النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كِتَابُ الفَرَائِضِ = والمُعلمِينَ على تَعلِيمِهم، وذَلِكَ أنَّ النبيّ وَلَّهَ جَعل لِولِيٌّ الأمرِ بَعدَهُ فيمَا كَانَ أَفَاءَ اللهُ عليه مُؤنَتَهُ، وإِنَّمَا جَعلِ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِه؛ فَبَانَ أَنَّ كُلَّ قَيِّمِ بِأمرٍ من أمُورٍ المُسلِمِينَ مِمَّا يَعُمُّهُم نَفعُهُ سَبيلُهُ سَبِيلُ عَامِلِ النبيّ بَّهِ فِي أَنَّ لَهُ المُؤْنَةَ فِي بَيْتِ مَالِ المُسلِمِينَ والكِفَايَةَ مَا دَامَ مُشتَغِلًا به، وذَلِكَ كَالعُلَمَاءِ والقُضَاةِ والأمَرَاءِ وسَائِرِ أهلِ الشُّغْلِ بِمَنَافِعِ الإسلامِ(١). انتَهَى. ■ السَّابِعَةُ: فيه أنَّ النبيّ وَِّ لَا يُورَثُ. وبهذَا قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ، وحَكَى ابْنُ عَبدِ البَرِّ وغَيرُهُ(٢) عن بَعضِ أهلِ البَصرَةِ منهُم ابنُ عُلَيَّةَ: أَنَّهُ إِنَّمَا لَم يُورَث؛ لِنَّ اللهَ تعالى خَصَّهُ بِأن جَعل مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةَ زِيَادَةً في فَضِيلَتِهِ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وسَائِرُ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ على القَولِ [الأولِ. وقال النووي: الصوابُ](٣) الأولُ، وهو الذِي يَقْتَضِيه سِيَاقُ الحديثِ. قُلتُ: والقَولَانِ مُتَّفِقَانِ على أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ لَم يُورَث، وإِنَّمَا التَّفَاؤُتُ بَينَهُمَا: أنَّ الأولَ جَعل إرثَهُ مُستَحِيلًا لَا مُقْتَضَى لَهُ، والثَّانِي جَعلهُ مُمكِّنَا؛ (٤إلا أنَّه٤ُ) مَنَعَ منهُ عَدَمُ المَالِ المُخَلَّفِ عنهُ؛ لِأنَّ الكُلَّ صَدَقَةٌ كَمَا يَقِفُ الإنسَانُ جَمِيعَ مَا يَملِكُهُ أو يَتَصَدَّقُ به فَيَمُوتُ ولَا مِلكَ لَهُ فَلَا يُورَثُ؛ لِعَدَمِ مَا يُورَثُ عنهُ، وإِن كَانَ يُورَثُ لَو كَانَ لَهُ مَالٌ (٥). واللهُ أعلمُ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: وأمَّا الرَّوافِضُ فَلَيسَ قَولُهُم مِمَّا يُشتَغَلُ به، ولا يُحكَى مِثْلُهُ لِمَا فيه من الطّعنِ على السَّلَفِ والمُخَالَفَةِ لِسَبيلِ المُؤمنينَ. وحَكَى الخَطَّابِي(٦) بِإِسنَادِه عن ابنِ الأعرابي قال: كَانَ أولُ خُطِبَةٍ خَطَبَها أبُو العَبَّاسِ السَّفَّاحُ في قَرِيَةٍ يُقَالُ لَها العَبَّاسِيَّةُ بِالأنبَارِ(٧)، فَلَمَّا افتَتَحَ الكَلَامَ (١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٥٩/٥). (٢) ينظر: التمهيد (١٦٠/٨، ١٦١)، وإكمال المعلم (٩١/٦)، وشرح النووي على مسلم (١٢ / ٨١). (٣) ما بين المعكوفين من (ح، ك٢). (٤ - ٤) في الأصل، (م): ((لأنه)). (٦) ينظر: معالم السنن (٢١٠/٤، ٢١١). (٥) في (ك٢): «ملك)). (٧) ينظر: معجم البلدان (٧٥/٤)، مراصد الإطلاع (٩١٣/٢). = ٣٢٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وصَارَ إلى ذِكرِ الشَّهادَةِ من الخُطبَةِ، قَامَ رَجُلٌ من آلِ أبي طَالِبٍ في عُنُقِه مُصحَفٌ فقال: أَذَكِّرُك اللّهَ الذِي ذَكَرتَهُ إلا أنصَفتَنِي من خَصمِي وحَكَمتَ بَينِي وبَينَهُ بِمَا فِي هَذَا المُصحَفِ. قال لَهُ: ومَن ظَالِمُكَ (١)؟ قال: أبُو بَكرِ الذِي مَنَعَ فَاطِمَةَ فَدَكَ. فقال لَهُ: وهَل كَانَ بَعدَهُ أحَدٌ؟ قال: نَعَم(٢). قال: مَن؟ قال: عُمَرُ. قال(٣): وأقَامَ على ظُلمِكُم. قال: نَعَم. قال: وهَل كَانَ بَعدَهُ (٢٤١/٦م) أحَدٌ؟ قال: نَعَم. قال: مَن؟ قال: عُثمَانُ. قال: وأقَامَ على ظُلمِكُم. قال: نَعَم. قال: وهَل كَانَ بَعدَهُ أحَدٌ؟ قال: نَعَم. قال: مَن؟ قال (٤أمِيرُ المُؤمنين٤َ) عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ. قال: وأقَامَ على ظُلمِكُم. فَأسكَتَ الرَّجُلَ، وجَعل يَلتَفِتُ إلى مَا ورَاءَهُ يَطلُبُ مُخَلِّصًا. فقال له(٥): والله الذِي لَا إلَهَ إلا هو لَوَلَا أَنَّهُ أولُ مُقَامٍ ثُمتُهُ، ثُمَّ إِنِّي لَم أكُن تَقَدَّمتُ إلَيك في هَذَا قَبلُ لَأَخَذت الذِي فيه عَينَاك، اقعُدْ وأقبَلَ على الخُطبَةِ. الثَّامنةُ: لَا يَختَصُ ذَلِكَ بِنَبينَا عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ، بَل سَائِرُ الأنبياءِ لَّ كَذَلِكَ فِي أَنَّهُم لَا يُورَّثُونَ [١٣٣/٢ ]. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَولُهُ في الرِّوايَةِ التي نَقَّلنَاها في الفَائِدَةِ الأولى من ((صَحِيحِ مُسلِمٍ)): (لَا نُورَثُ))؛ فَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعتِبَارٍ مُشَارَكَةٍ بَقِيَّةِ الأنبياءِ لَهُ في ذَلِكَ، وقَدَّ صَرَّحَ به في قَولِه في حَدِيثٍ عُمَرَ رَُّه: ((إنَّا مَعَاشِرَ الأنبياءِ لَا نُورَثُ))، رَواهُ النسائيّ(٦) في ((سُنَنِهِ)). وورَدَ هَذَا اللفظُ أيضًا (٧) من حَدِيثِ أبي بَكرِ الصِّدِّيقِ، وأبي هريرةَ؛ رَواهُمَا ابْنُ عَبدِ الْبَرِّ(٨). وبهذا قال جُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ إلا الحَسَنَ البَصرِيَّ؛ فَإِنَّهُ قَد حُكِيَ عنهُ: أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصِّ بِنَبِينَا وَّهِ؛ لِقَولِه تعالى: ﴿يَرِثُنِى وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ [مريم: ٦]. وزَعَمَ أنَّ المُرَاد وِرَاثَةُ المَالِ. (١) في (م): ((ظلمك)). (٣) ليس في (م). (٢) ليس في الأصل. (٤ - ٤) ليس في (ح). (٥) ليس في الأصل، (م). وينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (ص١٦). (٦) النسائي في الكبرى (٦٢٧٥). (٧) من (ح). (٨) الاستذكار (٣٨٦/٢٧)، والتمهيد (١٧٥/٨). LE ٣٢٣ كِتَابُ الفَرَائِضِ قال(١): ولَو أرَادَ وِرَاثَةَ النُّبُوةِ لَم يَقُل: ﴿وَإِنِّى خِفْتُ اٌلْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾ [مريم: ٥]؛ إذ لَا يُخَافُ المَوالِي على النُّبُوةِ. ولِقَولِه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾. [النمل: ١٦]. والحَقُّ مَا قالهُ الجُمهورُ، والمُرَادُ بِقِصَّةِ زَكَرِيًّا ودَاوُد وِرَاثَةُ النُّبُوةِ، ولَيسَ المُرَادُ حَقِيقَةَ الإرثِ، بَل قِيَامَهُ مَقَامَهُ وحُلُولَهُ مَكَانَهُ، ولَو أرِيدَ وِرَاثَةُ المَالِ لَم يَكُن في الإخبَارِ بِإرثِ سُلَيمَانَ لِدَاوُدَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ؛ لِمَا عُلِمَ من إرثِ الأولَادِ لِأِموالٍ آبَائِهِم بِخِلَافِ المُلكِ والعِلمِ والنُّبُوَّةِ. ■ النَّاسِعَةُ: قال النَّووِيُّ: قال العُلَمَاءُ: الحِكمَةُ في أنَّ الأنبياءَ صَلَواتُ الله عليهم لَا يُورَثُونَ: أَنَّهُ لَا يُؤمَنُ أن يَكُونَ فِي الورَثَةِ مَن يَتَمَّنَّى مَوتَهُ فَيَهلِكَ، ولِئَلَّا يُظَنَّ بهم الرَّغبَةُ في الدُّنيَا لِوُرَّائِهِم (٢)؛ فَيَهلِكَ الَّانُّ وَيَنْفِرَ النَّاسُ عنهم(٣). قُلتُ: ولِأنَّهُم أحيَاءُ، ولِهَذَا وَجَبَت نَفَقَةُ زَوجَاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ بَعدَ مَوتِه؛ ولِأنَّهُم لِعِظَم شَأنِهِم لَا تَكُونُ نِعَمُ الله عليهم إلا عَائِدَةً على أخرَاهُم، ولَا يُسلَبُونَ مَنفَعَةَ مَا(٤) أنعَمَ به عليهم، ولَو وُرِثُوا لَسُلِبُوا مَنفَعَةَ مَا ورِثُوهُ وكَانَ الاِنتِفَاعُ به إنَّمَا هو لِورَثَتِهِم لَا لَهُم، ولِهَذَا قال عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((أيُّكُم مَالُ وارِثِه أحَبُّ إلَيه من مَالِه))(٥). وقال أبُو بَكرٍ: إنَّمَا المَالُ الآنَ لِلوارِثِ (٦)، وهَذَا (٦/ ٢٤٢°م) مَعَنَّى حَسَنٌ. ولم أرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ. العَاشِرَةُ: هَذِه الرِّوايَةُ صَرِيحَةٌ في الرَّدِّ على بَعضِ جَهَلَةِ الشِّيعَةِ؛ حَيثُ قال في الرِّوايَةِ التي سُقنَاها من مُسلِم: ((مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ)): أنَّهُ بِالنَّصبِ على جَعلٍ (٧) ((مَا)) نَافيةٌ. وهو غَلٌَ قَبيحٌ، بَل هو بِالرَّفع، و((مَا)) مَوصُولَةٌ، ورِوايَتُنَا (١) ينظر: إكمال المعلم (٩٠/٦)، وشرح النووي على مسلم (٨١/١٢). في المطبوع من شرح النووي: ((لوارثهم)». (٢) (٣) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧٤/١٢). (٤) ليس في (ك٢). (٦) مصنف عبد الرزاق (١٦٥٠٧). (٥) البخاري (٦٤٤٢)، والنسائي (٣٦١٤). (٧) في الأصل، (م): ((أن). كم ٣٢٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ لِقَولِه فيها: ((فَهو صَدَقَةٌ))(١). الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الحديثُ مُتَنَاوِلٌ لِلحُقُوقِ أيضًا، وأشَارَ الإمَامُ والغَزّالِيُّ(٢) إلى أنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ تُورَثُ عنهُ حُقُوقُهُ؛ فَإِنَّهُمَا قالا فيمَا لَو عَفَا واحِدٌ من بَنِي أعمَامِهِ عن قَاذِفِهِ: يَنْبَغِي أن يَسقُطَ عنهُ حَدُّ القَذْفِ. أو نَقُولُ: هُم لَا يَنحَصِرُونَ فَهو كَقَذْفِ مَيِّتٍ لَيسَت لَهُ ورَثَةٌ خَاصَّةً، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ(٣) تَوقَّفَ في ذَلِكَ فقال: يَجُوزُ أنَّ حَدَّ قَذْفِه لَا يُورَثُ كَمَا لَا يُورَثُ مَا تَرَكَهُ. انتَهَى. وهَذَا هو الحَقُّ، وهو مُقْتَضَى هَذَا الحديثِ. (٤والله أعلم٤). ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): فيه دَلِيلٌ على صِحَّةٍ مَا ذَهَبَ إِلَيه فُقَهاءُ أهلِ الحِجَازِ وأهلُ الحديثِ من تَجوِيزِ الأوقَافِ، وأنَّ لِلرَّجُلِ أن يَحْبِسَ مَالَهُ على سَبِيلٍ من سُبُلِ الخَيرِ يَجرِي عليه بَعدَ وفَاتِهِ. قُلتُ: حَكَى إِمَامُ الحَرَمَينِ (٦) فيمَا تَرَكَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلَامُ وجهَينٍ : أحَدُهُمَا: أنَّهُ بَاقٍ على مِلكِه يُنفَقُ منهُ على أهلِهِ كَمَا يُنفَقُ فِي حَيَاتِهِ. قال: وهَذَا هو الصَّحِيحُ. والثَّانِي: أنَّ سَبيلَ مَا خَلَّفَهُ سَبيلُ الصَّدَقَاتِ. وبهذَا قَطَعَ أَبُو العَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ في ((الجُرِجَانِيَّاتِ)). ثُمَّ حَكَى وجهَينِ في أنَّهُ هَل يَصِيرُ وقفًا على ورَثَتِهِ؟ وأنَّهُ إذَا صَارَ وقفًا هَل هو الواقِفُ؛ لِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((مَا تَرَكْنَاهُ(٧) صَدَقَةٌ))؟ وجهانِ . وقال النَّووِيُّ(٨): كُلُّ هَذَا ضَعِيفٌ، والصَّوابُ الجَزْمُ بِأنَّهُ زَالَ مِلكُهُ، وأنَّ مَا تَرَكَهُ فَهو صَدَقَةٌ على المُسلِمِينَ لَا تَخْتَصُّ(٩) به الورَثَةُ، وكَيفَ يَصِحُّ غَيرُ مَا ذَكَرْتُهُ (١) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧٤/١٢). (٢) ينظر: نهاية المطلب (٤٧/١٨)، والوسيط (٨٨/٧). (٣) ينظر: روضة الطالبين (٣٣٢/١٠)، وخبايا الزوايا للزركشي (٣٨٥/١). (٥) ينظر: التمهيد (١٧٦/٨). (٤ - ٤) من (ح). (٦) ينظر: نهاية المطلب (٢١/١٢). (٧) في الأصل، (م): ((تركنا)). (٨) ينظر: روضة الطالبين (٣٥١/٥). (٩) في (ح): ((يختص)). كمـ ٣٢٥ كِتَابُ الفَرَائِضِ مَعَ قَولِهِ وَلَ: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكِنَاهُ فهو (١) صَدَقَةٌ)). فَهَذَا نَصُّ على زَوالِ المِلكِ، واللهُ أعلَمُ. انتَهَى. وقَد ظَهَرَ أنَّ الاستِدلَالَ به على صِحَّةِ الوقفِ احتِمَالٌ من احتِمَالَاتِ. واللهُ أعلَمُ. ■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: قال ابنُ عَبدِ البَرِّ أيضًا (٢): وفيه دَلَالَةٌ واضحةٌ (٣) على صِحَّةٍ (٤) انِّخَاذِ [١٣٣/٢ ظ] الأموالِ واكتِسَابِ الصُّنَّاعِ، ومَا يَسَعُ الإنسَانَ لِنَفسِه وعُمَّالِه وأهلِيهم ونَوائِهم(٥)، ومَا يَفضُلُ عن الكِفَّايَةِ، و(٦في ذلك٦) رَدُّ على الصُّوفيةِ ومَن ذَهَبَ مَذهَبَهُم في قَطعِ الإِكْتِسَابِ المُبَاحِ. (٢٤٣/٦م) الحديثُ الرَّابِعُ حَ وعن ھَمَّام، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: «أنا أولی النَّاسِ بِعِيسَى ابنٍ مُّرِيَمَ في الدُّنيَا والآخِرَةِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله، كَيفَ؟ قال: الأنبياءُ إخوةٌ من علَّاتٍ، وأمَّهاتُهُم شَتَّى ودِينُهُم واحِدٌ، وَلَيسَ بَيتَنَا نَبِي)). فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ مسلمٌ من هَذَا الوجه عن مُحَمَّدٍ بنِ رَافِعٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ(٧). و(٨ُمن رواية٨) أبي الزِّنَادِ (٩)، عن الأعرَجِ، عن أبي هريرةَ. وأخرجهُ البخاريُّ، ومسلمٌ أيضًا، وأبو داودَ(١٠) من رِوايَةِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ. (١) من (ح، ك٢). (٣) من (٢٥). في (م): ((ویواتیھم)). (٥) مسلم (١٤٥/٢٣٦٥). (٧) (٩) مسلم (١٤٤/٢٣٦٥). (٢) ينظر: التمهيد (١٧٦/٨). (٤) ليس في (ك٢). (٦ - ٦) في الأصل: ((في))، (م): ((فيه)). (٨ - ٨) من (ح، ك٢). (١٠) البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (١٤٣/٢٣٦٥)، وأبو داود (٤٦٧٥). ٣٢٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وأخرجهُ البخاريُّ (١) أيضًا من رِوايَةٍ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي عَمَرَةَ، عن أبي هريرةَ. ■ الثَّانِيَةُ: قَولُهُ: ((أَنَا أولى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَريَمَ))؛ أي: أخَصُّ به، وأقرَبُ إلَيه كَقَولِهِ(٢): ((فَلِأَولى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ))(٣)؛ أي: لِأَقْرَبَ، وقَد فَسَّرَ النبيّ ◌َِّ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ في آخِرِ الحديثِ. وقَولُهُ: ((في الدُّنيَا))؛ أي: بِقُربِ الزَّمَانِ بَيْنَهُمَا كَمَا سيأتي. ((وفي الآخِرَةِ))، لَعِلُهُ بِتَزَوُّجِه بِأَمِّه مَرِيَمَ؛ فَإِنَّها من زَوجَاتِهِ في الجَنَّةِ لَّمَ(٤). ويَحتَمِلُ أنَّ سَبَبَ أولَوِيَّتِه به في الدُّنيَا والآخِرَةِ: كَونُهُ يَصِيرُ من أمَّتِه المُقْتَدِينَ بِشَرِيعَتِهِ عِندَ نُزُولِه في آخِرِ الزَّمَانِ، ولَعل هَذَا أظهَرُ. واللهُ أعلمُ. ■ الثَّالِثَةُ: قال أهلُ اللُّغَةِ: أولَادُ العلَّاتِ، بِفَتحِ العَينِ المُهمَلَةِ وتَشدِيدِ اللام، هُم الإخوةُ لِأبٍ من أمَّهاتٍ شَتَّى(٥). قال في ((الصِّحَاحِ)) (٦): سُمِّيَت بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الذِي تَزَوجَها على أُولى قَد كَانَت قَبَلَها(٧)، ثُمَّ عل من هَذِه؛ والعَلَلُ (١) البخاري (٣٤٤٣). (٢) في (م): ((لقوله)). (٣) أخرجه البخاري (٦٧٣٢، ٦٧٣٥، ٦٧٣٧، ٦٧٤٦)، ومسلم (٢/١٦١٥، ٣، ٤)، وأبو داود (٢٨٩٨)، والترمذي (٢٠٩٨)، والنسائي في الكبرى (٦٢٩٧)، وابن ماجه (٢٧٤٠)، وغيرهم؛ من طريق ابْنِ طاؤُسٍ، عنْ أَبِيهِ، عنِ ابْنِ عبّاسٍ ﴿ّ، عنِ النّبِيِّ ◌َّل قال: ((الْحِقُوا الفرائِض بِأهْلِها، فَمَا بقِي فَهو لِأَوْلى رجُلٍ ذكرٍ)). ولم أجد لفظة: ((عصبةٍ)) في المصادر، ثم وجدتُ ابن الجوزي قد قال في التحقيقُ (٢٤٨/٢): وما نحفظُ هذِهِ اللفظة. ونقل ابن الملقن عن ابن الصلاح قولهٍ: فِيها نظر وبُعْد عن الصِّحّة من حيْثُ الرِّواية، ومِنْ حيْثُ اللُّغة: فإِن ((الْعصبة)) فِي اللُّغة اسْم للجمْع، وإطلاقها على الواحدِ مِنْ كلام العامّة، وأشباهها من الْخاصّة. ينظر: تخريج أحاديث الكشاف (٣٧٢/١)، والبدر المنير (٥٦/١٨، ٥٧)، والتلخيص الحبير (٩٤/٣). (٤) كل ما روي في هذا الباب مناكير، وينظر: السلسلة الضعيفة (٨١٢، ٥٨٨٥ ٧٠٥٣). (٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (١١٩/١٥). (٦) ينظر: الصحاح تاج اللغة (١٧٧٣/٥). (٧) كذا في الصحاح، قال محققه في الحاشية: في المختار (ص٤٦٧): ((قد كانت قبلها ناهلٌ، ثم عَلّ من هذه)). وعبارة القاموس (ص١٣٣٨): ((لأن التي تزوجها على أولى قد كانت قبلها ناهلٌ». كِتَابُ الفَرَائِضِ ٣٢٧ = الشُّربُ الثَّانِي، يُقَالَ: عللٌ بَعدَ نَهَلٍ، وعلَّهُ يَعُلُّهُ ويُعِلُّهُ إِذَا سَقَاهُ السَّقْيَةَ الثَّانِيَةَ، وعلَّ بِنَفسِه يَتَعَذَّى ولَا يَتَعَدَّى، وقال غَيرُهُ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُم أولَادُ ضَرَائِرَ، والعلاتُ الضَّرَائِرُ. وأمَّا الإخوةُ من الأبَوينِ: فَيُقَالُ لَهُم: أولَادُ الأعيَانِ؛ لِأنَّهُم من عَينٍ واحِدَةٍ. ويُقَالُ لِلإخوةِ من الأمُّ (٢٤٤/٦م): أولَادُ الأخيَافِ؛ لِأنَّهُم من أخِيَاف الرِّجَالِ؛ أي: أخلَاطِ الرِّجَالِ(١). ■ الرَّابِعَةُ: اختُلِفَ في مَعنَى هَذَا الحديثِ: فَحَكَى النَّووِيُّ (٢) عن جُمهورِ العُلَمَاءِ: أنَّ مَعنَاهُ أنَّ أصلَ إِيمَانِهِم واحِدٌ وشَرَائِعَهُم مُختَلِفَةٌ؛ فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ في أصلِ التَّوحِيدِ، والاختِلَافُ بَينَهُم إنَّمَا هو في فُرُوعِ الشَّرَائِع، قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَّأَ﴾ [المائدة: ٤٨]. فَاستَعمَلَ الأمَّهاتِ في فُرُوعِ الشَّرعِ، والأبَ في أصلِ الدِّينِ. وقَولُهُ: ((شَتَى))؛ أي: مُختَلِفُونَ، ومنهُ قَوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]. وقَولُهُ: ((ودِينُهُم واحِدٌ))؛ أي: أصلُ التَّوحِيدِ أو أصلُ الطَّاعَةِ، وإن اختَلَفَت صِفَتُها أو أصلُ التَّوحِيدِ والطَّاعَةِ جَمِيعًا . وقال بَعضُهُم(٣): مَعنَاهُ: أنَّ الأنبياءَ مُختَلِفُونَ في أزمَانِهِم، وبَعضُهُم بَعِيدُ(٤) الوقتِ من بَعضٍ؛ فَهُم أولَادُ علّاتٍ، إذ لَم يَجمَعُهُم زَمَانٌ واحِدٌ كَمَا لَم يَجمَع أولَادَ العلاتِ بَطنٌ واحِدٌ. وعِيسَى لَمَّا كَانَ قَرِيبَ الزَّمَانِ منهُ ولَم يَكُن بَينَهُمَا نَبِي؛ كَانَا كَأنَّهُمَا في زَمَانٍ(٥) واحِدٍ، فَكَانَا بِخِلَافِ غَيرِهمَا. وحَكَاهُ أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبي عن القَاضِي عِيَاضٍ، ثُمَّ قال: هَذَا أَشبَهُ مَا قِيلَ في هَذَا الحديثِ. (١) ينظر: عارضة الأحوذي (٢٤٥/٨). ينظر: شرح النووي على مسلم (١٢٠/١٥). (٢) (٣) ينظر: إكمال المعلم (٣٣٧/٧)، والمفهم (١٧٦/٦). (٤) في (ح): ((یعید)). (٥) في (م): ((زمن)). ٣٢٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ قُلتُ: لَم يَجِزِمِ به القَاضِي ولا رجَّحهُ، وإنَّمَا صَدَّرَ كَلَامَهُ بِالأولِ، ثُمَّ قال: ((وقِيلَ ... ))، فَحَكَى هَذَا. كَذَا في ((المَشَارِقِ))(١). فَعلى الأولِ: يَكُونُ عِيسَى كَغَيرِهِ من الأنبياءِ في أنَّهُ مَعَ نَبينَا عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ يُشبهانِ أولَادَ(٢) العلاتِ؛ في أنَّ أصلَ دِينِهما (٣) المُشَبَّهَ بِالأبِ واحِدٌ، وفَرِعَهُ المُشَبَّهَ بِالأمِّ مُختَلِفٌ. ووجهُ كَونِهِ أولى به مَعَ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ نَبي. وعلى الثَّانِي: لَا يَكُونُ مَعَهُ كَأولَادِ العلّاتِ بَل كَأولَادِ الأَعيَانِ؛ لِأنَّ الأنبياءَ إِنَّمَا صَارُوا كَأولَادِ العلاتِ؛ لِتَبَاعُدِ أزمَانِهم (٤)، ولَمَّا تَقَارَبَ زَمَنُ نَبينَا وعِيسَى ◌َّهِ صَارَ كَأنَّهُ زَمَنٌ واحِدٌ فَشُبها بِأولَادِ الأعیَانِ. لَكِن في هَذَا نَظَرٌ [١٣٤/٢ و]؛ لِأنَّ غَيرَهُمَا من الأنبياءِ تَقَارَبَ زَمَنُهُم حَتَّى كَانَ يَجتَمِعُ في الزَّمَنِ الواحِدِ جَمَاعَةٌ من الأنبياءِ، فَقُربُ بَعضٍ أُولَئِكَ من بَعضٍ بهذا الاعتِبَارِ أشَدُّ من قُربٍ نَبينَا لِعِيسَى(٥) عَلَّهُ بهذِه النِّسَبَةِ، وقَد كَانَ يَحيَى ابنَ خَالَتِهِ و(٦) مُجتَمِعًا مَعَهُ في زَمَنٍ واحِدٍ. واللهُ أعلمُ. ■ الخَامِسَةُ: ظَاهرُ قَولِهِ: ((أنَا أولى النَّاسِ بِعِيسَى (٧ ابنِ مَرِيَم٧َ))، دُخُولُ الأنبياءِ عَلَِّ فِي ذَلِكَ. فَيَكُونُ نَبِينَا أولى به من بَقِيَّةِ الأنبياءِ، وعليه يَتَرَتَّبُ القَولَانِ اللذَانِ حَكَينَاهُمَا . ويَحتَمِلُ أن يَكُونَ إِنَّمَا أَرَادَ به أنَّهُ أولى أهلِ زَمَانِه به، ويَكُونُ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ ذَكَرَ هَذَا الكَلَامَ رَدَّا على النَّصَارَى الذِينَ زَعَمُوا تَولِّيَ عِيسَى واتِّبَاعَهُ (٢٤٥/٦م)، فَأخبَرَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ أولى به منهُم ومن غَيرِهم من النَّاسِ، كَمَا قال لِليَهودِ: ((أَنَا أولى بِمُوسَى منكُم)) (٨). الحديثَ في صِيَامٍ عَاشُورَاءَ. (١) ينظر: مشارق الأنوار (٨٣/٢). (٢) في (ح، ك٢): ((بأولاد)). (٣) في (م): ((دينهم)) . (٤) في (م): ((زمانهم)). (٥) في (ك٢): ((بعيسى)). (٧ - ٧) من (م). (٦) ليس في (ك٢). (٨) أخرجه البخاري (٣٣٩٧، ٣٩٤٣، ٤٧٣٧)، ومسلم (١٢٧/١١٣٠، ١٢٨)، وأبو داود = = LE ٣٢٩ كِتَابُ الفَرَائِضِ وهَذَا مُحتَمَلٌ، لَكِنَّهُ يُبعِدُهُ قَولُهُ: ((وَلَيسَ بَينَنَا نَبِي))؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المُرَادَ تَرجُّحَهُ بِذَلِكَ على بَقِيَّةِ الأنبياءِ، إلا أن يُقال: أَرَادَ بِذَلِكَ أنَّهُ أولى النَّاسِ بِالأنبياءِ مُطلَقًا لِاتَّفَاقِهم في أصلِ الدِّينِ ويَزْدَادُ عِيسَى عَلَّا قُربَ زَمَنِهِ، وأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَبي (١ فهو تَأْكِيدٌ لِكونِه١) أولى أهلِ زَمَانِهِ (٢)، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: أوَرَدَ الشَّيخُ تَظَتُ هَذَا الحديثَ في ((كِتَابِ الفَرَائِضِ»، لِمَا دَلَّ عليه بِمُقتَضَى تَقرِيرِ القَاضِي عِيَاضِ (٣): من أنَّ وجهَ كَونِه عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ أولى النَّاسِ بِعِيسَى أَنَّهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ مَعَ بَقِيَّةِ الأنبياءِ كَأولَادِ العلّاتِ ومَعَ عِيسَى عَلَّ كَأولَادِ الأعْيَانِ؛ فَبِذَلِكَ(٤) اختُصَّ عنهُم في أنَّهُ أولى به. وذَلِكَ يَدُلُّ على تَرَجُح (٥) أولَادِ الأعيَانِ على أولَادِ العلاتِ، وأنَّهُم أقرَبُ إلى المُتَوفَّى منهُم فَيَكُونُ الإَرَثُ لَهُم دُونَهُم؛ لِقَولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ: ((فَلِأَوْلَى رَجُلِ ذَكَرٍ))، وقَد ورَدَ التَّصرِيحُ بِذَلِكَ فيمَا رَواهُ التِّرمِذِيُّ وابنُ مَاجَه (٦)؛ من رِوايَةِ الحَارِثِ الأعورِ، عن عَلِيٍّ ◌َّهِ، قال: ((قَضَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ أَعيَانَ بَنِي الأَمِّ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العلّاتِ، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأبيه وأمِّه دُونَ إخوتِه ◌ِأبيه)). قال التِّرمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعرِفُهُ إلا من حَدِيثِ أبي إسحَاقَ عن الحَارِثِ عن عَلِيٍّ، وقَد تَكَلَّمَ بَعضُ أهلِ العِلمِ في الحَارِثِ. والعَمَلُ على هَذَا الحديثِ عِندَ أهلِ العِلمِ. ] السَّابِعَةُ: فيه رَدِّ صَرِيحٌ على مَن قال: إنَّهُ كَانَ بَعدَ عِيسَى عَلَّهُ أَنبياءُ ورُسُلٌ. وقَد قال بَعضُ النَّاسِ: إنَّ الحَوارِيِّينَ كَانُوا أنبياءً، وأنَّهُم أرسِلُوا إلى النَّاسِ بَعدَ عِيسَى، وهو قَولُ أكثَرِ النَّصَارَى، لَعنْهُم اللهُ(٧) . (٢٤٤٤)، والنسائي في الكبرى (٢٨٤٧، ٢٨٤٨، ١١١٧٣)، وابن ماجه (١٧٣٤). = (١ - ١) في الأصل، (م): ((تأكيد لقوله)). (٢) بعده في (ك٢): ((به)). (٣) ينظر: إكمال المعلم (٣٣٧/٧). (٤) في الأصل، (م): ((فلذلك)). (٥) في (٢٥): ((ترجيح)). (٦) الترمذي (٢٠٩٥)، وابن ماجه (٢٧٣٩). (٧) ينظر: المفهم (١٧٦/٦). كِتَابُ النَّكَاح ٣٣١ (٧/ ٢م) كِتَابُ النِّكَاحِ(١) الحديثُ الأولُ عن عَلَقَمَةَ قال: كُنت أمشِي مَعَ عَبدِ الله بِمنى، فَلَقِيَهُ عُثمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدَّثُهُ فقال لَهُ عُثمَانُ: يَا أبَا عَبدِ الرَّحمَنِ ألا نزَوِّجُك (٢) جَارِيَةً شَابَّةً لَعلها أن تُذَكِّرَكَ مَا مَضَى من زَمَانِك، فقال عَبدُ الله: أمَا لَئِن قُلتَ ذَلِكَ (٣) لَقَد قال لَنَا رسولُ اللهِ وَّهِ: «يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ، مَن استَطَاعَ منكم البَاءَةَ فَلَيَتَزَوجِ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ (٤) لِلبَصَرِ وأحصَنُ لِلفَرجِ، ومَن لَم يَستَطِعِ فَعليه بِالصَّومِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)». فيه فوائدُ: ■ الأولى: أخرجهُ الأَئِمَّةُ الستةُ (٥) خَلَا التِّرمِذِيَّ من هَذَا الوجه من رِوايَةٍ الأعمَشِ، عن إبرَاهيمَ، عن عَلقَمَةَ. وفي رِوايَةٍ للنسائيِّ(٦) ذَكَرَ الأسودَ مَعَهُ أيضًا وقال: إنَّهُ غَيرُ مَحفُوظ. وأخرجهُ الشيخانِ، والتِّرمِذِيُّ، والنسائيُّ(٧) من رِوايَةٍ الأعمَشِ، عن عُمَارَةَ بنِ عُمَيرٍ، عن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ يَزِيدَ النَّخَعِيّ، عن ابنِ مَسعُودٍ؛ فَكَانَ لِلأعمَشِ فيه إسنَادَانٍ، وقَد كَانَ واسِعَ الرِّوايَةِ. ولَيسَ هَذَا (١) من أول هنا خرم في (ش). (٢) في الأصل، (م): ((أزوجك)). والثبت موافق لمصادر التخريج. (٤) في الأصل: ((أحض)). (٣) في (ك): ((ذا)) . (٥) البخاري (١٩٠٥، ٥٠٦٥)، ومسلم (١/١٤٠٠)، وأبو داود (٢٠٤٦)، وابن ماجه (١٨٤٥)، والنسائي (٢٢٣٩، ٣٢١١). (٦) النسائي (٢٢٤٠، ٣٢٠٨). (٧) البخاري (٥٠٦٦)، ومسلم (٣/١٤٠٠)، والترمذي (١٠٨١)، والنسائي (٢٢٣٨). = ٣٣٢ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ اختِلَافًا عليه ورَواهُ النسائيّ(١) من رِوايَةِ أبي [١٣٤/٢ظ] مِعشَرٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلقَمَةَ قال: كُنتِ مَعَ ابنِ مَسعُودٍ وهو عِندَ عُثمَانَ: فقال عُثمَانُ: خَرج رسولُ اللهِ وَّ؛ يعني(٢)، على فِتِيَةٍ فقال: ((مَن كَانَ منكُمْ ذَا طَولٍ فَلَيَتَزَوجِ))، الحديثَ. جَعلهُ من مُسنَدٍ عُثمَانَ، والمَعرُوفُ: أنَّهُ من مُسنَدِ ابنِ مَسعُودٍ. ■ الثَّانِيَةُ: في قَولِ عُثْمَانَ لِابنِ مَسعُودٍ ﴿يَ: لَأَزَوِّ جَنَّكَ(٣) جَارِيَةٌ شَابَّةً إلى آخِرِهِ، فيه استِحِبَابُ عَرضِ الصَّاحِبِ هَذَا على صَاحِبه الذِي لَيسَتِ لَهُ زَوجَةٌ بهذِه الصِّفَةِ، وهو صَالِحٌ لِلتَّزوِيجِ(٤) بها. وفيه استِحِبَابُ نِكَاحِ الشَّابَّةِ؛ لِأنَّها المُحَصِّلَةُ لِمَقَاصِدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّها أَلَذُّ استِمتَاعًا، وأطيَبُ نَكهَةً، وأرغَبُ في الاِستِمتَاعِ الذِي هو مَقصُودُ النِّكَاحِ، وأحسَنُ عِشرَةً، وأفكَهُ(٥) مُحَادَثَةً، وأجمَلُ مَنظَرًا، وأليَنُ مَلمَسًا، وأقرَبُ إلى أن يُعَوِّدَها(٦) زَوجُها الأخلاقَ التي يَرتَضِيها. وفي رِوايَةٍ: جَارِيَةً بِكرًا، وهو دَلِيلٌ على اسْتِحِبَابِ البِكرِ وتَفْضِيلِها على الثَّيْبِ، وقَد صَرَّحَ به الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم. وقَولُهُ: (لَعلها أن تُذَكِّرُك مَا مَضَى من زَمَانِك)»، مَعنَاهُ: تتذَكَّرُ(٧) بها مَا مَضَى من نَشَاطِك وقُوةٍ شَبَابِك وغُلمَتِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْعِشُ البَدَنَ(٨)، وفي رِوايَةٍ أخرَى في ((الصَّحِيحِ)): لَعلها تُرجِعُ إلَيك مَا كُنت تَعهَدُ من نَفسِك، وكَانَ عَبدُ الله ◌َظَهُ قَد قَلَّتِ رَغبَتُهُ في النِّسَاءِ، إِمَّا لِلِاِشْتِغَالِ بِالعِبَادَةِ، وإمَّا لِلسِّنِّ، وإمَّا لِمَجْمُوعِهِمَا، فَحَرَّكَهُ عُثْمَانُ رَهُ بِذَلِكَ(٩). ■ الثَّالِثَةُ: قَولُهُ: (يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ)) قال أهلُ اللُّغَةِ: المَعشَرُ: الطَّائِفَةُ الذِينَ يَشمَلُهُم وصفٌ، فَالشَّبَابُ مَعشَرٌ، والشُّيُوخُ مَعشَرٌ، والأنبياءُ مَعشَرٌ، والنِّسَاءُ النسائي (٢٢٤٢). (١) ليست في (م). وكتبت في الأصل، (ح) بعد الكلمة التي تليها. (٢) (٣) في الأصل، (م): ((لأزوجنك» (٤) في (ك٢، ح): (للتزوج)). (٥) في (ح): ((وأقله)). (٦) في (ك٢): ((يعودنها)). في الأصل، (م): ((تذكر)). (٧) (٨) في (ك٢): ((البدل)). (٩) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٤/٩). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٣٣ مَعشَرٌ وَكَذَا مَا أَشَبَهَهُ، و((الشَّبَابُ)) جَمعُ شَابٍّ، ويُجمَعُ أيضًا على شُبَّانٍ بِضَمِّ الشِّينِ وتَشدِيدِ البَاءِ وآخِرُهُ نُونٌ، وشَبيبَةٌ (١)، والشَّابُّ عِندَ أصحَابِنَا: هو مَن بَلَغَ ولَم يُجَاوِز ثَلاثِينَ سَنَةً، وإنَّمَا خَصَّ الشَّبَابَ بِالمُخَاطَبَةِ؛ لِأنَّ الغَالِبَ قُوةُ الشَّهوةِ فيهم بِخِلَافٍ الشُّيُوخِ والكُهولِ، لَكِنَّ المَعنَى مُعتَبَرٌ إذَا وُجِدَ في حَقِّ هَؤُلَاءٍ أيضًا (٢). ■ الرَّابِعَةُ: في ((البَاءَةِ)) أرَبَعُ لُغَاتٍ؛ حَكَاها القَاضِي عِيَاضٌ وغَيرُهُ(٣): الفَصِيحَةُ المَشهورَةُ: ((البَاءَةُ)) بِالمَدِّ والهاءِ. والثَّانِيَةُ: البَاهُ بِلَا مَدِّ. والثَّالِئَةُ: البَاءُ بِالمَدِّ بِلَا هاءٍ. والرَّابِعَةُ: البَاهَةُ بهاءَينٍ بِلَا مَدِّ، وأصلُها في اللُّغَةِ الجِمَاعُ؛ مُستَقَّةٌ من المَبَاءَةِ، وهو المَنزِلُ ومنهُ: مَبَاءَةُ الإِبِلِ وهيَ مَواطِنُها، ثُمَّ قِيلَ: لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاءَةً؛ لِأنَّ مَن تَزَوجَ امرَأةً بَوأها مَنزِلًا . ■ الخَامِسَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ في المُرَادِ بِـ((البَاءَةِ)) هُنَا على قَولَيْنِ يَرجِعَانِ إلى مَعنّى واحِدٍ: أصَخُّهُمَا: أنَّ المُرَادَ مَعنَاها اللُّغَوِيُّ وهو الجِمَاعُ، فَتَقَدِيرُهُ مَن استَطَاعَ منكُم الجِمَاعَ لِقُدَرَتِه على مُؤَنِه، وهيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلَيَتَزَوجِ، ومَن لَم يَستَطِعِ الجِمَاعَ لِعَجزِه عن مُؤَنِهِ، فَعليه بِالصَّومِ لِيَدْفَعَ (٢٤/٧) شَهوتَهُ ويَقطَعَ شَرَّ مَنِيِّه كَمَا يَقطَعُهُ الوِجَاءُ. وعلى هَذَا القَولِ وقَعَ الخِطَابُ مَعَ الشَّبَابِ الذِينَ هُم مَظِنَّةُ شَهوةِ النِّسَاءِ، ولَا يَفْكُّونَ(٤) عنها غَالِيًا. والقَولُ الثَّانِي: أنَّ المُرَادَ هُنَا بِـ((البَاءَةِ) مُؤَنُ النِّكَاحِ، سُمِّيَت بِاسمِ مَا يُلَازِمُها، وتَقدِيرُهُ: مَن استَطَاعَ منكُم مُؤَنَ النِّكَاحِ فَلَيَتَزَوجِ، ومَن لَم يَستَطِعها، فَلَيَصُم لِيَدِفَعَ شَهوتَهُ. والذي(٥) حَمَلَ القَائِلِينَ بهذَا على ذَلِكَ: أنَّهُ عليه الصَّلَاةُ (١) في (ك٢، ح): ((وشببة)). (٢) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٢/٩، ١٧٣). (٣) إكمال المعلم (٥٢٢/٤)، وينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٣/٩). (٤) في (ح): ((ينفكون)). (٥) في (ك٢): ((والذين)). ٣٣٤ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ والسَّلامُ قال: ((ومَن لَم يَستَطِعِ، فَعليه بِالصَّوم)(١). قالوا (٢): والعَاجِزُ عن الجِمَاعِ لَا يَحتاجُ إلى الصَّومِ لِدَفع الشَّهوةِ، فَلِذَلِكَ حَمَلنَا البَاءَةَ على المُؤَنِ. وأجَابَ الأولُونَ بِمَا تَقَدَّمَ في القَولِ الأولِ، وهو: أنَّ تَقدِيرَهُ: ومَن لَم يَستَطِعِ الجِمَاعَ لِعَجِزِهِ عن مُؤَنِهِ، وهو مُحتَاجٌ إلى الجِمَاعِ فَعليه بِالصَّومِ، واللهُ أعلمُ. ■ السَّادِسَةُ: فيه الأمرُ بِالنِّكَاحِ لِمَن تَاقَت(٣) إِلَيه (٤) نَفْسُهُ، واستَطَاعَهُ(٥) بِقُدَرَتِه على مُؤَنِه، وهَذَا مُجمَعٌ عليه، لَكِنَّهُ عِندَ جُمهورِ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ والخَلَفِ على طَرِيقِ الاِسْتِحِبَابِ دُونَ الإِيجَابِ، فَلَا يَلزَمُهُ التَّزَوُّجُ، وَلَا التَّسَرِّي سَواءٌ خَافَ العنتَ أم لا، كَذَا [١٣٥/٢و] حَكَاهُ النَّووِيُّ (٦) عن العُلَمَاءِ كَافَّةٌ، ثُمَّ قال: ولَا نَعلَمُ أحَدًا أوجَبَهُ إلا دَاوُد ومَن وافَقَهُ من أهلِ الظَّاهِرِ، ورِوايَةً عن أحمَدَ، فَإِنَّهُم قَالُوا: يَلزَمُهُ إذَا خَافَ العنتَ أن يَتَزَوجَ أو يَتَسَرَّى قَالُوا: [وإنَّمَا يَلَزَمُهُ في العُمُرِ مَرَّةٌ واحِدَةً](٧)، ولَم يَشتَرِطِ بَعضُهُم ◌َخَوفَ العنتِ، قال أهلُ الظَّاهرِ: إِنَّمَا يَلزَمُهُ التَّزَوُجُ فَقَطْ وَلَا يَلزَمُهُ الوطءُ، انتهى. وفيه نَظَرٌ، فَهَذَا الذِي ذَكَرَ أنَّهُ رِوايَةٌ عن أحمَدَ هو المَشهورُ من مَذْهَبه، وظَاهرُ كَلَامِ أصحابه تَعَيُّنُ النِّكَاحِ، وعنهُ رِوايَةٌ أخرَى بِوُجُوبِه مُطلَقًا وإن لَم يَخَف العنتَ، كَمَا حَكَاهُ النَّوِيُّ عن بَعضِهم. وعِبَارَةُ ابنِ تَيْمِيَّةَ في ((المُحَزَّرِ)) (٨): النِّكَاحُ التائقُ(٩) سُنَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على نَفلِ العِبَادَةِ، إلا أن يَخشَى الزِّنَا بِتَركِه فَيَجِبُ، وعنهُ يَجِبُ عليه مُطلَقًا. انتَهَى. والوُجُوبُ عِندَ خَوفِ العنتِ وجهٌ في مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عن (١) ينظر: شرح النووي على مسلم (١٧٣/٩). (٣) في (م): ((اشتاقت)). (٢) زيادة من: (ك٢، ح). (٤) ليست في (ك). (٥) في الأصل، (ح): ((واستطاعته)). شرح النووي على مسلم (١٧٣/٩). (٦) ما بين المعكوفين كتب في (م) بعد نهاية كلام النووي. (٧) (٨) المحرر (١٣/٢). (٩) في (م): ((السابق)). وعبارة المحرر: ((النكاح للتائق ... )). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٣٥ = ((شَرحِ مُختَصَرِ الجُوينِيِّ))(١)، وقال النَّوِيُّ في ((الرَّوضَةِ))(٢): هَذَا الوجهُ لَا يُحَتِّمُ النِّكَاحَ، بَل يُخَيِّرُ بَينَهُ وبَيْنَ التَّسَرِّي ومَعنَاهُ ظَاهرٌ. انتَهَى. وجَزَمَ به أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبي(٣) وهو من المَالِكِيَّةِ، بَلِ زَادَ فَحَكَى الإِتِّفَاقَ عليه؛ فَإِنَّهُ قال: إنَّا نَقُولُ بِمُوجَبٍ هَذَا الحديثِ في حَقِّ الشَّابِّ المُستَطِيعِ الذِي يَخَافُ الضَّرَرَ على نَفسِه ودِينِهِ من العُزبَةِ، بِحَيثُ لَا يَرتَفِعُ عنهُ إلا بِالتَّزوِيجِ، وهَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي وُجُوبٍ التَّوِيجِ عليه. انتَهَى ونَقُلُهُ الإِتِّفَاقَ على ذَلِكَ مَردُودٌ، لَكِن يُقَلَّدُ فِي نَقْلِ مذهبه في ذَلِكَ (٧/ ٥م)، وبه يَحصُلُ الرَّدُّ على النَّوِيِّ فِي كَلَامِهِ المُتَقَدِّمِ. ولَم يُقَيِّد ابنُ حَزْمٍ ذَلِكَ بِخَوفِ العنتِ. وعِبَارَتَهُ في ((المُحَلَى)) (٤): وفُرِضَ على كُلِّ قَادِرٍ على الوطءِ إن وجَدَ أن يَتَزَوجَ أو يَتَسَرَّى أن يَفعل أحَدَهُمَا، فَإن عَجَزَ عن ذَلِكَ فَليُكثِر من الصَّومِ، ثُمَّ قال: وهو قَولُ جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في ((شَرحِ العُمدَةِ»(٥): قَسَّمَ بَعضُ الفُقَهاءِ النِّكَاحَ إلى الأحكَامِ الخَمسَةِ؛ أعنِي: الوُجُوبَ والنَّدبَ والتَّحرِيمَ والكَرَاهَةَ والإِبَاحَةَ، وجَعل الوُجُوبَ فيمَا إذَا خَافَ العنتَ وقَدَرَ على النِّكَاحِ إلا أنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ واجِبًا، بَل إمّا هو وإمَّا التَّسَرِّي وإن تَعَذَّرَ النَّسَرِّي تَعَيَّنَ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ لِلوُجُودِ لَا لِأصلِ الشَّرِيعَةِ. انتَهَى. وكَانَ هَذَا التَّقِيمُ لِبَعضِ المَالِكِيَّةِ. وقَد حَكَاهُ أبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٦) عن بَعضِ عُلَمَائِهِم وقال: إنَّهُ واضِحٌ. وقال القَاضِي أَبُو سَعدِ الهَرَوِيُّ من الشَّافِعِيَّةِ (٧): ذَهَبَ بَعضُ أصحَابِنَا بِالعِرَاقِ إلى أنَّ النِّكَاحَ فَرِضُ كِفَايَةٍ، حَتَّى لَو امتَنَعَ منهُ أهلُ قُطرِ أجبِرُوا عليه، ثُمَّ قال القُرطبي(٨): وصَرَفَ الجُمهورُ الأمرَ هُنَا عن ظَاهِرِهِ لِشَيئَينِ: أحَدُهُمَا: أنَّ اللهَ تعالى قَد خَيَّرَ بَيْنَ التَّزوِيجِ والتَّسَرِّي بِقَولِه تعالى: (١) اسمه: ((سلسلة فِي الفروع المعتصر في مختصر المختصر للمزني في الفروع)). ينظر: هدية العارفين (٤٥١/١)، وكشف الظنون (١٢٨٢/٢، ١٦٢٦). (٢) روضة الطالبين (٣٦٤/٥). (٣) المفهم (٤/ ٨٢). (٤) المحلى (٤٤٠/٩). (٥) إحكام الأحكام (ص٥٦٩). (٦) المفهم (٨٢/٤). (٧) روضة الطالبين (٣٤٦/٥). (٨) المفهم (٤ / ٨٢، ٨٣)، وينظر: المعلم بفوائد مسلم (٣٨٧/١، ٣٨٨). = ٣٣٦ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ ﴿فَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَلِ﴾ [النساء: ٣]، ثُمَّ قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتَكُمْ﴾ [النساء: ٣] والتَّسَرِّي لَيسَ بِواجِبٍ إجمَاعًا، فَالنِّكَاحُ لَا يَكُونُ واجِبًا؛ لِأِنَّ التَّخِيرَ بَيْنَ الواجِبِ وغَيرِهِ يَرفَعُ وُجُوبَ الواجِبِ، وبَسطُ هَذَا في الأصُولِ، وسَبَقَهُ إلى هَذَا المَازَرِيُّ. وفيه نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عن أهلِ الظَّاهِرِ وَغَيرِهم من التَّخِيرِ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَصِحُّ مَا حَكَاهُ(١) من الإجمَاعِ. ثُمَّ قال القُرطُبي: وثَانِيهمَا: قَوله تعالى: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِتُونَ ﴾َ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]. ولا يُقَالُ في مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ الواجِبِ: إنَّ فَاعِلَهُ غَيرُ مَلُوم، قال: ثُمَّ هَذَا الحديثُ لَا حُجَّةَ لَهُم فيه لِوجهَينِ: أحَدُهُمَا: أنَّا نَقُولُ بِمُوجِبه في حَقِّ الشَّابِّ المُستَطِيعِ الذِي يَخَافُ الضَّرَرَ من العُزِبَةِ، ولَا يَخَلِفُ في وُجُوبِ التَّزوِيجِ عليه، وقَد تَقَّدَّمَ حِكَايَتُهُ عنهُ، ورَدُّ نَقلِهِ الاِتِّفَاقَ، ثُمَّ قال: والثَّانِي: أنَّهُم قَالُوا: إِنَّمَا يَجِبُ العَقْدُ لَا الوطءُ، وظَاهرُ الحديثِ: إِنَّمَا هو الوطءُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحصُلُ شَيءٌ من الفوائدِ التي أرشَدَ إلَيها في الحديثِ من تَحصِينٍ الفَرجِ وَغَضِّ البَصَرِ بِالعَقْدِ وإِنَّمَا يَحصُلُ بِالوطءِ، وهو الذِي يَحصُلُ [١٣٥/٢ظ] رفعُ (٢) الشَّبَقِ إلَيه بِالصَّومِ، فَمَا ذَهَبُوا إِلَيه لَم يَتَنَاولهُ الحديثُ، ومَا تَنَاوِلَهُ الحديثُ لَم يَذْهَبُوا إلَيه. قُلتُ: ومن العَجِيبِ استِدلَالُ الخَطَّابي(٣) به على أن (٤) النِّكَاحِ غَيرُ (٦/٤م) واجِبٍ؛ لِأَنَّ ظَاهرَ الأمرِ الوُجُوبُ، وبِتَقَدِيرِ صَرفِه عن ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا على عَدَم الوُجُوبِ؛ فَأَقَلُّ دَرجاتِهِ أن يَكُونَ قَاصِرَ الدَّلَالَةِ عن الطَّرَفَينِ. ثُمَّ قال القُرطُبي(٥): ولَا حُجَّةَ لَهُم في قوله تعالى: ﴿فَأَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَآَمِ﴾ [النساء: ٣]؛ لِأِنَّهُ قَصَدَ به بَيَانَ مَا يَجُوزُ الجَمعُ بَينَهُ من أعدَادِ النِّسَاءِ، لَا بَيَانَ (١) في (ك٢): ((حكياه)). معالم السنن (٣/٣). (٣) (٥) المفهم (٤/ ٨٣). (٢) في (م، ٢٥): ((دفع)). (٤) ليس في (م). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٣٧ حُكم أصلِ القَاعِدَةِ، ولَا حُجَّةَ لَهُم في قوله تعالى(١): ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَعَى مِنْكُمْ وَالصَِّينَ مِنْ عِبَادِكُ وَإِمَّبِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فَإِنَّهُ أمرٌ لِلأولِيَاءِ بِالإنكاح، لا(٢) لِلأزواجِ بِالنِّكَاحِ. انتَهَى. ولَم يَقُل أحَدٌ بِوُجُوبه على النِّسَاءِ. وقَد صَرَّحَ بِذَلِكَ ابنُ حَزم(٣) فقالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ فَرِضًا على النِّسَاءِ لِقَولِه تعالى: ﴿وَالْقَوَعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِ لَا يَرْجُونَ نِكَامًا﴾ [النور: ٦٠]. وقال أبُو إسحَاقَ الشِّيرَازِيُّ صَاحِبُ ((التَّنبيه))(٤): إِنَّ النِّكَاحَ لِلنِّسَاءِ مُستَحَبٌّ عِندَ الحَاجَةِ ومَكرُوهٌ عِندَ عَدَمِها. وقال الشَّيخُ عِمَادُ الدِّينِ الزَّنجَانِيُّ في ((شَرحِ الوجِيزِ)) المُسَمَّى بِـ((المُوجَزِ)): لَم يَتَعَرَّض الأصحَابُ لِلِنِّسَاءِ، والذي يَغْلِبُ على الّنِّ أنَّ النِّكَاحَ في حَقِّهنَّ أولى مُطلَقًا؛ لِأَنَّهُنَّ يَحتَجنَ إلى القِيَامِ بِأمُورِهِنَّ والتَّسَتُّرِ عن الرِّجَالِ، ولَم يَتَحَقَّق في حَقِّهنَّ الضَّرَرُ النَّاشِئُ من النَّفَقَةِ. السَّابِعَةُ: قَولُهُ: ((فَإِنَّهُ أَغَضُ لِلبَصَرِ))؛ أي: أشدُّ(٥) غَضَّا لَهُ. وقَولُهُ: ((وأحصَنُ لِلفَرج))؛ أي: أشَدُّ إحصَانًا لَهُ ومَنعًا عن الوُقُوع في الفَاحِشَةِ، وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ (٦): يَحتَمِلُ أمرَينِ: أحَدُهُمَا: أن يَكُونَ ((أَفعَلُ)) فيه مِمَّا يُستَعمَلُ لِغَيرِ المُبَالَغَةِ. والثَّانِي: أن يَكُونَ على بَابها؛ فَإِنَّ التَّقوى سَبَبٌ لِغَضِّ البَصَرِ وتَحصِينٍ الفَرجِ، وفي مُعَارَضَتِها الشَّهوةَ والدَّاعِي إلى النِّكَاحِ وبَعدَ النِّكَاحِ يَضعُفُ هَذَا المُعَارِضُ، فَيَكُونُ أَغَضَّ لِلبَصَرِ وأحصَنَ لِلفَرجِ مِمَّا إِذَا لَم يَكُن، فَإِنَّ وُقُوعَ الفِعلِ مَعَ ضَعفِ الدَّاعِي إلى وُقُوعِه أندَرُ من وُقُوعِه مَعَ وُجُودِ الدَّاعِي. ■ الثَّامنةُ: قَد عَرَفت أنَّ قَولَهُ: ((ومَن لَم يَستَطِع))؛ أي: مُؤَنَ النِّكَاحِ أو نَفْسَ النِّكَاحِ لِعَجزِه عن المُؤَنِ؛ أي: مَعَ تَوقَّانِهِ إِلَيه، فَهَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالنِّكَاحِ، بَل يُفهَمُ من الحديثِ أنَّهُ يُطلَبُ منهُ تَركَهُ لِكَونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلَامُ أرشَدَ (٧) إلى مَا (١) ما بين المعكوفين ليس في (ك). (٣) المحلى (٩/ ٤٤١). (٥) في (م): ((أشهد)). (٧) في (ك٢، ح): ((أرشده)). (٢) ليست في الأصل، وفي (م): ((و)). (٤) التنبيه (ص١٥٧). (٦) إحكام الأحكام (ص٥٦٩، ٥٧٠). = ٣٣٨ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ يُنَافيه ويُضعِفُ دَواعِيه، وهو الصَّومُ. وقَد صرح(١) أصحَابُنَا: بِأَنَّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ يُستَحَبُّ لَهُ تَركُ النِّكَاحِ. وزَادَ النَّوِيُّ في ((شَرحِ مُسلِمٍ))(٢) فَذَكَرَ أنَّ النِّكَاحَ لَهُ مَكَرُوهٌ، وهو أبلَغُ في طَلَّبِ التَّركِ. ومُقْتَضَى كَلَامِ الحَنَابِلَّةِ استِحِبَابُ النِّكَاحِ لِلنَّائِقِ من غَيرِ اعتِبَارِ (٣) القُدَرَةِ على المُؤَنِ، وقَد (٧/ ٧م) تَقَدَّمَتِ عِبَارَةُ ابنِ تَيمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ)) في ذَلِكَ. وكَانَ شَيخُنَا الإِمَامُ البُلقِينِيُّ كَتُهُ يَقُولُ: الذِي يَدُلُّ لَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ تَخْتُ أَنَّهُ إِن كَانَ تَائِقًا استُحِبَّ لَهُ، والا فَهو مُبَاحٌ. لَم يَقُل بِأنَّهُ مُستَحَبٌّ ولَا مَكَرُوهٌ، وهيَ طَرِيقَةُ أكثَرِ العِرَاقِّينَ. انتَهَى. وقال الغَزّالِيُّ في ((الإحيَاءِ) (٤): مَن اجتَمَعَ لَهُ فوائدُ النِّكَاحِ من النَّسلِ والتَّحصِينِ وغَيرِهمَا، وانتَفَت عنهُ آفَاتُهُ من تَخلِيطِ في الكَسبِ، وتَقْصِيرٍ فِي حَقِّهنَّ استُحِبَّ لَهُ، وعَكسُهُ العُزْلَةُ لَهُ أفضَلُ، فَإِن اجتَمَعَا اجتَهَدَ وعُمِلَ بِالرَّاجِحِ. ■ التَّاسِعَةُ (٥): مُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ أنَّ الحديثَ لَم يَتَنَاول غَيرَ الثَّائِقِ قَادِرًا على المُؤَنِ كَانَ أو عَاجِزًا عنها، فَأمَّا غَيرُ التَّائِقِ: فَإِنَّهُ مَسكُوتٌ عنهُ في الحديثِ، ويَدخُلُ تَحتَهُ حَالَتَانِ: إِحدَاهُمَا: أن يَكُونَ عَاجِزًا عن النِّكَاحِ لِعِلَّة؛ كَهَرَمٍ، أو مَرَضٍ دَائِمٍ، أو تَعِنِينٍ، فَهَذَا يُكرَهُ لَهُ النِّكَاحُ. الثَّانِيَةُ: أن لَا يَكُونَ عَاجِزًا، وهَذِهِ الحَالَةُ يَدخُلُ تَحتَها صُورَتَانِ: إِحدَاهُمَا: أن يَكُونَ فَاقِدًا لِمُؤَنِ النِّكَاحِ، فَيُكرَهُ لَهُ أيضًا. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أن يَقدِرَ على المُؤَنِ، فَلَا يُكرَهُ لَهُ النِّكَاحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لَكِنَّ التَّخَلِّي لِلعِبَادَةِ أفضَلُ، فَإِن لَم يَتَعَبَّد [١٣٦/٢ و] فَالنِّكَاحُ لَهُ أفضَلُ، هَذَا هو المَشهورُ من مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ وغَيرِه، وذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وبَعضُ الشَّافِعِيَّةِ، والمَالِكِيَّةِ إلى أنَّ النِّكَاحَ لَهُ أفضَلُ مُطلَقًا. وأطلَقَ الحَنَابِلَةُ أنَّ غَيرَ التائق(٦): إمّا خِلقَةً أو لِكِبَرٍ أو غَيرِهِ يَكُونُ النِّكَاحُ في حَقِّه مُبَاحًا، وعن أحمَدَ رِوايَةٌ: (١) في (م): ((أجمع)). (٣) مكررة في (ح). (٥) ينظر: روضة الطالبين (٣٦٣/٥). (٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٧٤). (٤) إحياء علوم الدين (٣٤/٢). (٦) في (م): ((القادر)). كِتَابُ النِّكَاحِ ٣٣٩ كم = أنَّهُ مُستَحَبٌّ. وقَد اشتَهَرَ عن الشَّافِعِيَّةِ: أنَّ النِّكَاحَ لَيسَ عِبَادَةً. وعن الحَنَفيةِ أنَّهُ عِبَادَةٌ، واستَثنَى الإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ من الخِلَافِ نِكَاحَ النبيّ ◌َّه قال: فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ قَطعًا. قال: ومن فوائدِه نَقلُ الشَّرِيعَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِمَا لَا يَطَّلِعُ عليه الرِّجَالُ، ونَقلُ مَحَاسِنِهِ البَاطِنَةِ فَإِنَّهُ مُكَمِّلُ الظّاهِرِ والبَاطِنِ. ■ العَاشِرَةُ: قَولُهُ: ((فَعليه بِالصَّومِ)، قال المَازَرِيُّ(١): فيه إغرَاءٌ بِالغَائِبِ، ومن أصُولِ النَّحوِيِّينَ أن لَا يُغرِيَ بِغَائِبٍ، وقَد جَاءَ شَاذًّا قَولُ بَعضِهم: عليه رَجُلًا لَيسَنِي على جِهَةِ الإغرَاءِ. قال القَاضِي عِيَاضٌ(٢): هَذَا الكَلَامُ مَوجُودٌ لِابنِ قُتَيبَةَ والزَّجَّاجِيِّ وبعضهم(٣)، ولَكِن(٤) على قَائِلِهِ أغَالِيطُ ثَلَاثَةٌ: أولُها: قَولُهُ: لَا (٥) يَجُوزُ الإغرَاءُ بِالغَائِبِ، وصَوابُهُ إغرَاءُ الغَائِبِ، فَأمَّا الإِغْرَاءُ بِالغَائِبِ فَجَائِزٌ، وهَذَا (٦) نَصُّ أبي (٧) عُبَيَدَ(٨) فِي هَذَا الحديثِ، وكَذَا كَلَامُ سِيَبَويه ومَن بَعدَهُ من أئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ: وثَانِيها(٩): عدّ (١٠) قَولِهم (١١) عليه رَجُلًا لَيسَنِي من إِغْرَاءِ الغَائِبِ، وقَد جَعلهُ سِيبَويه (٢٨/٧) والسِّيرَافي منهُ، وَرَواهُ شَاذًّا. والذي عِندِي أنَّهُ لَيسَ المُرَادُ بها حَقِيقَةَ الإغرَاءِ، وإِن كَانَت صُورَتَهُ، فَلَم يُرِدِ هَذَا القَائِلُ تَبَلِيغَ هَذَا الْغَائِبِ، ولَا أمرَهُ بِإِلَزَامٍ غَيرِهِ، وإِنَّمَا أَرَادَ الإخبَارَ عن نَفسِه بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالغَائِبِ، وأنَّهُ غَيرُ مُتَأتِّ لَهُ مِنْهُ مَا يُرِيدُ فَجَاءَ بهذِهِ الصُّورَةِ، يَدُلُّ(١٢) على ذَلِكَ ونَحوِهِ قَولُهُم: إلَيك عني؛ أي: اجعَل شُغلَك بِنَفسِك عني، ولَم (١٣) يُرِد أن يُغْرِيَهُ به، وإنَّمَا مُرَادُهُ: دَعنِي وكُنْ كَمَن شُغِلَ عني. المعلم (٣٨٩/١). (١) ليست في (م، ك٢). (٣) ليست في (ك٢). وزاد بعده في (م): ((فيه)). (٤) (٥) في (٢٥): ((ولا)). (٧) في (ك٢، ح): ((أبو)). (٩) في (ك): ((ثانيهما)). (١١) في (م): ((قوله)). (١٣) في (ك): ((وإن لم)). (٢) إكمال المعلم (٥٢٤/٤). (٦) في (ك٢، ح): ((وكذا)). (٨) في (م): ((عبيدة)). (١٠) في (م، ك٢): ((عند)) (١٢) في (م، ك٢): ((تدل)). ٣٤٠ طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ وثَالِثُها: عَدُّهُم هَذِهِ اللفظَةَ في الحديثِ من إغرَاءِ الغَائِبِ. [والصواب: أنه ليس فيه إغراء الغائب](١) جُملَةً، والكَلَامُ كُلُّهُ لِلحُضُورِ الذِينَ خَاطَبَهُم بِقَولِه: ((مَن استَطَاعَ منكُمُ البَاءَةَ)(٢)، فَإِنَّها هُنَا لَيسَتِ لِلغَائِبِ، وإِنَّمَا هيَ لِمَن خُصَّ من الحَاضِرِينَ بِعَدَمِ الاِسْتِطَاعَةِ؛ إذ لَا يَصِحُّ خِطَابُهُ بِكَافِ (٣) الخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَتَعَيَّن مِنْهُم ولِإِبهامِه بِلَفظَةِ: (مَن)) وإن كَانَ حَاضِرًا. وهَذَا كَثِيرٌ في القُرآنِ كَقَولِه تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾(٤) إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وكَقَولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤] وكَقَولِه: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا﴾ [الأحزاب: ٣١]، فَهَذِه الهاءَاتُ كُلُّها ضَمَائِرُ لِلحَاضِرِ لَا لِلغَائِبِ، ومِثْلُهُ لَو قُلْتَ لِرَجُلَيْنِ: مَن قَامَ الآنَ منْكُمَا فَلَهُ دِرهَمٌ، فَهَذِه الهاءُ لِمَن قَامَ من الحَاضِرِينَ، انتَهَى كَلَامُ القَاضِي. وعُدَّ الحديثُ في (٥) هَذَا المِثَالِ من إغرَاءِ الغَائِبِ بِاعتِبَارٍ (٦) اللفظِ، وإنكَارُ القَاضِي ذَلِكَ بِاعتِبَار المَعنَى، وأكثَرُ كَلَامِ العَرَبِ بِاعْتِبَارِ اللفظِ. ■ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فيه إرشَادُ التَّائِقِ إلى النِّكَاحِ، العَاجِزِ عن مُؤَنِه إلى الصَّومِ؛ وَذَلِكَ لِمَا فيه من كَسرِ الشَّهوةِ؛ فَإِنَّ شَهوةَ النِّكَاحِ تَابِعَةٌ لِشَهوةِ الأكلِ، تَقوى بِقُوتِها، وتَضعُفُ بِضَعفِها، وفيه أنَّ الصَّومَ بهذَا القَصدِ صَحِيحٌ يُثَابُ(٧) عليه . ■ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الوِجَاءُ بِكَسرِ الواوِ وبِالجِيمِ مَمْدُودٌ، وحَكَى أَبُو العَبَّاسِ القُرطُبي (٨) عن بَعضِهم أنَّهُ قال (٩): وجَى بِفَتحِ الواوِ والقَصرِ، قال: ولَيْسَ بِشَيءٍ؛ لِنَّ ذَلِكَ هو الحَفَاءُ في ذَواتِ الخُفِّ (١٠). انتَهَى. (١) ما بين المعكوفين زيادة من (ك٢، ح). (٢) زاد في (م): ((فليتزوج)). (٣) في (ك٢): ((مكان)). (٥) في (ك٢، ح): ((و)). (٧) في (ك٢، ح): ((مثاب)). بعده في (م): ((له)). (٩) (٤) زاد في (م): ((في القتلى)). (٦) في (ك٢، ح): ((اعتبار)). (٨) المفهم (٤ / ٨٥). (١٠) في الأصل: ((الجف)).