَلِكَ من مَحَاسِنٍ (٨) التَّشبيه الصُّورِيِّ، كَتَسمِيَتِه(٩) المَنقُوشَ في الخَائِطِ أَسَدًا. واللهُ أعلمُ. ■ الرَّابِعَةُ: فيه حُسنُ خُلُقِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، ولَطِيفُ مُعَاشَرَتِهِ مَعَ زَوجَتِهِ ومَن يَزُورُها من صَواحِبها، بِتَمكِينِها من ذَلِكَ، وجَمع(١٠) مَن يُسَاعِدُها على ذَلِكَ عليها، ومَا كَانَ هَذَا إلا في زَمَانِ (١١) الصِّغَرِ قَبَلَ الْبُلُوَغِ(١٢). (١) معالم السنن (١٥٣/١)، وشرح النووي على مسلم (٨٤/١٤). (٢) في (ح): ((اطراده)). (٣) المفهم (٣٢٣/٦). (٤) ليس في (ك٢، ح، ش). (٦) في (ك٢): ((للبنات)). (٨) في (ك٢، ح، ش): ((مجاز). (٩) في (ك٢، ح، ش): (كتسمية)). (١٠) في (ش): ((وجميع)). (١١) في (ك٢، ح، ش): ((زمن)). (١٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢٠٤/١٥، ٢٠٥). (٥) في (ك٢، ش): ((يلعب)). (٧) ليست في الأصل، (م). = ٤١٨ طرح التثريب في شَرْحِ التّقْرِیبِ (٥٩/٧م) الحديثُ الرَّابِعُ جَ وعن جَابِرٍ(١): ((كُنَّا نَعزِلُ على عَهدِ رسولِ الله وَّهِ، والقُرآنُ يَنزِلُ)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ الأئِمَّةُ الستةُ، خَلَا أبَا دَاوُد (٢) من طَرِيقِ سُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن عَمرِو بنِ دِينَارٍ، عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ. زَادَ مسلمٌ في رِوايَةٍ لَهُ: ((لَو كَانَ شَيئًا يُنهَى عنهُ، لَنَهانَا عنهُ القُرآنُ. ولَيسَتِ هَذِهِ الرِّوايَةُ مُطَابِقَةً لِرِوايَتِنَا من طَرِيقِ الإِمَامِ أحمَدَ لِزِيَادَةِ عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحِ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ بَيْنَ عَمرِو بنِ دِينَارٍ وجَابٍِ . وأخرجهُ البخاريُّ(٣) أيضًا من طَرِيقِ ابنِ جُرَيجٍ، ومُسلِمٌ من طَرِيقِ مَعقِلٍ بِنِ عُبَيَدِ الله الجَزَرِيِّ، كِلَاهُمَا [عن عَطَاءٍ، عن جَابِرٍ، لَيْسَ فيه: ((والقُرآنُ يَنْزِلُ)). وأخرجهُ مسلمٌ(٤) أيضًا من رِوايَةٍ مُعَاذِ بنِ هِشَامٍ، عن](٥) أبيه، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ قال: ((كُنَّا نَعزِلُ على عَهدِ [١٥١/٢و] نَبِ اللهِ وَِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِي الله وَِّ فَلَمْ يَنْهَنَا)). وأخرجهُ مسلمٌ أيضًا، وأبو داودَ(٦) من رِوايَةٍ زُهَيرٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ، قال: جَاءَ رَجُلٌ من الأنصَارِ إلى رسولِ اللهِ وَّه فقال: إنَّ لِي جَارِيَةً أَطُوفُ عليها، وأنَا أكرَهُ أن تَحمِلَ. فقال: ((اعزِل عنها إن شِئت، فَسَيَأتيها مَا قُدِّرَ لَها)). قال: فَلَبِثَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَاهُ، فقال: إنَّ الجَارِيَةَ قَد حَمَلَت، فقال: ((قَد أخبَرِتُك أنَّهُ (١) بعده في (ش): ((قال)). البخاري (٥٢٠٨، ٥٢٠٩)، ومسلم (١٣٦/١٤٤٠)، وابن ماجه (١٩٢٧)، والترمذي (٢) (١١٣٧)، والنسائي في الكبرى (٩٠٩٣). (٣) البخاري (٥٢٠٧)، ومسلم (١٣٧/١٤٤٠). (٤) مسلم (١٣٨/١٤٤٠). (٦) مسلم (١٣٤/١٤٣٩)، وأبو داود (٢١٧٣). (٥) ما بين المعكوفين ليس في (ش). ٤١٩ بَابٌ عِشْرَةِ النَّسَاءِ والعَدلِ بَينَهُنَّ = سَيَأتيها مَا قُدِّرَ لَها)). ورَوى التِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(١) من طَرِيقٍ مُحَمَّدٍ بنٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَوبَانَ، عن جَابِرٍ قال: قُلنَا: يَا رسولَ الله إنَّا كُنَّا نَعزِلُ، فَزَعَمَت اليَهودُ أنَّها المَوؤُودَةُ الصُّغْرَى، فقال: ((كَذَبَت اليَهودُ، إنَّ اللهَ إذَا أَرَادَ أن يَخلُقَهُ لَم يَمنَعُهُ)). ولَهُ عن جَابِرِ [طريق أخرى](٢). ■ الثَّانِيَةُ: العَزلُ: أن يُجَامِعَ فَإذَا قَارَبَ الإنزَالَ نَزَعَ، فَأَنزَلَ خَارِجَ الفَرجِ. وقَد استَدَلَّ جَابِرٌ على إِيَاحَتِهِ بِكَونِهِم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ في زَمَنِ النبيّ ◌ََِّ، وهَذَا هو الذِي عليه جُمهورُ العُلَمَاءِ من المُحدِثِينَ والأصُولِيِّينَ، أنَّ قَولَ الصَّحَابي: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا؛ مَعَ إضَافَتِه إلى عَصرِ الرسولِ مَرَفُوعٌ حُكمًا. وخَالَفَ في ذَلِكَ فَرِيقٌ منهُم أبُو بَكرٍ الإسمَاعِيلِيُّ، فَقَالُوا: إنَّهُ مَوقُوفٌ؛ لاحتِمَالِ عَدَمِ اطَلَاعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا (٧/ ٦٠م) الاحتِمَالَ مَدُفُوعٌ هُنَا لِمَا قَدَّمِنَاهُ من ((صَحِيحِ مُسلِم)) من طَرِيقٍ أبي الزُّبَيرِ، عن جَابِرٍ: فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِي الله وَِّ فَلَمْ يَنْهَنَا. فَثَبَتَ بِذَلِّكَ اطَّلَاعُهُ وتَقرِيرُهُ. وهو حُبَّةٌ بِالإجمَاعِ(٣). وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ(٤) فِي هَذِهِ المَسألَةِ: فقال أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ النِّسَاءَ أقسَامٌ: أحَدُها(٥): الزَّوجَةُ الحُرَّةُ، وفيها طَرِيقَانِ: أظهَرُهُمَا: أنَّها إن رَضِيَت جَازَ، وإلا فَوجهانِ: أصَحُّهُمَا: عِندَ الغَزّالِيٌّ والرَّافِعِيِّ والنَّووِيِّ: الجوازُ. والطَّرِيقُ الثَّانِ: أنَّها إن لَم تَأْذَن لَم يَجُز، وإن أذِنَت فَوجهانِ. الثَّانِي: الزَّوجَةُ الأمَةُ، وهيَ مُرَتَبَةٌ على الحُرَّةِ إِن جَوزنَاهُ فيها، فَفي الأمَةِ أولى، وإلا فَوجهانِ : (١) الترمذي (١١٣٦)، والنسائي في الكبرى (٩٠٧٨). (٢) ليس في الأصل، (م). (٣) ينظر: الإحكام للآمدي (١١٩/١) وما بعده. ينظر: شرح النووي على مسلم (٩/١٠، ١٠)، وإكمال المعلم (٦١٦/٤، ٦١٧)، (٤) والمفهم (١٦٧/٤). (٥) في (م): ((أحدهما)). = ٤٢٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ أصَحُّهُمَا: الجَوازُ تَحَرُّزًا عن رِقِّ الولَدِ. الثَّالِثُ: الأمَّةُ المَمِلُوكَةُ يَجُوزُ العَزِلُ عنها، قال الغَزّالِيُّ والرَّافِعِيُّ والنَّووِيُّ (١) بِلَا خِلافٍ. لَكِن حَكَى الرُّويَانِيُّ في ((البَحرِ)) وجهًا: أنَّهُ لَا يَجُوزُ لَحقِّ الولَدِ. الرَّابِعُ: المُستَولَدَةُ. قال الرَّافِعِيُّ(٢): رَتَّبَها مُرَتِّبُونَ على المَنكُوحَةِ الرَّقِيقَةِ وأولى بِالمَنع؛ لِأَنَّ الولَدَ حُرٍّ، وَآخَرُونَ على الحُرَّةِ والمُستَولَدَةُ أولى بِالجَوازِ؛ لِأَنَّها لَيسَتِ رَاسِخَةً في الفِرَاشِ، ولِهَذَا لَا تَستَحِقُّ القَسمَ. قال الرَّافِعِيُّ: وهَذَا أَظهَرُ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذهَبِنَا، وحَاصِلُهُ الفَتوى بِالجَوازِ مُطلَقًا، ولَو تَغَيََّ(٣) إذنُها. وقال المَالِكِيَّةُ(٤): لَا يَعزِلُ عن الحُرَّةِ إلا بإذنِها، ولا عن الزَّوجَةِ الأمَّةِ إلا بِإِذْنِ سَيِّدِها، بِخِلَافِ السَّرَارِي. هَذِهِ عِبَارَةُ ابنِ الحَاجِبِ في ((مُختَصَرِه)). وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(٥): لَا خِلَافَ بَينَ العُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَعزِلُ عن الزَّوجَةِ الحُرَّةِ إلا بِإذنِها؛ لِأَنَّ الجِمَاعَ من حَقِّها، ولَها المُطَالَبَةُ به، ولَيسَ الجِمَاعُ المَعْرُوفُ إلا مَا لَا (٦) يَلحَقُّهُ عَزلٌ. وفي دَعوى نَفي الخِلَافِ نَظَرٌ؛ لِمَا قَد (٧) عَرَفته من مَذْهَبِنَا. وقال في الأمَةِ المَمْلُوكَةِ: لَا خِلَافَ بَينَ فُقَهاءِ الأمصَارِ أنَّهُ يَجُوزُ العَزلُ عنها بِغَيرِ إذنِها. وفي إطلاقِهِ نَظَرٌ؛ لِمَا عَرَفته في (٨) مَذْهَبِنَا . وقال الحَنَفيةُ(٩): يَجُوزُ العَزلُ عن مَملُوكَتِهِ بِغَيرٍ إذنِها، ولا يَجُوزُ [عن زوجته الحرة إلا بإذنها. فإن كانت الزوجة أمة، فقال أبو حنيفة: الإذن في العزل إلى الولي، وقال(١٠) أبو يوسف، ومحمد: بل إلى الزوجة. (١) الوجيز (٢٥/٢)، والشرح الكبير (١٧٩/٨) ط. دار الكتب العلمية، وروضة الطالبين (٥٣٧/٥)، وشرح النووي على مسلم (٩/١٠). (٢) الشرح الكبير (١٨٠/٨) ط. دار الكتب العلمية. (٣) في (ح): ((يغير)). وفي (ش): ((بغير)) جامع الأمهات (ص١٥٥). (٤) (٦) ليس في (ك٢). في (ش): ((من)). (٨) (٩) ينظر: الهداية (٣٧٢/٤). (١٠) في (ك٢): ((فقال)). (٥) التمهيد (١٤٨/٣، ١٥٠). (٧) ليس في (ك٢، ح، ش).