النص المفهرس
صفحات 381-400
كجم ٣٨١ = بَابُ مَا يَحِرُمُ من النَِّاحِ وأخرجهُ الشيخانِ (١) من طَرِيقِ شُعبَةَ عن (٢) عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ، عن أبي حَازِمِ، عن أبي هريرةَ، في أثناءِ حَدِيثِ لَفِظِ البُخَارِيِّ: ((وأن تَشتَرِطَ المَرأةُ طَلَاقَ أختِها)). وبَوّبَ عليه: الشُّرُوطَ في الطَّلَاقِ. ولَفظُ مُسلِمٍ: ((تَسألُ))(٣). ■ الثَّانِيَةُ: قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم)»(٤): يَجُوزُ في ((تَسألُ)): الرَّفعُ، والكَسرُ. الأولُ: على الخَبَرِ الذِي يُرَادُ به النَّهيُ، وهو المُنَاسِبُ لِقَولِه(٥) عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ قَبلَهُ: ((وَلَا يَخطُبُ)) ((وَلَا يَسُوُ)) والثَّانِي: على النَّهِيِ الحَقِيقِيِّ. انتَهَى. ولَا يَخْفَى أنَّ الكَسرَ في اللامِ عَارِضٌ لِالتِقَاءِ السَّاكِنَينِ والفِعلُ مَجزُومٌ. وذَكَرَ والِدِي ◌َظُّْهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) أنَّهُ رُوِيَ بِالوجهَينِ، وهو قَدرُ(٦) زَائِدٌ على تَجوِيزِ النَّوِيِّ الوجهَينِ. ■ الثَّالِثَةُ: دَلَّ (٧) (٣٦/٧°م) قَولُهُ فِي رِوايَةِ البُخَارِيِّ المُتَقَدِّم ذِكرُها: ((لَا يَحِلُّ لِمرَاةٍ»، على أنَّ النَّهيَ في ذَلِكَ على سَبيلِ التَّحْرِيمِ، وكَذَّا في ((مُسنَدِ أحمَدَ»(٨) من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: ((لَا تُنكَحُ امرَأَةٌ بِطَلَاقِ أخرَى». ويَنبَغِي حَملُ التَّحْرِيمِ على مَا إِذَا جَرَى ذَلِكَ شَرطًا في صُلبِ النِّكَاحِ، فَلَو لَم يَقَع إلا مُجَرَّدُ سُؤَالٍ لَّم يَحرُم؛ لِنَّهُ سُؤَالٌ فِي مُبَاحِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَبِيبُ البُخَارِيِّ على تِلكَ الرِّوايَةِ: بَابَ الشُّرُوطِ التي لَا تَحِلَّ فَي النِّكَاحِ. قال: وقال ابنُ مَسعُودٍ (٩): لَا تَشْتَرِطُ المَرأةُ طَلَاقَ أختِها. ويُوافِقُهُ رِوايَةُ البَيهَقِيُّ المُتَقَدِّمَةُ: ((لَا يَنبَغِي لِمرَأَةٍ أن تَشتَرِطَ طَلَاقَ أختِها)). ولَفِظُ رِوايَةِ أبي حَازِمٍ، عن أبي هريرةَ عِندَ البُخَارِيِّ: ((وأن تَشتَرِطَ المَرأةُ طَلَاقَ أختِها)) (١٠). وجَرَىَ على ذَلِكَ المُحِبُّ الظَّبَرِيُّ في ((أحكَامِه))، فَأورَدَ الحديثَ في ذِكرِ مَا نَهَى عنه(١١) من الشُّرُوطِ بِلَفِظِ: نُهيَ أن (١) البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٥١٥/ ١٢). (٣) في (ش): ((يسأل)). في الأصل، (ح، م): ((بن)). (٢) (٥) في الأصل، (ك٢، ح): ((كقوله)). (٤) شرح النووي على مسلم (١٩٢/٩). (٦) في الأصل: ((قد)). (٧) في (ح): ((دله)). (٨) أحمد (١٧٦/٢). (٩) البخاري قبل حديث (٥١٥٢). (١٠) بعده في (ح): ((ويوافقه رواية البيهقي)). (١١) في الأصل، (م): ((فيه)). ٣٨٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ تَشتَرِطَ المَرأةُ طَلَاقَ أختِها. لَكِنَّهُ [١٤٤/٢ ظ] عَزَاهُ ((لِلصَّحِيحَينِ))، وقَد عَرَفتَ أنَّهُ لَيْسَ عِندَ مُسلِمٍ بهذا اللفظِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(١): فِقهُ هَذَا الحديثِ: أنَّهُ لَا يَجُوزُ لِامرأةٍ ولَا لِولِيِّها: أن تَشتَرِطَ في عَقدِ نِكَاحِها طَلَاقَ غَيرِها، و(٢) لِهَذَا الحديثِ وشِبهه استَدَلَّ جَمَاعَةٌ من العُلَمَاءِ، بِأنَّ شَرطَ المَرأةِ على الرَّجُلِ عِندَ عَقدِ نِكَاحِها أنَّها إِنَّمَا تَنكِحُهُ على أنَّ كُلَّ مَن يَتَزَوجُها عليها من النِّسَاءِ فَهِيَ طَالِقٌ. شَرطٌ بَاطِلٌ وعَقدُ نِكَاحِهِمَا على ذَلِكَ فَاسِدٌ يُفْسَخُ(٣) قَبلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ شَرٌ فَاسِدٌ دَخَلَ في الصَّدَاقِ المُستَحَلِّ به الفَرجَ فَفَسَدَ؛ لِأنَّهُ طَابَقَ النَّهيَ، ومن أهلِ العِلمِ مَن يَرَى الشَّرطَ بَاطِلًا والنِّكَاحَ صَحِيحًا، وهو المُختَارُ وعليه أكثَرُ(٤) عُلَمَاءِ الحِجَازِ، وهُم مَعَ ذَلِكَ يَكرَهونَ عَقَدَ النُّكَاحِ عليها. وحُجَّتُهُم هَذَا الحديثُ ومَا كَانَ مِثْلَهُ، وقِصَّةُ بَرِيرَةَ تَقتَضِي (٥) جَوازَ العَقدِ ويُطلَانَ الشَّرطِ، وهو أولى (٦) مَا اعتُمِدَ عليه في هَذَا البَابِ، ومَن أرَادَ أن يَصِحَّ لَهُ هَذَا الشَّرطُ المَكرُوهُ عِندَ أصحَابِنَا عَقَّدَهُ بِيمِينٍ فَيَلْزَمُهُ الحِنثُ في تِلكَ (٧) اليَمِينِ بِالطَّلَاقِ، أو بِمَا خَلَفَ عليه ولَيسَ من أفعَالِ الأبرَارِ ولَا من مَنَاكِحِ السَّلَفِ اسْتِبَاحَةُ النِّكَاحِ بِالأيمَانِ المَكْرُوهَةِ، ثُمَّ رُوِيَ عن عَلِيٍّ ◌َُّه أنَّهُ قال: شَرطُ الله قَبلَ شَرطِها (٨) . قال: ومنهُم مَن يَرَى أنَّ الشَّرطَ صَحِيحٌ؛ لحديثِ عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ مَرفُوعًا(٩): ((إن أحَقَّ الشُّرُوطِ أن تُوفُوا به (١٠) مَا استَحلَلتُم به الفُرُوجَ)). وهَذَا حَدِيثٌ، وإن كَانَ صَحِيحًا: فَإِنَّ مَعنَاهُ، واللهُ أعلمُ: أحَقُّ الشُّرُوطِ أن يُوفَّى به من الشُّرُوطِ الجَائِزَةِ. انتَھَى. (١) التمهيد (١٦٦/١٨، ١٦٨). (٢) ليس في (ش). (٤) في (ش): ((أكبر)). (٦) في (ش): ((أوّل)). (٧) (٣) في (ك٢): ((يفسد)). (٥) في (ش): ((يقتضي)). في (ش): ((ملك)). (٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٦٦٧ - الأعظمي)، والبيهقي (٢٤٩/٧، ٢٥٠). (٩) أخرجه البخاري (٢٧٢١)، ومسلم (١٤١٨/ ٦٣). (١٠) من (ك٢، ش). بَابُ مَا يَحِرُمُ من النِّكَاحِ ٣٨٣ = وكَلَامُ ابنِ حَزم (١) أيضًا يُوافِقُ مَا ذَكَرته من حَملِ الحديثِ (٣٧/٧م) على الشَّرطِ، فَإِنَّهُ بَعدَ أن قَرَّرَ بُطلَانَ النَّكَاحِ بِالشَّرطِ، استَدَلَّ(٢) بِرِوايَةِ البُخَارِيِّ التي لَفِظُها: (لَا يَحِلُّ)). ثُمَّ قال: فَمَن اشتَرَطَ مَا نَهَى عنهُ رسولُ اللهِ وََّ، فَهو شَرطٌ بَاطِلٌ، وإن عُقِدَ عليه نِكَاحٌ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ. ■ الرَّابِعَةُ: يَحْتَمِلُ أنَّ المُرَادَ المَرأةُ الأجنبيةُ تَسألُ الزَّوجَ طَلَاقَ زَوجَتِهِ، وأن يَنكِحَها هيَ بَدَلًا عنها. ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرَادُ الزَّوجَةَ التي هيَ في العِصمَةِ تَسألُ طَلَاقَ ضَرَّتِها لِتَنْفَرِدَ هيَ بِالزَّوجِ. ويَحتَمِلُ أنَّ المُرَادَ أعَمُّ من ذَلِكَ، وإلى الأولِ: ذَهَبَ النَّووِيُّ، وإلى الثَّانِي: ذَهَبَ ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣). والأولُ: أظهَرُ؛ لِقَولِه: ((ولتَنكِح))، فَإِنَّهُ يَدُلُّ على أنَّ(٤) المُرَادَ(٥): التي لَيسَت الآنَ نَاكِحَها (٦). وإِلَيهِ ذَهَبَ (٧) والِدِي ◌َّتُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ))، ورَدَّ كَلَامَ ابنِ عَبدِ البَرِّ بِمَا ذَكَرته، والثَّالِثُ: مُحتَمَلٌ، ويُحمَلُ قَولُهُ: (ولتَنكِح)) على أحَدِ القِسمَينِ وهو الأولُ. وأمَّا قَولُهُ: ((لِتَستَفرِغَ صَحِفَتَها)(٨). فَإِنَّهُ يَصدُقُ في الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أيضًا؛ لِأنَّها تُرِيدُ تَحصِيلَ(٩) حَظّ الأخرَى من الزَّوجِ مَضمُومًا إلى حَظّها(١٠). ■ الخَامِسَةُ: قال النَّووِيُّ(١١): المُرَادُ بِأختِها غَيرُها، سَواءٌ كَانَت أختَها من النَّسَبِ، أو أختَها في الإسلامِ، أو كَافِرَةً. انتَهَى. فَأمَّا أختُها من النَّسَبِ: فَكَيفَ يَصِحُ (١٢) إِرَادَتُها في الحديثِ مَعَ قَولِه في بَقِيَّتِه: ((ولتَنكِح))؛ لِأَنَّ نِكَاحَها زَوجَها مُتَعَذِّرٌ مَعَ بَقَائِها في عِصمَتِه. وقَد ذَكَرَ ذَلِكَ(١٣) الخَطَّابي (١٤) فقال: يُرِيدُ ضَرَّتَها المُسلِمَةَ فَهيَ أختُها في(١٥) الدِّينِ، (١) المحلى (٥١٧/٩). شرح النووي على مسلم (١٩٣/٩)، والتمهيد (١٦٥/١٨). (٣) (٤) ليس في (٢٥). في (ك٢، ش، ح): «ناکگًا)). (٦) (٨) في الأصل: ((صفحتها)). (١٠) بعده في (ش): ((والله اعلم)). (١٢) في (ش): ((تصح)). (١٤) أعلام الحديث (١٣٢٨/٢). (٢) ليست في (ش). (٥) في (ك٢): ((المرأة)). (٧) في (ك٢، ح، ش): ((مال)). (٩) في (ك٢): ((تحصل)). (١١) شرح النووي على مسلم (١٩٣/٩). (١٣) ليس في (ش). (١٥) في الأصل، (م): ((من)). == ٣٨٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ ولَم يُرِدِ الأختَ من قِبَلِ النَّسَبِ؛ لِأنَّهُ لَو أرَادَ [أن يَجمَعَ](١) بَينَهُمَا في النِّكَاحِ، لَم يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ. انتَھَى. وقَد يُرَادُ: لِتَنكِحِ(٢) مَن يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُها، ولَا تَسعَى في طَلَاقِ أختِها لِمَنْفَعَةٍ(٣) زَائِدَةٍ تَتَوقَّعُها من زَوجِها فَلْتَنكِحِ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّها(٤) لَا يَنَالُها إلا مَا قُدِّرَ لَها، وحِينَئِذٍ يَستَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ النَّووِيُّ. وأمَّا الكَافِرَةُ، فقال والِدِي ◌َّتُهُ في (شَرحِ التِّرمِذِيِّ): يَنبَغِي أن يَجرِي فيها الخِلَافُ في البَيعِ على بَيعِ أخِيه، فَإِنَّ الأوزَاعِيَّ يَخُصُّهُ بِالمُسلِم، وقال به من الشَّافِعِيَّةِ أَبُو عُبَيدِ ابنُ حَربُويه(٥) واختَارُهُ(٦) الخَطَّابِي، ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ في رِوايَةِ ابنِ حِبَّنَ في ((صَحِيحِه))(٧) في بَقِيَّةِ الحديثِ: ((فَإِنَّ المُسلِمَةَ أختُ المُسلِمَةِ))، ولَكِنَّ الجُمهورَ هُنَاكَ على تَعمِيم الحُكم، وأنَّهُ لَا فَرِقَ بَيْنَهُمَا . قُلتُ: ويُوافِقُهُ كَلَامُ الخَطَّابِي المُتَقَّدِّمُ. ■ السَّادِسَةُ: قَولُهُ: (لِتَستَفرِغَ صَحِفَتَها))(٨) بالنصب(٩)؛ أي: لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَستَفرِغَ صَحِفَتَها (١٠). قال الخَطَّابي(١١): وهو مثل(١٢) يُرِيدُ بِذَلِكَ الاستئثارَ(١٣) عليها، فَتَكُونُ كَمَن [١٤٥/٢و] أفرَغَ صَحِفَةَ (١٤) غَيرِهِ وكَفَأْ مَا في إنَائِه (٣٨/٧م) فَقلبهُ(١٥) في إِنَاءِ نَفسِه. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(١٦): هو كَلَامٌ عَرَبِي، مَجَازُ(١٧) في (ش): ((الجمع)). (١) (٣) في (ك٢): «لمنفقة)). في (ش): ((جويرية)). وفي (ح): ((جربويه). (٥) في الأصل، (م): ((ويختاره)). (٦) (٨) في الأصل، (م): ((صفحتها)). (١٠) في الأصل، (م): ((صفحتها)). (١٢) ليست في الأصل، (م). (١٣) في الأصل، (م): ((الإيثار)). (١٤) في الأصل، (م): ((صفحة)). (١٥) في الأصل، (م، ح): ((فيقلبه)). (١٦) التمهيد (١٧٠/١٨). (١٧) في (م): ((مجازي))، وفي التمهيد: ((مجاز)). (٢) في (ش): (لینکح)). (٤) في (ك٢، ح، ش): ((فإنه)). (٧) ابن حبان (٤٠٧٠). (٩) ليست في الأصل، (م). (١١) معالم السنن (٩١/٣). بَابُ مَا يَحرُمُ من النَِّاحِ ٣٨٥ = ومَعنَاهُ: لِتَنفَرِدَ بِزَوجِها، ومِثْلُ هَذِهِ الاِسْتِعَارَةِ قَولُ النَّمِرِ بنِ تَوَلَبٍ (١): فَإِنَّ ابنَ أختِ القَوم مُصفَّى (٢) إِنَاؤُهُ إِذَا لَم يُزَاحَم خَالَهُ بَأَبٍ جَلْدٍ (٣) ■ السَّابِعَةُ: استِفِرَاغُ صَحِفَتِها (٤): استِعَارَةٌ لِنَيلِ الحَظِّ الذِي كَانَ يَحصُلُ لَها من الزَّوج من نَفَقَةٍ ومَعرُوفٍ ومُعَاشَرَةٍ ونَحوِها، ولا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِشَيءٍ مَخصُوصٍ، على ذَلِكَ مَشَى النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))، وكَذَا قال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٥): هَذَا مَثَلٌ لِإِمَالَةِ الضَّرَّةِ حَقَّ صَاحِبَتِها من زَّوَجِها إلى نَفسِها، ثُمَّ قال: وقِيلَ: هو كِنَايَةٌ عن الجِمَاعِ والرَّغْبَةِ فِي كَثْرَةِ الولَدِ قال: والأولُ أولى. ■ الثَّامنةُ: فَصّلَ القَاضِي أَبُو بَكرِ ابنُ العَرَبِي فِي ذَلِكَ فقال(٦): من شَأنٍ النِّسَاءِ بِمَا رُكِّنَ عليه من الغَيْرَةِ طَلَبُ الانفِرَادِ بِالزَّوجِ دُونَ الضَّرَّةِ، فَإِن كَانَ(٧) ذَلِكَ رَغبَةً في الاِسْتِدَادِ بِالصُّحَبَةِ والاِنفِرَادِ بِالمُعَاشَرَةِ، فَذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ، وإِن كَانَ لِأجلِ المُضَايَقَةِ في الكِسوةِ والنَّفَقَةِ، فَذَلِكَ مَمنُوعُ منهُ، وفيه ورَدَ هَذَا الحديثُ فَمَنَعَها إِذَا خطبَت من (٨) أن تَقُولَ: لَا أَتَزَوجُ إلا بِشَرطِ أن يُفَارِقَ التي عِندَهُ، رَغبَةً في حَظّها من المَعِيشَةِ لِتَزْدَادَ بها في مَعِيشَتِها، فَإِنَّ الرِّزقَ قَد فَرَغَ منهُ؛ فَلَا تَطلُبُ مِنْهُ مَا عِندَ غَيرِها (٩) . ويَجُوزُ لِلمَرأةِ الدَّاخِلَةِ أن تَمنَعَ الخَارِجَةَ من الدُّخُولِ، وتَقُولَ لِلَّوجِ: لَا تَنكِحها، فَإِنَّها تُضَادِقُنَا في مَعِيشَتِنَا. وتَمنَعُهُ منها بهذِه النِّيَّةِ؛ لِأنَّها لَم تَطلُبُ من حَظٌّ تِلكَ شَيئًا وإنَّمَا كَرِهَت أن تُشَارِكَها في حَِّها، وَذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ القَدرَ، ويَجُوزُ لَها أن تَشتَرِطَ عليه الاِستِدَادَ به في المُتعَةِ، ألا تَرَى إلى أمِّ حَبيبَةَ بِنتِ (١) البيت من الطويل. ينظر: الشعر والشعراء (٣١٠/١)، وعيون الأخبار (٨٩/٣)، والحيوان للجاحظ (١٣٧/٣)، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي (٢٠١/١) ط. دار القلم - بيروت. (٣) (٢) في (ك٢، ح، م): ((مصفى)). في الأصل، (م): ((خلد)). وفي (ك٢، ش): ((حلد)). (٤) في الأصل، (م): ((صفحتها)). شرح النووي على مسلم (١٩٣/٩)، والمفهم (١٠٤/٤). (٥) عارضة الأحوذي (١٦٥/٥، ١٦٦). (٦) (٨) ليس في الأصل، (م). (٧) ليست في الأصل، (م). (٩) في (ك٢، ح، ش): ((غيرك)). ٣٨٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أبي سُفيَانَ حِينَ عَرَضَت على رسولِ اللهِ وَهِ نِكَاحَ أختِها، وقالت: لَستُ لَك بِمُخِيَةٍ، وأحَبُّ مَن شَرَكَنِي(١) في خَيرٍ أختي(٢). فَتَمَنَّت الإخلَاءَ به دُونَ كُلِّ زَوجَةٍ لَو اتَّفَقَ ذَلِكَ لَها، ولَا يَجُوزُ أن تَشتَرِطَ أنَّ كُلَّ مَن يَدخُلُ عليها طَالِقٌ؛ لِأَنَّ بِدُخُولِها عليها قَد صَارَت أختًا لَها، فَلَا تَسألُ طَلَاقَها، وإِنَّمَا لَها أن تَشتَرِطَ أن يَتَأْخَّرَ عن ذَلِكَ، وإذَا شَرَطَهُ لَها لَزِمَ (٣) الوفَاءُ به، لِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((إنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أن يُوقَى (٤) به مَا استَحلَلتُم به الفُرُوجَ))(٥). انتَهَى. ولَا دَلِيلَ على مَا ذَكَرَهُ من التَّفرِقَةِ بَينَ طَلَبِ الانفِرَادِ [بِالمُعَاشَرَةِ، وطَلَبٍ الإِنفِرَادِ](٦) بِالنَّفَقَةِ والكِسوةِ، ولَا بَينَ الدَّاخِلَةِ والخَارِجَةِ، (٣٩/٧م) والحديثُ الذِي أورَدَهُ لَا يَدُلُّ على شَيءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ، فَإِنَّ أَمَّ حَبيبَةً لَم تَشتَرِطِ ذَلِكَ ولَا طَلَبته، وإِنَّمَا فَهِمَ منها تَمَنيه(٧)، ولَا يَلَزَمُ من إِيَاحَةِ تَمَنِّي الشَّيءِ إِبَاحَةٌ طَلَبه واشتِرَاطِه. واللهُ أعلمُ. ■ النَّاسِعَةُ: قَولُهُ: ((ولتَنكِح)). أمرٌ بِذَلِكَ وهو على سَبيلِ الإِبَاحَةِ، أو الإرشَادِ، أو(٨) الاستِحبَابِ، وذَكَرَ والِدِي تَظْتُهُ في ((شَرحِ التِّرمِذِيِّ)) أنَّهُ رُوِيَ بِوجهَينِ : أحَدُهُمَا: هَذَا. والثَّانِي: بِكَسرِ اللام ونَصبِ الفِعلِ عَطفًا على قَولِه: ((لِتَستَفرِغَ))، ويَتَعَيَّنُ مَعَ هَذِهِ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ: أَن يَكُونَ الكَلَامُ في الأجنبيةِ تَسألُ طَلَاقَ الزَّوجَةِ. ■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((فَإِنَّمَا لَها مَا قُدِّرَ لَها))؛ أي: لَا يَنَالُها من الرِّزقِ سِوى مَا قُدِّرَ لَها، ولَو طَلَّقَ الزَّوجُ مَن تَظُنُّ أنَّها تُزَاحِمُها في رِزقِها، قال اللهُ تعالى: ﴿قُل ◌َنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. (١) في (ك٢): ((شاركني)). أخرجه البخاري (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩). (٢) (٣) في (ك٢، ش): «لزمه)). (٥) سبق تخريجه. (٧) في (م): ((تمنية)). (٤) في (ح): ((توفى)). (٦) ليس في (ك٢). (٨) في (م): ((و)). بَابُ مَا يَحرُمُ من النِّكَاحِ ٣٨٧ = قال ابنُ عَبدِ البَرِّ (١): وهَذَا الحديثُ من أحسَنِ أحَادِيثِ (٢) القَدَرِ عِندَ أهلِ العِلمِ والسُّنَّةَ(٣). وقال ابنُ العَرَبي(٤): هَذَا الحديثُ من أصُولِ الدِّينِ في السُّلُوكِ على مَجَارِي (٥) القَدَرِ، وذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ العَمَلَ في الطَّاعَاتِ، ولَا يَمنَعُ من التَّحَرُّفِ(٦) في الإِكتِسَابِ، وخَزنِ الأقواتِ، والنَّظَرِ لِغَدٍ (٧)، وإن كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَبلُغُهُ، لَكِنْ (٨) بِحَيثُ لَا يَخرُجُ عن سَبيلِ السُّنَّةِ، ولَا يَدْخُلُ في المَكْرُوه والبِدعَةِ، ولَا يَركَب(٩) إلى أحَدٍ على مَظِنَّةٍ (١٠) مَضَرَّةٍ، ولَا يَربِطُ عليها نِيَّةً. (١) التمهيد (١٦٥/١٨). (٣) في (م): ((والسند)). عارضة الأحوذي (١٦٥/٥). (٤) في العارضة: ((التحري)). (٦) (٨) بعده في (ش): (ذلك) (١٠) في (ك٢): ((مطية)). (٢) في (ش): ((الأحاديث في)). (٥) في (ش): ((مجازي)). (٧) ليست في (ش). (٩) في (م، ش): ((يركن)). ٣٨٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ بَابُ [١٤٥/٢ظ] مَا يَحرُمُ من الأجنبيةِ وتَحِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ الحديثُ الأولُ عن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ رَبِهِ: أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((إِيَّاكُم والدُّخُولَ على النِّسَاءِ)). فقال رَجُلٌ مَن الأنصَارِ: يَا رسولَ الله، أَفَرَأيت الحَمو؟ قال: ((الحَمُوُ المَوتُ)). فيه فوائدُ: (٧/ ٤٠م) ■ الأولى: أخرجهُ الشيخانِ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(١) من هَذَا الوجه من طَرِيقِ الليثِ بنِ سَعدٍ. وأخرجهُ مسلمٌ(٢) أيضًا من طَرِيقِ عَمرِو بنِ الحَارِثِ وحَيوةَ بنِ شُرَيحٍ وغَيرِهمًا؛ كُلُّهُم عن يَزِيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبي الخَيرِ عنهُ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((إِيَّاكُم والدُّخُولَ)) هو بِالنَّصبِ على التَّحذِيرِ، وهو تَنبيهُ المُخَاطَبِ على مَحذُورٍ يَجِبُ الاحتِرَازُ عنهُ؛ فَقَولُهُ: ((إِيَّاكُم)) مَفعُولٌ بِفِعلٍ واجِبٍ الإضمَارِ تَقدِيرُهُ: ((اتَّقُوا)) ونَحوهُ، قِيلَ: كَانَ أصلُهُ: اتَّقُوا أَنفُسَكُم، فَلَمَّا حُذِفَ الفِعلُ استَغنى عن النَّفسِ، وانفَصَلَ الضَّمِيرُ. واختُلِفَ في إعرَابٍ قَولِه: ((والدُّخُولَ)). فَقِيلَ هو مَعطُوفٌ علی إِيَّاكُم. والتَّقْدِيرُ هُنَا: اتَّقُوا [أنفسَكم أن تدخلوا على النساءِ، والنساءَ أن يدخلنَ عليكم. (١) البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢٠/٢١٧٢، ٢١)، والترمذي (١١٧١)، والنسائي في الكبرى (٩٢١٦). (٢) مسلم (٠٠٠/٢١٧٢). بَابُ مَا يَحرُمُ من الأجنبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ كيـ ٣٨٩ = وقيل: الثاني منصوبٌ بفعلٍ آخرَ مضمرٍ، فهو من قَبِيلِ عطفِ الجملِ . وقيل: الثاني معطوفٌ عطفَ مفردٍ، لا على تقديرِ الأولِ، بل على تقدير: اتقوا تلاقي(١)](٢) أنفُسِكُم، والدُّخُولَ على النِّسَاءِ، فَحُذِفَ المُضَافُ(٣) وأُقِيمَ المُضَافُ إلَيْه مَقَامَهُ، واستِعمَالُ مِثْلِ هَذَا اللفظِ هُنَا، يَدُلُّ على تَحذِيرٍ شَدِيدٍ (٤)، ونَهي أكِيدٍ، وهو كَقَولِ العَرَبِ: إِيَّكَ والأسَدَ، وإِيَّاكَ والشَّرَّ(٥). ■ الثَّالِثَةُ: فيه تَحِرِيمُ الدُّخُولِ على النِّسَاءِ، ولَهُ شَرطَانِ: أحَدُهُمَا: ألَّا يَكُونَ الدَّاخِلُ زَوجًا لِلمَدخُولِ عليها، ولَا مَحرَمًا. ويَدُلُّ لَهُ مَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)) (٦) عن جَابِرٍ مَرفُوعًا: ((لَا يَبِيتَنَّ(٧) رَجُلٌ عِندَ امرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إلا أن يَكُونَ ناكِحًّا أو ذَّ مَحرَم)». وإنَّمَا خَصَّ فيه الثَّيِّبَ بِالذِّكرِ؛ لِأنَّها التي يُدخَلُ عليها غَالِبًا، وأمَّا البِكرُ فَمَصُونَةٌ فِي العَادَةِ فَهِيَ أولى بِذَلِكَ. ثَانِيهما: أن يَتَضَمَّنَ الدُّخُولُ الخَلوةَ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا في ((الصَّحِيحَينِ)) (٨) عن ابنِ عَبَّاسٍ مَرَفُوعًا: (لَا (٩) يَخلُونَّ رَجُلٌ بِامرَأٍ، إلا (١٠) مَعَ ذِي مَحرَمٍ)). لَفظُ البُخَارِيِّ، وَلَفظُ مُسلِم: ((إلا ومَعَها ذُو مَحرَم)). ومَا في ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)(١١) أيضًا من حَدِيثِ عَبدِ الله بنِ عَمرٍو مَرفُوعًا: ((أَلَا لَا يَدخُلَنَّ رَجُلٌ بَعدَ يَومِي هَّذَا على مُغِيبَةٍ، إلا ومَعَهُ رَجُلٌ أو اثنَانٍ)). على أنَّ هَذَا مُشكِلٌ على المَشهورِ عِندَ أصحَابِنَا، أنَّهُ تَحرُمُ خَلوةُ [الرجلين، أو الثلاثة بالأجنبية، وإنما يباح خلوة](١٢) الرَّجُلِ بِامرَأتَينِ فَمَا فَوقَهُمَا. قال النَّووِيُّ (١٣): فَيَتَأولُ (١٤) الحديثُ على جَمَاعَةٍ يَبْعُدُ وُقُوعُ المُواطَأَةِ منْهُم (١) في (ح): ((بلاء)). (٣) في (ش): ((المضارع)). (٥) ينظر: المفهم (٥٠٠/٥). (٧) في (ش): «یثبتن)). (٨) البخاري (٣٠٠٦، ٥٢٣٣)، ومسلم (٤٢٤/١٣٤١). (٩) في (ك٢، ح، ش): ((ولا)). (١١) مسلم (٢١٧٣/ ٢٢). (١٠) في (ك٢، ش): (ولا)). (١٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (١٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥). (١٤) في (ش): ((فتناول)). (٢) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، (م). (٤) في (ح): ((سديد)). (٦) مسلم (١٩/٢١٧١). = ٣٩٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ على الفَاحِشَةِ؛ لِصَلَاحِهم، أو مُرُوءَتِهم، أو غَيرِ ذَلِكَ. وقَد أَشَارَ القَاضِي عِيَاضُ(١) إلى نحو هَذَا التَّأْوِيلِ. انتَهَى. فَلَوْ دَخَلَ بِحُضُورِ الزَّوجِ جَازَ ذَلِكَ(٢)، وإلَيه أشَارَ بِقَولِه في الرِّوايَةِ الأخرَى: ((على المُغِيبَاتِ)). وهُنَّ اللاتي غَابَ عنهُنَّ(٣) أزواجُهُنَّ، ولَو كَانَت غَيْبَتُهُم (٤) في البَلَدِ أيضًا، من غَيرِ سَفَرٍ. ويَدُلُّ لَهُ قَولُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ في حَدِيثِ الإفكِ(٥): ((وذَكَرُوا رَجُلًا صَالِحًا مَا كَانَ يَدخُلُ على أهلِي إلا مَعِي)). ولَا يَكفي إذْنُهُ من غَيرِ حُضُورِهِ (٧/ ٤١م) ولَا حُضُورُ مَحرَم. وأمَّا مَا رَواهُ التِّرمِذِيُّ (٦) عن عَمرِو بنِ العَاصِي: ((أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ نَهانَا، أوَ نَهَى أن يُدخَلَ على النِّسَاءِ بِغَيرِ إذنِ أزواجِهنَّ)). فَإِنَّهُ مَحمُولٌ على مَا إذَا انتَفَت الخَلوةُ المُحَرَّمَةُ، والقَصدُ منهُ تَوقُّفُ جَوازِ الدُّخُولِ على إذنِ الزَّوجِ وإن [انتَفَت مع ذلك](٧) الخَلوةُ؛ لِأَنَّ المَنزِلَ مِلكُهُ، فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ إلا بِإِذِه. والمَعنَى في تَحِرِيمِ الخَلوةِ بِالأجنبيةِ أنَّهُ مَظِنَّهُ الوُقُوعِ في الفَاحِشَةِ بِتَسوِيلِ الشَّيطَانِ. ورَوى التِّرمِذِيُّ(٨) عن جَابِرِ مَرَفُوعًا: ((لَا تَلِجُوا على المُغِيبَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجرِي من أحَدِكُم مَجرَى الدَّمِ)». ورَوى النسائيُّ(٩) عن عُمَرَ ◌َُهُ مَرِفُوعًا: ((لَا يَخلُونَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا)) . وقَد حَكَى النَّووِيُّ (١٠) وغَيرُهُ: الإجمَاعَ على تَحرِيمِ الخَلوةِ بِالأجنبيةِ وإِبَاحَتِها بِالمَحَارِمِ. والمَحرَمُ: هِيَ كُلُّ مَن حَرُمَ عليه نِكَاحُها على التَّأبيدِ؛ بِسَبَبٍ مُبَاحِ لِحُرمَتِها . (١) إكمال المعلم (٦١/٧). (٣) في (٢٥): ((عنهم). (٥) (٧) يأتي تخريجه في باب حد القذف. ليس في الأصل، (م). النسائي في الكبرى (٩٢١٩، ٩٢٢٢ - ٩٢٢٦). (١٠) شرح النووي على مسلم (١٠٥/٩، ١٠٩). (٢) في (ك٢): ((له)). (٤) في (م): ((غيبتهن)). (٦) الترمذي (٢٧٧٩). (٨) الترمذي (١١٧٢). (٩) ٣٩١ بَابُ مَا يَحرُمُ من الأجنَبيةِ وتَحريمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ = فَقَولُنَا: على التَّأبيدِ احتِرَازٌ من أختِ امْرَأْتِهِ، وعَمَّتِها، وخَالَتِها، ونَحوِهنَّ، ومن بِنِها، قَبَلَ الدُّخُولِ بِالأمِّ. وقَولُنَا: بِسَبَبٍ مُبَاحِ، احتِرَازٌ من أمِّ المَوطُوءَةِ بِشُبهَةٍ، وبِنتِها، فَإِنَّهُمَا (١) حَرَامٌ على التَّأبيدِ، لَكِن لَّا بِسَبَبٍ مُبَاحِ، فَإِنَّ وطءَ الشُّبهَةِ لَا يُوصَفُ [١٤٦/٢ و] بِحِلِّ، ولَا حُرمَةٍ، ولَا غَيرِهمَا؛ لِأَنَّهُ لَيسَ فِعلَ مُكَلَّفٍ. وقَولُنَا: لِحُرمَتِها احتِرَازٌ من(٢) المُلَاعِنةِ، فَهِيَ حَرَامٌ على التَّأبيدِ لَا لِحُرمَتِها، بَل لِلتَّغلِيظِ. ■ الرَّابِعَةُ: قال النَّوِيُّ(٣): اتَّفَقَ أهلُ اللُّغَةِ على أنَّ الأحمَاءَ أقَارِبُ زَوجِ المَرأةِ، كَأبيه (٤)، وعَمِّه، وأخِيه، وابنٍ أخِيه، وابنِ عَمِّه، ونَحوِهم، والأختَانِ أقَارِبُ زَوجَةِ الرَّجُلِ، والأصهارُ(٥) تَقَعُ على النَّوْعَينِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٦): وفي الحَمُ أربَعُ لُغَاتٍ: إحدَاها : هَذَا حَمُوك بِضَمِّ المِيمِ في الرَّفِعِ، ورَأيتُ حَمَاك، ومَرَرت بِحَمِيك. والثَّانِيَةُ: هَذَا حَمْؤُك، بِإِسكَانِ المِيمِ، وهَمزَةٍ مَرفُوعَةٍ، ورَأيتُ حَمأك، ومَرَرت بِحَمئك. والثَّالِئَةُ: حَمَا كَقَفَا، هَذَا حَمَاك، ورَأيتُ حَمَاكِ، ومَرَرتُ بِحَمَاك. والرَّابِعَةُ: حَمٌّ كَأبٍ، وأصلُهُ حَمَوٌ بِفَتحِ الحَاءِ والمِيم، وحَمَاةُ المَرأةِ أمُّ زَوجِها، لَا يُقَالُ فيها غَيرُ هَذَا. ومُقتَضَى هَذَّا الكَلَامِ: أنَّ لَّفظَ هَذَا الحديثِ بِالهَمزِ؛ لِأَنَّهُ لَم يُحكَ فيها مَعَ إسكَانِ المِيم إلا الهَمِزُ، وبه صَرَّحَ أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي، فقال(٧): وقَد جَاءَ الحَموُ في هَذَا الحديثِ مَهمُوزًا(٨)، والهَمزُ أحَدُ (١) في (ك٢، ح، ش): ((فإنها)). (٢) في الأصل، (م): ((عن)). (٤) في الأصل، (ح، م): ((كابنه)). (٣) شرح النووي على مسلم (١٥٤/١٤). (٦) إكمال المعلم (٦٠/٧، ٦١). (٥) في (ك٢): ((والأطهار)). (٧) المفهم (٥٠١/٥)، والنهاية في غريب الحديث (٤٤٨/١)، وأعلام الحديث (٢٠٢٥/٣). (٨) في الأصل: ((مهموز)). = S ٣٩٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ لُغَاتِهِ: لَكِن لَم أرَ صَاحِبَ ((النِّهَايَةِ)) تَبَعَّا لِلهَرَوِيِّ ذَكَرَ(١) فيه الهَمزَ، وكَذَا ضَبَطْنَاهُ بِلَا هَمزٍ، ويُوافِقُهُ قَولُ الخَطَّابي: حَمُوُ كَدَلوٍ. واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: اختُلِفَ في المُرَادِ به (٧/ ٤٢م) هُنَا، فَحَمَلَهُ الأكثَرُونَ على أنَّهُ(٢) مَن لَيسَ مَحرَمًا لِلزَّوجَةِ من أقَارِبِ الزَّوجِ. وفي ((صَحِيحِ مُسلِم))(٣) عن الليثِ بنِ سَعدٍ: الحَموُ أخُو الزَّوجِ ومَا أشبَهُهُ؛ من أقَارِبِ الزَّوجِ ابنِّ (٤) العَمِّ ونَحوِهِ. وكَذَا قال النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِم))(٥): المُرَادُ بِالحَموِ هُنَا أقَارِبُ الَّوجِ غَيرُ آبَائِهِ وأبنَائِهِ، فَأَمَّا الآبَاءُ والأبنَاءُ، فَمَحَارِمُ لِزَوجَتِهِ تَجُوزُ(٦) لَهُم الخَلوةُ بها، ولَا يُوصَفُونَ بِالمَوتِ، وإِنَّمَا المُرَادُ الأَخُ وابنُ الأخِ، والعَمُّ وابنُهُ، ونَحوُهُم مِمَّن لَيسَ بِمَحرَمِ، وعَادَةُ النَّاسِ المُسَاهَلَةُ فيه، ويَخلُو بِامرأةٍ أخِه، فَهَذَا هو المَوتُ، وهو أولى بِالمَنعِ من الأجنَبِي لِمَا ذَكَرِنَاهُ. انتَهَى. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى حَملِه على المَحرَمِ كَالأبٍ وغَيرِهِ، وجَعَلُوا مَنعَ غَيرِه من طَرِيقِ الأولى. فقال التِّرمِذِيُّ في ((جَامِعِه))(٧). يُقَالُ: الحَمْوُ أَبُو الزَّوجِ، كَأنَّهُ كَرِهَ لَهُ أن يَخلُو بها. وكَذَا قال المَازَرِيُّ(٨) إنَّ الحَمو هُنَا أبُو الزَّوج. وقال: إذَا نَهَى عن أبي الزَّوجِ وهو مَحرٌَ، فَكَيفَ بِالغَرِيبِ(٩)؟ ومَشَى على ذَلِكَ ابنُ الأثِيرِ في ((النِّهايَةِ)). وقال النَّووِيُّ(١٠) بَعدَ ذِكرِهِ القَولَ الأولَ: هَذَا هو صَوابُ مَعنَى الحديثِ، وقال بَعدَ ذِكرِهِ الثَّانِي: هَذَا كَلَامٌ فاسد (١١) مَرَدُودٌ؛ لَا يَجُوزُ حَملُ الحديثِ عليه. ■ السَّادِسَةُ: اختُلِفَ أيضًا في مَعنَى قَولِه: ((الحَموُ المَوتُ)). فقال الخَطَّابي(١٢): أي (١٣): احذَر الحَمو، كَمَا تَحذَرُ المَوتَ. وقال النَّوِيُّ(١٤): مَعنَاهُ في (ش): ((وذكر)). (١) (٣) مسلم (٢١/٢١٧٢). (٤) في الأصل، (م): ((كابن)). شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٤). (٥) (٦) في (ش): ((يجوز)). (٧) الترمذي بعد حديث (١١٧١)، وفيه: ((أخو)) الزوج بدل: ((أبو)). (٨) المعلم (٢٥٢/٢)، والنهاية (٤٤٨/١). (٩) في (ش): «بالقريب)). (١٠) شرح النووي على مسلم (١٥٤/١٤). (١١) ليس في الأصل، (م). (١٢) أعلام الحديث (٢٠٢٥/٣). (١٣) ليست في الأصل، (م). (١٤) شرح النووي على مسلم (١٤ / ١٥٤)، وإكمال المعلم (٦١/٧). (٢) في (ح): ((أن)). ٣٩٣ بَابُ مَا يَحرُمُ من الأجنبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ أنَّ الخَوفَ منهُ أكثرُ من غَيرِهِ، والشَّرُّ يُتَوقَّعُ منهُ، والفِتنَةُ أكثَرُ؛ لِتَمَكّنِهِ من الوُصُولِ إلى المَرأةِ والخَلوةِ من غَيرِ أن يُنكَرَ عليه، بِخِلَافِ الأجنبي. قال: ونَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ عن أبي عُبَيدٍ (١): أنَّ مَعنَى: ((الحَموِ المَوتُ)). فَلَيَمُت ولَا يَفْعَلُ هَذَا. قال النَّووِيُّ: وهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ، بَل الصَّوابُ مَا قَدَّمنَاهُ. قال: وقال ابنُ الأعرابي: هيَّ كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ كَمَا يُقالُ(٢): الأسَدُ المَوتُ؛ أي: لِقَاؤُهُ مِثلُ المَوتِ. وقال القَاضِي: مَعنَاهُ الخَلوةُ بِالأحمَاءِ مُؤَدَِّةٌ إلى الفِتَنَةِ والهَلَاكِ في الدِّينِ فَجَعلهُ كَهَلَاكِ المَوتِ. فَورَدَ الكَلَامُ مَورِدَ التَّغْلِيظِ. انتَهَى. وقال أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٣): أي: دُخُولُهُ على زَوجَةٍ أَخِيه يُشبه المَوتَ في الاِسْتِقِبَاحِ(٤) والمَفسَدَةِ؛ أي: فَهو مُحَرَّمٌ مَعلُومُ الشَّحرِيم، وإنَّمَا بَالَغَ في الزَّجرِ(٥) عن ذَلِكَ، وشَبَّهَهُ بِالمَوتِ لِتَسَامُحِ النَّاسِ في ذَلِكَ من جِهَةِ الزَّوجِ والزَّوجَةِ، لَا (٦) ◌ِفَهمِ ذَلِكَ؛ حَتَّى كَأنَّهُ لَيسَ بِأَجْنَبي من المَرأةِ عَادَةً، وخَرج هَذَا مَخرِج قَولِ العَرَبِ: الأسَدُ المَوتُ، والحَربُ المَوتُ؛ أي: لِقَاؤُهُ يُفضِي(٧) إلى المَوتِ، وكَذَلِكَ دُخُولُ الحَم على المَرأةِ يُفضِي إلى مَوتِ (٨) الدِّينِ، أو إلى مَوتِها بِطَلَاقِها (٧/ ٤٣م) عِندَ غَيْرَةِ الزَّوجِ، أو بِرَجمِها إن زَنَت مَعَهُ. انتَهَى. وهَذَا كُلُّهُ بِتَقْدِيرٍ تَفسِيرِهِ بِغَيرِ المَحرَمِ، فَإن [١٤٦/٢ ظ] فُسِّرَ بِالمَحرَم: فقال صَاحِبُ ((النِّهايَةِ))(٩): يَعنِي أَنَّ خَلوةَ الحَم مَعَها أشَدُّ من خَلوةِ غَيرِهِ من الغُرَبَاءِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسَّنَ لَها أشياءَ وحَمَلَها على أمُورٍ تَثْقُلُ على الزَّوجِ من التِمَاسِ مَا لَيسَ في وُسعِه أو سُوءِ عِشْرَتِهِ(١٠) أو غَيرِ ذَلِكَ؛ ولِأِنَّ الزَّوجَ لَا يُؤثِرُ أن يَطَّلِعَ الحَمُ على بَاطِنِ حالِهِ(١١) بِدُخُولِ بَيْتِه. انتَهَى. (١) غريب الحديث (٣٥٤/٣). (٣) المفهم (٥٠١/٥، ٥٠٢). (٥) في الأصل: ((الجزر)). وفي (م): ((الحذر)). (٦) في (ك٢): ((لإ)). (٨) في (ش): ((الموت)). (١٠) في (ك٢، ح): ((عشرة)). (٢) في (م): ((يقول)). (٤) في (ك٢): ((الاستفتاح)). (٧) في (ش): ((يقضي)). (٩) النهاية في غريب الحديث (٤٤٨/١). (١١) في الأصل، (م): ((أحواله)). ٣٩٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وهَذَا الذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يُتَوقَّعُ من أقَارِبِ الزَّوجَةِ لَا من أقَارِبِ الزَّوج. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ)(١): يَحتَمِلُ أن يَكُونَ بِمَعنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ من إِيَاحَةِ دُخُولِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ من المَوتِ. الحديثُ الثَّانِي جَ وعن عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: ((كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالكَلَامِ بهذِهِ الآيَةِ ﴿عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]. قالت: ومَا مَسَّتِ يَدُ رسولِ اللهِ وَّهِ يَدَ امَرَأَةٍ قَطَّ [إلا امرَأَةً يَمِلِكُها](٢). وعنها قالت: مَا كَانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يَمتَحِنُ المُؤمناتِ إلا بِالآيَةِ التي قال اللهُ وَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾. [الممتحنة: ١٢] ولًا، ولَا)). فيه(٣) فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ البخاريُّ(٤)، بِاللفظِ الأولِ، عن مَحمُودٍ، وهو ابنُ غَيلَانَ، عن(٥) عَبدُ الرَّزَّاقِ. ورَوى التِّرمِذِيُّ(٦) بَعضَهُ عن عَبدِ بنِ حُمَيدٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ بِلَفِظِ: مَا كَانَ يَمتَحِنُ إلا بِالْآيَةِ التي قال اللهُ: ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١٢]. قال مَعمَرٌ: فَأخبَرَنِي ابنُ طَاؤُسٍ، عن أبيه قال: مَا مَسَّتِ يَدُ رسولِ اللهِوَّهِ يَدَ امرأةٍ (٤٤/٧م) إلا امرأةً يَملِكُها . وأخرجهُ البخاريُّ، تَعلِيقًا، ومسلمٌ، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٧) من طَرِيقٍ (١) أحكام الأحكام (ص٥٨١). (٣) بعده في (م): ((عشر)). (٢) في (ش): ((لا يملك رقها)). (٤) البخاري (٧٢١٤). (٦) الترمذي (٣٣٠٦). (٧) البخاري تعليقًا (٢٧١٣)، ومسلم (٨٨/١٨٦٦)، والنسائي في الكبرى (٩٢٣٩)، وابن ماجه (٢٨٧٥). (٥) في (م): ((ورواه)). ٣٩٥ بَابٌ مَا يَحِرُمُ من الأجنبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ، عن الزُّهرِيِّ بِلَفِظِ: كَانَ المُؤمناتُ إذَا هاجَرنَ إلى رسولِ اللهِ وَله يَمتَحِنُ بِقَولِ اللهِ وَى: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِلَهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ [الممتحنة: ١٢]. قالت عَائِشَةُ ﴿ّا: فَمَن أقَرَّ بهذَا من المُؤمناتِ فَقَد أقَرَّ بِالمِحنَةِ. وكَانَ رسولُ الله ◌َّهِ إِذَا أقرَرنَ بِذَلِكَ من قَولِهِنَّ قَال لَهُنَّ رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((انطَلِقْنَ فَقَد بَايَعتُكنَّ))(١). ولَا واللهِ مَا مَسَّت يَدُ رسولِ اللهِ وَّهِ يَدَ امرأةٍ قَطْ؛ غَيرَ أنَّهُ (٢) يُبَابِعُهُنَّ بِالكَلَامِ. قالت عَائِشَةُ: مَا أَخَذَ رسولُ الله ◌َ ﴿ على النِّسَاءِ فَظُ إلا بِمَا أَمَرَهُ اللهُ وَ، وما(٣) مَسَّت(٤) كَفُّ رسولِ الله وَ﴿ كَفَّ امرأةٍ قَظُ، وكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إذَا أخَذَ عليهنَّ: ((قَد بَايَعتُكُنَّ) كَلَامًا. لَفظُ مُسلِمٍ. وأخرجهُ مسلمٌ، وأبو داودَ(٥) من طَرِيقِ مَالِكِ، عن الزُّهرِيِّ بِلَفِظِ: مَا مَسَّ رسولُ اللهِ وَ ﴿ بيدِه امرَأةً قَظُ إلا أن يَأخُذَ عليها، فَإِذَا أَخَذَ عليها فَأعطَتْهُ قال: ((اذهَبِي فَقَد بَايَعتُك)) . ■ الثَّانِيَةُ: المُبَايَعَةُ مَأخُوذَةٌ من البَيعِ، فَإِنَّ المُبَايِعَ لِلإِمَامِ يَلتَزِمُ لَهُ أمُورًا كَأَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاها وأخَذَ عِوضَها ثَوابَها كَمَا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١١١]. والامتِحَانُ: الاختِبَارُ(٦)، والمُرَادُ اخْتِبَارُ(٧) صِحَّةٍ إِيمَانِهن(٨) بِإقرَارِهِنَّ بهذِه الأمُورِ والتِزَامِهِنَّ إِيَّاها، وقَولُ عَائِشَةَ عِ﴿ّ: فَمَن أَقَرَّ بهذَا من المُؤمناتِ فَقَد أقَرَّ بِالمِحنَةِ، معناه (٩): فَقَد بَايَعَ البَيعَةَ المُعتَبَرَةَ في الشَّرعِ. ■ الثَّالِثَةُ: قَوْلُها ﴿ُّ: كَانَ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالكَلَامِ؛ أي: فَقَط من غَيرٍ أخذِ كَفِّ ولَا مُصَافَحَةٍ، وهو دَالٌّ على أنَّ بَيعَةَ الرِّجَالِ بِأخذِ الكَفِّ (١) في الأصل، (م): ((بايعتن)). (٣) في الأصل، (م): ((ولا)). (٥) مسلم (٨٩/١٨٦٦)، وأبو داود (٢٩٤١). (٦) في (ش): ((الاختيار)). (٨) في (م): ((إيمانهم)). (٢) في (ح): ((أنهن)). (٤) في (ش): (لمست)). (٧) في (ش): ((اختيار)). (٩) ليست في الأصل، (م). = ٣٩٦ W طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والمُصَافَحَةِ مَعَ الكَلَامِ، وهو كَذَلِكَ، ومَا ذَكَرَتْهُ(١) عَائِشَةُ رِّ مِن ذَلِكَ هو المَعرُوفُ. وذَكَرَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعَا بِقَدَح من مَاءٍ، فَغَمَسَ فيه يَدَهُ، ثُمَّ غَمَسَ فيه أيدِيَهُنَّ. وقال بَعضُهُم: بل(٢) صَافَحَهُنَّ بِحَائِلٍ، وكَانَ على يَدِهِ ثَوبٌّ(٣) قِطْرِيٌّ، وقِيلَ: كَانَ عُمَرُ رَّهُ يُصَافِحُهُنَّ عنهُ. ولَا يَصِحُ شَيءٌ من ذَلِكَ لَا سِيَّمَا الأخِيرُ، وكَيفَ يَفعَلُ عُمَرُ بَّه أمرًا لَا يَفعَلُهُ [٢/ ١٤٧ و] صَاحِبُ العِصمَةِ الواجِبَةِ(٤)؟ الزَّابِعَةُ: وفيه أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم تَمَسَّ يَدُهُ قَطْ يَدَ امرأةٍ غَيرِ زَوجَاتِهِ وَمَا مَلَكَت يَمِينُهُ، لَا فِي مُبَايَعَةٍ ولا في غَيرِها، وإذَا لَم يَفْعَل هو ذَلِكَ مَعَ عِصمَتِهِ، وانتِفَاءِ الرِّبَةِ في حَقِّه، فَغَيرُهُ أولى بِذَلِكَ، والّاهرُ أنَّهُ كَانَ يَمْتَنِعُ من ذَلِكَ لِتَحْرِيمِه عليه(٥)؛ فَإِنَّهُ لَم يُعَدَّ جَوازُهُ من خَصَائِصِه. وقَد قال الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا، وغَيرِهم (٦): إنَّهُ يَحرُمُ مَسُّ الأجنبيةِ ولَو في غَيرِ عَورَتِها كَالوجه، وإن اختَلَفُوا في جَوازِ النَّظَرِ حَيثُ لَا شَهوةَ ولَا خَوفَ فِتْنَةٍ؛ فَتَحرِيمُ المَسِّ أكَدُ من تَحرِيمِ النَّظَرِ، ومَحَلُّ التَّحرِيمِ مَا إذَا لَم تَدعُ لِذَلِكَ (٧) ضَرُورَةٌ [فَإِن كَانَ ضَرُورَةً] (٨)؛ كَتَطبّبٍ(٩)، وفَصدٍ، وحِجَامَةٍ، وقَلعِ ضِرسٍ، وكَحلٍ عَينٍ، ونَحوِها مِمَّا لَا يُوجَدُ امرأةٌ تَفعَلُهُ، جَازَ لِلرَّجُلِ الأجْنَبِي فِعلُهُ لِلضَّرُورَةِ. ■ الخَامِسَةُ: دَخَلَ فيمَا لَا يَملِكُهُ المَحَارِمُ، فَظَاهِرُهُ أنَّهُ لَم تَمَسَّ (١٠) يَدُهُ بعده في (ك٢، ش): ((عن) .. (١) (٢) في الأصل، (م): ((ما)). (٣) بعده في (ش): ((حائل)). ينظر: تفسير الكشاف (٥٢١/٤)، وأحكام القرآن لابن العربي (٣١٨/٧). (٤) (٥) في (ش): ((لتحریم علته)). ينظر: شرح النووي على مسلم (١٠/١٣). (٦) (٧) ليست في (ش). (٩) في (ش، ح): ((كتطيب)). وفي (م): (كتطبيب)). (١٠) في (ح): (يمس)). (٨) ليس في (ش). ٣٩٧ بَابُ مَا يَحرُمُ من الأجنبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ = يَدَ أَحَدٍ من مَحَارِمِه، وذَلِكَ على سَبيلِ التَّورُّعِ ولَيسَ ذَلِكَ مُمتَنِعًا، وإن اقتَضَت عِبَارَةُ النَّوِيِّ في ((الرَّوضَةِ))(١) امِنَاعَهُ، حَيثُ قَال: ويَحِرُمُ مَسُّ كُلّ مَا جَازَ النَّظَرُ إِلَيه من المَحَارِمِ. لَكِنَّهَا عِبَارَةٌ مُؤَولَةٌ وغَيرُ مَأْخُوذٍ بِظَاهرِها(٢)، وقَد حَكَى شَيخُنَا جمال الدين الإمَامُ عَبدُ الرَّحِيمِ الإِسَوِيُّ: الإجمَاعَ على الجَوازِ، والذي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وغَيرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مَسُّ بَطنِ أمِّه ولَا ظَهرِها، ولا أن يَغمِزَ سَاقَها ولَا رِجلَها، ولَا أن يُقَبِّلَ وجهَها، وقَد يَكُونُ لَفظُ الحديثِ من العُمُومِ المَخصُوصِ، أو يَدَّعِي دُخُولَ المَحَارِمِ فيمَا يَملِكُهُ؛ أي: يَملِكُ مَسَّهُ، لَا أَنَّ المُرَادَ يَملِكُ الاستِمتَاعَ به، وهو بَعِيدٌ(٣) . السَّادِسَةُ: وفيه جوازُ سَمَاعٍ كَلَامِ الأجنبيةِ عِندَ الحَاجَةِ، وأنَّ صَوتَها(٤) لَيْسَ بِعَورَةٍ. ■ السَّابِعَةُ: قَولُهُ في الرِّوايَةِ التي حَكَيْنَاها في آخِرِ الفَائِدَةِ الأولى عن مُسلِمٍ وأبي دَاوُد: ((مَا مَسَّ بيدِه امرَأةً قَطْ إلا أن يَأخُذَ عليها)). هو استِثنَاءٌ مُنقَطِعٌ وتَقدِيرُهُ: مَا مَسَّ امرَأةً قَظُ، لَكِن يَأْخُذُ عليها البَيْعَةَ بِالكَلَامِ. قال النَّووِيُّ(٥): وهَذَا التَّقَدِيرُ مُصَرَّحٌ به في الرِّوايَةِ الأولى ولا بُدَّ منهُ. ■ الثَّامنةُ: قَولُهُ: مَا كَانَ يَمتَحِنُ المُؤمناتِ إلا بِالْآيَةِ؛ (أي: يَتْلُو)(٦) الآيَةَ المَذكُورَةَ عليهنَّ ولَا يَزِيدُ شَيئًا من قِبَلِهِ. فَإِن قِيلَ: قَد أخَذَ عليهنَّ تَركَ النِّيَاحَةِ، قِيلَ: هِيَ دَاخِلَةٌ في المَعرُوفِ المَذكُورِ في قَولِهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾. ورَوى أَبُو بَكرِ البَزَّارُ في ((مُسنَدِه))(٧)، عن ابنِ عَبَّاسٍ في هَذِه الآيَةِ (١) روضة الطالبين (٣٧٣/٥). (٢) في (ش): ((مأخوذة ظاهرها)). (٣) بعده في (ش): ((انتهى)). ينظر: الشرح الكبير (٤٧١/٧، ٤٧٣). (٤) في الأصل: ((صورتها)). وفي (ش): («كلامها)) (٥) شرح النووي على مسلم (١١/١٣). (٦) في (ح): ((التي تتلو)). (٧) البزار (٢٢٧٢ - كشف). وقال الهيثمي في المجمع (١٢٦/٧): رواه البزار، وفيه قيس بن = 5 ٣٩٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قال: كَانَتِ المَرأةُ إِذَا جَاءَت النبيَّ ◌َِّ: حَلَّفَها عُمَرُ بِالله؛ مَا خَرَجت رَغبَةً بِأرضٍ عن أرضٍ، وبِالله مَا خَرَجت التِمَاسَ دُنيَا، وبِالله مَا خَرَجتُ إلا حُبًّا لله ورسوله. فيه قَيْسُ بنُ الرَّبِيعِ مُختَلَفٌ فيه. ■ التَّاسِعَةُ: قَولُهُ(١): ولَا، ولَا. (٧/ ٤٦م) إشَارَةً إلى بَقِيَّةِ الآيَةِ وهو: ﴿وَلَا يَتَرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ إلى آخِرِها. ■ العَاشِرَةُ: قَظُ: تَأْكِيدُ (٢) النَّفي في الزَّمَنِ المَاضِي، وجَمَعَ فيها الجَوهَرِيُّ في ((الصِّحَاحِ))(٣) أربَعَ لُغَاتٍ، وهيَ: فَتحُ القَافِ وضَمُّها مَعَ تَشْدِيدِ الطَّاءِ وتَخفيفِها، وهيَ مَضمُومَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. وزَادَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٤) ثُغَةً خَامِسَةً وهيَ فَتْحُ(٥) القَافِ وتَشْدِيدُ الطَّاءِ وكَسرُها، وسَادِسَةٌ، وسَابِعَةٌ، وهَّمَا: فَتحُ القَافِ مَعَ تَخفيفِ الطَّاءِ سَاكِنَةً ومَكسُورَةٌ، ولَم يَذْكُر بَعضَ مَا ذَكَرَهُ الجَوهَرِيُّ؛ فَإِنَّهُ لَم يَذْكُر ◌ِوى خَمسٍ لُغَاتٍ، ولَم يَنْقُل فيها ابنُ سِيدَه في ((المُحكَم)) (٦) سِوى ثَلَاثِ لُغَاتٍ. ثُمَّ حَكَى عن بَعضِ النَّحوِيِّينَ: أنَّ أصلَ قَولِهم: قَظُ بِالتَّشْدِيدِ قَطْطٌ، فَلَمَّا سُكِّنَ الحَرفُ الثَّانِي جُعِلَ الآخَرُ مُتَحَرِّكًا إلى إعرابه، ولَو قِيلَ فيه بِالخَفْضِ والنَّصبِ لَكَانَ وجهًا في العَرَبِيةِ. انتَهَى. فَأَمَّا الكَسرُ: فَقَد عَرَفتَ أنَّ النَّوِيَّ حَكَاهُ، واستَفَدنَا من هَذَا البَحثِ لُغَةً ثَامنةً، وهيَ فَتحُ القَافِ وتَشْدِيدُ الطَّاءِ وفَتحُها، وأشهَرُ هَذِهِ اللُّغَاتِ: فَتَحُ القَافِ وتَشدِيدُ الطَّاءِ [٢/ ١٤٧ ظ] وضَمُّها . الربيع، وثقه شعبة والثوري وضعفه غيرهما . = (١) ليست في (ش). في الأصل، (م): («لتأكيد)). (٢) (٣) الصحاح (١١٥٣/٣). وشرح النووي على مسلم (١٠/١٣، ١١). (٤) ليست في (ش). (٥) (٦) المحكم (١٠٩/٦). بَابُ مَا يَحرُمُ من الأجنَبيةِ وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ كمـ ٣٩٩ = الحديثُ الثَّالِثُ وعن الزُّهرِيِّ، أو غَيرِه، عن عُروةَ، عن عَائِشَةَ قالت: جَاءَتِ فَاطِمَةُ بِنتُ (١) عُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ تُبَايِعُ النبيّ ◌ََّ فَأْخَذَ عليها: ((أن لَا تُشرِكِنَ بِالله شَيئًا(٢)، ولَا تَزْنِين)). الآيَةَ قالت: فَوضَعَت(٣) يَدَها على رَأْسِها حَيَاءً، فَأعْجَبَ (٤) رسولَ اللهِ وَّهِ مَا رَأى منها، فقالت عَائِشَةُ: أقِرِّي أَيَّتُها المَرأةُ فَو الله مَا بَايعنَا(٥) إلا على هَذَا. قالت: فَتَعَمِ إِذَا. (٧/ ٤٧م) فَبَايَعَها بِالآيَةِ. فيه فوائدُ: ■ الأولى: هَكَذَا وقَعَتِ هَذِهِ الرِّوايَةُ في ((مُسنَدِ الإِمَام أحمَدَ))(٦)، على الشَّكِّ في رَاوِيها عن عُروةَ هَل هو الزُّهرِيُّ أو غَيْرُهُ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَلَا يُحكَمُ لَها بِالصِّحَّةِ لِلجَهلِ بِرَاوِيها، ومَا كَانَ يَنبَغِي لِلشَّيخ(٧) تَغَفُ أن يَذكُرَها مَعَ الأسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ، مَعَ أنَّهُ لَيسَ فيها مَا يَدُلُّ على تَبِيبِه، ولَيسَت في شَيءٍ من الكُتُبِ السّةِ، ولَم تَشتَهر هَذِه القِصَّةُ عن فَاطِمَةَ هَذِهِ، وإنَّمَا اشْتَهَرَ شَيءٌ من ذَلِكَ عن أختِها هندٍ بِنتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ زَوجِ أبي سُفْيَانَ بنِ حربٍ. فَذَكَرَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ في ((الاستيعَابِ))(٨)، في تَرجَمَةِ هندٍ: أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لَمَّا تَلَا عليها الآيَةَ(٩): ﴿وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾. قالت: وهَل تَزنِي الحُرَّةُ في (ح، ش): ((ابنة)). (١) (٢) بعده في (م): ((ولا يسرقن)). وهو تصرف من المراجعين لإثبات نص الآية. وسوف ينبه المصنف على توجيه الرواية في الفائدة الثانية، من شرح الحديث. (٣) في (ح): ((فوضعها)). (٤) في (ح): ((وأعجب)). (٥) في (م): ((یبایعنا)). (٦) بعده في (ش): ((ابن حنبل)). والحديث في المسند (١٥١/٦) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، أو غيره، عن عائشة. (٧) في (ش): ((الشيخ)). (٩) ليست في (ك٢، ح، ش). (٨) الاستيعاب (١٩٢٣/٤). ٤٠٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ أوْ تَسرِقُ يَا رسولَ الله؟ فَلَمَّا قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾. قالت: قَد رَبَّيْنَاهُمْ(١) صِغَارًا وقَتَلتهم أنتَ بِبَدرٍ كِبَارًا. أو نَحو هَذَا من القَولِ. انتَهَى. وفي كُتُبِ المُفَسِّرِينَ(٢): أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ جَلَسَ على الصَّفَا وبَايَعَ النِّسَاءَ، فَتَلَا عليهنَّ الآيَةَ؛ فَجَاءَت هندُ امرأةُ أبي سُفيَانَ مُتَنَكِّرَةً، فَلَمَّا سَمِعَت ﴿وَلَا يَسْرِفْنَ﴾ قالت: إنَّ أَبَا سُفيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وقَد أصَبت من مَالِهِ فَمَا أدرِي يَحِلُّ(٣) لِي أم لا؟ فقال أبُو سُفْيَانَ: مَا أصَبتٍ من شَيءٍ فَهو لَك حَلَالٌ، وَلَمَّا سَمِعَت: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ قالت: أو تَزِي الحُرَّةُ؟ فقال عُمَرُ: لَو كَانَت قُلُوبُ نِسَاءِ العَرَبِ على قَلْبِ هِنٍ مَا زَنَت منهُنَّ امرأةٌ قَظْ، ولَمَّا سَمِعَت ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ قالت: رَبَّيْنَاهُم صِغَارًا، فَقَتَلتُمُوهُم كِبَارًا، فَلَمَّا سَمِعَت: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قالت: والله مَا جَلَسنَا مَجلِسَنَا(٤)، وفي أنفُسِنَا أن نَعْصِيَك في شَيءٍ. ■ الثَّانِيَةُ: لَم يَذْكُر فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ قَوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْرِقْنَ﴾؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَعلقَ غَرَضُهُ بِقَولِهِ: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ لِيَذْكُرَ مَا فَعلتُهُ عِندَ تِلَاوتِها . ■ الثَّالِثَةُ: قَولُ عَائِشَةَ: أَقِرِّي. من الإقرَارِ. وقَولُها: فَوالله مَا بَايَعنَا إلا على هَذَا. روينَاهُ(٥) بِإِسكَانِ العَينِ على إسنَادِ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، وفي كَلَامِها هَذَا مَا يَدُلُّ على أنَّ المُبَايَعَةَ كَانَت عَامَّةً لِجَمِيعِ المُؤمناتِ، وأنَّهُ لَم يَخُصَّ بها المُهاجِرَاتِ في زَمَنِ الهُدَنَةِ امْتِحَانًا لِإِيمَانِهِنَّ. ■ الرَّابِعَةُ: إن قُلتَ: لَم يُورِدِ الشَّيخُ تَغْتُ لِقَولِه في التَّبِيبِ: وتَحرِيمُ المُؤمنةِ على الكَافِرِ مَا يَدُلُّ عليه. قُلتُ: كَأنَّ ذَلِكَ فُهِمَ مِمَّا عَلِمَ من آيَةِ الامتِحَانِ، وأنَّ سَبَبَها: مُهاجَرَةٌ (١) في الأصل: ((بيناهم)). (٢) ينظر: البحر المحيط (١٦٠/١٠)، والطبري (٥٩٦/٢٢)، والبغوي (١٠١/٨). (٣) في (ش): ((أيحل)). (٤) في (ح): ((محلسنا)). وفي (ش): ((مجلسًا)). (٥) في (م): ((فرويناه)).