النص المفهرس

صفحات 121-140

=
كم
١٢١
كِتَابُ البُيُوعِ
قُلتُ: ويَرُدُّ هَذَا المَذهَبَ: النَّهِيُّ عن بَيعِ المُشتَرَى جُزَافًا قَبَلَ قَبِضِه، كَمَا
تَقَدَّمَ؛ وعن أحمَدَ رِوايَةٌ أُخرَى: أَن صَبْرَ المَكِيلِ والمَوزُونِ خَاصَّةً؛ كَبِيعِهِمَا كَيلًا
ووزنًا .
القَولُ الرَّابعُ: طَرَدُ ذلك في جَمِيعِ الأشياءِ المَطعُومِ وغَيرِهِ، والمُقَدَّرُ وغَيرُه
لَا يَجُوزُ بَيْعُها قَبلَ قَبِضِها، إلَّ العَقَارَ، لَوبهذَا قال أبو حَنِيفَةَ وأبو يُوسُفَ.
القَولُ الخَامِسُ: مَنعُ (١) المَبِيعِ قَبَلَ القَبضِ مُطلَقًا حَتَّى في العَقَارِ](٢)، وبهذَا
قال الشَّافِعِيُّ، ومُحَمَّدُ (١١٤/٦م) بنُ الحَسَنِ، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وحَكَاه
ابنُ عَبدِ البَرِّ (٣) عن عَبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، وجَابِرِ بنِ عَبدِ الله، وسُفيَانَ الثَّورِيِّ،
وسُفِيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
ويَدُلُّ لِذلك: أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لَمَّا رَوى عن النبيِّ ◌َِِّ: ((أنَّه نَهَى عن بَيع
الطَّعَامِ حَتَّى يُستَوفَى)). قال: ((ولا أحسَبُ كُلَّ شَيءٍ إلَّا مِثْلَه)). رَواه الأَئِمَّةُ
الستةُ (٤)، وهَذَا لَفِظُ البُخَارِيِّ. وَفِظُ مسلم: ((وأحسَبُ كُلَّ شَيءٍ مِثْلَه)). وفي لَفِظٍ
لَه: ((وأحسَبُ كُلَّ شَيءٍ بِمَنزِلَةِ الطَّعَامِ)). وفي لَفِظِ لَه: ((حَتَّى يَقِضَه)). وفي لَفِظِ
لَه: ((حَتَّى يَكْتَالَه)). وكَذلك قال جَابِرٌ(٥)؛ أعني: أنَّ غَيرَ الطَّعَامِ مِثْلُه.
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٦): فَدَلَّ عَلى أنَّهمَا فَهِمَا (٧) عن النبيِّ وَّرِ المُرَادَ
والمَغزَى. وعن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، قال: ((قُلتُ: يَا رَسُولَ الله، إني أشتَرِي بُيُوعًا،
فَمَا يَحِلُّ لِي منها ومَا يَحرُمُ(٨)؟)). فقال: ((إِذَا اشتَرَيت(٩) بَيعًا فَلَا تَبِعه حَتَّى
تَقْبِضَه). رَواه النسائيّ(١٠)، بِاختِلَافٍ في إسنَادِهِ ومَتِهِ، وصَحَّحَه ابنُ حَزْمٍ (١١)،
(١) بعدها في (ك٢): ((بيع)).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٣) التمهيد (٣٣١/١٣).
البخاري (٢١٣٥)، ومسلم (٢٩/١٥٢٥)، وأبو داود (٤٣٩٧)، والترمذي (١٢٩١)،
(٤)
والنسائي (٤٦١٣)، وابن ماجه (٢٢٢٧).
(٥) مسلم (٤١/١٥٢٩).
(٧)
في (ش): («فيهما)).
(٦) التمهيد (٣٣١/١٣).
(٨) في الأصل: ((يحكم)).
(٩) هنا ينتهي الخرم الذي في (ح)، والذي بدأ في الفائدة الأولى.
(١٠) النسائي (٤٦١٥ - ٤٦١٧).
(١١) المحلى (٥١٩/٨).

=
١٢٢
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هَذَا الإسنَادُ، وإن كَانَ فيه مَقَالٌ، فَفيه لِهَذَا المَذهَبِ
استِظهارٌ. ورَوى أبو دَاوُد وغَيُهُ(١) عن عَبدِ الله بن عمرو قال: قال رَسُولُ اللهِ وَهُ:
(لَا يَحِلُّ بَيعُ وسَلَّفٌ، ولَا بَيعُ مَا لَم يُضمَن، ولَا بَيعُ مَا لَيسَ عِندَك)). [وتَقَدَّمَ من
حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ عن رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ((أَنَّه نَهَى أن تُبَاعَ السِّلَعُ حَيثُ تُشتَرَى حَتَّى
يَحُوزَها الَّذِي اشتَرَاها إلى رَحِلِه))](٢).
فَهَذِهِ الأحَادِيثُ حُجَّةٌ لِهَذَا المَذهَبِ [٩٦/٢و] ولِلَّذِي قَبلَه، إِلَّا أنَّ صَاحِبَ
المَذهَبِ المتقدم(٣) استَثَنَى من ذلك العَقَارَ، لِانْتِفَاءِ الغَرَرِ فيه، فَإِنَّ الْهَلَاكَ فيه نَادِرٌ
بِخِلَافِ غَيرِهِ. والله أعلم.
القَولُ السَّادِسُ: جَوازُ البَيعِ قَبلَ القَبضِ مُطلَقًا في كُلِّ شَيءٍ. وبهذا قال
عُثْمَانُ البَتي(٤). قال ابنُ عَبدِ البَرَّ(٥): هَذَا قَولٌ مَرُدُودٌ بِالسُّنَّةِ والحُجَّةِ المُجمِعَةِ
عَلى الطَّعَامِ فَقَط، وأُتُّه لَم يَبلُغه الحديثُ، ومِثلُ هَذَا (٦لَا يُلْتَفَتُ إلَيه٦). وقال
النَّووِيُّ(٧): حكاه (٨) المَازَرِيُّ(٩)، والقَاضِي عِيَاضٌ. ولَم(١٠) يَحْكِه الأكثَرُونَ، بَل
نَقَلُوا الإجمَاعَ عَلى بُطلَانِ بَيعِ الطَّعَامِ المَبِيعِ قَبَلَ قَبِضِه، قَالُوا: وإِنَّمَا الخِلَافُ فيمَا
سِواه، فَهو شَاةٌّ مَترُوٌ.
قُلتُ: وحَكَاه ابنُ حَزمٍ (١١) عن عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَّاحٍ.
القَولُ السَّابِعُ: مَنعُ البَيعِ قَبلَ القَبضِ في القَمحِ مُطلَّقًا، وفي غَيرِهِ إن مَلَكَه
(١) أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦٢٥)، وأحمد (١٧٨/٢).
(٣) في (م)، والأصل: ((الذي قبله)).
(٢) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٤) عثمان بن مسلم البتي، نسبة إلى بيع البتوت، وهي الأكسية الغليظة، أبو عمرو البصري
الفقيه، حدث عن أنس، والشعبي، والحسن، وغيرهم، وثقه أحمد، وابن سعد،
والدارقطني، واختلف قول ابن معين فيه، توفي سنة (١٤٣هـ). تهذيب الكمال
(٤٩٣/١٩).
(٥) التمهيد (٣٣٤/١٣).
(٦ - ٦) ليس في: (ش).
(٨) في (م): ((وحكاه)).
(٧) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٧٠).
(٩) في (ش): ((الماوردي))، والكلام في المعلم (٥٠٤/١)، وإكمال المعلم (١٥٠/٥).
(١٠) في (ش): ((لم)).
(١١) المحلى (٥٢٠/٨).

كِتَابُ البُيُوعِ
١٢٣
=
بِالشِّرَاءِ خَاصَّةً، ويُعتَبَر أيضًا في القَمحِ خَاصَّةً مع القَبضِ، وهو إطلاقُ اليَدِ عَلَيه،
وعَدَمُ الحَيلُولَةِ بَيْنَه وبَيْنَه أن يَنْقُلَه عن مَوضِعِهِ الَّذِي هو فيه إلى مَكَان آخَرَ، فَإن اشتَرَاه
بِكَيلٍ لَم يَحِلَّ لَه بَيعُه حَتَّى يَكْتَالَه، فَإِذَا اكتَالَه حَلَّ لَه بَيْعُه، وإن لَم يَنْقُلُه (١١٥/٦م) عن
مَوضِعِه. وبهذا قال ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(١)، وتَمَسَّكَ في القَمحِ بِحَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ ◌ًِّا:
((أمَّا الَّذِي نَهَى عنه رَسُولُ اللهِوَّهِ أن يُبَاعَ حَتَّى يُقبَضَ فَهو الطَّعَامُ)). وقال: فَهَذَا
تَخصِيصٌ لِلطَّعَامِ في البَيعِ خَاصَّةً وعُمُومٌ لَه بِأَيِّ وجه مِلكِ، واسمُ الطَّعَام في اللغَةِ لَا
يُطلَقُ إلَّا عَلى الْقَمحِ وحَدَه، وإِنَّمَا يُطلَقُ عَلى غَيرِهِ بِإِضَافَةٍ، وَتَمَسَّكَ في غَيرِ القَمحِ
بِحَدِيثِ حَكِيمٍ بِنِ حِزَامِ المُتَقَدِّمِ، وقال: هَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ بَيْعِ ولِكُلِّ ابتياعٍ، والمَذكُورُ
في حَدِيثَي ابنِ عُمَرَ وابنٍ عَبَّاسٍ ﴿هَ، بَعضُ مَا في حَدِيثٍ حَكِيمٍ، فَهو أعَمُّ. ثم
حَكَى مِثلَ قَولِه عن ابنِ عَبَّاسٍ، وجَابٍِ، والحَسَنِ، وابنِ شُبُرُمَةَ.
الرَّابِعَةُ: الَّذِي في الحديثِ مَنعُ البَيعِ قَبلَ القَبضِ، ولَيسَ فيه تَعَرُّضٌ(٢)
لِغَيرِهِ من التَّصَرُّفَاتِ (٣).
وقَد اختَلَفَ العُلَمَاءُ في ذلك عَلى أقوالٍ :
أحَدُها: قَصرُ ذلك عَلى البيع، وتَجوِيزُ غَيرِهِ من التَّصَرُّفَاتِ قَبلَ القَبضِ، قاله
ابنُ حَزمِ الظَّاهرِيُّ(٤) قال: والشَّرِكَةُ والتَّولِيَةُ والإقالةُ كُلُّها بُيُوعٌ مُبْتَدَأَةٌ، لَا يَجُوزُ
في شَيءٍ منها إلَّا مَا يَجُوزُ في سَائِرِ الْبُوعِ.
القَولُ الثَّاني: أنَّ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ في المَنعِ قَبلَ القَبضِ كَالبيع، و(٥) هَذَا هو
الَّذِي فَهمتُه من مَذهَبِ الحَنَابِلَةِ؛ لِإطلاقِ ابنِ تَيْمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ)) (٦) التَّصَرُّفَ من
غَيرِ استِنَاءِ شَيءٍ منه.
(١) المحلى (٥١٨/٨ - ٥٢٢).
(٢) في (ش): ((تعريض)).
(٣)
في الأصل: ((المتصرفات)).
ليست في (ش)، والكلام في المحلى (٢/٩).
(٤)
(٥)
ليس في: الأصل.
(٦) المحرر (٣٢٢/١)، للحنابلة في بيع المبيع قبل قبضه إذا لم يكن طعامًا، روايتان،
أظهرهما جوازه، أما باقي التصرفات فتصح قبل القبض، ينظر: المغني (١٩٠/٦).

١٢٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
القَولُ الثَّالِثُ: طَرَدُ المَنعِ فِي كُلِّ مُعَاوضَةٍ فيها حَقُّ تَوفيةٍ(١) من كَيلٍ أو
شَبَهه، بِخِلَافِ القَرضِ والهبَةِ والصَّدَقَةِ، وهَذَا مَذهَبُ مَالِكِ(٢)، وأرخص في
الإقالةِ والتَّولِيَةِ والشَّرِكَةِ، مع كَونِها مُعَاوضَاتٌ فيها حَقُّ تَوفيةٍ(٣).
قال ابنِ حَزمٍ(٤): واحتَجُوا بِمَا رُوِّيِنَاه من طَرِيقِ عَبدِ الرَّزَّاقِ(٥): قال ابنُ
جُرَيجٍ: أخبَرَني رَبِيعَةُ بنُ أبِي عَبدِ الرَّحمَنِ: أنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ قال(٦) حَدِيثًا
مُستَفَاضًا في المَدِينَةِ: ((مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعه حَتَّى يَقِضَه ويَستَوفيه، إلّا أن
يُشْرَِكَ فيه أو يُولِّيَه أو يُقِيلَه)). وقال مَالِكٌ: إنَّ أهلَ العِلم اجتمع رَأيُهم عَلى أنَّه لَا
بَأسَ بِالشَّرِكَةِ والإقالةِ والتَّلِيَةِ في الطَّعَامِ وغَيرِهِ. يَعني: قَبلَ القَبضِ.
قال ابنُ حَزمٍ: [مَا نَعلَمُ رُوِيَ هَذَا إلَّا عن رَبِيعَةَ وطَاوُسٍ فَقَط، وقَولُه عن
الحَسَنِ فِي الَّولِيَةِ قَد جَاءَ عنه خِلَافُها](٧). قال ابنُ حَزم: وخَبَرُ رَبِيعَةَ [مُرسَلٌ. ولَو
كَانَتِ اسْتِفَاضَةً عن أصلٍ صَحِيحٍ - لَكَانَ الزُّهرِيُّ أولى بِأن يَعرِفَ ذلك من رَبِيعَةَ؛
والزّهرِيُّ](٨) مُخَالِفٌ لَه في ذلك، قال: الثَّولِيَةُ بَيْعٌ في الطَّعَامِ وغَيرِهِ. ثم ذَكَرَ عن
الحَسَنِ أنَّه قال: لَيسَ لَه أن يُولِّيَه حَتَّى يَقْبِضَه. فَقِيلَ لَه: أبِرَأْبِك (٩) تَقُولُه؟ قال:
لا، ولَكِن أخَذَاه عن سَلَفِنَا وأصحَابِنَا. قال ابنُ حَزمٍ: سَلَفُ الحَسَنِ (١١٦/٦م) هم
الصَّحَابَةُ، أدرَكَ منهم خَمسَمِائَةٍ وأكثَرَ، وأصحابُه أَكَابِرُ التَّابِعِينَ، فَلَو أقدَمَ امُرُؤْ
عَلَى دَعوى الإجمَاعِ هِنَا، لَكَانَ أصَحَّ من الإجمَاعِ الَّذِي ذَكَرَه مَالِكٌ تَخَذَتُهُ.
القَولُ الرَّابِعُ: المَنعُ من سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالبَيعِ، إلَّا العِيقَ والإستيلَادَ
[٩٦/٢ظ] والتَّزوِيجَ والقِسمَةَ، هَذَا حَاصِلُ الفَتوى في مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ مع الخِلَافِ
في أكثَرِ الصُورِ .
(١) في (ح): ((يوفيه)).
الكافي لابن عبد البر (٦٦٢/٢، ٦٦٣).
(٢)
في (ك٢): (حتی یوفیه»، في (ح): ((يوفيه)).
(٣)
(٤)
في (م): ((وابن حزم))، والكلام في المحلى (٢/٩).
(٥)
عبد الرزاق (١٤٢٥٧).
(٦) في (م): ((قاله)).
ما بين المعكوفين ليس في: الأصل.
(٧)
(٩) في الأصل: ((أتر أنك)).
(٨) ما بين المعكوفين ليس في: (ح).

=
M
١٢٥
كِتَابُ البُيُّوعِ
وأمَّا الوقفُ: فقال المُتَولِّي في ((التَّتِمَّةِ))(١) إن قُلنَا: إنَّ الوقفَ يَفْتَقِرُ إلى
القَبولِ فَهو كَالبَيعِ، وإلَّا فَهو كَالإعتَاقِ. وبه قَطَعَ المَاوردِيُّ في ((الحَاوِي))(٢)،
وقال: يَصِيرُ قَابِضًا، حَتَّى لَو لَم يَرفَعِ البَائِعُ يَدَه عنه صَارَ مَضِمُونًا عَلَيهِ بِالقِيمَةِ،
فَمَن قَصَرَ المَنعَ عَلى البَيعِ اقتَصَرَ عَلى مَورِدِ النَّصِّ، ومَن عَدَّاه إلى غَيرِهِ
فَبِالقِيَاسٍ، وذلك مُتَوقِّفٌ عَلىَ فَهم العِلَّةِ في ذلك، وُجُودِها في الفَرعِ المَقِيسِ.
والله أعلمُ.
■ الخَامِسَةُ: والذِي في الحديثِ المَنعُ فيمَا مُلِكَ بِالبَيعِ، وهو سَاكِتٌ عَمَّا
مُلِكَ بِغَيرِهِ، ولِلعُلَمَاءِ في ذلك خِلَافٌ أيضًا، قال الشَّافِعِيَّةُ: يَلْتَحِقُ بِالمَمِلُوكِ بِالبَيعِ
مَا كَانَ في مَعنَاه، وهو مَا كَانَ مَضمُونًا عَلى مَن هو في يَدِهِ بِعَقْدِ مُعَاوضَةٍ
كَالأُجرَةِ، والعِوضِ المُصَالَحِ عَلَيه عن المَالِ، وكَذَا الصَّدَاقُ؛ بِنَاءً عَلى أنَّه
مَضمُونٌ عَلى الزَّوجِ ضَمَانَ عَقَدٍ، وهو الأظهَرُ. أمَّا مَا لَيسَ مَضمُونًا عَلى مَن هو
تَحتَ يَدِه؛ كَالودِيعَةِ والإرثِ، أو مَضمُونًا(٣) ضَمَانَ يَدٍ، وهو المَضمُونُ بِالْقِيمَةِ؛
كَالمُستَامِ ونَحوِهِ: فَيَجُوزُ بَيعُه قَبلَ القَبضِ، لِتَمَامِ المِلكِ فيه. ومَذهَبُ أحمَدَ
نَحوُه، قال ابنُ تَيمِيَّةَ في ((المُحَرَّرِ)): وكُلُّ عَينٍ مُلِكَتْ بِنِكَاحِ، أو خُلعٍ، أو صُلحِ
عن دَمِ عَمدًا، أو(٤) عِتقٍ فَهِيَ كَالبَيعِ في ذلك كُلِّه، لَكِن يَجِبُ بِتَلَفِهَا مِثلُها إنّ
كَانَتَ مِثْلِيَّةً، وإلَّا فَقِيمَتُها(٥)، ولَا فَسِخَ لِعَقدِها بِحَالٍ. فَأمَّا مَا مُلِكَ بِإرثٍ، أو
وصِيَّةٍ، من مَكِيلٍ أو (٦) غَيرِهِ، فَالتَّصَرُّفُ فيه قَبلَ قَبضِه جَائِزٌ. وفَرَّقَ ابنُ حَزْمِ
الظَّاهِرِيُّ في ذلك بَيْنَ القَمحِ وغَيرِه، فقال في القَمحِ: إنَّه بِأَيِّ وجهٍ مَلَكَه لَا يَحِلُّ
لَه بَيعُه قَبلَ قَبضِه. وقال في غَيرِهِ: مَتَى مَلَكَه بِغَيْرِ البَيعِ، فَلَه بَيعُه قَبلَ قَبِضِه.
(٧انتهى. والله سبحانه وتعالى أعلم٧).
(١) ينظر: المجموع (٣١٩/٩).
(٣) في (ك٢، ش): ((مضمون)).
(٥) في (ح): ((بقيمتها)).
(٧ - ٧) من (ح).
(٢) ينظر: السابق.
(٤) في الأصل، (٢٥): ((و).
(٦) في (ش): ((و)).

=
١٢٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثّمَارِ، والزُّخصَةِ فِي العَرَايَا
الحديثُ الأولُ
ح عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قال: ((مَن بَاعَ نَخلَا قَد
أَبِّرَت، فَثَمَرَتُها (٦/ ١١٧م) لِلبَائِعِ، إلّا أن يَشَرِطَ المُبْتَاعُ)).
وعن سالم، عن أبيه، عن النبي ◌َّ: ((مَن بَاعَ عَبدًا وَلَه مَالٌ، فَمَالُه
لِلَبَائِعِ، إِلَّا أن يَشتَرِطَ المُبْتَاعُ(١)، ومَن بَاعَ نَخلًا مُؤَبَّرًا، فَالثَّمَرَةُ لِلبَائِعِ، إلَّا
أن يَشَتَرِطَ المُبْتَاعُ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه من الطّرِيقِ الأُولى: الأئِمَّةُ الستةُ (٢) خَلَا الترمذيَّ من
هَذَا الوجه من طَرِيقِ مَالِكٍ. وأخرَجَه من الطَّرِيقِ الثَّانيةِ الأَئِمَّةُ الستةُ، فَرَواه من
هَذَا الوجه مسلمٌ، وأبو دَاوُد، والنسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٣) من طَرِيقٍ سُفْيَانَ بنِ
عُيَيْنَةَ. وأخرَجَه الشَّيخَانِ، والترمذيُّ، وابنُ مَاجَه(٤) من حَدِيثِ الليثِ بنِ سَعدٍ.
وأخرَجَه مسلمٌ(٥) فَقَط من رِوايَةٍ يُونُسَ بنِ يَزِيدَ. والنسائيُّ(٦) من رِوايَةِ مَعمَرٍ .
أربَعَتُهم عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه. واعلَم أنَّ قِصَّةَ العَبدِ رَواها نَافِعٌ، عن
(١) في (ك٢): ((المباع)).
(٢) البخاري (٢٧١٦)، ومسلم (٧٧/١٥٤٣)، وأبو داود (٣٤٣٤)، والنسائي في الشروط من
الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٨٣٣٠)، وابن ماجه (٢٢١٠).
(٣)
مسلم (١٥٤٣)، وأبو داود (٣٤٣٣)، والنسائي (٤٦٥٠)، وابن ماجه (٢٢١١).
البخاري (٢٣٧٩)، ومسلم (٧٩/١٥٤٣)، والترمذي (١٢٤٤)، وابن ماجه (٢٢١١).
(٤)
(٥) مسلم (٢/١٥٤٣/م).
(٦) النسائي في الكبرى (٤٩٩٢).

١٢٧
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
ابنِ عُمَرَ، (١ عن عُمَر١َ) من قَولِه، كَذَا رَوى عنه مَالِكٌ في ((المُوطَّ))(٢)، ومن
طَرِيقِه أبو (٣) دَاوُد في ((سُنَنِه)) (٤)، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٥): وهَذَا أحَدُ الأربَعَةِ الَّتي
اختَلَفَ فيها سَالِمٌ ونَافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ. وقال البَيهَقِيُّ(٦): هَكَذَا رَواه سَالِمٌ.
وَخَالَفَه نَافِعٌ؛ فَرَوى قِصَّةَ النَّخلِ عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ لَّهِ، وقِصَّةَ العَبدِ عن
ابنِ عُمَرَ، عن عُمَرَ. ثم رَواه من طَرِيقِ مَالِكٍ كَذلك. قال: وكَذلك رَواه أيُّوبُ
السَّختياني وغَيْرُه عن نَافِعِ. انتَهَى.
واختَلَفَ الأئِمَّةُ في الأرجَحِ من رِوايَتَي نَافِعِ وسَالِمٍ عَلى أقوالٍ :
أحَدُها: تَرجِيحُ رِوايَةِ نَافِعٍ، رَوى البَيْهَقِيُّ(٧) في سُنَيِه عن مسلمٍ والنسائيّ:
أنَّهمَا سُئِلَا عن اختِلَافِ سَالِم (١١٨/٦م) ونَافِعِ في قِصَّةِ العَبدِ؟، فقالا: القَولُ مَا
قال نَافِعٌ، وإن كَانَ سَالِمٌ أحفَظَ منه. وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٨): أَشَارَ
النسائيّ والدَّارَقُطني إلى تَرجِيحِ رِوايَةٍ نَافِعٍ. وهَذِهِ إِشَارَةٌ مَرَدُودَةٌ.
القَولُ الثَّاني: تَرجِيحُ رِوايَةِ سَالِمٍ، قال الترمذيُّ في ((جَامِعِه)) (٩) [٩٧/٢ ]:
قال مُحَمَّدُ بنُ إسمَاعِيلَ: وحَدِيثُ الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ◌َل
أصَحُّ. قال والِدِي كَُّهُ في ((شَرحِ الترمذيِّ)): وسَبَقَه إلَيه شَيخُه عَلِيُّ بنُ
المَدِيني. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ في ((التَّمهيدِ))(١٠): إنَّه الصَّوابُ، فَإِنَّه كَذلك رَواه
عَبدُ الله بنُ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ، بِرَفعِ القِصَّتَيْنِ مَعًا، وهَذَا مُرَجِّحْ لِرِوايَةٍ
سَالِمٍ.
القَولُ الثَّالِثُ: تَصحِيحُهمَا مَعًا، قال الترمذيُّ في ((العِلَل))(١١): سَألت
مُحَمَّدًا عن هَذَا الحديثِ، وقُلتُ لَه: حَدِيثُ الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أبِيه، عن
(١ - ١) ليس في: (ش).
(٣) في (م): ((من طريق أبي داود)).
(٥) التمهيد (٢٨٢/١٣)، وقال: ((أحد الأحاديث الثلاثة)).
السنن الكبرى (٣٢٤/٥).
(٦)
(٨) شرح صحيح مسلم (١٩١/١٠).
(١٠) التمهيد (٢٨٥/١٣).
(٢) الموطأ (٦١١/٢).
(٤) أبو داود (٣٤٣٤).
(٧) السابق.
(٩) الترمذي، عقب حديث (١٢٤٤).
(١١) علل الترمذي (٣٢٥ - ٣٢٨).

=
١٢٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
النبيِّي ◌َّهِ: (مَن بَاعَ عَبدًا)). وقال نَافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، عن عُمَرَ: أيُّهمَا(١) أَصَحُ؟
قال: إنَّ نَافِعًا خَالَفَ سَالِمًا في أحَادِيثَ، وهَذَا من تِلكَ الأحَادِيثِ، رَوی سَالِمٌ،
عن أبيه، عن النبيِّ وَّ. وقال نَافِعٌ، عن ابنِ عُمَرَ، (٢) عن عُمَر٢َ). كَأنَّه رَأى
الحديثَينِ صَحِيحَينٍ، وأنَّه يَحتَمِلُ عنهمَا جَمِيعًا. قال والِدِي تَُّهُ في ((شَرحِ
الترمذيِّ)): ولَيسَ بَينَ(٣) مَا نَقَلَه عنه في ((الجَامِعِ)) [ومَا نَقَلَه عنه في ((العِلَلِ))
اختِلَافٌ، فَحُكُمُه عَلى الحديثَينِ بِالصِّحَّةِ لَا يُنَافي حُكمَه في ((الجَامِعِ))](٤): بِأنَّ
حَدِيثَ سَالِمٍ أَصَحُّ، بَل صِيغَةُ أفعَلَ تَقْتَضِي اشتِرَاكَهمَا في الصِّحَّةِ.
قُلتُ: المَفهومُ من كَلَامِ المُحَدِّثِينَ(٥) في مِثلِ هَذَا، والمَعرُوفُ من
اصطِلَاحِهم فيه: أنَّ المُرَادَ تَرَجِيحُ الرِّوايَةِ الَّتي قَالُوا إِنَّها أصَحُّ، والحُكمُ
لِلرَّاجِحِ؛ فَتَكُونُ تِلكَ الرِّوايَةُ شَادَّةً ضَعِيفَةً، والمُرَجَّحَةُ هيَ الصَّحِيحَةُ، وحِينَئِذٍ فَبَينَ
النَّقَلَيْنِ تَنَافٍ، لَكِنَّ (١١٩/٦م) المُعتَمَدَ مَا في ((الجَامِعِ))؛ لِأَنَّ مَقُولٌ بِالجَزْمِ
واليَقِينِ، بِخِلَافِ مَا في ((العِلَلِ))، فَإِنَّه عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ والاحتِمَالِ، والله أعلمُ.
عَلى أنَّ مَا في ((العِلَلِ)) هو الَّذِي يَمْشِي عَلى طَرِيقَةِ الفُقَهَاءِ، لِعَدَمِ المُنَافَاةِ
بِأَن يَكُونَ ابنُ عُمَرَ ﴿يَا، سَمِعَه من النبيِّ بَّهِ ومن أبِيه، فَرَفَعَه تَارَةً(٦)، وسَمِعَه
كَذلك سَالِمٌ، ووقَفَه تَارَةً، وسَمِعَه كَذلك نَافِعٌ؛ وقال النَّووِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٧):
لَم تَقَع هَذِه الزِّيَادَةُ؛ يَعني: قِصَّةَ العَبدِ، في حَدِيثِ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ، ولاَّ يَضُرُّ
ذلك، فَسَالِمٌ ثِقَةٌ، بَل (٨) هو أجَلُّ(٩) من نَافِعِ، فَزِيَادَتُه مَقبولَةٌ. انتَهَى.
ومَا ذَكَرنَاه عن سَالِمٍ ونَافِعِ هو المَشهورُ عنهما، ورُوِيَ عن نَافِعِ رَفعُ
القِصَّتَينِ، رَواه النسائيّ(١٠) من رِوايَةِ شُعبَةَ، عن عَبدِ رَبه بنِ سَعِيدٍ، عن نَافِعٍ،
(١) في (ح، ش): ((أنهما)).
(٣)
ليس في: (ش).
(٥)
في الأصل: ((الحديثين)).
شرح صحيح مسلم (١٩١/١٠).
(٧)
(٩) هنا آخر ما بين أيدينا من المخطوطة (ك).
(١٠) النسائي في الكبرى (٤٩٨٢).
(٢ - ٢) ليس في: (ش).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في: (ش).
(٦) في (ح): ((ثان)).
(٨) ليست في (ش).

=
(" عن ابنِ عُمَر١َ)، فَذَكَرَ القِصَّتَينِ مَرفُوعَتَينٍ، قال شُعبَةُ: فَحَدَّثْتُه(٢) بِحَدِيثِ أيُّوبَ،
عن نَافِعٍ؛ أنَّه حَدَّثَنِي بِالنَّخلِ عن النبيِّ وََّ، والمَمِلُوكِ عن عُمَرَ. فقال عَبدُ رَبه:
لَا أعلَمُهما جَمِيعًا إلَّا عن النبيِّ وَّهِ. ثم قال مَرَّة أُخرَى، فَحَدَّثَ عن النبيِّ لَه
ولَم يَشُكَ. ورَواه ابنُ مَاجَه(٣) من رِوايَةِ شُعبَةَ أيضًا مُختَصَرًا: ((مَن بَاعَ نَخلًا،
ومَن بَاعَ عَبدًا)) جَمِيعهما(٤)، ولَم يَذكُر قِصَّةَ أيُّوبَ. ورَواه النسائيّ(٥) أيضًا من
رِوايَةٍ مُحَمَّدٍ بنِ إسحَاقَ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، (٦عن عُمَر٦َ)، مَرفُوعًا
بِالقِصَّتَينِ، وقال: هَذَا خَطَأْ، والضَّوابُ حَدِيثُ لَيهِ بنِ سَعدٍ، وعُبَيدِ الله،
وأيُّوبَ؛ أي: عن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، عن عُمَرَ بِقِصَّةِ العَبدِ خَاصَّةً مَوقُوفَةٌ.
ورَواه النسائيّ (٧) أيضًا من رِوايَةِ سُفْيَانَ بنِ حُسَينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سَالِم، عن
أبِيه، عن عُمَرَ ◌َُه، بِالقِصَّتَينِ مَرفُوعًا. قال أبو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ(٨): والمَحْفُوظُ
أنَّه من حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ.
■ الثّانيةُ: قال النَّووِيُّ(٩): قال أهلُ اللغَةِ: يُقَالُ: أبَرت النَّخلَ، آبُرُه
أبرًا، بِالتَّخفيفِ؛ كَأكَلتُه آكُلُه أكلًا، وأَبَّرتُه، بِالتَّشْدِيدِ، أُؤَبِّرُه تَأْيِيرًا؛ كَعَلَّمتُه أُعَلِّمُه
تَعلِيمًا، وهو أن يَشُقَّ طَلَعَ النَّخلَةِ لِيُذَرَّ فيه شَيءٌ من طَلعِ ذَكَرِ النَّخلِ، والأُبَارُ هو
شَقُّه، سَواءٌ حُطَّ فيه شَيءٌ أم لَا .
■ الثَّالِثَةُ: فيه بِمَنْطُوقِهِ أنَّ مَن بَاعَ نَخْلًا وعَلَيها ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَم تَدخُل
الثَّمَرَةُ في البَيعِ، بَل تَستَمِرُ (١٠) عَلى مِلكِ البَائِعِ، وبِمَفهومِه: أنَّها إذَا كَانَت ◌َغَيرَ
مُؤَبَّرَةٍ، دَخَلَتْ في البَيعِ، وكَانَت [٩٧/٢ظ] لِلمُشتَرِي، وبهذَا قال مَالِكٌ،
والشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، والليثُ بنُ سَعدٍ، ودَاودُ، وبَقِيَّةُ أهلِ الظَّاهرِ، وجُمهورُ
(١ - ١) ليس في: (ش).
(٢) في (م): ((فحدثه)).
(٤)
(٣) ابن ماجه (٢٢١٢).
في (ش): ((جمعهما)). وفي (م): ((جميعًا)).
(٥)
النسائي في الكبرى (٤٩٨٩).
(٧)
النسائي في الكبرى (٤٩٩٠).
(٩) شرح صحيح مسلم (١٩٠/١٠).
(٦ - ٦) ليس في: (ش).
(٨) تحفة الأشراف (١٠٥٣٤).
(١٠) في (ك٢): ((يستمر)).
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
١٢٩

=
=
١٣٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
العُلَمَاءِ؛ وذَهَبَ أبو حَنِيفَةً إلى أنَّها لِلبَائِعِ مُطلَقًّا قَبلَ التَّأَبِيرِ وبَعدَه(١). وحَكَاه(٢)
ابنُ عَبدِ البَرِّ(٣) عن الأوزَاعِيِّ. قال النَّووِيُّ(٤) (١٢٠/٦م): أخَذَ أبو حَنِيفَةَ بِمَنْطُوقِه
في المُؤَبَّرَةِ، وهو لَا يَقُولُ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، فَألحَقَ غَيرَ المُؤَيَّرَةِ بِالمُؤَبَّرَةِ.
واعتَرَضُوا عَلَيه: بِأنَّ الَّاهَرَ يُخَالِفُ المُستتر(٥) في حُكمِ التَّبَعِيَّةِ في البَيعِ، كَمَا أنَّ
الجَنِينَ يَتَبَعُ الأُمَّ في البيعِ، ولَا يَتَبَعُها الولَّدُ المُنْفَصِلُ. انتَهَى.
وذَهَبَ ابنُ أبِي لَيلى إلى أنَّها لِلمُشتَرِي مُطلَقًا، قَبلَ التَّأْبِيرِ وبَعدَه. وقال
النَّووِيُّ: قَولُه بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِصَرِيحِ السُّنَّةِ، ولَعَلَّه لَم يَبلُغه الحديثُ. وَذَكَرَ
ابنُّ عَبدِ البَرِّ(٦) أنَّ الحَنَفيةَ رَدُوا هَذِهِ السُّنَّةَ بِتَأْوِيلِ وَرَدَّها ابنُ أبِي لَيلى جَهلًا بها .
] الرَّابِعَةُ: هَذَا الحُكُمُ الَّذِي ذَكَرَنَاه، هو عِندَ إطلاقٍ بَيعِ النَّخلِ، من غَيرِ
تَعَرُّضٍ لِلثَّمَرَةِ بِنَفيِ ولَا إِثْبَاتٍ، فَإِن شَرَطَها المُشتَرِي، بِأن قال: اشتَرَيت النَّخْلَةَ
بِثَمَرَتِها. كَانَت لِلمُشتَرِي، كَمَا هو نَصُّ الحديثِ، وإن شَرَطَها البَائِعُ لِنَفْسِه، فيما
إِذَا كَانَ قَبلَ التَّبِيرِ، اتّبعَ شَرطُه، وكَانَت لِلبَائِعِ عِندَ الشَّافِعِيِّ والأكثَرِينَ، وقال
مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ شَرطُهَا لِلِبَائِعِ.
] الخَامِسَةُ: استُدِلَّ بِقَولِهِ: ((إِلَّا أن يَشتَرِطَ المُبْتَاعُ))، بِدُونِ ضَمِيرٍ، عَلى
أنَّ المُشتَرِيَ لَو لَم يَشتَرِطِ لِنَفسِه جَمِيعَ الثَّمَرَةِ المُؤَبَّرَةِ، بَل بَعضَها؛ كَأن شَرطَ(٧)
نِصِفَها، أو رُبُعَها، أو نَحو ذلك، اتّبعَ شَرطُه، وكَأنَّه قال: إلّا أن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ
شَيئًا من ذلك. وبهذا(٨) قال أشهَبُ، كَمَا حَكَاه عنه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٩)، قال: وهو
قَولُ جُمهورِ الفُقَهاءِ، وقال ابنُ القَاسِم: لَا يَجُوزُ لَه شَرطُ بَعضِها؛ بَل إمَّا أن
يَشتَرطَ لِنَفسِه جمیعَها أو یَسكُتَ عنه.
السَّادِسَةُ: اختَلَفَ العُلَمَاءُ فيمَا إذَا بَاعَ نَخْلًا عَلَيه ثَمَرَةٌ قَدْ أُبْرَ بَعضُها
(١) بدائع الصنائع (١٦٤/٥).
(٣) التمهيد (٢٩٠/١٣).
(٥)
في (م): ((المشتری)).
(٧)
في (م): ((يشترط)).
التمهيد (٢٨٧/١٣).
(٩)
(٢) ليست في (ش).
(٤) شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٩١).
(٦) التمهيد (٢٨٨/١٣).
(٨) في (م): ((وبه)).

=
١٣١
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
دُونَ بَعضٍ: فقال الشَّافِعِيَّةُ(١): الجَمِيعُ لِلبَائِعِ، إن كانَ ذلك في نَخلَةٍ واحِدَةٍ،
وكَذَا إِن كَانَ فِي نَخَلَاتٍ بِشَرطَينِ :
أحَدُهمَا: اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ، فَلَو أفرَدَ كُلَّا من المُؤَبَّرِ وغَيرِهِ بِصَفْقَةٍ، فَالأَصَحُّ:
أنَّ لِكُلِّ منهمَا حُكمه(٢) .
والثَّاني: أنَّ الجَمِيعَ لِلبَائِعِ، اكتِفَاءٌ بِوقتِ التَّأَبِيرِ.
ثَانيهمَا: اتِّحَادُ(٣) البُستَانِ، فَلَو كَانَ في بَسَاتينَ(٤)، أُفرِدَ كُلُّ بُستَانٍ
بِحُكمِه(٥) عَلى المَذهَبِ، ولَا يَضُرُّ اختِلَافُ النَّوعِ عَلى أصَحِّ الوجهَينِ، وقال
ابنُ حَامِدٍ من الحَنَابِلَةِ(٦) كَقَولِ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّه إذَا أَبَّرَ البَعضَ، كَانَ الكُلُّ لِلبَائِعِ.
لَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيه أحمَدُ أنَّ مَا أُبِّرَ لِلبَائِعِ، ومَا لَم يُؤَبَّر لِلمُشتَرِي. وقال
المَالِكِيَّةُ: إن أُبِّرَ الأكثَرُ غَلَبَ حُكمُه عَلى الْبَاقِي، فَيَكُونُ الجَمِيعُ لِلبَائِعِ، وإن
أُبِّرَ الأقَلُّ غَلَبَ حُكمُه، فَيَكُونُ الجَمِيعُ لِلمُشتَرِي، وإن أُبِّرَ النِّصفُ، فَفيه خِلَافٌ،
والأظهَرُ عِندَهم أنَّ الجَمِيعَ لِلمُشتَرِي. كَذَا نَقَلَ ابنُ عَبدِ البَرِّ في (١٢١/٦م)
((التَّمهيدِ))(٧)، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَه ابنُ شَاسٍ وابنُ الحَاجِبِ(٨): أَنَّه إذَا أُبُّرَ النِّصفُ فَمَا
دُونَه، فَلِكُلِّ منهمَا حُكمُه. وعِبَارَةُ ابنِ شَاسٍ: لَو تَأَبَّرَ شَطرُ (٩) الثِّمَارِ، حُكِمَ
بِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ فيه، دُونَ الشَّطْرِ الَّذِي لَم يُؤَبَّر، وإن تَأَبَّرَ أكثَرُها، حُكِمَ بِانِقِطَاعِ
التَّبَعِيَّةِ في الكُلِّ، ورُوِيَ أنَّ غَيرَ المُؤَبَّرِ تَبَعْ، وإن كَانَ الأقَلَّ. انتَهَى. فَمَن جَعَلَ غَيرَ
المُؤَبَّرِ تَبَعًا لِلمُؤَبَّرِ قال: إنَّه إِذَا أُبُرَ بَعضُ ثَمَرَةِ النَّخلِ المَبِيعَةِ، صَدَقَ في العُرفِ أنَّه
بَاعَ نَخْلَا قَد أُبْرَت، ومَن قال: لَا يَتَبَعُ، قال: مَا لَم يُؤَبَّر غَيرُ مُؤَبَّرٍ، فَمَن سَمَّاه مُؤَبَّرًا
فَلَيْسَ حَقِيقَةً، بَل هو مَجَازٌ، بِدَلِيلٍ صِحَّةٍ نَفِهِ، ومَن جَعَلَ الحُكمَ لِلأكثَرِ غَلَّبَ.
(١) المجموع (٥٢/١١).
(٣) في (ح): ((اتخاذ)).
(٢) في (م): ((حكمًا)).
(٤) في (ح، ش): ((بستانين)).
(٥)
في (م): ((بحكم)).
(٦) المغني (١٣٣/٦).
(٧) التمهيد (٢٨٩/١٣)، وينظر: البيان والتحصيل (٣٠٥/٧).
(٨)
ينظر: جامع الأمهات (ص ٢٥٣).
(٩) في (ح): ((بشرط)).

=
١٣٢
5
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
السَّابِعَةُ: لَو لَم تُؤَبَّر النَّخِلَةُ، بَل تَأْبَّرَت هيَ وتَشَفَّقَت بِنَفسِها،
وظَهَرَت(١) الكِيزَانُ منها، كَانَ كَمَا لَو أُبِّرَت، فَتَكُونُ(٢) عِندَ الإطلاقِ لِلبَائِعِ،
صَرَّحَ به(٣) الفُقَهاءُ من أصحَابِنَا وغَيرِهم. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤): لَم يَختَلِف
العُلَمَاءُ(٥) فيه. انتَهَى. وذِكرُ التَّأَبِيرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ، فَلَا مَفهومَ لَه، ومُقْتَضَى
كَلَامِ ابنِ حَزْمِ الظَّاهِرِيِّ(٦) [٩٨/٢و] في هَذِهِ الصُّورَةِ أنَّها تَكُونُ لِلبَائِعِ، ولَا يَصِحُ
أن يَشتَرِطَها المُشتَرِي. فقال(٧): ولَو ظَهَرَتِ ثَمَرَةُ النخلِ(٨) بِغَيرِ إِبَارٍ لَم يَحِلَّ
اشتِرَاطُها أصلًا؛ لِأَنَّه خِلَافُ أمرِ النبيِّ بَّهِ. انتَهَى. ومَا أدرِي لِمَ أَعمَلَ قَولَه(٩):
(قَد أُبَّرَت)) في إخراج الظَّاهرَةِ من غَيرِ تَأْبِيرٍ بِالنِّسَبَةِ إلى الاشتِرَاطِ، ولَم يُعمِله
بِالنِّسَبَةِ لِكَونِها لِلمُشتَرِي، فَإِنَّ مُقْتَضَى قَولِهِ: (قَد أُبَّرَت))، أنَّها إذَا لَم تُؤَّبَّر، بَل
تَأْبَّرَت بِنَفسِها، أنَّها تَكُونُ لِلمُشتَرِي.
■ الثَّامنةُ: اذَّعَى ابنُ حَزم الظَّاهِرِيُّ (١٠): أنَّه لَا يَجُوزُ لِلمُشتَرِي في
المُؤَبَّرِ اشْتِرَاطُ الثَّمَرَةِ له (١١)، إلَّا إنْ كَانَ المَبِيعُ ثَلَاثَ نَخَلَاتٍ فَأكثَرَ، فَإِن كَانَ
المَبِيعُ نَخْلَةً أو نَخلَتَينِ لَم يَجُزِ لَه اشتِرَاطُ ثَمَرَتِها؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيهِ اسمُ
نَخْلِ ثَلَاثٌ(١٢) فَصَاعِدًا؛ وفيه مَا تَقَدَّمَ: أَنَّه كَانَ مُقْتَضَى جُمُودِهِ عَلى الظّاهرِ
أن(١٣) لَا يَجعَلَ الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ لِلبَائِعِ إذَا كَانَ المَبِيعُ نَخْلَةً أو نَخلَتَينٍ؛ لِأنَّ
الشَّارِعَ إِنَّمَا جَعَلَها لَه إذَا كَانَ المَبِيعُ نَخلًا، فَعَدَلَ عن هَذَا، وجَعَلَ الثَّمَرَةَ
المُؤَبَّرَةَ لَه مُطلَقًا، قَلَّ(١٤) المَبِيعُ أو كَثُرَ(١٥)، ولَم يَجعَلِ التَّقِيدَ بِالنَّخلِ إلَّ في
اشتِرَاطِ المُشتَرِي الثَّمَرَةَ خَاصَّةً، ومَا أدرَى لِمَ جَعَلَ هَذَا قَيدًا في الوصفِ
(١) ليست في (ش).
(٣) في الأصل: ((بذلك)).
(٥)
في (ش): («الفقهاء)».
(٧)
ليست في (ش).
(٩) ليست في (ش).
(١١) ليست في (م).
(١٣) في (ح): ((أنها)).
(١٥) في (ش): ((أكثر)).
(٢) في (م): ((فیکون)).
(٤) التمهيد (٢٩١/١٣).
(٦) المحلى (٤٢٤/٨).
(٨) في (ش): ((النخلة)). وليست في (م).
(١٠) المحلى (٤٢٦/٨).
(١٢) في الأصل: ((ثلاثًا)).
(١٤) في (٢٤): ((قبل)).

=
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والزُّخصَةِ في العَرَايَا
١٣٣
والاِسْتِنَاءِ، ولَم يَجعَله قَيدًا في الأصلِ، ولَيسَ هَذَا مُقْتَضَى الجُمُودِ؟
وأمَّا مُقتَضَى الفِقه وفَهم المَعنَى: فَهو أنَّ الّاهرَ النَّادِرَ في حُكمِ المُفرَدِ،
فَلَا يَدخُلُ في البَيعِ عِندَ الإطلَّاقِ، ويَدْخُلُ بِالشَّرطِ قَلَّ أو كَثُرَ، والمَعنَى إذَا فُهمَ
لَم يَجُزِ الجُمُودُ عَلى الألفَاظِ إلَّا عِندَ مَن لَا تَحقِيقَ لَه، ولَيسَ هَذَا من بَابِ
(١٢٢/٦م) القِيَاسِ، بَل اللفظُ في العُرفِ يَتَنَاولُ القَلِيلَ من ذلك والكَثِيرَ، والعُرفُ
في مِثْلِ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلى الجُمُودِ عَلى مُقْتَضَى اللغَةِ. والله أعلمُ.
■ التَّاسِعَةُ: وفيه جوازُ الإِبَارِ لِلنَّخلِ وغَيرِهِ من الثِّمَارِ، وقَد أجمَعُوا عَلى
جَوازِهِ، قاله النَّوِيُّ(١).
■ العَاشِرَةُ: جَعَلَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ مَفهومَ هَذَا الحديثِ، وهو أنَّ غَيرَ
المُؤَبَّرَةِ لِلمُشتَرِي خَاصَّا بِإِنَاثِ النَّخلِ. وقال: إنَّ ثَمَرَةَ الذُّكُورِ (٢) لِلبَائِعِ، ولَو
كَانَت غَيرَ مُتَشَقِّقَةٍ؛ لِأنَّها تُقصَدُ لِلقَطعِ والأكلِ، وهيَ كَذلك، فَأَشَبَهَتِ المُؤَبَّرَةَ من
الإِنَاثِ، والأصَحُّ عِندَهم أنَّها لِلمُشتَرِي، عَمَلًا بِمَفهومِ الحديثِ.
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: نَصُّ الحديثِ في النَّخلِ، وفَهمَ الفُقَهاءُ منه حُكمَ مَا
عَدَاهِ، فَقَالُوا: إذَا بَاعَ شَجَرَةً مُثمِرَةً، فَإِن كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَد ظَهَرَت أو بَعضُها،
فَالكُلُّ لِلِبَائِعِ، وإن لَم يَظهَر منها شَيءٌ فَهِيَ لِلمُشْتَرِي، واقتِصَارُه في الحديثِ عَلى
ثَمَرَةِ النَّخلِ، إِمَّا لِكَونِهِ كَانَ الغَالِبَ بِالمَدِينَةِ، أو خَرَجَ جَوابًا لِسُؤَالٍ.
ووافَقَ الَّاهِرِيَّةُ(٣) غَيرَهم في: أنَّ الَّاهرَ من الثِّمَارِ لِلبَائِعِ، لَكِنَّهم قَالُوا:
لَا يَصِحُ أن يَشتَرِظَه المُشتَرِي؛ لِأَنَّ الإِشْتِرَاطَ إنَّمَا جَاءَ النَّصُ به في ثَمَرَةِ النَّخلِ.
والقِيَاسُ عِندَهم بَاطِلٌ. وقَد يُقَالُ: كَانَ مُقتَضَى الجُمُودِ عَلَى الَّاهِرِ أن يَكُونَ ثَمَرَةُ
غَيرِ النَّخلِ الظّاهرةِ(٤) لِلمُشتَرِي؛ لِأنَّها دَاخِلَةٌ في اسمِ الشَّجَرَةِ، وكَونُه يَمْتَنِعُ بَيعُها
قَبلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِدُونِ شَرطِ القَطعِ - لَا يُنَافي اندِرَاجَها تَبَعًا؛ لِأَنَّه يُغَفَرُ في
التَّبَعِيَّةِ مَا لَا يُغتَفَرُ في الاِسْتِقَلَالِ. والله أعلم.
(١) شرح صحيح مسلم (١٩١/١٠).
(٣) المحلى (٤٢٤/٨).
(٢) في (ش): ((المذكورة)).
(٤) في (م): ((الظاهرة)).

=
'S
١٣٤
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
■ الثّانيةَ عَشْرَةَ: اختَلَفَ أصحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ (١) في مَسألَةٍ؛ وهيَ مَا لَو بَاعَ
نَخْلَةً، وبَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لَه (٢) لِكَونِها ظَاهرَةً، ثم خَرَجَ طَلَعٌ آخَرُ من تِلكَ النَّخلَةِ، أو من
أُخرَى حَيثُ يَقتَضِي الحَالُ اشتِرَاكَهمَا في الحُكمِ، فقال ابنُ أبِي هرَيرَةَ: هو
لِلمُشتَرِي. وقال الجُمهورُ: هو لِلبَائِعِ. ولِكُلِّ من القَولَينِ مُتَعَلِّقٌ من الحديثِ،
فَالجُمهورُ يَقُولُونَ: جَعَلَ الشَّرعُ ثَمَرَةَ المُؤَبَّرَةِ لِلبَائِعِ، وهَذَا من ثَمَرَةِ المُؤَبَّرَةِ.
وابنُ أبِي هُرَيْرَةَ: يَقُولُ إِنَّمَا جُعِلَ لَه مَا وُجِدَ وظَهَرَ، فَأمَّا مَا لَم يُوجَد، فَقَد حَدَثَ عَلى
مِلكِ المُشتَرِي، وهو أقَيَسُ. والأولُ أسعَدُ(٣) بِالحديثِ، وأقرَبُ إلَيه. والله أعلمُ.
■ الثَّالِثَةَ عَشَرَ: فيه أنَّه إذَا بَاعَ عَبدًا وعَلَيهِ ثِيَابُه، لَم تَدخُل في البَيعِ، بَل
تَستَمِرُّ عَلى مِلكِ البَائِعِ، إلَّا أن يَشتَرِطَها المُشتَرِي، لِاندِرَاجِ التِّيَابِ تَحتَ قَولِه
عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلَامُ [٩٨/٢ظ]: ((ولَه مَالٌ))، وهَذَا أَصَحُّ الأوجُه عِندَ أصحَابِنَا
الشَّافِعِيَّةِ. (٤والله أعلم٤).
والوجه الثَّاني: أنَّها تَدخُلُ.
والثَّالِثُ: يَدخُلُ سَاتِرُ العَورَةِ فَقَط (١٢٣/٦م). وقال المَالِكِيَّةُ: تَدخُلُ ثِيَابُ
المِهِنَةِ الَّتِي عَلَيه. وقال الحَنَابِلَةُ(٥): يَدخُلُ مَا عَلَيه من اللبَاسِ(٦) المُعتَادِ.
ـا الرَّابِعَةَ عَشَرَ: فيه أنَّ العَبدَ إِذَا مَلَّكَه سَيِّدُهُ مَالًا مَلَكَه، لَكِنَّه إذَا بَاعَه
بَعدَ ذلك كَانَ مَالُهُ لِلبَائِعِ، إلَّا أن يَشتَرِطَ المُشتَرِي كَونَه لَه، وبهذا قال مَالِكٌ،
وأحمَدُ، وهو قَولُ الشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ(٧). وقال في الجَدِيدِ(٨): لَا يَملِكُ العَبدُ
شَيئًا أصلًا. وبه قال أبو حَنِيفَةً(٩)، وهو رِوايَةٌ عن أحمَدَ، وتَأولُوا الحديثَ عَلى
أنَّ المُرَادَ أن يَكُونَ في يد(١٠) العَبدِ شَيءٌ من مَالِ السَّيِّدِ، فَأُضِيفَ ذلك المَالُ إلى
العَبدِ لِلإِختِصَاصِ والإِنتِفَاعِ، لَا لِلمِلكِ، كَمَا يُقَالُ: جُلُّ الدَّابَّةِ، وسَرجُ الفَرَسِ.
(١) ينظر: الشرح الكبير (٥١/٩، ٥٢).
(٣)
في (ش): ((أسند)).
(٥)
المغني (٢٥٩/٦).
ينظر: المغني (٢٥٧/٦).
(٧)
(٩) بدائع الصنائع (١٦٧/٥).
(٢) ليس في: (ش).
(٤ - ٤) من (ش).
(٦) في (ك٢): ((الثياب).
(٨) الأم (٢٧٢/٣).
(١٠) من (ك٢، ش).

SI
١٣٥
بَابٌ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
قَالُوا: فَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ العَبدَ، فَذلك المال لِلبَائِعِ؛ لِأَنَّه مَلَّكَه، إلَّا أن يَشتَرِطَه
المُبتَاعُ، فَيَصِحُ؛ لِأَنَّه يَكُونُ قَد بَاعَ شَيئَينٍ، العَبدَ والمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ بِثَمَنٍ
واحِدٍ، وذلك جَائِزٌ. وقال الحَسَنُ البَصرِيُّ والشَّعبِيُّ: مَالُ العَبدِ تَبَعٌ لَه في البَيْعِ،
لَا يَحْتَاجُ مُشتَرِيه فيه إلى اشتِرَاطِ حَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ (١). وقال: وهَذَا قَولٌ مَردُودٌ
بِالسُّنَّةِ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيه. وحَكَاه ابنُ حَزمٍ (٢) عنهمَا، وعن شُرَيحِ، وإبراهيمَ
النَّخَعِيّ، وقال: لَا حُجَّةَ في أحَدٍ مع رَسُولِ اللهِ وَلِّ.
] الخَامِسَةَ عَشَرَ: قال مَالِكٌ: يَجُوزُ أَن يَشْتَرِطَ المُشتَرِي مَالَ العَبدِ، وإن
كَانَ دَرَاهَمَ (٣)والثَّمَنُ دراهمَ(٣)، أو دَنَانِيرَ، والثمنُ دنانيرَ، أو حِنطَةً والثَّمَنُ حِنطَةً؛
لِإِطلَاقِ الحديثِ، وحَكَاه ابنُ عَبدِ البَرِّ(٤) عن الشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ، وعن أبِي ثَورٍ،
وقال به أهلُ الظَّاهرِ(٥).
وقال أبو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ(٦): لَا يَصِحُّ البَيعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ(٧)، لِمَا فيه من
الرِّبَا(٨)، وهو من قَاعِدَةِ «مُدِّ عَجوةٍ))، ولَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بهذَا الحديثِ عَلى
الصِّحَّةِ في هَذِه الصُّورَةِ؛ لِأَنَّه قَد عُلِمَ بُطلَانُها من دَلِيلٍ آخَرَ، فَلا بُدَّ من الاحتِرَازِ
فيه عن الرِّبَا، وكَأنَّ مَالِكًا لَم يَجعَل لِهَذَا المَالِ حِصَّةً من الثَّمَنِ.
السَّادِسَةَ عَشَرَ: ظَاهرُ قَولِه في مَالِ العَبدِ: ((إلّا أن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ)). أنَّه
لَا فَرِقَ بَيْنَ أن يَكُونَ مَعلُومًا لَه (٩) أم لا، لَكِنَّ القِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّه لَا يَصِحُّ الشَّرطُ
إِذَا لَم يَكُن مَعلُومًا. وقَد قال المَالِكِيَّةُ وأهلُ الظّاهرِ: إنَّه يَصِحُّ اشتِرَاطُه ولَو كَانَ
مَجهولًا. وكَذَا قال الحَنَابِلَةُ(١٠): إن فَرَّعنَا عَلى أنَّ العَبدَ يَملِكُ بِتَملِيكِ السَّيِّدِ صَحَّ
الشَّرطُ، وإِن كَانَ المَالُ مَجهولًا، وإن فَرَّعنَا عَلى أنَّه لَا يَملِكُ اعتُبِرَ عِلمُه وسَائِرُ
(١) التمهيد (٢٩٧/١٣).
(٢) المحلى (٤٢٣/٨).
(٣ - ٣) ليس في: (م).
(٤) التمهيد (٢٩٤/١٣).
(٥) المحلى (٤٢٢/٨).
(٦) بدائع الصنائع (١٦٧/٥)، ومختصر المزني (ص٨٣).
(٧)
في (ك٢): ((الصورة)).
(٨) في (ش): ((الزيادة)).
(٩) ليست في (ح).
(١٠) المغني (٢٥٧/٦).

5
١٣٦
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
شُرُوطِ البَيع إلَّا إذَا كَانَ قَصدُه العَبدَ لَا المَالَ فَلَا يُشتَرَطُ. ومُقْتَضَى مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ
وأبِي حَنِيفَةَ: أَنَّه لَا بُدَّ أن يَكُونَ مَعْلُومًا. وكَذَا (٦/ ١٢٤م) تَقَلَه ابنُ حَزْمٍ (١) عنهمَا .
■ السَّابِعَةَ عَشَرَ: استُدِلَّ بِقَولِهِ: ((إِلَّا أن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ)) بِدُونِ ضَمِيرٍ،
عَلى أنَّه يَصِحُ أن يَشتَرِطَ المُشتَرِي بَعضَ مَالِ العَبدِ: إمَّا شَيءٌ مُعَيِّنٌ، وإمَّا جُزءٌ من
المَالِ؛ كَالنِّصفِ والثُّلُثِ ونَحوِهمَا، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُه في ثَمَرَةِ النَّخلِ، وهو مُقْتَضَى
مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ والجُمهورِ، وقال به(٢) ابنُ حَزمِ الظَّاهِرِيُّ(٣)، قال: ومَنَعَ من
ذلك مَالِكٌ وأبو سليمانَ(٤)، وقالا: لَا يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ إلَّ الجَمِيعَ أو يَدَعَ.
■ الثَّامنةَ عَشَرَ: الجَارِيَةُ في ذلك كَالعَبدِ، وَهَذَا (٥) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، حَتَّى من
أهلِ الظَّاهرِ، وقال ابنُ حَزمٍ (٦): لَفِظُ العَبدِ يَقَعُ في اللغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلى جِنسِ العَبيدِ
والإِمَاءِ؛ لِأَنَّ العَرَبَ تَقُولُ: عَبدٌ وعَبْدَةٌ، والعَبدُ اسمٌ لِلجِنسِ، كَمَا تَقُولُ:
الإنسَانُ، والفَرَسُ، والحِمَارُ.
الحديثُ الثَّاني
وعن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ بِّه: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرْ نَهَى عن بَبْعِ
الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو ◌ّصَلَاحُها، نَهَى الْبَائِعَ والمُشتَرِيَ)).
فيه فوائدُ:
■ الأُولى: أخرَجَه الأئِمَّةُ الستةُ، فَرَواه الشَّيخَانِ، وأبو دَاوُد(٧)، من هَذَا
الوجهِ من طَرِيقِ مَالِكٍ.
(١) المحلى (٤٢٣/٨).
(٣)
المحلى (٤٢٣/٨).
في الأصل: ((وهو)).
(٥)
(٦) المحلى (٤٢٤/٨).
(٢) ليس في: (ش).
(٤) في (م)، والأصل: ((أبو سفيان)).
البخاري (٢١٩٤)، ومسلم (٤٩/١٥٣٤)، وأبو داود (٣٣٦٧).
(٧)

=
١٣٧
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
وأخرَجَه مسلمٌ(١) وحدَه من حَدِيثِ عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ، ومُوسَى بنِ عُقْبَةَ(٢)،
والضَّحَّاكِ بنِ عُثمَانَ.
وأخرَجَه النسائيُّ، وابنُ مَاجَه(٣) من حَدِيثِ الليثِ بنِ سَعدٍ.
وأخرَجَه مسلمٌ، وأبو دَاوُد، والترمذيُّ، والنسائيُّ (٤) من حَدِيثٍ [٩٩/٢ و]
أيُّوبَ السَّختياني، بِلَفِظِ: ((إنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ نَّهَى عن بَيْعِ النَّخلِ حَتَّى تَزهو، وعن
السُّنْبُلِ حَتَّى يَبَيَضَّ(٥) ويَأْمَنَ العَاهَةَ(٦)، نَهَى البَائِعَ والمُشتَرِيَ)).
وأخرَجَه مسلمٌ(٧) من رِوايَةٍ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، بِلَفِظِ: ((لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى
يَبْدُو صَلَاحُها، وتَذْهَبَ (٨) عنها الآفَهُ (٩)). وقال: (يَبدُو (١٢٥/٦م) صَلَاحُه: حُمرَتُه
وصُفرَتُه)). كُلُّهم عن نَافِعِ، عن ابنِ عُمَرَ.
واتَّفَقَ عَلَيه الشَّيخَانِ (١٠) من طَرِيقِ الزُّهرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، قال: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ (١١) حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُه)). الحديثَ.
واتَّفَقَا عَلَيه(١٢) أيضًا (١٣) من طَرِيقِ عَبدِ الله بنِ دِينَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ قال:
((قال رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ(١٤) حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُه)). فَقِيلَ لِابنِ عُمَرَ: مَا
صَلَاحُه؟ فقال: ((تَذْهَبُ عَاهَتُه)). ورَواه البَيهَقِيُّ(١٥)، وقال فيه: قال ابنُ عُمَرَ:
((وصَلَاحُه أن يُؤكَلَ منه)). ورَوى البَيْهَقِيُّ(١٦) أيضًا (١٧) من رِوايَةِ ابنِ أبِي ذِئبٍ،
(١) مسلم (١٥٣٤)، (٢/٣/١٥٣٤، ٢/م). (٢) في (م): ((عتبة)).
(٣)
النسائي (٤٥٣١)، وابن ماجه (٢٢١٤).
مسلم (٥٠/١٥٣٥)، وأبو داود (٣٣٦٨)، والترمذي (١٢٢٦)، والنسائي (٤٥٦٥).
(٤)
في (ك٢): ((تبيض)).
(٥)
(٧)
مسلم (٥١/١٥٣٤).
(٦) في (م، ح): ((الآفة)).
(٨) في (ش): ((ويذهب)).
(٩) بعدها في (م): ((نهى البائع والمشتري. وأخرجه مسلم)). وهي تكرار لجملة سبقت.
(١٠) البخاري (٢١٩٩)، ومسلم (١٥٣٤/ ٥٧).
(١١) في الأصل، (ش): ((التمر)).
(١٢) البخاري (١٤٨٦)، ومسلم (٥٢/١٥٣٤).
(١٤) في (ش): ((التمر)).
(١٣) ليست في (ش)
(١٥) السنن الكبرى (٣٠٠/٥).
(١٧) من (ك٢، ح).
(١٦) معرفة السنن والآثار (٣٣٩٢).

=
١٣٨
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِیبِ
عن عُثمَانَ بنِ عَبدِ الله بنِ سُرَاقَةَ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: ((نَهَى رَسُولَ اللهِوَّه عن
بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى (١ تُؤْمَنَ عَلَيها١) العَاهَةُ)). قِيلَ: ومَتَى ذلك يَا أبَا عَبدِ الرَّحمَنِ؟
قالَ: ((إِذَا طَلَعَت النُّرَيًّا))(٢). قال والِدِي ◌َظْلُهُ: إسنادُه صَحِيحٌ.
■ الثّانيةُ: قَولُه: ((حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُها))؛ أي: يَظهَرَ، وهو بِلَا هَمزٍ، قال
النَّوِيُّ في ((شَرحِ مسلم)»(٣): ومِمَّا يَنبَغِي أن يُنَبَّهَ عَلَيه أنَّه يَقَعُ في كَثِيرٍ من كُتُبٍ
المُحَدِّثِينَ وغَيرِهم ((حَتَّىَّ يَبْدُوا)) بِألفٍ (٤) في الخَطِّ. وهو خَطَأٌ، والصَّوابُ حَذفُها
في مِثْلِ هَذَا لِلنَّاصِبِ، وإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في إثْبَاتِها إذَا لَم يَكُنْ نَاصِبٌ، مِثلُ: زَيدٌ
يَبْدُوا، والاختيارُ حَذفُها أيضًا.
■ الثَّالِثَةُ: فيه النَّهيُ عن بَيع الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُها، وهَذَا يَشْتَمِلُ(٥)
ثَلَاثَةَ أحوال(٦):
إحدَاها(٧): بَيْعُها بِشَرطِ القَطع، وهَذَا صَحِيحٌ، وَد حَكَى غَيرُ واحِدٍ: منهم
النَّووِيُّ(٨) الإجمَاعَ عَلَيه، فَخَصَّ النَّهيَ بِالإجمَاعِ. لَكِن ذَهَبَ ابنُ حَزمٍ
الظّاهرِيُّ(٩): إلى(١٠) مَنعِ البَيعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أيضًا، قال: ومِمَّن مَنَعَ من بَيعِ
الثَّمَرَةِ (١١ قبل بدو صلاحها جملة١١) - لَا بِشَرطِ(١٢) القطع(١٣) ولَا بِغَيرِهِ - سُفيَانُ
الثَّورِيُّ وابنُ أبِي لَیلی. انتَھَی.
وهَذَا يَقدَحُ في دَعوى الإجمَاعِ، قال أصحَابُنَا (١٤): فَلَو شَرَطَ القَطعَ، ثم
لَم يَقطَع، فَالبَيعُ بَاقٍ عَلى صِحَّتِه، ويُلزِمُه البَائِعُ بِالقَطعِ (١٢٦/٦م)، فَإن تَرَاضَيَا
(١ - ١) في (م): ((يؤمن عليه)).
(٢) في (ش): ((التريا)).
(٤) في (ش): ((بالألف)).
في (م): «أوجه)».
(٦)
شرح صحيح مسلم (١٨١/١٠)، وينظر: المغني (١٤٩/٦).
(٨)
(٩) المحلى (٨ /٤٠٦).
(١١ - ١١) في (م)، والأصل: ((بيع الثمرة مطلقًا)).
(١٢) في (ش): ((يشترط)).
(١٤) المجموع (١١٨/١١، ١١٩).
(٣) شرح صحيح مسلم (١٧٨/١٠).
(٥) في (ح): ((يشمل)).
(٧) في (ش): ((أحدها)).
(١٠) في (ش): ((على)).
(١٣) ليست في (م)، والأصل.

١٣٩
بَابُ بَيعِ الأُصُولِ والثِّمَارِ، والرُّخصَةِ في العَرَايَا
عَلى إِبقَائِهِ جَازَ. قَالُوا: وإِنَّمَا يَجُوزُ البَيعُ بِشَرطِ القَطع، إذَا كَانَ المَقْطُوعُ
مُنتَفَعًا به، فَإِن لَم تَكُن فيه مَنفَعَةٌ؛ كَالجَوزِ والكُمَّثرَى لَم يَصِحَّ بَيعُه بِشَرطِ
القَطعِ .
الحَالَةُ الثّانيةُ: بَيعُها بِشَرطِ التَّقِيَةِ، وهَذَا بَاطِلٌ بِالإجمَاعِ؛ لِنَّه رُبَّمَا تَلِفَت
الثَّمَرَةُ قَبلَ إدرَاكِها، فَيَكُونُ البَائِعُ قَد أكَلَ مَالَ أخِيهِ بِالْبَاطِلِ، كَمَا جَاءَت به
الأحَادِيثُ، فَإِذَا شَرَطَ القَطعَ فَقَد انْتَفَى هَذَا الضَّرَرُ. وعَلَّلَه الحَنَفيةُ(١): بِأنَّه شَرطُ
لَا يَقتَضِيه العَقدُ، وهو شَغلُ مِلكِ الغَيرِ، وبِأنَّه جَمع بَينَ صَفْقَتَينٍ، وهو إعَارَةٌ
أو (٢) إِجَارَةٌ فِي بَيعٍ.
الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْعُها مُطلَقًا من غَيرِ شَرطِ قَطع ولَا تَبَقِيَةٍ، ومُقتَضَى الحديثِ
في هَذِهِ الحَالَةِ البُطلَانُ، وبه قال الشَّافِعِيُّ، وأحمَدُ، وجُمهورُ العُلَمَاءِ من السَّلَفِ
والخَلفِ(٣). وذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ(٤) إلى الصِّحَّةِ، وعن مَالِكِ قَولَانِ كَالمَذهَبَينِ. قال
ابْنُ شَاسٍ في ((الجَواهرِ))(٥): سَبَبُهمَا الخِلَافُ في إطلاقِ العَقدِ هَل يَقْتَضِي التَّقِيَةَ؛
فَيَبطُلُ كَمَا في اشتِرَاطِها، أو القَطعَ؛ فَيَصِحُ كَاشِتِرَاطِه، والأولُ رَأْيُ الْبَغْدَادِيِّينَ في
حِكَايَتِهم عن المَذهَبِ، وتَابَعَهم عَلَيه الشَّيخُ أبو مُحَمَّدٍ (٦)، وأبو إسحَاقَ
التُّونِسِيُّ(٧)، ومَن وافَقَهمَا من المُتَأْخِّرِينَ.
(٢)
(١) الهداية (٢٥/٣، ٢٦).
(٣)
في (ش): ((و)).
ينظر: المجموع (١٢٠/١١)، والمغني (١٤٩/٦).
(٤)
(٥)
المبسوط (١٦٥/١٢).
(٦) هو: أبو محمد، عبد الله بن أبي زيد، القيرواني، المالكي، مالكٌ الصغير، الفقيه
القدوة، عالم أهل المغرب، صاحب الرسالة التي اشتهرت حتى كتبت بماء الذهب،
أحد من برز في العلم والعمل، وهو الذي لخّص المذهب، وملأ الدنيا بتواليفه. ترتيب
المدارك (٤/ ٤٩٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/١٧).
(٧) هو: إبراهيم بن حسن بن إسحاق، أبو إسحاق التونسي، فقيه وأصولي مالكي، كان
جليلًا، فاضلًا، إمامًا، متبتلًا، تفقه به جماعة من الإفريقيين، كان مدرسًا بالقيروان، له
تعليقة على المدونة، وتعليقة على كتاب ابن المؤّاز، توفي سنة (٤٤٣هـ). ترتيب المدارك
(٧٧٦/٢).

=
M
١٤٠
طرح التثريب في شَرْحِ التَّقْرِيبِ
والثَّاني هو ظَاهرُ الكِتَابِ؛ أي: ((المُدَونَةِ))، عِندَ أبِي القَاسِمِ بنِ مُحرِزٍ(١)،
وأبِي الحَسَنِ اللخمِيِّ (٢)، ومَن وافَقَهمَا من المُتَأْخِّرِينَ، استِقِرَاءً من قَولِهِ فِي كِتَابٍ
((البُيُوعِ الفَاسِدَةِ))، فيمَن اشتَرَى ثَمَرَةَ نَخْلِ قَبَلَ أن يَبْدُو صَلَاحُها فَجَذَّها(٣) قَبَلَ بُدُوِّ
الصَّلَاحِ(٤): البَيعُ جَائِزٌ إِذَا لَم يَكُن في أصلِ البَيعِ(٥)، شَرطَ(٦) أن يَترُكَها حَتَّى
يَبدُو صَلَاحُها. ووجه هَذَا [٩٩/٢ظ] القَولِ: صَرفُ الإطلَاقِ إلى العُرفِ الشَّرعِيِّ،
كَمَا بَعدَ الزَّهوِ، ولِأَنَّ التَّقِيَةَ انتِفَاعٌ بِمِلكٍ(٧) آخَرَ لَم يُشتَرَط، ولَم يَقَعِ البَيعُ عَلَيه.
انتَھَی .
وأجَابَ الحَنَفيةُ عن هَذَا الحديثِ بِجَوابَينٍ :
أحَدُهمَا: أنَّ المُرَادَ به بَيعُ الثِّمَارِ قَبلَ أن تُوجَدَ وتُخلَقَ، فَهو كَالحديثِ
الوارِدِ في النَّهي عن بَيعِ السِّنينَ (٨)؛ وهَذَا مُخَالِفٌ لِتَفسِيرِهِ بُدُو الصَّلَاحِ في
الحديثِ؛ بِأنَّه خُمرَتُه وصُفرَتُه، وبِأَنَّه صَلَاحُه لِلأكلِ منه، وبِأنَّه ذَهابُ عَاهَتِهِ،
وبِأنَّ ذلك عِندَ طُلُوعِ الثُّرَيًّا؛ أي: مُقَارِنَةً(٩) لِلفَجرِ؛ ورُوِيَ عن عَطَاءٍ، عن
أبِي هرَيرَةَ مَرُفُوعًا: ((إِذَا طَلَعَ النَّجمُ صَبَاحًا رُفِعَتِ العَاهَةُ عن أهلِ البَلَدِ))(١٠).
والنَّجمُ الثُّرَيًّا، والمُرَادُ، كَمَا قال بَعضُهم، في الحِجَازِ خَاصَّةً، لِشِدَّةِ حَرِّه.
(١) في (ش): ((محزر))، وهو: عبد الرحمن بن محرز، أبو القاسم القيرواني، المالكي،
العالم، المحدث، الجليل، ألّف: ((التبصرة))، و((القصد))، و((الإيجاز))، ((تعليقات على
المدونة))؛ توفي سنة (٤٥٠هـ). التعديل والتجريح للباجي (٧٤/١).
(٢) هو: علي بن المفضل بن علي، شرف الدين، أبو الحسن اللخمي، ثم الإسكندراني،
الإمام، المفتي، الفقيه المالكي، رحل وسمع الكثير عن السلفي وغيره، وله التصانيف
الحسان، توفي سنة (٦١١هـ). العبر (٣٨/٥)، وشذرات الذهب (٤٧/٥).
(٤) المدونة (١٨٨/٣).
(٣)
في (ش): «فحدها)).
(٦) في الأصل، (ح): ((بشرط)).
في (م): ((بیع)).
(٥)
في (ش): ((تملك)).
(٧)
في (ش): ((السنتين))، والحديث أخرجه مسلم (٨٥/١٥٣٦)، وأبو داود (٣٣٧٤)،
(٨)
والترمذي (١٣١٣)، والنسائي (٤٦٤٠)، وابن ماجه (٢٢١٨).
(٩) في (ش): ((مقاربة)).
(١٠) أخرجه أحمد (٣٤١/٢)، والبزار (٩٢٩٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار
(٢٢٨٢).